اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 59 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 59 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
بعد بدر كادت قلوب رجالات قريش تذوب كمداً وحنقاً على رسول الله والمؤمنين، فجهزوا جيشاً لملاقاة المسلمين وغزوهم في عقر دارهم، فلما سمع النبي بذلك جمع أصحابه ليستشيرهم في أمر القوم، فرأى الشيوخ أن ينتظروا عدوهم في المدينة، ورأى الشباب والمتخلفون عن بدر الخروج لملاقاتهم خارج المدينة، فأجابهم النبي إلى ذلك، فخرج في ألف مقاتل ليواجه جيش أبي سفيان والذي قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، والتقوا عند جبل أحد الذي عرفت المعركة باسمه.
تابع غزوة أحد
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فلنقض ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى بنا الدرس إلى غزوة أحد، وقد سبق أن عرفنا عوامل هذه الغزوة القاسية الشديدة، وحقاً إنها غزوة قاسية شديدة، ويكفي من قساوتها أن يستشهد فيها حمزة عم رسول صلى الله عليه وسلم، وأعظم من ذلك أن تكسر رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشج وجهه، ويصاب في أنفه، وكلها آلام شديدة، ولهذا كانت الغزوة غزوة قاسية شديدة.وعرفنا عوامل هذه الغزوة وهي -أولاً-: أن قريشاً لما أصيبت بهزيمة مُرّة في غزوة بدر من السنة الثانية للهجرة، وبعد تلك النكبة أو المصيبة تهيأت لأن تنتقم وتثأر من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقد طلب أبو سفيان -وكان رئيس قريش- من أهل العير الذين نجت عيرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا تلك الأموال لتغزى بها المدينة النبوية، وكان هذا من أبرز العوامل التي اقتضت غزوة أحد.وثاني العوامل: أن المؤمنين من المهاجرين والأنصار الذين لم يحضروا غزوة بدر ولا شهدوها ولا فازوا بما فيها، تمنوا على الله وسألوه أن يُوجد لهم غزاة أخرى يفرغون فيها ما في نفوسهم، ويقاتلون فيها في سبيل الله. هذان العاملان هما الباعثان على غزوة أحد.وفي شوال من السنة الثالثة من الهجرة المباركة خرجت قريش برجالها ونسائها وأحابيشها، والأحابيش: هم الذين تعاهدوا عند جبل على أن يقاتلوا كل من يقاتلهم، فيقال للرجل منهم حبيش، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروج قريش، وأنها عازمة على قتاله وأصحابه من المؤمنين، فاستشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في هل من اللائق أن نخرج إلى قريش خارج المدينة ونقاتلها هناك، أم أن يبقوا في المدينه ويقاتلونهم من داخلها، من على السطوح والمنازل، واختار صلى الله عليه وسلم قتال قريش من داخل المدينة، لكن الذين رغبوا في أن يستردوا ما فاتهم من غزوة بدر، قالوا: لا. نقاتلهم خارج المدينة، كيف نسمح لهم بالدخول؟وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم قصدهم ورغبتهم وما أرادوه، وكان لم يوح إليه شيء في هذا، وإنما اجتهاد منه فقط، وكان ذاك اليوم يوم جمعة، فدخل حجرته ولبس لأمته وخرج يرصف في الحديد، فما إن رآه أصحابه على تلك الحال حتى ندموا وتأسفوا، وقالوا: علنا ألزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا وهو لا يريده! فتأسفوا وتحسروا وطلبوا منه الرجوع، لكنه صلى الله عليه وسلم واجههم بهذه الكلمات الخالدة وهي: ( ما ينبغي لنبي أن يضع لأمته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. وقد دعوتكم إلى هذا فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا ). وهذا يدل على صدق عزم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه شأنه شأن الأنبياء، إذا أعلنوا الحرب لا يطفئونها حتى يحكم الله بينهم وبين أعدائهم.واستخلف الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وخرج في ألف مقاتل -كما سبق- وسلك بمن معه من المؤمنين على البدائع في حرة بني حارثة، ودليله في هذا أبو خيثمة أخو بني حارثة، ومروا بحائط لـمربع بن قيظي ، وكان منافقاً؛ فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين -أي حركة مشيهم- رفع حفنة من تراب، وقال: والله لو أعلم ألا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك!!. أعوذ بالله من هذا المنافق! متغيظ متألم كيف يتجاوز الرسول وأصحابه بستانه!!فبدره سعد بن زيد بضربة شج بها رأسه، وابتدره أيضاً رجال ليقتلوه، فقال لهم رسول صلى الله عليه وسلم: ( دعوه لا تقتلوه؛ فإنه أعمى القلب والبصر ) أي: لو كان قلبه سليماً بصيراً ما كان يكفر وينافق ويعلن عن كفره، فالذي يحلف أنه لو أمكنه أن يضرب وجه رسول الله بالتراب لضربه ليس بمؤمن أبداً، بل من شر الكفار وأخبثهم، وتجلت هنا الرحمة المحمدية، فعندما ابتدره رجال ليقتلوه -وحق لهم ذلك- قال لهم النبي ما قال، حتى لا يقال أن محمداً قتل من سبه أو توعده، فحلم وصبر صلى الله عليه وسلم. هذا ما سبق أن قرأناه .. ‏
 عودة إلى معسكر التوحيد والإيمان
قال: [ونعود الآن إلى معسكر التوحيد والإيمان:أخذ أبو دجانة السيف، ولف العصابة على رأسه -علامة الموت- ورمى بنفسه في المعركة وهو يقول:أنا الذي عاهدني خليليونحن بالسفح لدى النخيلألا أقوم الدهر في الكيول] والكيول: هو آخر الصفوف.[...........أضرب بسيف الله والرسول] كان ينشد رضي الله عنه: (أنا الذي عاهدني خليلي) يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم. (ونحن بالسفح لدى النخيل): في المدينة (ألا أقوم الدهر في الكيول): لا أقف في آخر الصفوف أبداً، بل دائماً في أولها (أضرب بسيف الله والرسول).[فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله] لا يواجه أحداً إلا قتله [ورأى أبو دجانة مقاتلاً من المشركين يخمش الناس خمشاً شديداً] يثير الحماسة في نفوسهم [فقصد له] واتجه نحوه [فلما حمل عليه السيف ولول، فإذا به امرأة هي هند ، فأكرم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب به امرأة] أليس السيف سيف رسول الله؟ فأكرمه أن يضرب به امرأة، وهي التي كانت تحمس الناس على القتال.قال: [ودارت رحى المعركة، واستعرت نارها وتأجج لهبها، وكان حمزة فيها أسداً يهد الرجال هدّاً، وكان وراءه وحشي غلام جبير بن مطعم يترصده؛ إذ أوعز إليه سيده بأنه إذا قتل حمزة يعتقه، وكان وحشي بارعاً في الضرب بالرماح، ضربته لا تكاد تخطئ، وكانت هند موتورة بموت أبيها ببدر] لأن والدها مات في بدر [كلما مرت فيه تقول له: يا أبا دسمة ! استشف واشف، تحرضه على قتل حمزة رضي الله عنه، فقال وحشي : ما زلت أتبع حمزة وهو كالجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة : هلم إلي يا ابن مقطعة البظور] ومقطعة البظور هي الخاتنة التي تختن البنات، والبظر هو: ما يقطع من فرج البنت [فضربه ضربة ما أخطأت رأسه فقتله] إلى جهنم [ثم هززت حربتي] هذا الآن وحشي يتكلم [حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته] والثنة ما بين السرة والعانة من الإنسان [حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي فغُلب فوقع، فأمهلته حتى مات فجئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى المعسكر، ولم تكن لي في شيء حاجة غيره] يعني كانت مهمته أن يقتل حمزة فقط، فلما مات أخذ حربته وعاد إلى المعسكر [وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى اللواء مصعب بن عمير رضي الله عنه، وقتل مصعب ، فأعطاه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتقدم علي باللواء، وهو يقول: أنا أبو القصم ، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة -وهو صاحب لواء المشركين- قائلاً: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال علي : نعم. فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقيل له: أفلا أجهزت عليه؟ [قال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله] يعني ما استطاع أن ينظر إليه، وهي حيلة من المشرك، فلما وقع من الضربة كشف عن سوأته، حتى لا يجهز عليه علي ، فقالوا لـعلي : أفلا أجهزت عليه؟ قال: إنه استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله. فلا يحتاج إلى قتل.قال: [والتقى -والمعركة دائرة- حنظلة بن أبي عامر بـأبي سفيان بن حرب ، فلما علاه حنظلة بالسيف رآه شداد بن الأوس فضربه -أي شداد الكافر- فقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن صاحبكم لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه)، فسئلت امرأته فقالت: إنه كان في ليلة عرسه، فسمع الهاتف بالجهاد فخرج ولم يغتسل؛ فلذا غسلته الملائكة، وأنزل الله تعالى نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسموهم بالسيف حسماً حتى كشفوهم عن المعسكر، وكان الهزيمة لا شك فيها، حتى قال الزبير بن العوام رضي الله عنه، والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند وصواحبها وهن مشمرات هوارب] والخدم هو: الخلخال في الرجل.قال: [وفي هذا يقول الله تعالى من سورة آل عمران: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آل عمران:151-152]] إلى آخر الآيات.وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 59 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net