اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 91 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 91 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
إذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فقد نتج عن صلح الحديبية واعتداء بني بكر على خزاعة ونقض قريش للصلح أن مكة فتحت فتحاً مبيناً، فانكسرت قريش، وهزم جمعهم، وانتشرت راية الإسلام بعد ذلك شرقاً وغرباً، وتوافد الناس إلى مكة ملبين ومحرمين وحجاجاً ومعتمرين، وحقق الله لرسوله ما وعده.
غزوة الفتح (فتح مكة)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:وقد انتهى بنا الدرس إلى حادي عشر أحداث السنة الثامنة من الهجرة النبوية وهي: [غزوة الفتح (فتح مكة)] ومكة كانت تدار من قبل المشركين، هم حكامها وأهلها، وهم المناوئون المخاصمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وها نحن مع فتحها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.وألفت النظر إلى أننا سنقضي هذه الساعة مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ليزداد حبنا فيه وولاؤنا له، واتباعنا له، والله نسأل أن يسجل أسماءنا مع محبيه صلى الله عليه وسلم. ‏
 هرع أبي سفيان إلى المدينة لتمديد الصلح والاعتذار عما وقع
قال: [وواصل أبو سفيان سيره] وعسفان قريب من مكة [حتى أتى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم] أمنا رضي الله عنها وأرضاها، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها الحبيب صلى الله عليه وسلم وهي بنت أبي سفيان [فلما أراد أن يجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم] وفراش النبي من حصير لا قماش ولا حرير [طوته عنه] حتى لا يجلس عليه -وهذه من نساء الجنة- [فقال: أرغبتِ به عني أم رغبت بي عنه؟] يعني: بيني لي يا بنتاه! أرغبت بالفراش عني أو رغبت عني بالفراش؟ أرأيت أني أفضل من هذا الفراش فأبعدتيه عني، أو رأيت أن الفراش أقدس وأطهر مني فأبعدتيه عني، وأبو سفيان كان ما زال كافراً جاهلاً، ولكنه صهر النبي صلى الله عليه وسلم.[فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس] أما قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]؟ [فلم أحب أن تجلس عليه، فقال: لقد أصابك بعدي شر!] أي: تغيرت عما كنت معنا، وأصابك شر!. ووالله ما أصابها إلا الخير، لكنها رؤية الكافر، فهو يرى -مثلاً-أن الصلاة عبث.[ثم خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يردّ عليه شيئاً] كان غضبان! [ثم أتى أبا بكر ] الوزير الأول. عندما لم يستفد من الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى وزيره الأول وخليله [فكلمه ليكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل] يعني: لا أكلمه لك [ثم أتى عمر] الوزير والحبيب الثاني [فكلمه فقال: ما أنا بشافع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به] يعني: فوق هذا أزيدكم: لو ما وجدت إلا الذر لقاتلتكم به، ليس البشر فقط [ثم خرج حتى أتى علياً ] ابن أبي طالب صهر الحبيب صلى الله عليه وسلم وابن عمه [فكلمه في ذلك] وكان أبو سفيان سياسياً ماهراً فما أيس، ولو كنا نحن لاكتفينا بالذهاب إلى الرسول فقط، وقلنا: ما دام الرسول رفض فليس من يلزمه، ولكنه أتى أبا بكر ثم عمر ثم علي .ماذا قال علي : [فقال له: والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه] أقسم له بالله على أن النبي قد عزم على أمر لا يكلمه فيه أحد، وقد عزم صلى الله عليه وسلم على قتالهم، فقد نقضوا العهد واستوجبوا القتال [فنادى فاطمة قائلاً] ما ملّ بعد! ونادى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مع علي وبينهما ستارة فقط، فقال: [يا بنت محمد] لم يقل: يا بنت رسول الله؛ لأنه لم يسلم بعد [هل لك أن تأمري ابنك هذا -يشير إلى الحسن وهو يومها غلام- أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب؟] حيلة سياسية -لا إله إلا الله!- قال: مري طفلك هذا الصغير يعلن أنكم أجرتم العرب نيابة عن رسول الله [فقالت: ما بلغ ابني أن يجير بين الناس] يعني: ما بلغ الحلم فكيف هذا؟! واعتذرت بالواقع [وما يجير على رسول الله أحد، ثم التفت إلى علي ] من الذي التفت؟ أبو سفيان [وقال: أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحني، قال: إنك سيد كنانة فقم فأجر بين الناس، والتحق بأرضك] بعد أن طلب من علي الخلاص قال له: أنت سيد كنانة فأجر بين الناس، والتحق بأرضك في مكة، وهذا الحل الوحيد.[فقام أبو سفيان في المسجد وقال: أيها الناس! قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره، وقدم مكة وأخبر قريشاً بما جرى له وما أشار به علي عليه، فقالوا: والله ما زاد على أن سخر منك!!] وهذا فهم أعوج! فوالله إن علياً نصحه وبين له طريق نجاته، ولكن لمرض الشرك والكفر، وظلام الجاهلية، قالوا: هذه الكلمة: "ما زاد على أن سخر منك فقط".
التجهيز والإعداد لفتح مكة
قال: [التجهيز والإعداد لفتح مكة] أُعلنت الحرب، والتجهيز هو: إعداد السلاح والزاد والرجال والعتاد، ومعنى هذا أن مكة مغلقة، فأبوابها في أيدي المشركين الكافرين، لا تُدخل إلا بإذنهم، وقد صدوا عنها رسول الله، ومعه ألف وأربعمائة رجل سنة ست من الهجرة.[وعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزو قريش لفتح مكة، لنقض قريش المعاهدة نقضاً واضحاً صريحاً] فقد قاتلت مع بكر خزاعة المحالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم [فتجهز وأمر أصحابه بذلك، وقال: ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها )] وطلب هذا العون ممن يقدر عليه؛ إذ غير الله لا يقدر على هذا أبداً.ويقصد صلى الله عليه وسلم عيون الجواسيس؛ لأن هناك عيون للمشركين، وهناك أناس ينقلون الخبر بدون إرادة ولا علم، يقولون: سمعنا كذا.. وحصل كذا.. والبغتة أو المفاجأة ذات قيمة، ولو فاجأ العرب -ليلة واحدة- اليهود في تل أبيب لفتحوها، لكن هل سألوا الله هذا؟ والله ما سألوا.ومرة أخرى: لو سألوه -وهو ليس بوليهم- هل يجيبهم؟ لا، لا يجيبهم، إذاً ما الطريق؟الطريق هو: أن نوالي ربنا، ونصبح حقاً أولياءه، وهذا بالإيمان والتقوى فقط، فنؤمن إيماناً حقيقياً، ونتقي الله فلا نخرج عن طاعته وطاعة رسوله؛ وبهذا تتم الولاية، ومن هم أولياء الله؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، ومن والاه الله لو عاداه أهل الأرض كلهم ما نالوا منه منالاً، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].
 قصة إرسال حاطب بن أبي بلتعة الكتاب إلى قريش
قال: [ولما علم حاطب بن أبي بلتعة بعزم الرسول صلى الله عليه وسلم] وهو صحابي جليل من المهاجرين كان شهد بدراً [على المسير إلى قريش، وذكر أهله وولده بمكة] كان عنده زوجة بمكة وأولاد هاجر وتركهم، فخاف أن ينال منهم المشركون منالاً [وأن لا ولي له بها يدفعون عن أهله وولده] ما عنده أبناء عم ولا إخوة ولا أخوال ولا .. [وعلم أن الله ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم] يقيناً هذا [فكتب كتاباً إلى قريش، يُعلمهم بما عزم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم] ولو لم يفعل حاطب لعلمت قريش أيضاً، فرجوع أبي سفيان ذاك ألا يؤخذ منه درس أبداً؟! يعني: غضب الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وكل أصحابه ألا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم عازم على قتالهم؟!قال: [وبعث بالكتاب مع امرأة من مزينة اسمها كنود ] بعث الخطاب مع امرأة، وقطعاً أعطاها ما تستحق لتحمل كتابه مسافة عشرة أيام [وتحمله وتركب راحلتها وتسير] وحدها [وسبقها الوحي الإلهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] فأوحى الله تعالى إلى رسوله بالقضية كما هي [فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ] ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم [لافتكاك الكتاب منها قبل وصولها مكة] قال: عجلا.. فركبا لافتكاك الكتاب منها حتى لا تصل به إلى مكة فتخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم عزم على قتالهم.[فخرجا في طلبها] أي: علي والزبير رضي الله عنهما، وهم مجموعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الواحد منهم بألف، فإذا طلب قائد عوناً أو مدداً من ألف رجل، بُعث إليه بواحد من هؤلاء [فأدركاها وأخذا الكتاب منها، وهذه من استجابة الله تعالى دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش )، وأحضر حاطباً ، وقال له: ( ما حملك على هذا؟ )] وهذا عندنا الآن يستحق القتل، فالجيش مهيأ لحرب العدو، وهذا أراد أن يهدم التخطيط بكامله، ولكن انظر إلى سلوك الحبيب صلى الله عليه وسلم مع هذا الفعل الشنيع [فقال حاطب : والله إني لمؤمن بالله ورسوله] ووالله إنه لصادق [وما بدلت ولا غيّرت] في عقيدتي وعبادتي وسلوكي [ولكن لي بين أظهرهم أهل وولد، وليس لي عشيرة فصنعتهم عليهم] بهذا الكتاب [فقال عمر : دعني يا رسول الله! أضرب عنقه] إذ السياسة تقتضي هذا [فإنه قد نافق] وما أصاب عمر في هذه، فما نافق حاطب أبداً، فقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصر، وأن الهزيمة للمشركين، وأن هذا الخبر لا ينفعهم ولا يزيدهم، ولكن فقط أراد أن يتخذ به يداً ليحفظ زوجته وأولاده، ولو علم أن هذا يضر بالرسول صلى الله عليه وسلم ما فعل، ولو قُتل أولاده ونساؤه، والقرآن شاهد.[فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )] وحاطب بن أبي بلتعة من أهل بدر ورجالاتها، وما يدريك أي: وما يعلمك [وأنزل الله تعالى في حاطب فاتحة سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]] فهنيئاً لـحاطب أدبه ربه، وقبله وقبل توبته، وبقي هذا مسجل إلى يوم القيامة.وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 91 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net