اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 93 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 93 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
وقائع لا ينساها التاريخ ومواقف تظل شاهدة على أهلها الذين سطروا حروفاً من الوفاء والشجاعة والعفو والتسامح وقمة التعامل الحسن مع الأسرى والأعداء، تلك المبادئ هي ما حصل في فتح مكة، وتجلت الصورة أكثر فيما يحمل رسول الإنسانية والقائد العظيم من الصبر والدعوة والتأني والحكمة العظيمة التي أوتيها.
استعراض القوة للإرهاب (أثناء فتح مكة)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى [استعراض القوة للإرهاب] من فتح مكة، وقد عرفنا: أولاً: أسباب تلك الغزوة.ثانياً: التجهيز والإعداد الذي جهزه الرسول وأعده لفتح مكة.ثالثاً: المسير إلى مكة، ومشينا معهم حتى وصلنا مع قوات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مر الظهران. ولنستمع ماذا تم بعد ذلك.قال: [وأمر الحبيب صلى الله عليه وسلم العباس ] عمه، ذاك الذي هاجر والرسول في طريقه إلى مكة، فلقي الحبيب صلى الله عليه وسلم في ذي الحليفة (آبار علي ) فقال: اذهب بأهلك إلى المدينة وامش معنا للجهاد والفتح [أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم العباس أن يذهب بـأبي سفيان فيحبسه في طريق مرور الجيش الإسلامي]. قال له: يا عباس ! خذ أبا سفيان واحبسه في المكان الفلاني حتى تمر خيل الله وهو شاهد، ومن ثم ينهزم ويذهب إلى مكة يبشرهم بالفتح. وهذه سياسة حربية رشيدة امتاز بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد امتاز بكل نوع من أنواع السياسات في السلم والحرب على حد سواء، وحسبك أن تعلم أنه يتلقى معارفه من ذي العرش جل جلاله وعظم سلطانه، مدبر الكون كله.قال: [ليرى] أي: أبو سفيان [بأم عينيه قوة الإسلام والمسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: ( اذهب بـأبي سفيان فاحبسه عند خطم -أنف- الجبل بمضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله )] جيش محمد صلى الله عليه وسلم [قال العباس رضي الله عنه: فقلت: يا رسول الله! إنه يحب الفخر] لأن أبا سفيان كان رئيس البلاد وحاكمها [فاجعل له شيئاً يكون في قومه] إذاً: العباس سياسي أيضاً! أليس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويعرف طباع القوم وأخلاقهم [فقال] أي: الحبيب صلى الله عليه وسلم مستجيباً لاقتراح العباس [( فليدخل مكة وليقل )] يعلن بأعلى صوته [( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن )] أي: اهربوا أيها الظالمون لتنجوا [( ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن )].من أين هذه التعاليم؟ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومعنى هذا: أن لا تسيل الدماء ولا تزهق الأرواح، ولا يقتل أحد، وإن كان هناك قوة وقدرة، فمن الرحمة والإخاء والمودة البشرية أن نفتح باب النجاة: فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن -أي: اطرح سلاحك وادخل- ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق الباب فهو آمن، فتدخل قوات الرسول ولا تقتل أحداً. صلوا عليه وسلموا تسليماً! وقولوا: لعلمائكم وحكامكم، بل لنسائكم وأطفالكم أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم! أما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]؟ نحن لم نهبط -وقد كنا في علياء السماء- قادة وسادة إلا لأننا جهلنا الطريق إلى الله.[قال العباس : فخرجت فحبسته. أي: أوقفته عند خطم الجبل] أخذ أبا سفيان عند خطم الجبل [فمرت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم] قبيلة أسلم [فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: جهينة، فيقول: ما لي ولجهينة؟ حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء] لكثرة الحديد وظهوره فيها قيل لها: الخضراء [مع المهاجرين والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق] والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة أيام حكم الكفر والتحقوا بالمدينة؛ ليعبدوا الله بطريقة رسوله صلى الله عليه وسلم، والأنصار هم الذين كانوا بالمدينة، فنزل بينهم الرسول مهاجراً فآووه ونصروه.قال: [فقال: من هؤلاء، فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً] مازال مادياً رضي الله عنه. لما شاهد القوات وما عليها من السلاح، قال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً [فقلت] أي: العباس [ويحك إنها النبوة] أي: ليس الملُك ولا أوساخ الدنيا هذه وإنما النبوة الإلهية [فقال: نعم إذن] تراجع أبو سفيان [فقلت: الحق بقومك سريعاً]. أصبح العباس قائداً لـأبي سفيان ، قال له: الحق بقومك سريعاً [فحذرهم] من حمل السلاح أو مواجهة جيش الإسلام.قال: [فخرج حتى أتى مكة ومعه حكيم بن حزام ، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به] إي والله! [فقالوا: فمه؟] أي: ماذا نفعل؟ [قال: من دخل داري فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. ثم قال: يا معشر قريش! أسلموا تسلموا] أي: أسلموا قلوبكم ووجوهكم لله تسلموا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.[فأقبلت امرأته هند ] وهذه زعيمة، لو تجمع نساء العالم اليوم -والله- ما كن هنداً في فهمها وقدرتها على التصرف وحكمتها، علماً بأنها ليست جامعية؛ لا تحمل دكتوراه ولا ماجستير، ويكفي أنها تعلمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم [فأخذت بلحيته] إذاً: أبو سفيان كان عنده لحية! وفرعون مصر كانت له لحية أيضاً! والبشرية كلها كانت بلحاها؛ لأن هذا يميز بين الذكر والأنثى، بين الفحل وأنثاه، ولا غرابة ولا عجب في ذلك، فهذه هي الفطرة. لم رزقنا الله لحية ولو شاء لجعلنا كلنا مرداً كالنساء؟! هذا من النظام الحكيم، لكي لا يصبح الرجل كالمرأة، فليس بمعقول![وقالت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ الأحمق] لأنه جاء بجيش العدو [فقال: أرسلي لحيتي] أي: أطلقيها [وأقسم لئن لم تسلمي لتضربن عنقك] ما قال: أنا أضربها، ولكن الرسول وقادته [ادخلي بيتك، فتركته وذهبت] ما زادت كلمة.
 

دخول القوات إلى مكة
قال: [دخول القوات إلى مكة] من قبائل العرب: أسلم وغفار وجهينة، إضافة إلى المهاجرين والأنصار، بقيادة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.[ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل ذا طوى] مكان قريب من مكة وهو داخل مكة الآن [وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حبرة حمراء] لفها على رأسه ولكن ليست كالعمامة [وفرق جيشه، فأمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدي] كدي: اسم جبل بمكة [وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (المعلاة)، وسمع سعد بن عبادة يقول: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة] سعد أراد أن يشفي صدره، فقال: اليوم يوم الملحمة، والملحمة هي المجزرة [فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله! اسمع ما قال سعد بن عبادة ، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب : ( أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها )] وهذا أمر من القيادة العليا، قال: أدركه يا علي فخذ الراية من يده؛ لأنه فهم أنه يريد أن ينتقم ويثأر.قال: [وأمر خالداً ] ابن الوليد [أن يدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، كما أن الزبير على المجنبة اليسرى، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه صلى الله عليه وسلم لتواضعه لربه لما رأى من إكرام الله تعالى له تكاد لحيته تمس واسطة الرحل؛ تواضعاً لله تعالى] كادت لحيته أن تمس سرج الناقة تواضعاً لله عز وجل، فقد خرج طريداً مشرداً منذ ثمان سنوات، والآن دخلها غازياً فاتحاً [فلم يدخل دخول الظلمة الفاتحين يكاد يطير بهم الزهو والخيلاء والكبر والصلف] بل دخل مدخل المتواضع المتطامن.قال: [وقد أوصى صلى الله عليه وسلم أمراءه] رجال قواته [أن لا يقتلوا إلا من قاتلهم، وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ] سفير مكة في الحديبية [قد جمعوا ناساً بالخندمة ليقاتلوا، فلما وصلهم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد ناوشوهم شيئاً من القتال، فقتل من المشركين نحواً من ثلاثة عشر رجلاً، ثم انهزموا، وقتل من المسلمين كرز بن جابر وحبيش بن خالد بن ربيعة بسبب سلوكهما طريقاً غير طريق خالد الذي سلكه.
 

من القبة إلى المسجد
قال: [من القبة إلى المسجد] قبة القيادة، وكانت مضروبة للقائد صلى الله عليه وسلم، وبعد أن فتح الله البلاد، توجه إلى المسجد الحرام.[وكان قد ضربت للحبيب صلى الله عليه وسلم قبة بالحجون، وها هو ذا صلى الله عليه وسلم يخرج منها في طريقه إلى المسجد الحرام وإلى جنبه الصديق يحادثه وهو يقرأ سورة الفتح] من هذا الصديق ؟ ها هو إلى جنبه في الحجرة إلى الآن، ما فارقه حياً ولا ميتاً، ومن أهل الضلال اليوم من هذه الأمة من يكفر أبا بكر ويلعنه!! ولا يسألون أبداً ولا يستفسرون ولكن فقط يقلد بعضهم بعضاً، أبو بكر الصديق من كفره كفر ولم يبق له حظ في الإسلام، قال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33] من تعني هذا الآية بعد رسول الله؟ أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، نقول هذه الكلمة وقد يوجد من إخواننا الزوار والحجاج من هو مغرور مخدوع، فعندما يسمع هذه الكلمة يتراجع، ويسأل أهل العلم، أو يسافر إليهم، وهل فينا من يرضى بأن يبقى كافراً؟ أعوذ بالله!قال: [حتى بلغ البيت الحرام فطاف سبعاً على راحلته، واستلم الحجر الأسود بمحجن كان بيده، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعن بعود في يده وهي تتساقط، وهو يقول: ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، وما يبدئ الباطل وما يعيد )] كان هناك ثلاثمائة وستون صنماً حول الكعبة، لكل قبيلة صنم، فغير الحبيب صلى الله عليه وسلم هذا المنكر، وقد عاش -من قبل- عشر سنوات في مكة وما استطاع أن يغيره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولما قدر وملك غير المنكر، فتغيير المنكر يكون باليد عندما تكون لك سلطة، أما إذا لا سلطة لك فلا تعرض نفسك للدمار والخراب، وأنت تدعو إلى الله وتريد أن تحيي القلوب الميتة بالكلم الطيب.قال: [وأمر بالصور والتماثيل التي داخل البيت، فأخرجت ورميت هي وسائر الأصنام خارج المسجد الحرام، ودخل صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى فيها، وكبر في سائر نواحيها، ثم خرج فجلس في المسجد الحرام كالبدر في هالته والعيون إليه شاخصة والقلوب واجفة].
 

مظاهر الكرم المحمدي
قال: [مظاهر الكرم المحمدي] تريدون أن تشاهدوا كرم نبيكم؟ تفضلوا![ثم قام صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة، وقال: ( لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.ألا كل دم أو مأثرة أو مال يُدّعى، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج )] أسقط وأبطل كل ما كان في عهد الجاهلية من حقوق ودماء وأموال، وانتهت، فالأمة دخلت عهداً جديداً، إلا سدانة البيت وسقاية الحجاج باقية على أصلها.[( ألا وقتيل الخطأ -شبه العمد بالسوط والعصا- ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أو أربعون منها في بطون أولادها.يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، ثم قال: يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )، فعفا عنهم بعد أن أمكنه الله تعالى منهم، فضرب بذلك المثل في العفو والصفح عن الجناة بعد القدرة عليهم والتمكن منهم] هل تعرفون مثل هذا العفو؟! لقد شاهدنا إخواننا عندما يستقلون عن بريطانيا وفرنسا يأكل بعضهم بعضاً.
 

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 93 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net