اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 100 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 100 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
غزوة حنين إحدى الغزوات التي ظفر المسلمون فيها بأموال وغنائم لم يسبق لها مثيل، وكان الداخلون في الإسلام لهم النصيب الأكبر من تلك الغنائم ليتألفوا على الإسلام، وقد ظهر في هذه الحادثة كرم النبي صلى الله عليه وسلم وعطاءه الجزيل، كما ظهرت مواقف من حديثي الإسلام ومن بعض الأنصار احتجاجاً على القسمة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته ألف بين القلوب وجمعها ووحدها، وبيّن مقاصده وأهدافه من كل ذلك حتى رضي الجميع.
قسمة غنائم حنين
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فقد انتهى بنا الدرس إلى [قسمة غنائم حنين] وحنين وادٍ دارت فيه غزوة من أجلّ وأعظم الغزوات، وقبلها غزوة أوطاس، وتم هذا بعد أن فتح الله تعالى على رسوله والمؤمنين مكة، وذلكم سنة ثمان من الهجرة النبوية الشريفة، ولما فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلم مكة بلغه أن هوازن وثقيفاً يتجمعون لحربه، وبالفعل تجمعوا وعزموا، فما كان منه إلا أن خرج إليهم في اثني عشر ألف مقاتل، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار الذين فتحوا مكة بإذن الله تعالى وألفان من مسلمة الفتح.وانتهت المعارك -وها نحن مع قسمة الغنائم- بعد أن حصلت هزيمة مرة سببها ضعفنا، ولكن الله عز وجل استجاب لرسوله وأنزل عليه ملائكته، وما هي إلا جولة وإذا بالمشركين ونسائهم وأطفالهم وأموالهم تحت إمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ولما رحل صلى الله عليه وسلم من الطائف] إذ حاصرها مدة شهر تقريباً وما استطاع أن يدخلها، فعزم على العودة إلى المدينة العاصمة، والله يتولى أمر ثقيف، وفي طريق عودته قالوا له: ادع يا رسول الله عليهم، فقال: ( اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم )، فما هي إلا فترة حتى جاء وفد ثقيف في رمضان من السنة التاسعة إلى المدينة مقدماً مفاتيح البلاد وأهلها؛ وهذه استجابة الله لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم.قال: [أتى الجعرانة] وهو مكان بين مكة والطائف، ولكنه أقرب إلى مكة، خارج الحرم، فلهذا يجوز أن تحرم منه يا طائفي ولا حرج؛ لأنه خارج الحرم بمسافة قليلة. والجعران والجعرانة لغات [حيث إن المال والسبي محبوسان بها] كلما حصل انتصار وأسر الرسول صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والمال بعث به إلى الجعرانة ليحبس هناك، حتى تنتهي المعارك ثم يأتي ويقسم، وهذا من كمال رشده وعظيم سياسته فصلوا عليه وسلموا تسليماً.[وقبل الشروع في قسمة الغنائم، جاء وفد هوازن يعلن إسلامه] جاء وفد من قبيلة هوازن يعلن إسلامه، فما بعد الهزيمة من أمل في أن ينتصروا؛ إذاً فليسلموا أولى لهم [ويطلب سبيه وأمواله] جاء هذا الوفد يعلن أولاً عن إسلامه، ثم يطلب من رسول الله أن يعطيه السلب الذي سلبه من الأموال والنساء والأولاد [فقالوا] أي: رجال الوفد [يا رسول الله! إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك؛ فامنن علينا منّ الله عليك] وهذا تلطف في الطلب ليس فيه عنترية وإنما لين وانكسار. وكأنهم درسوا العلم عشرين سنة في المسجد النبوي، كيف يعرفون هذا؟!قال: [وقام زهير المكنى بـأبي صرد ] وزهير من رجالاتهم يكنى بـأبي صرد [فقال: يا رسول الله! إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يكفلنك] يعني: أيام كنت طفلاً في حجر السيدة حليمة المرضعة [ولو أنا ملحنا -أي: أرضعنا- للحارث بن أبي شمر ، أو للنعمان بن المنذر ، ثم نزل منا مثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين].قال: لو تم الذي تم لنا معك مع الحارث بن أبي شمر -وكان ملكاً للعرب في الشام من الغساسنة- أو النعمان بن المنذر يمنون علينا ويعطونا أسرانا وأموالنا.[وأنشد يقول:امنن علينا رسول الله في كرمفإنك المرء نرجوه وندخرامنن على نسوة قد عاقها قدرممزق شملها في دهرها غيروعندئذ] عندما تم هذا العرض والطلب والتلطف [خيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائهم وأبنائهم، وأموالهم فاختاروا نساءهم وأبناءهم] خيرهم بين أن يأخذوا النساء والأولاد ويتركوا الأموال، أو يأخذوا الأموال ويتركوا النساء والأولاد.[فقال صلى الله عليه وسلم: ( أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم )] هذا الكرم المحمدي.. أي: ما كان من نصيبي ونصيب بني عبد المطلب فهو لكم، أموال أو نساء أو أطفال؛ إذ هذا نملكه نحن [ثم قال: ( فإذا صليت بالناس )] أي: انتظروا إلى حين وقت الصلاة [( فإذا صليت بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم وأسأل لكم )].علمهم كيف يطلبون، فقال: الآن تقوم الصلاة، فإذا فرغنا فلتقوموا ولتقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مالنا وأبنائنا ونسائنا، وسأعطيكم وأسأل لكم.قال: [فلما صلى الظهر بالناس، فعلوا ما أمرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم )، وقال المهاجرون والأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله] هل هذه المواقف يقفها البشر اليوم أو قبل اليوم؟!![وقال الأقرع بن حابس ] وهذا عفريت من العفاريت [ما كان لي ولبني تميم فلا] أي: ما كان من نصيبي أنا من قسمة الغنائم ولبني تميم فلا نعطيه، لا مال ولا نساء ولا أطفال [وقال عيينة بن حصن ] وهذا مثله أو أشد منه [ما كان لي ولفزارة فلا] أناس شحاح لا يأتسون برسول الله صلى الله عليه وسلم! فليسوا من المهاجرين والأنصار، ولكن أسلموا بالأمس خوفاً، فما تربوا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فلهذا والواقع -والله- شاهد أن الذين لا يتربون في حجور الصالحين تزل أقدامهم وعقولهم وأفكارهم، أحببنا ذلك أم كرهناه.واستطراداً: أرسل لي بالأمس أحد الأبناء خطاباً يلومني فيه ويشنع أيضاً ويجهل بخصوص الكلمة التي كتبناها عن ما يعرف بالاستشهاد والانتحار. ووالله يا بني! أقسم لك بالله ما علمت ولا أنت على علم ومعرفة؛ والعلة هي عدم البصيرة.والشاهد عندنا ما قالاه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، فعندما كانا متجبرين مدعين كل شيء لم يستطيعا أن يقولا أكثر مما قالا، بخلاف المهاجرين والأنصار الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة اثنين وعشرين سنة.قال: [وقال عباس بن مرداس : ما كان لي ولسليم فلا] أي: ما كان لي ولبني سليم ليس فيه قسمة ولا نعطيه [فقال بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم] وقطعوا لسانه [فقال عباس : وهنتموني!!] أي: أصبتوني بالوهن والإهانة.[فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تمسك بحقه من السبي، فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم )] يعني: الذي يتنازل الآن عن ماله فسوف يحصل من أول غنيمة نغنمها ست فرائض، أي: ستة أسهم، وهذا وعد صدق منه صلى الله عليه وسلم، فقد رغبهم بالفعل ووعدهم بأكثر مما أُخذ منهم. ‏
 موجدة الأنصار
قال: [موجدة الأنصار] لا يخرج الرسول من محنة حتى تأتي أخرى، وهذا شأن أولياء الله، فحتى الأنصار وُجد فيهم من يبكي ويقول: لماذا لا يعطينا وقد أعطى فلاناً وفلاناً.[ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من أموال لقبائل قريش وهوازن وتميم، ولم يعط الأنصار شيئاً وجدوا في أنفسهم] وهذا أمر فطري لا بد منه، لكن لا يتكلم ويقول: لماذا؟ أما كونه يجد في نفسه فلا بأس [حتى قال قائل منهم: لقي رسول الله قومه!!] يعني: كان شارداً منهم وهم بعيدون، والآن وجدهم ولقيهم فأعطاهم، وهذا لعله من مسلمة العهد الجديد.[وأخبر سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك] يعني المقالة كانت فيما بينهم.إذاً: سعد بن عبادة من خيرة الأنصار، فقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.[فقال له: ( فأين أنت يا سعد ؟! قال: أنا من قومي. قال: فاجمع قومك لي. فجمعهم فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وفقراء فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل. فقال: ألا تجيبوني؟ قالوا: بماذا نجيبك؟ فقال: والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك)] لا إله إلا الله! يعلمهم عن نفسه.ثم قال: [(أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا)] واللعاعة: ورقة من الشجر الأخضر لا تزن شيئاً [( تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتم إلى إسلامكم، والذي نفسي بيده! لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم! ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم بالدموع. وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً وتفرقوا فعادوا إلى رحالهم )] من يطيق موقفاً مثل هذا.. من يقدر عليه؟هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جهله العالم ولم يعرفه!
اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم بعد قسمة غنائم حنين
قال: [واعتمر الحبيب] بعد نهاية الجهاد ومعاركه [وكان شهر القعدة قد دخل] لأن الرسول غزا مكة في رمضان، والقتال في الطائف كان في شوال [فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه من الجعرانة، وأمر ببقايا الفيء فسيقت إلى مجنة فحبست بها وهي بناحية مر الظهران] على طريق المدينة [ودخل مكة ملبياً بعمرة فطاف وسعى وحلق وتحلل واستخلف على مكة عتاب بن أسيد ] جعله حاكماً [وجعل له راتباً هو درهم كل يوم] مثل ريال كل يوم، يعني ثلاثون ريالاً شهرياً [وخلف معه معاذ بن جبل يعلم الناس الدين ويفقههم فيه] وهذه سياسة الرشد. أما نحن عندما نستقل لا نعرف جانب الدين أبداً، إلا الوزارات والحكومات؛ لأننا ما عرفنا هذا، ولكن لما استقلت مكة ولى عليها النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أعطاه درهماً حتى لا يمد يده، ولا يرغب في أحد، ونصب معاذ بن جبل ليُعلم ويفقه في الدين، وهذا هو التوازن، أما نحن فلدينا عشرون وزارة، ليس منها وزارة تقوم بالدعوة إلى الله، ولهذا لصقنا بالأرض!قال: [وخطب عتاب الناس] هذا الوالي العام في مكة [فقال: أيها الناس! أجاع الله كبد من جاع على درهم] دعا على نفسه. يعني: إذا كان هذا الدرهم لا يشبعني فاللهم لا تشبعني. لا إله إلا الله! لم أعلن هذه؟ قال: [فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهماً كل يوم فليست بي حاجة إلى أحد] أي: فلست في حاجة إلى أحد من أهل مكة. اكتفاء بهذا الراتب وهو درهم واحد.قال: [وعاد الحبيب صلى الله عليه وسلم بأصحابه من المهاجرين والأنصار إلى المدينة فوصلها لست ليالٍ بقين من ذي القعدة.وبقي أهل الطائف على شركهم إلى شهر رمضان من سنة تسع من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم] ثم جاء وفدهم يعلن إسلامهم.
 موجدة الأنصار
قال: [موجدة الأنصار] لا يخرج الرسول من محنة حتى تأتي أخرى، وهذا شأن أولياء الله، فحتى الأنصار وُجد فيهم من يبكي ويقول: لماذا لا يعطينا وقد أعطى فلاناً وفلاناً.[ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من أموال لقبائل قريش وهوازن وتميم، ولم يعط الأنصار شيئاً وجدوا في أنفسهم] وهذا أمر فطري لا بد منه، لكن لا يتكلم ويقول: لماذا؟ أما كونه يجد في نفسه فلا بأس [حتى قال قائل منهم: لقي رسول الله قومه!!] يعني: كان شارداً منهم وهم بعيدون، والآن وجدهم ولقيهم فأعطاهم، وهذا لعله من مسلمة العهد الجديد.[وأخبر سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك] يعني المقالة كانت فيما بينهم.إذاً: سعد بن عبادة من خيرة الأنصار، فقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.[فقال له: ( فأين أنت يا سعد ؟! قال: أنا من قومي. قال: فاجمع قومك لي. فجمعهم فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وفقراء فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل. فقال: ألا تجيبوني؟ قالوا: بماذا نجيبك؟ فقال: والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك)] لا إله إلا الله! يعلمهم عن نفسه.ثم قال: [(أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا)] واللعاعة: ورقة من الشجر الأخضر لا تزن شيئاً [( تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتم إلى إسلامكم، والذي نفسي بيده! لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم! ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم بالدموع. وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً وتفرقوا فعادوا إلى رحالهم )] من يطيق موقفاً مثل هذا.. من يقدر عليه؟هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جهله العالم ولم يعرفه!
نتائج وعبر من قسمة غنائم حنين
قال: [نتائج وعبر:إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً هي الآتية:أولاً: لحسن القول ولطيب الكلام أثر في نفس من قيل فيه كسنة عامة قلما تتخلف]. الكلام الحسن والكلام الطيب يؤثر في نفس من قيل فيه ويقبله، ولعلنا نأخذ بهذا فلا يبقى بيننا من يسب ولا يشتم ولا يتعنتر، ولكن دائماً الكلمة الطيبة والابتسامة إن شاء الله.[ثانياً: تقرير مبدأ من طالب بمكرمة فليكن البادئ بها فإنه يعطاها] الذي يطالب بمكرمة يكون هو أول من يبدأ بذلك، وحينئذ يستجيب له الناس، والرسول بدأ بنفسه وبمال بني عبد المطلب، ثم بعد ذلك استجاب الناس له، فبدأ بنفسه أولاً.[ثالثاً: بيان جفاء وغلظة بعض الأعراب لبعدهم عن الحضارة فلم يتروضوا] لكن الآن الذي في البادية أحسن من الحاضرة، فالحواضر تمرن الناس فيها على الفسق والفجور والتلصص والكذب والخيانة، أما البادية فهم في حدودهم، ولهذا سيأتي يوماً والهجرة إلى البادية أفضل. اللهم! إلا إذا عدنا من جديد. وكيف نعود من جديد؟ نسلم قلوبنا ووجوهنا لله. وما هو الطريق؟ هل الكرباج والعصا والرشاش أم ماذا؟!الطريق هو أن نجتمع في بيوت ربنا كل ليلة بنسائنا وأطفالنا نبكي بين يدي الله ونسترحمه حتى نصلي العشاء، ثم نعود إلى بيوتنا. وهكذا .. فلا تمضي السنة إلا ونحن أولياء الله، بلا كرباج ولا حديد ولا مال ولا.. فقط بصدق الإيمان وإخلاص القلب للرب عز وجل، فتزول هذه الجفوة وهذه الغفوة ويزول هذا الضلال وهذه الماديات والشهوات العارمة، وهذا هو الحل وإلا فلننتظر.[رابعاً: بيان الكمال المحمدي في خلقه ومروءته فهو لذلك مضرب المثل، وفي القرآن الكريم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]] من استعظم هذا؟ العظيم جل جلاله.[خامساً: مظاهر الكمال المحمدي في حسن السياسة والتدبير الأمر الذي لا يجارى فيه قط] قل للساسة والسياسيين في العالم يأخذون بسياسة رسول الله، ولكنهم لا يحبونه حتى يأخذوا بسياسته إلا من رحم الله![سادساً: فضل جعيل رضي الله عنه وأرضاه] وهو الذي قال: أعطني يا رسول الله! فقال: لا أعطيك، ووكله إلى إسلامه [وهنيئاً له بما أولاه الله وشرفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم.سابعاً: فضيلة الأنصار، وبيان ما حباهم الله به من حب الحبيب صلى الله عليه وسلم، ودعائه لهم ولأبنائهم وأبناء أبنائهم وهم أهل القرون الثلاثة المفضلة، أي: الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين، وتابعوهم إلى ثلاثة قرون.ثامناً: مشروعية الاعتمار في الشهر الحرام] أي: في ذي القعدة [وبيان أن الجعرانة ليست من الحرم] وإلا كيف يحرم منها.[تاسعاً: مشروعية كفالة رزق العامل للدولة] إذا عينت الدولة عاملاً في قرية أو في بلد يجب أن تكفل له رزقاً، أو يعطه أهل البلد حتى لا يطمع فيهم. وهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عاشراً: مشروعية تولية الولاة وتعيين المعلمين والمفقهين للناس في دينهم].معاشر الإخوان! ذكّرنا أبو عبد العزيز بهذه الفرش التي رأيناها الليلة، فالمسجد كاملاً جردوه من الفرش القديمة وكسوه بفرش جديدة، من الذي تبرع بهذا؟ لو أراد العالم الإسلامي أن يجمع من الفقراء والأغنياء هل يستطيع أن يبني هذا المسجد؟ وإن فرضنا بنوه فإنهم يأخذون من الأموال أضعاف ما يبنون به، وقد عرفنا أنفسنا، إذاً لم لا ندع لخادم الحرمين على هذه الفرش؟ أليس هذا واجباً في حقنا؟! أننكر فضل المتفضلين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من لا يشكر الناس لا يشكر الله )؟!وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
 موجدة الأنصار
قال: [موجدة الأنصار] لا يخرج الرسول من محنة حتى تأتي أخرى، وهذا شأن أولياء الله، فحتى الأنصار وُجد فيهم من يبكي ويقول: لماذا لا يعطينا وقد أعطى فلاناً وفلاناً.[ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من أموال لقبائل قريش وهوازن وتميم، ولم يعط الأنصار شيئاً وجدوا في أنفسهم] وهذا أمر فطري لا بد منه، لكن لا يتكلم ويقول: لماذا؟ أما كونه يجد في نفسه فلا بأس [حتى قال قائل منهم: لقي رسول الله قومه!!] يعني: كان شارداً منهم وهم بعيدون، والآن وجدهم ولقيهم فأعطاهم، وهذا لعله من مسلمة العهد الجديد.[وأخبر سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك] يعني المقالة كانت فيما بينهم.إذاً: سعد بن عبادة من خيرة الأنصار، فقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.[فقال له: ( فأين أنت يا سعد ؟! قال: أنا من قومي. قال: فاجمع قومك لي. فجمعهم فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وفقراء فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل. فقال: ألا تجيبوني؟ قالوا: بماذا نجيبك؟ فقال: والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك)] لا إله إلا الله! يعلمهم عن نفسه.ثم قال: [(أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا)] واللعاعة: ورقة من الشجر الأخضر لا تزن شيئاً [( تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتم إلى إسلامكم، والذي نفسي بيده! لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم! ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم بالدموع. وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً وتفرقوا فعادوا إلى رحالهم )] من يطيق موقفاً مثل هذا.. من يقدر عليه؟هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جهله العالم ولم يعرفه!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 100 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net