اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 38 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 38 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
إن من الرشد والكمال النبوي والنضج السياسي والحكمة المحمدية ما أقدم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، في ظرف كان المهاجرون أحوج ما يكونون إلى من يخفف عنهم آلام الغربة ومفارقة الأحباب والأهل والفاقة وقلة ذات اليد، وبهذه المؤاخاة كان الأنصاري يعرض على أخيه أفضل ماله وأعجب أزواجه لتكون له بعد انقضاء عدتها، فتكون في المدينة مجتمع متلاحم ينهض بكل عبء يلقى عليه.
تابع جهود الحبيب صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء بالمدينة النبوية
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى الخطوة الخامسة من جهود الحبيب صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء بالمدينة النبوية، فبعد نزوله مهاجراً بطيبة كان له جهود عظيمة ذكرنا منها ما يسر الله ذكره لنا، وهي جهود في الإصلاح والتأسيس والبناء في المدينة النبوية، ولخصنا ذلك في خطوات:
 الخطوة الخامسة: هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار
قال: [الخطوة الخامسة] في الإصلاح والبناء والتأسيس في المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم [هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار] أمتان آخى بينهما، فربط كل رجل بآخر وقال: أنت أخوه وهو أخوك، وحينئذ يتم التعاون بمعناه الكامل، وهذا لم يُسبق إليه صلى الله عليه وسلم ولا فعله غيره ولا يقدر عليه أحد.قال: [إن من الرشد والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية خطوة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ظرف كان المهاجرون فيه أحوج ما يكونون إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة، إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم، وحلوا ببلد] ونزلوا به [لم يكن ليتسع حتى لأهله فضلاً عن النازحين إليه] ما هي المدينة؟ ماذا فيها؟ أهلها محتاجون وفقراء، فكيف تتحمل المدينة -إذاً-أمة أخرى؟![وبهذه المؤاخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار، والتي كان الأنصاري فيها يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى أعجب نسائي إليك أُطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها] وليس فوق هذا شيء أبداً! وهذا قطعاً قبل نزول آيات الحجاب، فالحجاب نزل في السنة السادسة [كان المجتمع المدني قد التحم بعضه ببعض، وأصبح جسماً واحداً ينهض بكل عبء يلقى عليه. وبذلك أعده الرسول الحكيم ليتحمل عبء إعلان الحرب على الأبيض والأصفر، وقتال القريب والبعيد من كافة أهل الشرك والكفر] ولولا أنه عد المدينة بهذه العدة وجعلها بهذه المثابة فربط بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم إخواناً على قلب واحد، لما استطاع أن يعلن الحرب على الأبيض والأسود؛ فالأرضية متنها وقعد قواعدها ثم أعلن الحرب.عجب سلوك هذا النبي الحكيم! ومع هذا تدرّس حياة الملاحدة والعلمانيين والبلاشفة في جامعات العالم الإسلامي إلا من رحم الله، ولا تدرس أبداً سياسة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: قال رسول الله أو فعل رسول الله.[وهذا أنموذج مصغر من تلك المؤاخاة:[أخوانالمهاجر أبو بكر الصديق الأنصاري خارجة بن زهير ] آخى الرسول بين أبي بكر وبين خارجة ، فـأبو بكر مهاجر وخارجة أنصاري.[أخوانالمهاجرأبو عبيدة عامر بن الجراحالأنصاري سعد بن معاذ ] وآخى بين أبي عبيدة المهاجر وبين سعد بن معاذ الأنصاري.[أخوانالمهاجرعبد الرحمن بن عوف الأنصاريسعد بن الربيعأخوانالمهاجرعمر بن الخطاب الأنصاريعتبان بن مالكأخوانالمهاجرعثمان بن عفان الأنصاري أوس بن ثابتأخوانالمهاجرطلحة بن عبيد الله الأنصاريكعب بن مالكأخوانالمهاجرسلمان الفارسي ] وإن كان من غير مكة فقد هاجر من فارس.[الأنصاري أبو الدرداءأخوانالمهاجربلال بن رباحالأنصاريأبو رويحة ] وهكذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ليصبح الأخ يقاسم أخاه ما عنده، لا فضل لهذا عن هذا، فقرص العيش يقتسمونه. ومن يفعل هذا ويقدر عليه من البشر سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!قال: [وها هي ذي الكلمة الطيبة التي قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم فتمت بها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إنها هي قوله -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-:(إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)] هذه استولت على مشاعر وأحاسيس وقلوب الأنصار ورضوا بالمؤاخاة وقالوا: نقتسم معهم ما عندنا [وإما إن قالها] أي: هذه الكلمة الخالدة [حتى قال الأنصار: أموالنا بيننا قطائع] قطعة لي وقطعة لك [فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل فتكفوهم العمل وتقاسمونهم الثمر، قالوا: نعم )] لأن أهل مكة لا يعرفون المسحاة ولا دلو الماء، فكيف يعملون معهم؟ تجد المهاجر جالس في المسجد وأخوه يشتغل من الصباح إلى الظهر ثم يقتسم التمر والعنب معه؟ لأن المهاجر لا يعرف الفلاحة، فكيف يُكلّف؟! إذاً: ارحموهم أيها الأنصار؛ لأنهم لا يحسنون جلب الماء ولا سقي النخل أو تأبيرها أو غير ذلك .. فرضوا بذلك رضي الله عنهم.[( وبعدها قال المهاجرون: يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المئونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم )] مواسياً مطمئناً القلوب والنفوس [( لا. ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم )] يعني: لا تخافوا أن يذهبوا بالأجر، ما دمتم تثنون عليهم وتدعون الله لهم، أي: مقابل هذا الأجر الثناء عليهم ودعوة الله تعالى لهم، وهي سنة باقية إلى اليوم، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له ).من صنع إليك يا عبد الله! معروفاً فكافئه بمثله أو أفضل، فإن عجزت ادع الله له، قل: جزاك الله خيراً! والعامة عندنا يقولون: شكراً، وهي مترجمة عن الإنجليزية. فتجده يأكل عندك أو يشرب ثم يقول لك: شكراً أو ثانكيو، والرسول المعلم الكريم يقول: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ) مقابل جميله وإحسانه، فإن عجزت فادع الله له، فأقل ما تقول: جزاك الله خيراً، أو بارك الله فيك وفي مالك، وفيما أعطاك أو أبقاك الله صالحاً. أما ثانكيو ومِرْسي فهي من الفرنسية والإنجليزية.أولاً: الشكر لله الواحد المعطي ما هو للعبد، ثم لما تشكره إما أن تقدم له مالاً أو طعاماً أو كساءً أو عملاً تكافئه به، وإلا ادع الله له الذي يتولى الجزاء، ويستجيب الله لك إن شاء.قال: ( فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله تعالى لهم ) والثناء على الشخص المسلم معروف، تقول: فلان أحسن إلينا، أكرمنا، فعل معنا كذا وكذا .. وهذه من صفات المؤمنين، هذا الثناء. أما الدعاء هو أن تقول: اللهم بارك له في حياته وفيما أعطيته، وأقل شيء: جزاك الله خيراً![هكذا كانت المؤاخاة في ظروف الحاجة، ولما وسع الله تعالى على المسلمين نسخ التوارث بها، وأقر المودة والحب بينهم] كانوا يتوارثون، المهاجر يرث الأنصاري، والأنصاري يرث المهاجر إذا مات؛ لأنهم إخوة، فلما زال الضيق وزال العسر والشدة ووسع الله على المسلمين نسخ الله التوارث بينهم [فقال تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]] أما التوارث انتهى، استمر عاماً أو عامين أو ثلاثة وقت الضيق والضغط والحاجة، ولما انتشر الإسلام واتسعت رقعة المسلمين نسخه الله، فمن كان من جماعتك ورحمك ترثه ويرثك، بينما الذي لا صلة لك به إلا الإيمان والهجرة فإنه لا يرثك ولا ترثه، قال عز وجل: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6] اللهم: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الأحزاب:6] كتاب القضاء والقدر وفي القرآن الكريم مَسْطُورًا [الأحزاب:6] أي: مسجلاً.
نتائج وعبر من مقطوعة (جهوده صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء بالمدينة النبوية)
قال: [نتائج وعبر] لهذه المقطوعة التي ذكرناها[إن لهذه الخطوات الخمس في السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها في الآتي: أولاً: المسجد في الإسلام] وبين المسلمين [هو المنطلق لكل خير وكمال تطلبه الأمة المسلمة] المسجد بناؤه، وتأسيسه، وإقامته، وبكل ما يقع فيه هو المنطلق لكل خير وكمال تطلبه الأمة المسلمة [إذ فيه تعالج أمراض الجهل وسوء الخلق، والملكات السيئة في بعض الأفراد] وهذا الذي نكرره، وهيا نعود إلى عهد النبوة، هل نحن أحرار؟ هل دولتنا مستقلة؟ هل شعبنا مستقل ليس فيه بريطانيا ولا إيطاليا؟ هيا نراجع تاريخنا -فقط- من المغرب إلى العشاء، فلا يبقى مواطن في الشارع، ولا في الدكان ولا في المقهى ولا في المصنع، يوقف العمل لهذا لأمر عظيم، ونحمل أسرنا إلى بيوت ربنا ونتعلم الكتاب والحكمة ونزكي أنفسنا ونهذب أخلاقنا ونعلو بآدابنا ليلة بعد ليلة، فنصبح بحق أولياء الله، ويومها: من يقاوم أولياء الله؟ أو يطمع في إذلالهم أو قتلهم؟ ولا يكلف هذا المسلمين شيئاً!وكثيراً ما أقول: ألسنا نقتدي بالنصارى في كثير من مظاهر الحياة لأنهم غالبون، فلِم لا نقتدي بهم في قضية إن النصارى من أمريكا وإلى آخر أوروبا إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا العمل تماماً، لقد نزلنا مرة من الطائرة فقال لي أحد الزملاء: عجل عجل! قلت له: في أي شيء؟ قالوا: اشتر لنا العشاء؛ لأنه إذا دقت الساعة السادسة ما بقي دكان مفتوح؛ لأنه وقت راحة. ثم يذهبون إلى دور السينما والملاهي والملاعب والمقاصف والرقص لمدة أربع أو خمس ساعات، والمسلمون لا يستفيقون، ضحكوا وسخروا من هذه النظرية، قالوا: كيف نأتي بنسائنا وأطفالنا إلى المسجد؟ وهل المسجد أفضل أم المقهى؟ثم يا أبنائي! لا طريق للعودة إلى الكمال والقيادة والسيادة إلا المسجد، ولمدة ساعة ونصف فقط، من يمنعك من أن تعمل طوال النهار في مصانع الذرة والهيدروجين والفلاحة والصناعة؟ ابذل طاقتك. لكن ذاك الوقت اجعله لتطهير نفسك وتزكيتها، وتهذيب أخلاقك وآدابك، وغرس معنى الأخوة والمحبة والولاء بين المؤمنين؛ ليصبح أهل القرية كأنهم أسرة واحدة يتقاسمون الخير والشر، هل يصعب هذا؟ والله لا يصعب على مؤمنين طهرت نفوسهم وزكت أرواحهم!وهذا الكلام مكرر مله السامعون، ولكن نعيده لأنه لا علاج سواه، فلو أن شخصاً مريضاً بالصداع مثلاً، كلما ذهب للطبيب قال له: خذ إسبرين! هل له أن يقول للطبيب: كيف دائماً لا آخذ إلا الإسبرين؟!! طيب. ما في دواء إلا هذا لمن يصاب بالصداع، فالصداع علاجه الإسبرين، وكذلك -والله- لا علاج للأمراض التي تعيشها أمة الإسلام إلا بالعودة إلى المسجد من أجل تعلم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس وتطهيرها، ومن ثم -والله- لا يبقى بخل ولا حسد ولا غل ولا غش ولا خداع ولا نفاق ولا كذب ولا كبر، وتنتهي كل مظاهر الشر، ويحل محلها الطهر والصفاء، ويشعر المؤمنون بالسعادة؛ لأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.[ثانياً: ظهور الحكمة المحمدية في كل خطوة من هذه الخطوات الخمس.ثالثاً: المواد التي اشتمل عليها الميثاق الذي تضمنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار دالة على ما كان يتمتع به الحبيب صلى الله عليه وسلم من العلم والحكمة وحسن السياسة والرشد العام فيها] ولو درس هذا طلاب السياسة لارتفعت قيمهم وعلت، لكن لا، هذا شيء مضى، ولسنا كمحمد صلى الله عليه وسلم ومن ثم يتركون ذلك النور.[رابعاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكتاب الميثاق] الذي قرأنا بعضه [وما اشتمل عليه من مواد إصلاحية وسياسية؛ الكل دال بوضوح على أن هناك توقعاً لحرب قد يطول مداها] بالتأمل لهذه المواد والميثاق بالذات وما احتوى عليه دالة أو منبئة أن حرباً عامة متوقعة قد يطول مداها وإلى يوم القيامة [وكذلك فقد دامت زهاء عشر سنوات، أي: إلى أن التحق الحبيب صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وخاضها بعده خلفاؤه وتابعوهم، وستبقى الحرب وتستمر بين الشرك والتوحيد، والإيمان والكفر ما بقيت فتنة، ووجد من يعبد غير الله تعالى. مصداق هذا قوله تعالى من سورة الأنفال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]] لأن الكافرين مصيرهم مظلم، وحياتهم شقاء، ينتهون إلى حيث لا يستطيع عقل أن يتصوره، تجدهم يعيشون طوال حياتهم في آلام، في احتراق، في جوع، في عطش .. فمن ينقذهم؟ إن مهمة إنقاذ البشرية من النار والخلود فيها على المسلمين.
 الخطوة الخامسة: هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار
قال: [الخطوة الخامسة] في الإصلاح والبناء والتأسيس في المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم [هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار] أمتان آخى بينهما، فربط كل رجل بآخر وقال: أنت أخوه وهو أخوك، وحينئذ يتم التعاون بمعناه الكامل، وهذا لم يُسبق إليه صلى الله عليه وسلم ولا فعله غيره ولا يقدر عليه أحد.قال: [إن من الرشد والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية خطوة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ظرف كان المهاجرون فيه أحوج ما يكونون إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة، إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم، وحلوا ببلد] ونزلوا به [لم يكن ليتسع حتى لأهله فضلاً عن النازحين إليه] ما هي المدينة؟ ماذا فيها؟ أهلها محتاجون وفقراء، فكيف تتحمل المدينة -إذاً-أمة أخرى؟![وبهذه المؤاخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار، والتي كان الأنصاري فيها يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى أعجب نسائي إليك أُطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها] وليس فوق هذا شيء أبداً! وهذا قطعاً قبل نزول آيات الحجاب، فالحجاب نزل في السنة السادسة [كان المجتمع المدني قد التحم بعضه ببعض، وأصبح جسماً واحداً ينهض بكل عبء يلقى عليه. وبذلك أعده الرسول الحكيم ليتحمل عبء إعلان الحرب على الأبيض والأصفر، وقتال القريب والبعيد من كافة أهل الشرك والكفر] ولولا أنه عد المدينة بهذه العدة وجعلها بهذه المثابة فربط بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم إخواناً على قلب واحد، لما استطاع أن يعلن الحرب على الأبيض والأسود؛ فالأرضية متنها وقعد قواعدها ثم أعلن الحرب.عجب سلوك هذا النبي الحكيم! ومع هذا تدرّس حياة الملاحدة والعلمانيين والبلاشفة في جامعات العالم الإسلامي إلا من رحم الله، ولا تدرس أبداً سياسة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: قال رسول الله أو فعل رسول الله.[وهذا أنموذج مصغر من تلك المؤاخاة:[أخوانالمهاجر أبو بكر الصديق الأنصاري خارجة بن زهير ] آخى الرسول بين أبي بكر وبين خارجة ، فـأبو بكر مهاجر وخارجة أنصاري.[أخوانالمهاجرأبو عبيدة عامر بن الجراحالأنصاري سعد بن معاذ ] وآخى بين أبي عبيدة المهاجر وبين سعد بن معاذ الأنصاري.[أخوانالمهاجرعبد الرحمن بن عوف الأنصاريسعد بن الربيعأخوانالمهاجرعمر بن الخطاب الأنصاريعتبان بن مالكأخوانالمهاجرعثمان بن عفان الأنصاري أوس بن ثابتأخوانالمهاجرطلحة بن عبيد الله الأنصاريكعب بن مالكأخوانالمهاجرسلمان الفارسي ] وإن كان من غير مكة فقد هاجر من فارس.[الأنصاري أبو الدرداءأخوانالمهاجربلال بن رباحالأنصاريأبو رويحة ] وهكذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ليصبح الأخ يقاسم أخاه ما عنده، لا فضل لهذا عن هذا، فقرص العيش يقتسمونه. ومن يفعل هذا ويقدر عليه من البشر سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!قال: [وها هي ذي الكلمة الطيبة التي قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم فتمت بها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إنها هي قوله -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-:(إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)] هذه استولت على مشاعر وأحاسيس وقلوب الأنصار ورضوا بالمؤاخاة وقالوا: نقتسم معهم ما عندنا [وإما إن قالها] أي: هذه الكلمة الخالدة [حتى قال الأنصار: أموالنا بيننا قطائع] قطعة لي وقطعة لك [فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل فتكفوهم العمل وتقاسمونهم الثمر، قالوا: نعم )] لأن أهل مكة لا يعرفون المسحاة ولا دلو الماء، فكيف يعملون معهم؟ تجد المهاجر جالس في المسجد وأخوه يشتغل من الصباح إلى الظهر ثم يقتسم التمر والعنب معه؟ لأن المهاجر لا يعرف الفلاحة، فكيف يُكلّف؟! إذاً: ارحموهم أيها الأنصار؛ لأنهم لا يحسنون جلب الماء ولا سقي النخل أو تأبيرها أو غير ذلك .. فرضوا بذلك رضي الله عنهم.[( وبعدها قال المهاجرون: يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المئونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم )] مواسياً مطمئناً القلوب والنفوس [( لا. ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم )] يعني: لا تخافوا أن يذهبوا بالأجر، ما دمتم تثنون عليهم وتدعون الله لهم، أي: مقابل هذا الأجر الثناء عليهم ودعوة الله تعالى لهم، وهي سنة باقية إلى اليوم، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له ).من صنع إليك يا عبد الله! معروفاً فكافئه بمثله أو أفضل، فإن عجزت ادع الله له، قل: جزاك الله خيراً! والعامة عندنا يقولون: شكراً، وهي مترجمة عن الإنجليزية. فتجده يأكل عندك أو يشرب ثم يقول لك: شكراً أو ثانكيو، والرسول المعلم الكريم يقول: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ) مقابل جميله وإحسانه، فإن عجزت فادع الله له، فأقل ما تقول: جزاك الله خيراً، أو بارك الله فيك وفي مالك، وفيما أعطاك أو أبقاك الله صالحاً. أما ثانكيو ومِرْسي فهي من الفرنسية والإنجليزية.أولاً: الشكر لله الواحد المعطي ما هو للعبد، ثم لما تشكره إما أن تقدم له مالاً أو طعاماً أو كساءً أو عملاً تكافئه به، وإلا ادع الله له الذي يتولى الجزاء، ويستجيب الله لك إن شاء.قال: ( فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله تعالى لهم ) والثناء على الشخص المسلم معروف، تقول: فلان أحسن إلينا، أكرمنا، فعل معنا كذا وكذا .. وهذه من صفات المؤمنين، هذا الثناء. أما الدعاء هو أن تقول: اللهم بارك له في حياته وفيما أعطيته، وأقل شيء: جزاك الله خيراً![هكذا كانت المؤاخاة في ظروف الحاجة، ولما وسع الله تعالى على المسلمين نسخ التوارث بها، وأقر المودة والحب بينهم] كانوا يتوارثون، المهاجر يرث الأنصاري، والأنصاري يرث المهاجر إذا مات؛ لأنهم إخوة، فلما زال الضيق وزال العسر والشدة ووسع الله على المسلمين نسخ الله التوارث بينهم [فقال تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]] أما التوارث انتهى، استمر عاماً أو عامين أو ثلاثة وقت الضيق والضغط والحاجة، ولما انتشر الإسلام واتسعت رقعة المسلمين نسخه الله، فمن كان من جماعتك ورحمك ترثه ويرثك، بينما الذي لا صلة لك به إلا الإيمان والهجرة فإنه لا يرثك ولا ترثه، قال عز وجل: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6] اللهم: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الأحزاب:6] كتاب القضاء والقدر وفي القرآن الكريم مَسْطُورًا [الأحزاب:6] أي: مسجلاً.
أحداث بعضها مفرح وبعضها محزن
قال: [أحداث بعضها مفرح وبعضها محزن] في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم[ما زالت سنة هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم الأولى لم تكتمل] السنة التي هاجر فيها ما اكتملت، باقي فيها شهران أو ثلاثة [وما زالت الأحداث والوقائع فيها تتجدد. وهذه بضع تلك الأحداث نذكرها تحت عناوينها].الحدث الأول المفرح: [الصلاة والأذان: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل الإسراء والمعراج يصلي هو والمؤمنون معه ركعتين في الصباح وركعتين في المساء] قبل العروج إلى الله عز وجل وفرض الصلاة في الملكوت الأعلى كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون -وعددهم معروف في مكة عشرة أو عشرين نفر- يصلون ركعتين في الصباح وركعتين في المساء [وذلك لقوله تعالى في خطابه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [غافر:55]] هذه الآية مكية. ومعناها: فاصبر على آلام وجراحات وأتعاب المشركين لك ولإخوانك المؤمنين، لِم؟ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر:55] أي: لا بد وأن وينتصر الحق، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [غافر:55] وهذا دليل صلاة الركعتين من أول النهار وآخره قبل فرضية الصلوات الخمس.[ولما أسري به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وعرج به إلى الملكوت الأعلى فرض الله تعالى عليه وعلى أمته الصلوات الخمس] كم ساعة تحتاج لكي تعرج إلى الله عز وجل؟تحتاج سبعمائة آلاف وخمسمائة سنة وأنت طائر حتى تخترق السماوات السبع؛ إذ سمك كل سماء خمسمائة عام، وما بين السماء والسماء خمسمائة أخرى، ولك أن تُقدّرها، هذا فقط تنتهي به إلى الجنة دار السلام وفوقها عرش الرحمن عز وجل. والعروج هو الطلوع، وعندنا الآن ما يسمى بالمعراج أو المصعد.قال: [نزل جبريل عليه السلام فصلى بالرسول صلى الله عليه وسلم عند الكعبة، فعلمه كيفية الصلوات الخمس] صلى النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل، فكان جبريل المُعلم [وبين له أوقاتها الاختيارية والضرورية] في اليوم الأول بدأ صلاة الصبح مع طلوع الفجر، واليوم الثاني قبل طلوع الشمس بنصف ساعة أو ساعة، وفي الظهر بدأ بها أول الزوال، ثم أخرها إلى قبيل العصر بربع ساعة مثلاً، المهم علمه أوقاتها الواسعة والضيقة، الضرورية والاختيارية.[ولما هاجر إلى المدينة بعد ثلاث سنوات من فرض الصلوات الخمس] إذ فرضت في العاشرة [نزلت الرخصة بقصر الرباعية إلى ركعتين في السفر كما كانت ركعتين قبل الإسراء والمعراج، وهذا معنى قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديث البخاري : ( إن الصلاة نزلت ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر )] وهذا التأويل من أجمل ما يكون؛ لأن الظاهرية يبطلون صلاة الظهر أربعاً للمسافر، بحجة أنها نزلت هكذا.فعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبعد ثلاث سنوات من فرض الصلوات الخمس نزلت الرخصة بقصر الرباعية إلى ركعتين في السفر؛ لأن الجهاد والغزو بدأ [إذ نزلت الرخصة بقصر الرباعية على ركعتين في قول الله تعالى من سورة النساء: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء:101]].وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم ..
 الخطوة الخامسة: هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار
قال: [الخطوة الخامسة] في الإصلاح والبناء والتأسيس في المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم [هي مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار] أمتان آخى بينهما، فربط كل رجل بآخر وقال: أنت أخوه وهو أخوك، وحينئذ يتم التعاون بمعناه الكامل، وهذا لم يُسبق إليه صلى الله عليه وسلم ولا فعله غيره ولا يقدر عليه أحد.قال: [إن من الرشد والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية خطوة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ظرف كان المهاجرون فيه أحوج ما يكونون إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة، إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم، وحلوا ببلد] ونزلوا به [لم يكن ليتسع حتى لأهله فضلاً عن النازحين إليه] ما هي المدينة؟ ماذا فيها؟ أهلها محتاجون وفقراء، فكيف تتحمل المدينة -إذاً-أمة أخرى؟![وبهذه المؤاخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار، والتي كان الأنصاري فيها يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى أعجب نسائي إليك أُطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها] وليس فوق هذا شيء أبداً! وهذا قطعاً قبل نزول آيات الحجاب، فالحجاب نزل في السنة السادسة [كان المجتمع المدني قد التحم بعضه ببعض، وأصبح جسماً واحداً ينهض بكل عبء يلقى عليه. وبذلك أعده الرسول الحكيم ليتحمل عبء إعلان الحرب على الأبيض والأصفر، وقتال القريب والبعيد من كافة أهل الشرك والكفر] ولولا أنه عد المدينة بهذه العدة وجعلها بهذه المثابة فربط بين المهاجرين والأنصار، وجعلهم إخواناً على قلب واحد، لما استطاع أن يعلن الحرب على الأبيض والأسود؛ فالأرضية متنها وقعد قواعدها ثم أعلن الحرب.عجب سلوك هذا النبي الحكيم! ومع هذا تدرّس حياة الملاحدة والعلمانيين والبلاشفة في جامعات العالم الإسلامي إلا من رحم الله، ولا تدرس أبداً سياسة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: قال رسول الله أو فعل رسول الله.[وهذا أنموذج مصغر من تلك المؤاخاة:[أخوانالمهاجر أبو بكر الصديق الأنصاري خارجة بن زهير ] آخى الرسول بين أبي بكر وبين خارجة ، فـأبو بكر مهاجر وخارجة أنصاري.[أخوانالمهاجرأبو عبيدة عامر بن الجراحالأنصاري سعد بن معاذ ] وآخى بين أبي عبيدة المهاجر وبين سعد بن معاذ الأنصاري.[أخوانالمهاجرعبد الرحمن بن عوف الأنصاريسعد بن الربيعأخوانالمهاجرعمر بن الخطاب الأنصاريعتبان بن مالكأخوانالمهاجرعثمان بن عفان الأنصاري أوس بن ثابتأخوانالمهاجرطلحة بن عبيد الله الأنصاريكعب بن مالكأخوانالمهاجرسلمان الفارسي ] وإن كان من غير مكة فقد هاجر من فارس.[الأنصاري أبو الدرداءأخوانالمهاجربلال بن رباحالأنصاريأبو رويحة ] وهكذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ليصبح الأخ يقاسم أخاه ما عنده، لا فضل لهذا عن هذا، فقرص العيش يقتسمونه. ومن يفعل هذا ويقدر عليه من البشر سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!قال: [وها هي ذي الكلمة الطيبة التي قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم فتمت بها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، إنها هي قوله -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-:(إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)] هذه استولت على مشاعر وأحاسيس وقلوب الأنصار ورضوا بالمؤاخاة وقالوا: نقتسم معهم ما عندنا [وإما إن قالها] أي: هذه الكلمة الخالدة [حتى قال الأنصار: أموالنا بيننا قطائع] قطعة لي وقطعة لك [فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أو غير ذلك؟ فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قوم لا يعرفون العمل فتكفوهم العمل وتقاسمونهم الثمر، قالوا: نعم )] لأن أهل مكة لا يعرفون المسحاة ولا دلو الماء، فكيف يعملون معهم؟ تجد المهاجر جالس في المسجد وأخوه يشتغل من الصباح إلى الظهر ثم يقتسم التمر والعنب معه؟ لأن المهاجر لا يعرف الفلاحة، فكيف يُكلّف؟! إذاً: ارحموهم أيها الأنصار؛ لأنهم لا يحسنون جلب الماء ولا سقي النخل أو تأبيرها أو غير ذلك .. فرضوا بذلك رضي الله عنهم.[( وبعدها قال المهاجرون: يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المئونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم )] مواسياً مطمئناً القلوب والنفوس [( لا. ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم )] يعني: لا تخافوا أن يذهبوا بالأجر، ما دمتم تثنون عليهم وتدعون الله لهم، أي: مقابل هذا الأجر الثناء عليهم ودعوة الله تعالى لهم، وهي سنة باقية إلى اليوم، يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له ).من صنع إليك يا عبد الله! معروفاً فكافئه بمثله أو أفضل، فإن عجزت ادع الله له، قل: جزاك الله خيراً! والعامة عندنا يقولون: شكراً، وهي مترجمة عن الإنجليزية. فتجده يأكل عندك أو يشرب ثم يقول لك: شكراً أو ثانكيو، والرسول المعلم الكريم يقول: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ) مقابل جميله وإحسانه، فإن عجزت فادع الله له، فأقل ما تقول: جزاك الله خيراً، أو بارك الله فيك وفي مالك، وفيما أعطاك أو أبقاك الله صالحاً. أما ثانكيو ومِرْسي فهي من الفرنسية والإنجليزية.أولاً: الشكر لله الواحد المعطي ما هو للعبد، ثم لما تشكره إما أن تقدم له مالاً أو طعاماً أو كساءً أو عملاً تكافئه به، وإلا ادع الله له الذي يتولى الجزاء، ويستجيب الله لك إن شاء.قال: ( فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله تعالى لهم ) والثناء على الشخص المسلم معروف، تقول: فلان أحسن إلينا، أكرمنا، فعل معنا كذا وكذا .. وهذه من صفات المؤمنين، هذا الثناء. أما الدعاء هو أن تقول: اللهم بارك له في حياته وفيما أعطيته، وأقل شيء: جزاك الله خيراً![هكذا كانت المؤاخاة في ظروف الحاجة، ولما وسع الله تعالى على المسلمين نسخ التوارث بها، وأقر المودة والحب بينهم] كانوا يتوارثون، المهاجر يرث الأنصاري، والأنصاري يرث المهاجر إذا مات؛ لأنهم إخوة، فلما زال الضيق وزال العسر والشدة ووسع الله على المسلمين نسخ الله التوارث بينهم [فقال تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]] أما التوارث انتهى، استمر عاماً أو عامين أو ثلاثة وقت الضيق والضغط والحاجة، ولما انتشر الإسلام واتسعت رقعة المسلمين نسخه الله، فمن كان من جماعتك ورحمك ترثه ويرثك، بينما الذي لا صلة لك به إلا الإيمان والهجرة فإنه لا يرثك ولا ترثه، قال عز وجل: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6] اللهم: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الأحزاب:6] كتاب القضاء والقدر وفي القرآن الكريم مَسْطُورًا [الأحزاب:6] أي: مسجلاً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 38 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net