اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقاية الأسرة من النار للشيخ : عبد الله حماد الرسي


وقاية الأسرة من النار - (للشيخ : عبد الله حماد الرسي)
لقد أكثر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز من الحث على التقوى في أكثر من موضع، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ وهذا نداء تشريف ينادي الله به عباده المؤمنين؛ ليجعلوا بينهم وبين النار وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي وأن يهتموا بتربية الأولاد والأهل، وتذكر الآخرة والاستعداد للسؤال بين يدي الله.
قوا أنفسكم وأهليكم ناراً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه، ترك أمته على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله عن أمته خير ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين.أما بعد: فيا أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، ومع آية في كتاب الله العظيم، يقول الله فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].يا أيها الذين آمنوا! هذا النداء من الله جلَّ وعلا، نداء من الكريم سبحانه وبحمده، ينادي به المؤمنين، وهذا النداء نداء تشريف ينادي به المؤمنين سبحانه وبحمده فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] أي: اجعلوا بينكم وبين هذه النار وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى، أكثر من الحث على التقوى في عدة آيات من القرآن العظيم؛ لأن تقوى الله سبحانه وتعالى فيها السعادة، والفلاح، والنجاح، قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] هذا النداء من الله، يا أيها الذين آمنوا.يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأرع لها سمعك -أصغ لها سمعك- إما خيراً تدعى إليه أو شراً تحذر عنه]] أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. والنداءات التي فيها الحث على تقوى الله سبحانه وتعالى كثيرة في القرآن منها قوله جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102-103] ومنها قوله جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].
 

فوائد التقوى
من اتقى الله عز وجل فليبشر بالخير الكثير، يجعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، كما قال الرب جل وعلا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].أيضاً من يتقِ الله ييسر الله أموره، كما قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4].أيضاً من يتق الله يكرمه الله بكرامة لا تنال بحسب ولا بنسب ولا بكثرة أموال، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] لتعارفوا لا ليفخر بعضكم على بعض، ولا ليتكبر بعضكم على بعض (كلكم لآدم وآدم من تراب) لكن الله جل وعلا الحكيم العليم، الخبير البصير سبحانه وتعالى فصلها، وقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] الله أكبر! إن أكرمكم عند الله أتقاكم.ثم يا إخواني في الله! من يتق الله جل وعلا يرزقه الله علماً نافعاً، يفرق بين الحق والباطل، يعرف الحلال من الحرام، يقول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].اتقوا الله، افعلوا الأوامر، واجتنبوا النواهي؛ ينور الله قلوبكم وبصائركم بالعلم النافع الذي تعرفون به الحق من الباطل، وتفرقون وتميزون به بين الحلال والحرام، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].وما أحوج الأمة في هذه الأزمنة إلى العلم الشرعي -يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يقبض العلم الشرعي في آخر الزمان ويكثر الجهل ويظهر -نسأل الله العفو والعافية- ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من العباد، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) إنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! علينا أن نغتنم الفرصة في طلب العلم النافع والتفقه في دين الله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ويقول صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) فإذا أردنا أن نحصل على العلم النافع، علم الشرع الذي تستنير به القلوب، فعلينا بتقوى الله عز وجل، قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] سبحانه وتعالى.إخواني في الله: أيضاً بتقوى الله جل وعلا، ينال العبد محبة الله سبحانه وتعالى، يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4] نسأل الله من فضله.ما ظنك إذا أحبك الله جل وعلا؟ ما ظنك إذا أحبك الله يا عبد الله؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) والحديث متفق عليه، وفي رواية لـمسلم: (وإذا أبغض الله عبداً -نسأل الله العافية- نادى جبريل: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض).ويخبر الرب جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الرب جل وعلا: (وما تقرب عبدي إليَّ بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) فضل عظيم لمن أحبه الله جل وعلا.إخواني في الله: من فوائد تقوى الله عز وجل -أيضاً- أن الله سبحانه وبحمده يكون مع العبد، وإذا كان الله معه فلن يهزم، ولن يغلب، ولن يضام، يجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وييسر أمره، ويكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، نسأل الله التوفيق والسداد، يقول الرب جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194] ويقول سبحانه وبحمده: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].إذاً: فعليك بتقوى الله مجيباً لداعي الله سبحانه وبحمده: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]. أيضاً يقول الرب جل وعلا مخبراً أنه سبحانه وتعالى إنما يتقبل من المتقين، قال جل وعلا: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].
 

الطرق التي أرشد إليها الإسلام للوقاية من النار
ثم يقول سبحانه وبحمده: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] إذا اتقيت الله عز وجل أيضاً عليك بهذا المسئولية العظيمة، ليس الأمر يقتصر على النفس، لا. قوا أنفسكم وأهليكم أيضاً، احرصوا على وقاية الأهل والأولاد من هذه النار التي وصفها الله بهذا الوصف الفظيع -نسأل الله العفو والعافية- نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] تقيهم من هذه النار بالنصح والإرشاد وتوضيح طرق الخير لهم، لكن قبل كل شيء -من باب الفائدة- إذا أراد الإنسان أن يوفق أيضاً بهذا الفعل الطيب وهو وقاية نفسه وأهله من النار عليه أولاً أن يسلك الطرق التي أرشد إليها الإسلام:
 التفكر في عظم المسئولية
الأمر عظيم يا إخواني! فهي مسئولية، لكن تفكر فإن الله أعطاك العقل وميزك وأكرمك بهذا العقل، ميز وتذكر متى تكون المسئولية ومن الذي سوف يلقي عليك السؤال؟ لا إله إلا الله! أما المسئولية تكون يوم القيامة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، قال الله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:34-35] ومتى سعى هذا السعي؟ سعيه في الدنيا يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:35] ثم المصيبة الكبرى والعظمى وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى [النازعات:36] النتيجة؟ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41].المسئولية يوم القيامة: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30].المسئولية يوم القيامة يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [النبأ:40] ومن الذي سيلقي عليك السؤال؟ الله جل جلاله.يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان} هناك أربعة أسئلة: {لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به} مسئولية يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!يقول بعض العلماء: على العاقل أن يتذكر ذلك الموقف إذا وقفت الزوجة والابن والبنت كل منهم يدلي بحجته يقول: يا رب! خذ مظلمتي، لا إله إلا الله الزوجة تقول: يا رب! خذ مظلمتي من زوجي، والابن يقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، البنية تقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، لا إله إلا الله، حتى الجار كما يروى في الحديث: {الجار يقف يخاصم جاره يقول: يا رب! خذ مظلمتي من جاري، رآني على المنكر ولم ينهني ولم يأمرني} إنا لله وإنا إليه راجعون! يا رب! الطف بنا بلطفك.
ظاهرة السهر الطويل
الأمر جد عظيم يا عباد الله! قال الله: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] قبل سنين كنا لا نعرف الأفلام والمسلسلات يوم كنا لا نسهر طول الليل، يجلس الأب مع أولاده يعلمهم، يا ولدي! من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يا بنت! يا زوجة! كم أركان الإسلام؟ كم أركان الإيمان؟ كم أركان الإحسان؟ ما هو أكبر شيء أمر الله به؟ وما هو أعظم شيء نهى الله عنه؟ فيتفقّهون في البيت على العقيدة، ويحصل الخير الكثير وهم لا يشعرون، الملائكة تحفهم، ورب العالمين يذكرهم فيمن عنده سبحانه وتعالى، وتنزل السكينة، وتغشاهم الرحمة، لماذا؟ لأنهم في مجلس علم وذكر.يا إخواني في الله: ما يضرك أن تجلس مع أولادك وتعلمهم، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ كم أركان الإسلام؟ كم أركان الإيمان؟ كم أركان الإحسان؟ ما هو أول شيء أمر الله به؟ وما هو أعظم شيء نهى الله عنه؟ فيعرفون ذلك ويتفقّهون في دين الله سبحانه وتعالى.لكن الآن كيف أحوال بيوت المسلمين؟ مع ما أحدث الناس من هذه البدعة الشنعاء ألا وهو السهر الطويل الذي يخالف هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذه بدعة تشتمل على أمور أيضاً محرمة عند الكثير، لا نقل عند القليل من الناس بل والله عند الكثير. أولاً: إن السهر بدعة ابتدعها الكثير من الناس؛ لأنها مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهديه صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، ثم جاء أقوام فأحدثوا هذا السهر وناهيك عن هذا السهر بماذا يقرأ؟ إذا قضى هذا السهر مع الأفلام والمسلسلات والأغاني الماجنات والبلوت والملاهي وغيرها كيف تكون الأحوال يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ويا ليت هذا الذي يقضي ليله مع هذه المصائب والمعائب يا ليته يفكر ولو قليلاً، ويتفكر من الذي يكتب هذه المجالس وما فيها؟ وهو يؤمن إيماناً لا شك فيه أن الله وكل به ملك عن اليمين وملك عن الشمال، هذا يكتب الحسنات وهذا يكتب السيئات، من الذي يكتب تلك الجلسات -يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم- مع الأفلام والمسلسلات والبلوت والقيل والقال حتى ينتهي الليل، من الذي يكتبها يا إخواني في الله؟ هل يكتبها ملك اليمين أو يكتبها ملك الشمال؟ يكتبها ملك الشمال، وهل توضع في ميزان الحسنات أو توضع في ميزان السيئات؟ والله إنها توضع في ميزان السيئات -إي والله- إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً سبحانه وبحمده.ملك اليمين لا يكتب والله جلسة مع المسلسل ولا مع التمثيلية ولا مع الأغنية ولا مع البلوت ولا مع الكنكان ولا يكتب الغيبة والنميمة، فكل هذه يكتبها ملك الشمال.يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[ويلٌ لمن غلبت آحاده عشراته]] السيئة بواحدة والحسنة بعشر أمثالها، لكن الآن أكثر الأعمال بالسيئات -مع الأسف الشديد- إنا لله وإنا إليه راجعون!فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! انظروا الآن إلى أحوال المسلمين، الكثير من نساء المسلمين لما ترك لهن الحبل على الغارب ينظرن إلى هذه الأفلام والمسلسلات! انظر كيف حالهن؟ هل نساؤنا في هذه الأعوام المتأخرة مثل نساء المسلمين قبل ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة؟ لا والله يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قبل ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة لا ترى هذه العباءة الخفيفة، ولا ترى العباءة توضع على الكتف، ولا ترى هذا البرقع الفاسد الذي يظهر نصف الخدين، ولا ترى هذه الملابس المشقوقة عن اليمين والشمال والأمام، لا ترى هذا المظهر الفاضح، الذي أظهر العنق والذراعين واليدين والشعر، إنا لله وإنا إليه راجعون!هل سمعنا يا إخواني بعدسات زرقاء وعدسات حمراء وخضراء وبيضاء؟!هل سمعنا بها قبل سنوات؟! هل سمعنا بقصة الإفرنج تعملها المرأة المسلمة؟! لا والله ما سمعنا بهذا، ما الذي حلّ بالناس؟ لما رأوا هذه الأفلام والمسلسلات بدأ الكثير من الناس يجرون وراءها -نسأل الله العفو والعافية- إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.لذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح، قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما، رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) والله لقد شاهدنا هذا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! لكن أخي في الله! اعمل جهدك لتقي زوجتك وابنتك من هذه النار: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].بيِّن لها يا أخي في الله! تجلس مع أهلك كما كان الآباء يجلسون مع أهلهم وأولادهم قبل سنين، اجلس يا أخي واعقد جلسة، اقطع العلاقات مع ذلك الجهاز الخبيث الذي أغفل الكثير من الناس، اقطع معه المجلس، وأتِ بكتاب من كتب أهل العلم واقرأ على الأهل والأولاد حتى يعمر البيت بذكر الله عز وجل، وتهرب منه الشياطين نسأل الله التوفيق والسداد.ماذا فوت هذا السهر على الكثير من الناس من الخير؟! فوت عليهم فضائل عظيمة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يسأل الله إلا أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة) نسأل الله التوفيق والسداد.وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل نزولاً يليق بجلاله وعظمته فيقول: (هل من سائل فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه) من يغتنم هذا يا إخواني في الله؟ من يحوز على هذا الفضل العظيم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ الليل له فرسان يمشون على طريقة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مستضيئين بنور القرآن الكريم، وفرسان يقودهم الشيطان في غياهب الهواء والضلال، نسأل الله العفو والعافية.أما الفرسان الذين اهتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين قال الله عنهم: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذريات:17-18] وقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16] أما الفرسان الذين يقودهم الشيطان فهم الذين يتابعون تلك الأمور الفظيعة، نسأل الله العفو والعافية.
 التفكر في عظم المسئولية
الأمر عظيم يا إخواني! فهي مسئولية، لكن تفكر فإن الله أعطاك العقل وميزك وأكرمك بهذا العقل، ميز وتذكر متى تكون المسئولية ومن الذي سوف يلقي عليك السؤال؟ لا إله إلا الله! أما المسئولية تكون يوم القيامة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، قال الله جل وعلا: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:34-35] ومتى سعى هذا السعي؟ سعيه في الدنيا يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:35] ثم المصيبة الكبرى والعظمى وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى [النازعات:36] النتيجة؟ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41].المسئولية يوم القيامة: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30].المسئولية يوم القيامة يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [النبأ:40] ومن الذي سيلقي عليك السؤال؟ الله جل جلاله.يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان} هناك أربعة أسئلة: {لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به} مسئولية يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!يقول بعض العلماء: على العاقل أن يتذكر ذلك الموقف إذا وقفت الزوجة والابن والبنت كل منهم يدلي بحجته يقول: يا رب! خذ مظلمتي، لا إله إلا الله الزوجة تقول: يا رب! خذ مظلمتي من زوجي، والابن يقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، البنية تقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، لا إله إلا الله، حتى الجار كما يروى في الحديث: {الجار يقف يخاصم جاره يقول: يا رب! خذ مظلمتي من جاري، رآني على المنكر ولم ينهني ولم يأمرني} إنا لله وإنا إليه راجعون! يا رب! الطف بنا بلطفك.
أسباب الوقاية من النار
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! ألا نستثير الهمم ونعرف قيمة الوقت -يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم- الذي والله سنسأل عنه يوم القيامة فإنه مسطر علينا ومسجل يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! وسوف نسأل عنه يوم القيامة قال الله: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6]. تكون الوقاية بعدة أمور:
 التوبة النصوح
يا إخواني في الله: كما سمعنا في بداية الكلام إن الله يحب المتقين، فمن أسباب تقوى الله والوقاية من عذابه التوبة النصوح، ولذلك يقول الله جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة:222] يا رب نسألك توبة نصوحاً، فعلينا يا إخواني في الله! إن كان فينا شيء من الأمور التي ذكرتها آنفاً أن نتوب إلى الله عز وجل ونبتعد عنها.وأكبر ما أُصبنا به في هذه الأوقات هو الدش هذا الغش يا إخوان! هذا الغش الذي انفتح على الناس في هذه الآونة المتأخرة، وفيه والله الشر المستطير.يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من ابتلي به فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، يتوب إلى الله ويكسر هذه الآلة قبل أن يموت وقد خلفها وراء ظهره.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة} فيا إخواني في الله إن الذي يخلف خلف ظهره هذا الغش، ثم يترك أولاده ينظرون إلى تلك الأفلام والمسلسلات الفاضحة الخبيثة، هل فيها نصح أو غش؟ والله إن فيها غشاً، فكلما نظروا إليه في هذه المسلسلات والأفلام وغيرها يأتيه من الوزر من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا، نسأل الله العفو والعافية.اللهم إنا نسألك العفو والعافية، فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا توبة نصوحاً، وأبشر يا من تاب إلى الله ورجع إلى الله، أبشر إن الله يبدل السيئات حسنات، وأنك تكون من أحباب الله، وأبشر يوم أن تأتيك المنية وقد تبت ورجعت إلى الله، لا إله إلا الله!اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة يا رب العالمين. الحقيقة أن الإخوان أرسلوا أسئلة، وأنا لست ممن يجيب عن الأسئلة، ولكن أقول لكم ولله الحمد: الآن الدروس قائمة في المساجد يقيمها علماء، فعليكم أن ترتادوا هذه المجالس تشحذوا الهمم وتذهبوا إلى تلك المساجد وتجلسوا في تلك المجالس مجالس العلم، ومجالس الفقه في الدين، ومن كان لديه أسئلة فليلق أسئلته عليهم.نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أقر أعيننا وأفرح قلوبنا بصلاح أولادنا ونسائنا، اللهم اجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم أجمعنا ووالدينا ووالد والدينا في جنات الفردوس الأعلى يا أكرم الأكرمين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا ووفقهم يا ألله لتغيير المنكرات، اللهم وفقهم لإزالة المنكرات، اللهم أعنهم على إزالة المنكرات والأخذ على أيدي السفهاء يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المسلمين المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المسلمين في الشيشان، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، وأمدهم بقوة من قوتك، وجند من جندك، فإنه لا يهزم جندك يا قوي يا علي يا عظيم.اللهم وحد صفوفهم واجمع كلمتهم على الحق والدين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم عليك بالروس المعتدين ومن عاونهم من اليهود والنصارى وأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اقطع دابرهم، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين كلماتهم، واجعل بأسهم بينهم يا قوي يا علي يا عظيم، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقاية الأسرة من النار للشيخ : عبد الله حماد الرسي

http://audio.islamweb.net