اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الرعد (12) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الرعد (12) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
بيّن الله سبحانه أن الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم هو تبليغ الإسلام وأحكام الرسالة، وأنه لا يلزمه حصول الإجابة من الكفار، وأن المحاسبة أو العذاب إنما هو على الله سبحانه، وقد بين الله ما وعد من قهر المشركين أنه قد ظهر، وذلك بنقصان بلاد الكفر بلدة بلدة لصالح الإسلام والمسلمين، والله يحكم ما يشاء في خلقه يرفع هذا ويضع هذا لا معقب لحكمه، فمهما مكر المشركون فإن عاقبة مكرهم البوار، وسيعلم الكفار عقبى الدار.
اهتمام السور المكية بمعالجة أمور العقيدة
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وها نحن مع سورة الرعد أو مع خاتمتها وهي مكية، أي: نزلت بمكة على الصحيح، والمكيات من السور التي تعالج العقيدة بأعظم أركانها ألا وهو التوحيد، والنبوة المحمدية، والبعث الآخر.وهذا من أجل أن يعبد الله وحده بما شرع، إذ ما خلق الخلق إلا من أجل أن يُعبد، فمن هنا أرسل رسوله وأنزل كتابه من أجل أن يعبد وحده، ولا يعبد معه سواه، وهو معنى لا إله إلا الله، فلا يوجد من يستحق أن يعبد إلا الله، وأنواع العبادة التي تعبدنا الله بها حواها كتابه، وبينتها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.ومن أظهرها وأبرزها:
 الحلف بغير الله
أيضاً: الحلف، الحلف بغير الله شرك وكفر، والله العظيم، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ).ومرة قال: ( فقد كفر )، والشرك والكفر ظاهران.غطيت ربك وكفرته، ولم تر إلا هذا الذي حلفت به، هذا هو الكفر، فالكفر هو التغطية والجحود، وأنت ما رأيت ربك، ولا آمنت به فحلفت بغيره، فهذا كفر، فالحلف تعظيم للمحلوف به.إذاً: عندما تقول: أحلف بسيدي فلان، فهذا يعني تعظيمه وإجلاله وإكباره، والعظمة والكبرياء والإجلال لله وحده، فأنت إذا حلفت بغير الله فذاك المحلوف به جعلته مع الله، وأعطيته من حق الله. أي: من عظمة الله وإجلاله.إذاً: السور المكية تعالج العقيدة، وتعالج أعظم أركانها وهو التوحيد، كلمة لا إله إلا الله، وإثبات الرسالة والنبوة لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر، والحياة الثانية، إذ هذه الحياة حياة عمل، ولا جزاء فيها لأحد، والحياة الثانية حياة جزاء. كل عمل عمله ابن آدم هنا يجزى به هناك، وكأننا في مصنع نشتغل ثم إذا تم الشغل نأخذ أجورنا. كأننا مرتبطين بعمل فلما فرغنا بعد شهر أو شهرين أو سنة أعطينا أجورنا، فالدنيا هكذا: دار عمل، والجزاء ليس هنا وإنما في الدار الآخرة بعد إفناء هذه وإبادتها وإهلاكها. وهناك عالم آخر علوي في السموات السبع، وعالم سفلي في الأرضين السبع، جنة ونار، ويتم الجزاء كذلك. إذاً: من آمن هذا الإيمان وأيقن لا يستطيع أن يشرك بربه أبداً، بل ولا يستطيع أن يعصي ربه لا في أمر يتركه ولا في نهي يفعله! ومن لم يعرف الله ولم يؤمن به فهو ميت كافر، لا خير فيه أبداً، ومصيره عالم الشقاء؛ جهنم وبئس المصير. ومن كان يتخبط: يعصي مرة ويطيع أخرى، فعلّة ذلك ضعف إيمانه؛ ما قوى إيمانه قوة حتى يصبح لا يستطيع أن يعصي الله، ما يقدر أبداً، فيرضى أن يقتل ويصلب ولا يكفر بالله، ولا يخرج عن طاعته.فمن هنا كان اجتماع المؤمنين على كتاب الله في بيوت الله ما هو إلا زيادة في إيمانهم وتقويته؛ ليستقيموا خارج المسجد على طاعة الله وطاعة رسوله. هذا سر اجتماع المؤمنين في بيوت الله على كتاب الله، وقد سمعتم الوعد الإلهي: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم )، ماذا لهم؟ أعظم جزاء وأعظم عطاء.قال: ( إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). فلهذا اجتمعنا، فهيا بنا نصغِ مستمعين إلى هذه الآيات الثلاث آخر ما عندنا في سورة الرعد ثم نتدارسها إن شاء الله.
تفسير قوله تعالى: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)
قال تعالى: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد:40-43].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]. وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ [الرعد:40]، يا طلبة العلم! هذه الميم مزيدة الأصل: وإن نرينك، فزيدت الميم في مثل هذا الموطن لتقوية الأسلوب والكلام؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة في المعنى. وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ [الرعد:40] يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد:40]، من ألوان العذاب والشقاء والبلاء، بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد:40]، كما أراه ما أصاب أهل بدرٍ، إذ هلك منهم سبعون صنديداً، وأسر سبعون، وكما أراه القحط والجدب الذي أصابهم سبع سنوات.على كل يخبره تعالى بذلك؛ ليحمله على الصبر والثبات، وعدم الجزع، وعدم التأخر عن دعوة الله. وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرعد:40] لا كله أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [الرعد:40]، أي: نميتك قبل أن ينزل بهم ما وعدنا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد:40]، فلا تحزن، ولا تأسَ، فقد بلّغت وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]، فسوف نحاسبهم ونجزيهم بما هم أهله.هذه الجملة تسلية لرسول الله، وحمله على الصبر والثبات، وفي نفس الوقت يخبره بأن المشركين كالمؤمنين يعرفون ما يتم بعد ذلك.هكذا يقول تعالى مخاطباً مصطفاه ورسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]، فلا تكرب، ولا تحزن.
 الحلف بغير الله
أيضاً: الحلف، الحلف بغير الله شرك وكفر، والله العظيم، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ).ومرة قال: ( فقد كفر )، والشرك والكفر ظاهران.غطيت ربك وكفرته، ولم تر إلا هذا الذي حلفت به، هذا هو الكفر، فالكفر هو التغطية والجحود، وأنت ما رأيت ربك، ولا آمنت به فحلفت بغيره، فهذا كفر، فالحلف تعظيم للمحلوف به.إذاً: عندما تقول: أحلف بسيدي فلان، فهذا يعني تعظيمه وإجلاله وإكباره، والعظمة والكبرياء والإجلال لله وحده، فأنت إذا حلفت بغير الله فذاك المحلوف به جعلته مع الله، وأعطيته من حق الله. أي: من عظمة الله وإجلاله.إذاً: السور المكية تعالج العقيدة، وتعالج أعظم أركانها وهو التوحيد، كلمة لا إله إلا الله، وإثبات الرسالة والنبوة لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر، والحياة الثانية، إذ هذه الحياة حياة عمل، ولا جزاء فيها لأحد، والحياة الثانية حياة جزاء. كل عمل عمله ابن آدم هنا يجزى به هناك، وكأننا في مصنع نشتغل ثم إذا تم الشغل نأخذ أجورنا. كأننا مرتبطين بعمل فلما فرغنا بعد شهر أو شهرين أو سنة أعطينا أجورنا، فالدنيا هكذا: دار عمل، والجزاء ليس هنا وإنما في الدار الآخرة بعد إفناء هذه وإبادتها وإهلاكها. وهناك عالم آخر علوي في السموات السبع، وعالم سفلي في الأرضين السبع، جنة ونار، ويتم الجزاء كذلك. إذاً: من آمن هذا الإيمان وأيقن لا يستطيع أن يشرك بربه أبداً، بل ولا يستطيع أن يعصي ربه لا في أمر يتركه ولا في نهي يفعله! ومن لم يعرف الله ولم يؤمن به فهو ميت كافر، لا خير فيه أبداً، ومصيره عالم الشقاء؛ جهنم وبئس المصير. ومن كان يتخبط: يعصي مرة ويطيع أخرى، فعلّة ذلك ضعف إيمانه؛ ما قوى إيمانه قوة حتى يصبح لا يستطيع أن يعصي الله، ما يقدر أبداً، فيرضى أن يقتل ويصلب ولا يكفر بالله، ولا يخرج عن طاعته.فمن هنا كان اجتماع المؤمنين على كتاب الله في بيوت الله ما هو إلا زيادة في إيمانهم وتقويته؛ ليستقيموا خارج المسجد على طاعة الله وطاعة رسوله. هذا سر اجتماع المؤمنين في بيوت الله على كتاب الله، وقد سمعتم الوعد الإلهي: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم )، ماذا لهم؟ أعظم جزاء وأعظم عطاء.قال: ( إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). فلهذا اجتمعنا، فهيا بنا نصغِ مستمعين إلى هذه الآيات الثلاث آخر ما عندنا في سورة الرعد ثم نتدارسها إن شاء الله.
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها...)
الآية الثانية: قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41]. أَوَلَمْ يَرَوْا [الرعد:41]، أي: المشركون الكافرون وأيضاً المؤمنون.
 معنى قوله تعالى: (والله يحكم لا معقب لحكمه ...)
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، إذا حكم فليس هناك من يعقب على حكمه ويبطله، مستحيل. الحاكم يصدر حكماً وقد يعقب عليه آخر ويبطله، لكن الله إذا حكم فلا معقب لحكمه، هكذا تعالى يقول: وَاللَّهُ يَحْكُمُ [الرعد:41] دائماً وأبداً لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41]، يقول للشيء كن فيكون، إذا أراد أن يهدم بلداً فبكلمة (كن) تتحول إلى بخار. وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41]، أي: الجزاء، يحاسب ويجزي على العمل، فلا تقل: كيف يجزي هذه البشرية، وهم بلايين البشر، فكل واحد مذنب، فالله سريع الحساب، ويكفيك أنه يقول للشيء: كن، فيكون.
تفسير قوله تعالى: (وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً...)
الآية الثالثة: يقول الله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42].قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد:42]، أي: من قبل كفار قريش والمشركين والكافرين في كل بلد، من كفر من قبلهم من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم لوط، وقوم موسى، وقوم.. وقوم.. كلهم كفروا ومكروا. وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد:42]، برسل الله وأنبيائه وأوليائه حفاظاً على دينهم الباطل، وعلى معتقداتهم الفاسدة، وعلى دنياهم الهابطة. فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا [الرعد:42]، فهو خالقهم، أنت مكرت، الله خالقك وخالق عقلك ويديك ورجليك، فكيف يخاف الله مكر الماكرين؟ لا قيمة لمكرهم.هم يمكرون بالإسلام والمسلمين، ولكن الله عز وجل يمكر بهم، يصرف ذلك المكر ويبطله، إذ هو قادر على أن يبطل وجودهم فضلاً عن مكرهم، فعليه توكلوا واثبتوا يا رسولنا والمؤمنين! لا تخافوا مكرهم، ولا تكربوا له. وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الرعد:42]، فكيف كان مصيرهم؟ الدمار والخراب، أمم وشعوب.ومعنى هذا: توكل على الله، واستمسك بحبله، واصبر حتى ينصرك الله، وينصر دعوتك التي تدعو إليها.
 معنى قوله تعالى: (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار)
قوله: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ [الرعد:42]، جمع كافر، وفي قراءة سبعية (سيعلم الكافر)، أي: أبو جهل، والعياذ بالله. وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42]، الدار الآخرة لمن؟ لأهل جهنم والخلد فيها، أو لأهل الجنة والنعيم فيها؟متى يعرفون هذه الحقيقة؟ لما يموتون وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42]، الدار الآخرة من ينجح فيها ويكسب ويفوز، ومن يخسر فيها ويهلك ويضيع.سيعلمون، والله ليعلمون، الذي يموت تلك الساعة يعرف، فما من عبد يموت ويدخل في قبره أو تخرج روحه إلا وعرف عقبى الدار لمن، لأهل الإيمان والعمل الصالح؟ لأهل التوحيد والطاعة الإلهية أو لأهل الشرك والكفر والمعاصي؟! وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42]، قلت لكم: يعلمون بعد موتهم، ويعلمون بعد بعثهم، ومحاسباتهم، ثم الجزاء بالجحيم المقيم وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:42]، لهم أو للمؤمنين، للموحدين أو المشركين، للساقطين أو الهابطين أو المرتفعين السامين بتوحيد الله وعبادته وحده دون من سواه.فهذا كلام الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ...)
الآية الرابعة: يقول الله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد:43].
 الاجتماع حول الكتاب والسنة هو طريق الاستقامة والكمال
عرفتم هذا القرآن؟ هذا يقرأ على الموتى؟! أسألكم بالله ماذا يستفيد الموتى منه؟حجبونا عن تلاوته ودراسته، فيجب أن ندرسه في بيوت ربنا طول العام، وكم وكم قررت، وقلت، وكتبت، وبكيت، وكأني مع القائل:لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تناديوالله الذي لا إله غيره لا تزول هذه الكروب، وهذه الهموم والغموم، وهذه الفتن، وهذه المظالم، وهذه الشرور والمفاسد والله لا تزول إلا بالعودة إلى كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم عملاً وتطبيقاً.والطريق سهل ميسور، لا يحملك على أن تحمل السلاح وتفجر القذائف أبداً في الأرض، بل حاول وابذل جهدك في أن أهل قريتك أو حيك يجتمعون كل ليلة بعد صلاة المغرب اجتماعنا هذا طول العام. إذا دقت الساعة السادسة أغلقت المصانع.. المعامل.. البيوت.. المتاجر، وجاء أهل القرية أو المدينة إلى بيت ربهم، يجلسون جلوسنا هذا، ويدرسون دراستنا هذا، ليلة آية، وليلة حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.أسألكم بالله بعد سنة واحدة هل يبقى في القرية فاسق أو ظالم أو فاجر؟ والله ما يبقى، فهذه سنة الله عز وجل. أليس الطعام يشبع؟ أليس الماء يروي؟ أليس الحديد يقطع؟ أليست النار تحرق؟ سنن لا تتبدل، فعلم الكتاب والسنة يطهر النفس، ويزكي الروح، وصاحبها لا يقوى على أن يظلم أو يعتدي.وإذا استقامت الأمة في قراها ومدنها قيض الله لها من يسوسوها ويسودها منهم ممن تخرجوا على كتاب الله ووحي رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنتهي المفاسد والمظالم والشرور والأباطيل.ما استطاع عالم واحد ولا حاكم ولا ولي يقول: هيا عباد الله! نعُدْ إلى هدي الله، إلى هدي رسول الله؟ما المانع؟ ما زلت أقول: النصارى الذين اقتدينا بهم ومشينا وراءهم وسلكنا مسلكهم في هذه الحياة الدنيا، إذا دقت الساعة السادسة في باريس أو في برلين أو في غيرها وقف العمل تماماً، يحملون أطفالهم ونساءهم إلى المقاصف للهو والملاعب والملاهي، يمكثون ساعتين أو ثلاث ساعات من الليل، ونحن نعجز إذا دقت الساعة السادسة أن ننتقل إلى مسجدنا في حينا أو قريتنا فنصلي المغرب، ونجتمع على آية وحديث طول العمر.أقسم بالله لا طريق لسعادة هذه الأمة وعودتها إلى كمالها إلا بهذا العلم الرباني، فعندما تستقيم الأمة لا خيانة، لا غش، لا كذب، لا باطل، لا زور، لا معصية لا كذا.. لا بد وأن يقودها الله إلى دار السلام.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير
الآن نقرأ شرح الآيات من التفسير؛ لتزدادوا علماً ويقيناً إن شاء الله.
 هداية الآيات
معاشر المستمعين! لهذه الآيات هدايات فلنتأمل من أين استنبطناها؟ قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: انتصار الإسلام وانتشاره في ظرف ربع قرن أكبر دليل على أنه حق. ثانياً: أحكام الله تعالى لا ترد، ولا يجوز طلب الاستئناف على حكم من أحكام الله تعالى في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ]. فإذا حكم الله وحكم رسوله فلا معقب لحكمهما أبداً، ولا استئناف في حال من الأحوال، والآية صريحة: (( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ))[الرعد:41]؛ لأنه أعلم وأحكم وأبر وأرحم ممن جاء يعقب.[ ثالثاً: شهادة الله أعظم شهادة] أنت تقبل الآن شهادة أي مؤمن فكيف إذا كانت شهادة اثنين، فكيف إذا كانت الأمة كلها شهدت؟ وشهادة الله أكبر من ذلك؛ لأنه خالق القلوب والألسن ومنطقها، فإذا شهد الله فلا قيمة لشهادة غيره [ شهادة الله أعظم شهادة فلا تطلب بعدها شهادة إذا كان الخصام بين مؤمنين]. أي: إذا كانت الخصومة بين المؤمنين وحكم الله فلا يحل لنا أن ننقض هذا الحكم.[ رابعاً: فضل العالم على الجاهل إذ شهادة مؤمني أهل الكتاب تقوم بها الحجة على من لا علم لهم من المشركين ]. من أين استنبطنا هذا؟الجواب: من قوله تعالى: (( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ))[الرعد:43]، فأهل القرآن كأهل التوراة، كأهل الإنجيل: أهل كتاب، شهادتهم أعظم شهادة وتقبل، أما الجهلة والكفرة والذين لا دين لهم ولا كتاب فلا شهادة لهم.والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الرعد (12) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net