اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 31 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 31 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
لما انقضت على دعوة الإسلام ثلاث عشرة سنة في مكة، ولم يسلم في تلك الفترة إلا العدد اليسير، وهم المؤمنون المستضعفون المعذبون من قبل كفار قريش وزبانيتهم، أراد الله عز وجل ظهور الإسلام وانتشار خبره في أصقاع الأرض فهيأ لذلك تدابير إلهية، ومن ذلك إيمان بعض الشخصيات الاجتماعية من غير أهل مكة، وقدوم الأوس والخزرج إلى مكة في موسم الحج ولقائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومبايعتهم له في العقبة الأولى والثانية، وإرسال النبي مصعب بن عمير معهم إلى المدينة لتعليمهم حتى يتهيئوا لاحتضان الدعوة وصاحبها في مدينتهم.
تدابير إلهية لظهور الإسلام
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فقد انتهينا إلى مقطوعة [تدابير إلهية لظهور الإسلام] من هو المدبر؟ إنه الله؛ المدبر لظهور الإسلام وعلوه وسطوع شمسه ونصرته، فهيا نستمع إلى هذه التدابير ليزيد إيماننا وترتفع درجة يقيننا، ونصبح مؤمنين بحق إن شاء الله ربنا.
 التدبير الرابع: إتيان جماعة من أهل المدينة النبي ومبايعتهم له (بيعة العقبة الثانية)
قال: [ورابع: هو أنه لما فشا الإسلام] أي انتشر [في المدينة بين الأنصار، اجتمع جماعة من أهل المدينة وقرروا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ويجتمعوا معه سراً ويدرسوا معه -على كثب- موضوع هجرته إليهم، وانتهوا إلى مكة، واتصلوا بالحبيب صلى الله عليه وسلم سراً وواعدوه وسط ليالي التشريق] الثلاثة، الليلة الوسطى منها [فوافوه بالعقبة ليلاً، وكانوا سبعين رجلاً] هذه البيعة الثانية العظيمة [ومعهم امرأتان هما: نسيبة بنت كعب أم عمارة ، وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس رضي الله عنه، وهو يومئذ كافر لم يؤمن] إذ ما آمن إلا بعد وقعة بدر [وإنما حضر] العباس [ليستوثق لابن أخيه من كل ما يعده به الأنصار ويعطونه له من أنفسهم] يستوثق منهم: يعني يأخذ مواثيق وعهوداً، فلا يأخذون الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يهملونه ويعرضونه للأذى والبلاء، فلا بد وأن يعدوا وعد الصدق بأن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم وأهليهم، والعباس ذكي مع أنه كافر ولكن وقف إلى جنب ابن أخيه، وعرف ما يئول إليه المستقبل [فكان أول من تكلم العباس ، فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث علمتم في عز ومنعة] وإن كان الواقع غير ذلك، ولكن هذه السياسة الرشيدة [وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة] هذه كلمة العباس ، فهل عرف السياسيون هذه؟ آه! بينهم وبينها كما بين السماء والأرض [فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله! وخذ لنفسك ولربك ما أحببت] الباب مفتوح [فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام، ثم قال: ( تمنعونني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم. والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا. فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحدقة ورثناها كابراً عن كابر، وهنا اعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان ، فقال: يا رسول الله! إنا بيننا وبين الرجال حبالاً] صلات يعني [وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله ونصرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ( بل الدم الدم، والهدم الهدم )] وهذه كلمة شائعة عند العرب، يعني دمي دمكم وهدمي هدمكم، فليس هناك فرق، يعني: لا يمكن أن أترككم [( أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربكم وأسالم من سالمكم )] صلى الله عليه وسلم [وهنا التفت إليهم العباس بن عبادة الأنصاري وقال: يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود] وهو كذلك [فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو -والله- خزي الدنيا والآخرة] أي: من الآن اتركوه ولا تأخذوه [وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو -والله- خير الدنيا والآخرة، فأجابوه قائلين: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، والتفتوا إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟] يعني: ما الجزاء؟ ماذا سنعطى؟ [قال -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-: (الجنة!!)] وزيادة (والناس أجمعون) هذه من فتوحات الله علينا، فما عرفناها ولا سمعناها من السلف، فإن كانت مقبولة مقبولة، وإن كانت مردودة نستغفر الله من ذلك، ولكن ليس فداه أبي وأمي فقط بل -والله- والعالم أجمع [فقالوا: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعوه على خلاف البيعة الأولى؛ إذ بايعوه على حرب الأحمر والأسود] البيعة الأولى كانت تتعلق بالإيمان والعبادة، أما هذه فعلى الحرب والجهاد (على حرب الأحمر والأسود) والأحمر بمعنى الأبيض؛ لأن العرب ليسوا كالأوروبيين [وعين منهم صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيباً] والنقيب معروف [تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فالخزرجيون هم: أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو بن خنيس والبراء بن معرور ، والأوسيون- الثلاثة- هم: أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ، وبهذا كانت بيعة العقبة الثانية، وصرخ الشيطان من أعلى العقبة] أصابه كرب وهم وحزن [قائلاً: يا أهل الجباجب! هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم] وأهل الجباجب هم: أهل المنازل، والصباة جمع صابٍ، أي: المائل عن دينه، ويقصد بمذمم محمد صلى الله عليه وسلم، حاكياً ما قالته المجرمة أم جميل العوراء [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا أزب العقبة )] وأزب العقبة: شيطانها، والأزب هو القصير الماكر والبخيل الخبيث [( أتسمع أي عدو الله! أما والله لأتفرغن لك )، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ارجعوا إلى رحالكم )، فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبياً لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لم نؤمر بذلك )] أي: لم يأمرنا ربنا بقتلهم[وسمعت قريش بهذه البيعة المباركة، فلاحقت أهلها فلم تظفر إلا بـسعد بن عبادة فعذبته] والباقون نجوا [ثم نجاه الله تعالى فلحق بالمدينة، واشتد لذلك غضب قريش وعظم أذاها للمؤمنين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة إلى المدينة، فكان أول من قدم المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثم هاجر عامر بن ربيعة مع امرأته ليلى ، ثم عبد الله بن جحش وتتابع الأصحاب، فهاجر عمر بن الخطاب وعياش بن ربيعة وغيرهم]. وهذا كله تدبير الله عز وجل؛ حتى نجلس مثل هذه الجلسة ونحمد الله ونثني عليه، ونصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، وندعو الله فيرضى عنا، ولولا ذاك ما حصل هذا أبداً، ولا اجتمعنا.
نتائج وعبر من مقطوعة (تدابير إلهية لظهور الإسلام)
قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها فيما يأتي:أولاً: بيان شرف سويد بن الصامت -الملقب بـالكامل - إذ كان أول من لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الإسلام فاستحسنه، ونقل خبره إلى المدينة] ومات مسلماً [ثانياً: بيان شرف إياس الشاب الذي ما إن سمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال: هذا والله خير مما جئتم له. ثالثاً: بيان فضل الرهط الذين لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة وعرض عليهم الإسلام، فأجابوه وآمنوا وعادوا إلى المدينة فنشروا الإسلام.رابعاً: بيان شرف أهل بيعة العقبة الأولى، وعلى رأسهم أسعد بن زرارة . خامساً: بيان فضل مصعب بن عمير شهيد أحد رضي الله عنه؛ إذ ضرب المثل في حسن الدعوة والصبر على البلاء فرضي الله عمن ترضى عن مصعب من كل مؤمن موحد. سادساً: شرف أهل بيعة العقبة الثانية وفضل النقباء منهم، وهم اثنا عشر رجلاً. سابعاً: بيان عداوة الشيطان إذ صرخ متألماً لما شاهد من نصرة الإسلام، وأغرى المشركين بالمؤمنين وأذاع خبر بيعة العقبة فلعنة الله عليه].
 التدبير الرابع: إتيان جماعة من أهل المدينة النبي ومبايعتهم له (بيعة العقبة الثانية)
قال: [ورابع: هو أنه لما فشا الإسلام] أي انتشر [في المدينة بين الأنصار، اجتمع جماعة من أهل المدينة وقرروا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ويجتمعوا معه سراً ويدرسوا معه -على كثب- موضوع هجرته إليهم، وانتهوا إلى مكة، واتصلوا بالحبيب صلى الله عليه وسلم سراً وواعدوه وسط ليالي التشريق] الثلاثة، الليلة الوسطى منها [فوافوه بالعقبة ليلاً، وكانوا سبعين رجلاً] هذه البيعة الثانية العظيمة [ومعهم امرأتان هما: نسيبة بنت كعب أم عمارة ، وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس رضي الله عنه، وهو يومئذ كافر لم يؤمن] إذ ما آمن إلا بعد وقعة بدر [وإنما حضر] العباس [ليستوثق لابن أخيه من كل ما يعده به الأنصار ويعطونه له من أنفسهم] يستوثق منهم: يعني يأخذ مواثيق وعهوداً، فلا يأخذون الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يهملونه ويعرضونه للأذى والبلاء، فلا بد وأن يعدوا وعد الصدق بأن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم وأهليهم، والعباس ذكي مع أنه كافر ولكن وقف إلى جنب ابن أخيه، وعرف ما يئول إليه المستقبل [فكان أول من تكلم العباس ، فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث علمتم في عز ومنعة] وإن كان الواقع غير ذلك، ولكن هذه السياسة الرشيدة [وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة] هذه كلمة العباس ، فهل عرف السياسيون هذه؟ آه! بينهم وبينها كما بين السماء والأرض [فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله! وخذ لنفسك ولربك ما أحببت] الباب مفتوح [فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام، ثم قال: ( تمنعونني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم. والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا. فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحدقة ورثناها كابراً عن كابر، وهنا اعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان ، فقال: يا رسول الله! إنا بيننا وبين الرجال حبالاً] صلات يعني [وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله ونصرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ( بل الدم الدم، والهدم الهدم )] وهذه كلمة شائعة عند العرب، يعني دمي دمكم وهدمي هدمكم، فليس هناك فرق، يعني: لا يمكن أن أترككم [( أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربكم وأسالم من سالمكم )] صلى الله عليه وسلم [وهنا التفت إليهم العباس بن عبادة الأنصاري وقال: يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود] وهو كذلك [فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو -والله- خزي الدنيا والآخرة] أي: من الآن اتركوه ولا تأخذوه [وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو -والله- خير الدنيا والآخرة، فأجابوه قائلين: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، والتفتوا إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟] يعني: ما الجزاء؟ ماذا سنعطى؟ [قال -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-: (الجنة!!)] وزيادة (والناس أجمعون) هذه من فتوحات الله علينا، فما عرفناها ولا سمعناها من السلف، فإن كانت مقبولة مقبولة، وإن كانت مردودة نستغفر الله من ذلك، ولكن ليس فداه أبي وأمي فقط بل -والله- والعالم أجمع [فقالوا: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعوه على خلاف البيعة الأولى؛ إذ بايعوه على حرب الأحمر والأسود] البيعة الأولى كانت تتعلق بالإيمان والعبادة، أما هذه فعلى الحرب والجهاد (على حرب الأحمر والأسود) والأحمر بمعنى الأبيض؛ لأن العرب ليسوا كالأوروبيين [وعين منهم صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيباً] والنقيب معروف [تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فالخزرجيون هم: أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو بن خنيس والبراء بن معرور ، والأوسيون- الثلاثة- هم: أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ، وبهذا كانت بيعة العقبة الثانية، وصرخ الشيطان من أعلى العقبة] أصابه كرب وهم وحزن [قائلاً: يا أهل الجباجب! هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم] وأهل الجباجب هم: أهل المنازل، والصباة جمع صابٍ، أي: المائل عن دينه، ويقصد بمذمم محمد صلى الله عليه وسلم، حاكياً ما قالته المجرمة أم جميل العوراء [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا أزب العقبة )] وأزب العقبة: شيطانها، والأزب هو القصير الماكر والبخيل الخبيث [( أتسمع أي عدو الله! أما والله لأتفرغن لك )، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ارجعوا إلى رحالكم )، فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبياً لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لم نؤمر بذلك )] أي: لم يأمرنا ربنا بقتلهم[وسمعت قريش بهذه البيعة المباركة، فلاحقت أهلها فلم تظفر إلا بـسعد بن عبادة فعذبته] والباقون نجوا [ثم نجاه الله تعالى فلحق بالمدينة، واشتد لذلك غضب قريش وعظم أذاها للمؤمنين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة إلى المدينة، فكان أول من قدم المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثم هاجر عامر بن ربيعة مع امرأته ليلى ، ثم عبد الله بن جحش وتتابع الأصحاب، فهاجر عمر بن الخطاب وعياش بن ربيعة وغيرهم]. وهذا كله تدبير الله عز وجل؛ حتى نجلس مثل هذه الجلسة ونحمد الله ونثني عليه، ونصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، وندعو الله فيرضى عنا، ولولا ذاك ما حصل هذا أبداً، ولا اجتمعنا.
مكائد اليهود ضد أعدائهم ومخططاتهم للإعلان عن دولتهم
معاشر المستمعين! أريد أن أزودكم بمعارف فتح الله بها علينا! اعلموا أن اليهود رفضوا الإسلام على علم وبصيرة، لا لشيء إلا لخوفهم ألا يتحقق أملهم في إعادة مملكة بني إسرائيل، الإمبراطورية التي كانت على عهد النبيين داود وسليمان عليهما السلام، فما رفضوا الإسلام إلا خشية أن يذوبوا فيه وينقطع أمل إيجاد مملكتهم المنشودة، فهم يعملون لذلك قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الذين ألبوا النصارى والمجوس على حرب الإسلام، فهم الذين نسجوا الخيوط، ووضعوا الطريق لضربه، وما زالوا يتآمرون ويعملون حتى فتتونا وشتتونا ومزقونا وأذلونا، وأذهبوا نور القرآن من قلوبنا ومن أبصارنا، وأصبحنا أمة هابطة من إندونيسيا إلى المغرب.كيف وماذا صنعوا؟وجدوا الصليبي أقوى، والمسلم أرحم، فاليهودي يعيش مع المسلمين لا يؤذى، ولكن الصليبيين أعداء اليهود، فقد كان الصليبي الحق لا يستطيع أن يفتح عينيه في يهودي؛ ومن العبادة عندهم ألا يفتح عينيه في يهودي؟ أيقتل إلهه وينظر إليه؟ بل كانوا يقلونهم كالسمك في قدور الزيت، وتنشرح صدورهم لذلك؛ لأنهم قتلوا إلههم. تجدهم يعلقون الصلبان في أعناقهم؟ وما هو الصليب؟ إنه عيسى عليه السلام.إذاً: كيف يضرب اليهود الصليبية ويمزقوها؟نسجوا وأوجدوا ثوب الإلحاد في العالم، والإلحاد حديث العهد، فقد كان الأبيض والأسود في العالم يؤمن بوجود الله، والمعبودات والأصنام كلها يُتوسل بها إلى الله، حتى المجوس كانوا يعبدون النار يتوسلون بها إلى الله، لكن فكرة: لا إله والحياة مادة، هي من وضع اليهود، وليس عامة اليهود المتفرقين في اليمن والجزائر وتونس.. ولكن خواصهم، وعلماؤهم، فالعوام لا يفهمون هذا.فوضعوا اليهود الإلحاد في قميص الشيوعية؛ فالشيوعية تقوم على مبدأ: لا إله والحياة مادة، ونشروا المذهب البلشفي، وأصبح ثلاثة أرباع أوروبا لا يؤمنون بلقاء الله، أما الصليب فإنه يشترونه ولا حرج، ويدل على ذلك أن مئات الآلاف من الكنائس قفراء لا أحد فيها، فانتشرت هذه الضلالة العجيبة، وهبطت بالمسيحيين، وأصبحوا يقربون اليهود ويدنونهم، وينزلونهم منازل عظيمة، وما هي إلا سنوات حتى استولى اليهود على الأموال، وأصبحوا الأساتذة الكبار في السياسة وغيرها من العلوم، فسيطروا على أمريكا وأخضعوها، وفعلوا بأوروبا ذلك أيضاً، من أجل أن يملكوا ويعلنوا عن مملكة بني إسرائيل.ومن مظاهر السعي والعمل الجاد بالليل والنهار، أنهم استطاعوا أن يفرضوا على العالم بكامله مسلمه وكافره دولة بني إسرائيل في فلسطين، في أرض القدس التي يعظمها كل العالم الإسلامي، والصليبية خنست وخضعت، وأُوجد بالفعل دولة بني إسرائيل.إذاً: تنطلق الانطلاقة الأولى من النيل إلى لفرات، وبعد ذلك تحكم العالم كعهد سليمان عليه السلام.ولما بلغت الشيوعية مداها وتحقق لليهود آمالهم سلبوها وانتهوا منها، ويمكن أنهم قد توقعوا أيضاً أن ظروف الشيوعية قد تطيح بهم، ولذلك أوجدوا البديل، وما هو البديل؟ إنه المذهب العلماني الذي يسود العالم اليوم، وما هي العلمانية؟ هي أنه كل شيء للعلم، فعطلوا شرائع الله كلها، وأوقفوا الآداب والأخلاق، وأصبح العلم هو كل شيء، كل شيء بالعلم من الذرة إلى المجرة، وساد هذا المذهب، وانتشر في العالم، وضرب به من ضرب من العالم الإسلامي، وصفق البلهاء والجهال لهذا المذهب.والآن أوجدوا حركة أخرى .. فبعيني هاتين كان الحاكم الفرنسي إذا زار المنطقة في العام مرة أو في السنتين تأتي امرأته وعلى وجهها الخمار الأسود كالمرأة المسلمة بالمدينة؛ لتعرفوا أن كشف الوجوه وإزالة الحجاب هو من فعل بني عمنا ومن صنائعهم.ولكن بقي التدين وطالت مدة الإعلان عن دولتهم، فقالوا: هيا نمسخ العالم! فاستطاعوا أن يمسخوا أوروبا وأكثر بلاد العالم الإسلامي، فنزعوا حجاب، وأوجدوا الاختلاط، ووظيفة المرأة.. وتغنى العلماء بالمرأة، وحقوق المرأة وكذا .. حتى مسخت المرأة في أوروبا وأمريكا، وأكثر بلاد العرب، وأصبحت المرأة تعمل ست ساعات، وفقد الناس لذة الحياة، فما إن تدق الساعة السابعة إلا وهم يجرون في الشوارع ذاهبين إلى أعمالهم .. وفقدوا كذلك الراحة.وماذا حدث بعد ذلك؟انتشر اللواط!! لقد وُجدت أندية اللواط في العالم، وقد سمعت في الإذاعة من يقول: تم عقد النكاح لثلاثة وأربعين رجلاً على آخر مثله في بلاد العرب.إذاً: فسدت الأخلاق وهبطت البشرية إلى الحيوانية، ينزو بعضهم على بعض في الشوارع، وتعال إلى دول ترقت من قديم كالسويد والدنمارك وغيرها، لتجدهم في الغابات ينزو بعضهم على بعض، وكان هناك إعلان في بريطانيا مفاده: أنه لا مانع من أن يتزوج الرجل برجل آخر، ويعقد لهم قاض.ثم بعد ذلك طالت المدة ولم يعلنوا عن دولتهم، فماذا فعلوا؟بدءوا بالصور، الصور في المجلات، ووالله الذي لا إله غيره أنه أثيرت الغرائز وحركت الشهوات وحصل الزنا واللواط بواسطة هذه المرائي والمناظر، وهم على علم حين ينشرونها، فكل شيء حتى حبة الحلوى فيها عاهرة، وانظروا إلى مجلاتكم وجرائدكم، والصور على البضائع وعلى كل شيء لإهاجة الشهوات البشرية؛ حتى تهبط الأمم ويمسخها الله، ولا تصبح أهلاً للبقاء.وما زلنا كالعميان، تجد عندنا المراقص، والملاهي، والتلفاز، والفيديو وغير ذلك .. ثم رأوا من جديد أن المدة قد طالت فكيف يفعلون؟ قالوا: هيا بنا نعمل مخططاً جديداً .. فادعوا أن الأرض امتلأت بالبشرية -وكأن البشرية لا خالق لها ولا رب ولا رازق، وعموا عن قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]- فمنعوا الزواج المبكر، حتى لا يولد الناس، وجوزوا الإجهاض وشرعوا له، ثم قالوا: نسلط الذكر على الذكر والأنثى على الأنثى في الغابات والبساتين؛ حتى يروُن غرائزهم بالشهوات وينتهي الزواج وعقد النكاح.فإن أراد الله عز وجل أن يوقف هذه النار ويطفئها فلا راد لأمره، وإن أراد أن تمضي سنته في البشرية الهابطة المعرضة عنه، فسوف ينتصر هذا الذي يفعل اليهود ويتحقق لهم ما أرادوا.ونحن لا يسعنا إلا أن نرفع أكفنا إلى الله -وقد عودنا الاستجابة- وهناك كم وكم ممن يذكر أن الله استجاب له بدعوة أهل هذا الدرس وشفاه، وعندنا مؤمن يقول: أنفقت أكثر من أربعين ألفاً على الإنجاب ولم أنجب، ولم أترك طبيباً ولا دواء إلا تناولته، ثم وجدت هذا الطريق، فادعوا الله لي أن يرزقني الولد.إذاً: أنا أدعو وأنتم أمنوا -على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم- فليس كلنا يدعو:اللهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم يا بديع السموات والأرض! اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا حنان يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، إنا نسألك لهذا المؤمن ولكل مؤمن ومؤمنة يرغب في الولد أن ترزقه ولداً صالحاً تقر به عينه يا رب العالمين! ونسألك اللهم أن تنزل نقمتك وعظيم بأسك على الفئة الكافرة الناقمة على الإسلام، اللهم أنزل بهم سخطك، وأنزل بهم نقمتك وعذابك، وأرنا فيهم يا رب ما يسوءهم، اللهم عجل بنقمتك لهم حتى لا يجتمعوا في ديارنا ولا يعلنوا عن كفرهم بيننا، إنك ولينا وعدوهم يا رب العالمين! اللهم أرنا فيهم آية من آياتك، اللهم حرقهم ومزقهم وشتت شملهم وجمعهم وردهم خائبين خاسرين يا رب العالمين!وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..
 التدبير الرابع: إتيان جماعة من أهل المدينة النبي ومبايعتهم له (بيعة العقبة الثانية)
قال: [ورابع: هو أنه لما فشا الإسلام] أي انتشر [في المدينة بين الأنصار، اجتمع جماعة من أهل المدينة وقرروا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ويجتمعوا معه سراً ويدرسوا معه -على كثب- موضوع هجرته إليهم، وانتهوا إلى مكة، واتصلوا بالحبيب صلى الله عليه وسلم سراً وواعدوه وسط ليالي التشريق] الثلاثة، الليلة الوسطى منها [فوافوه بالعقبة ليلاً، وكانوا سبعين رجلاً] هذه البيعة الثانية العظيمة [ومعهم امرأتان هما: نسيبة بنت كعب أم عمارة ، وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس رضي الله عنه، وهو يومئذ كافر لم يؤمن] إذ ما آمن إلا بعد وقعة بدر [وإنما حضر] العباس [ليستوثق لابن أخيه من كل ما يعده به الأنصار ويعطونه له من أنفسهم] يستوثق منهم: يعني يأخذ مواثيق وعهوداً، فلا يأخذون الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يهملونه ويعرضونه للأذى والبلاء، فلا بد وأن يعدوا وعد الصدق بأن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم وأهليهم، والعباس ذكي مع أنه كافر ولكن وقف إلى جنب ابن أخيه، وعرف ما يئول إليه المستقبل [فكان أول من تكلم العباس ، فقال: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث علمتم في عز ومنعة] وإن كان الواقع غير ذلك، ولكن هذه السياسة الرشيدة [وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ومنعة] هذه كلمة العباس ، فهل عرف السياسيون هذه؟ آه! بينهم وبينها كما بين السماء والأرض [فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله! وخذ لنفسك ولربك ما أحببت] الباب مفتوح [فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام، ثم قال: ( تمنعونني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم. والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أُزرنا. فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحدقة ورثناها كابراً عن كابر، وهنا اعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان ، فقال: يا رسول الله! إنا بيننا وبين الرجال حبالاً] صلات يعني [وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله ونصرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ( بل الدم الدم، والهدم الهدم )] وهذه كلمة شائعة عند العرب، يعني دمي دمكم وهدمي هدمكم، فليس هناك فرق، يعني: لا يمكن أن أترككم [( أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربكم وأسالم من سالمكم )] صلى الله عليه وسلم [وهنا التفت إليهم العباس بن عبادة الأنصاري وقال: يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود] وهو كذلك [فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو -والله- خزي الدنيا والآخرة] أي: من الآن اتركوه ولا تأخذوه [وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو -والله- خير الدنيا والآخرة، فأجابوه قائلين: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، والتفتوا إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟] يعني: ما الجزاء؟ ماذا سنعطى؟ [قال -فداه أبي وأمي والناس أجمعون-: (الجنة!!)] وزيادة (والناس أجمعون) هذه من فتوحات الله علينا، فما عرفناها ولا سمعناها من السلف، فإن كانت مقبولة مقبولة، وإن كانت مردودة نستغفر الله من ذلك، ولكن ليس فداه أبي وأمي فقط بل -والله- والعالم أجمع [فقالوا: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعوه على خلاف البيعة الأولى؛ إذ بايعوه على حرب الأحمر والأسود] البيعة الأولى كانت تتعلق بالإيمان والعبادة، أما هذه فعلى الحرب والجهاد (على حرب الأحمر والأسود) والأحمر بمعنى الأبيض؛ لأن العرب ليسوا كالأوروبيين [وعين منهم صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيباً] والنقيب معروف [تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فالخزرجيون هم: أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو بن خنيس والبراء بن معرور ، والأوسيون- الثلاثة- هم: أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر ، وبهذا كانت بيعة العقبة الثانية، وصرخ الشيطان من أعلى العقبة] أصابه كرب وهم وحزن [قائلاً: يا أهل الجباجب! هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم] وأهل الجباجب هم: أهل المنازل، والصباة جمع صابٍ، أي: المائل عن دينه، ويقصد بمذمم محمد صلى الله عليه وسلم، حاكياً ما قالته المجرمة أم جميل العوراء [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا أزب العقبة )] وأزب العقبة: شيطانها، والأزب هو القصير الماكر والبخيل الخبيث [( أتسمع أي عدو الله! أما والله لأتفرغن لك )، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ارجعوا إلى رحالكم )، فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبياً لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لم نؤمر بذلك )] أي: لم يأمرنا ربنا بقتلهم[وسمعت قريش بهذه البيعة المباركة، فلاحقت أهلها فلم تظفر إلا بـسعد بن عبادة فعذبته] والباقون نجوا [ثم نجاه الله تعالى فلحق بالمدينة، واشتد لذلك غضب قريش وعظم أذاها للمؤمنين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة إلى المدينة، فكان أول من قدم المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثم هاجر عامر بن ربيعة مع امرأته ليلى ، ثم عبد الله بن جحش وتتابع الأصحاب، فهاجر عمر بن الخطاب وعياش بن ربيعة وغيرهم]. وهذا كله تدبير الله عز وجل؛ حتى نجلس مثل هذه الجلسة ونحمد الله ونثني عليه، ونصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، وندعو الله فيرضى عنا، ولولا ذاك ما حصل هذا أبداً، ولا اجتمعنا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 31 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net