اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
إنما أهلك من قبلنا أنهم كانوا يقيمون الحدود على الضعيف ولا يقيمونها على القوي، وجاء الإسلام فسوَّى بين الناس، فأقام حد السرقة على الشريف كما أقامه على الوضيع، ونهى عن الشفاعة في الحدود إذا وصلت إلى ولي الأمر.
الفرق بين الحد والتعزير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.الباب الثاني من كتاب الحدود: [باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود] أي: باب وجوب قطع السارق الشريف كما يجب قطع السارق الوضيع، فكلاهما في الحكم سواء إذا بلغ الحد السلطان.قال: [والنهي عن الشفاعة في الحدود]. وهذا فارق جوهري بين الحد والتعزير: فهما يشتركان في جواز الشفاعة ما لم يصل الحد إلى السلطان، فإذا وصل الحد إلى السلطان فإنه يحرم على كل أحد أن يشفع لدى السلطان في زوال هذا الحد أو عدم إقامته أو تخفيفه. هذا فارق بين الحد والتعزير.فارق ثان: أن الحد مقدر، بخلاف التعزير؛ فإنه يرجع إلى اجتهاد المعزر، فإذا كان الحد ثمانين جلدة فلا يصح أن يكون أقل من ذلك ولا أكثر، إلا إن مات المحدود في أثناء قيام الحد عليه. مثال ذلك: لو أن الحد مائة جلدة، فمات المحدود في السبعين أو الستين أو العشرة الأولى؛ فيحرم ضربه بعد ذلك، ويحرم جلده؛ لأنه لا عبرة ولا فائدة من ضرب الميت، بل تثبت له حرمة الأموات بعدم المساس أو الضرب أو الكسر، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (كسر عظم الميت ككسره حياً) فالميت له حرمة كما أن الحي له حرمة.فالحدود مقدرة، فإذا أقمناها فيجب إقامتها بغير زيادة ولا نقصان خلافاً للتعزير، كما أن الحد منصوص عليه وهو نفس المعنى، أما التعزير فيرجع إلى اجتهاد المعزر.ويحرم على السلطان أو من ينوب عنه أن يتنازل عن إقامة الحد، أو أن يعفو عنه؛ خلافاً للتعزير، فإن التعزير يراعى فيه أصحاب الهيئات وأصحاب المروءات، كما يراعى فيه الوسيلة الأنجع والأحسن والأفضل في حق المعزر، فربما ارتكب ما يستوجب التعزير اثنان: أحدهما معروف بالشر، والآخر من أصحاب الهيئات كالعلماء والمشايخ والوزراء والأمراء والسلاطين، أو رجل له منزلة في قلوب الخلق، أو رجل يشار إليه بالبنان بالجود والكرم أو العلم، أو غير ذلك من ذوي الهيئات، وقد مضت السنة على إقالة ذوي الهيئات عثراتهم؛ خلافاً لمن كان معروفاً بالشر والفساد، فإنه إذا وقع فيما يستوجب التعزير فإن قدر له المعزر أقصى العقوبة التعزيرية فيكون هذا مخالفاً إذا ارتكب نفس الفعل رجل من أصحاب الهيئات، فإنما يكفي معه مجرد اللوم أو التوبيخ أو المعاتبة الرقيقة اللطيفة؛ لأنهما لا يستويان في المكانة والمنزلة، كما أن هذا ارتكب الفعل لأول مرة، وهذا ارتكبه عشرات المرات أو مئات المرات فلا يستويان.فالشاهد هنا: أن الحدود منصوص عليها ومقدرة، ولا يجوز العفو عنها إذا بلغت السلطان خلافاً للتعزير في كل هذه المسائل، كما أنه لا يجوز الشفاعة في الحدود، وتجوز الشفاعة في التعزير خاصة لأصحاب الهيئات. والعرب قبل الإسلام كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه بغير توبيخ أو لوم أو عتاب، بخلاف الوضيع الذي لا يؤبه له وليس له قبيلة تحترم ولا مكانة لها بين القبائل، فكانوا إذا سرق فيهم من هذا حاله أنهالوا عليه تقريعاً أو ضرباً بالنعال أو توبيخاً أو غير ذلك.
 

باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود

 شرح حديث جابر في قصة المخزومية التي سرقت
قال: [وحدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا الحسن بن أعين. وهو الحسن بن محمد بن أعين ينسب غالباً إلى جده، وهو أبو علي القرشي الحراني، وحران قرية بدمشق. [قال: حدثنا معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: (أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بـأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم)] لجأت إليها ولاذت بجنابها حتى تشفع لها عند النبي عليه الصلاة والسلام، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لو كانت فاطمة لقطعت يدها، فقطعت)].
باب حد الزنا
الباب الثالث: [باب حد الزنا].
 شرح حديث: (... قد جعل الله لهن سبيلاً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم] -وهو ابن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي- عن منصور - وهو ابن زاذان الواسطي أبو المغيرة الثقفي - عن الحسن البصري -سيد من سادات التابعين- عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)].قال عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني خذوا عني) أي: تحملوا هذا العلم عني وتلقوه مني، فإنه وحي السماء. وكرر ليؤكد أهمية الكلام، فقال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) (لهن) ضمير يعود على النسوة، كأن الأمر قبل ذلك لم يكن لهن سبيلاً، حتى جعل الله على لسان رسوله سبيلاً لمن وقع من النساء في الزنا.قال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) ما هو هذا السبيل؟ قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) أو تغريب سنة. قال: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) والمعلوم المشهور الذي عليه العمل ويعرفه القاصي والداني: أن البكر يجلد مائة ولا يعرف أكثر الناس التغريب، كما أن أكثر الناس يعرفون أن الثيب ترجم ولا تجلد؛ ولذلك هذه المسألة كانت محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم؛ إذ إن العمل على أن البكر يجلد بغير نفي، والثيب ترجم بغير جلد.قال: [وحدثنا عمرو الناقد حدثنا هشيم أخبرنا منصور بهذا الإسناد مثله.حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار جميعاً عن عبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى - قال ابن المثنى : حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة]. إذا روى سعيد عن قتادة فإنما هو سعيد بن أبي عروبة البصري وقتادة إذا روى عن الحسن فهو الحسن البصري ، فـسعيد وقتادة والحسن كلهم بصريون، قال: [عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه كُرِب لذلك وتربد له وجهه)] يعني: أصابه كرب وهم وضيق. وتربد: تغير وتلون وجهه صلى الله عليه وسلم لشدة هذا الأمر، كيف لا والله تعالى يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] فالقرآن والوحي ثقيل جداً؛ ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يشتد عرقه في الليلة الشديدة البرد إذا نزل عليه الوحي. قال: [(قال: فأنزل عليه ذات يوم -أي: وحي- فلقي كذلك -أي: تغير وجهه- فلما سري عنه)] أي: لما كشف عنه وارتفع عنه الوحي وصعد جبريل إلى ربه، [(قال: خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً)] وفي هذا إثبات أن السنة وحي من عند الله عز وجل؛ لأن هذه صورة الوحي التي كان ينزل بها جبريل عليه السلام، فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من الحالة التي كان عليها قال: (خذوا عني) فلم يذكر قرآناً وإنما ذكر سنة، وفي هذا دليل على أن القرآن والسنة وحيان من عند الله عز وجل، وبينهما أوجه اتفاق وأوجه افتراق في الخصائص.قال: [(خذوا عني. فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة).وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر - المعروف بـغندر - حدثنا شعبة وحدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - عن أبيه كلاهما - أي: شعبة وهشام الدستوائي - عن قتادة بهذا الإسناد - أي: عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة [غير أن في حديثهما: (البكر يجلد وينفى -ولم يذكر سنة- والثيب يجلد ويرجم). لا يذكران سنة ولا مائة] لم يذكرا: (جلد مائة)، فهذا لفظ عام يحمل على الألفاظ السابقة.
كلام النووي في أحاديث باب حد الزنا

 معنى قوله: (البكر بالبكر والثيب بالثيب)
قال الإمام النووي رحمه الله: أما قوله: (البكر بالبكر والثيب بالثيب) فليس هو على سبيل الاشتراط). حتى لا يفهم أحد أن الثيب إذا زنى بثيب يرجم الاثنان، وإذا زنى بكر ببكر يجلد الاثنان، فالمقصود: أن عقوبة البكر سواء زنى ببكر أو زنى بثيب الجلد، وعقوبة الثيب إذا زنى بثيب أو زنى ببكر الرجم.قال: (بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم بثيب، وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر؛ فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب).قال: (واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء: من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل).أي: أن البكر: هو من لم يجامع، والثيب: هو من جامع، وشرط الثيب أن يجامع في نكاح صحيح، لا وطء بشبهة ولا نكاح فاسد، بل نكاح صحيح قد اكتملت شروطه وأركانه، هذا الذي يسمى فيه صاحبه ثيباً، فلو أن رجلاً دخل بامرأة وهو مجبوب أو عنين لا يقوى على إتيان النساء وظلت سنوات ولم يفض بكارتها ثم زنت، هل يقام عليها حد الثيب أو البكر؟الجواب: يقام عليها حد البكر، فالضابط في اعتبار الثيوبة والبكارة ليس هو البناء، وإنما هو الجماع.كذلك لو زنت البكر قبل البناء، ثم زنت بعد ذلك هل يعتبر زناها الأول رافعاً لوصف البكارة؟ الجواب: لا يعتبر، وإن زنت قبل الإحصان مراراً وتكراراً فهي بكر. إذاً: الضابط في حق من بني بها: الجماع، والضابط في حق من لم تتزوج.. الزواج الصحيح. فهاتان قاعدتان ينبغي حفظهما جيداً، بل ينبغي أن يكون المحدود بالغاً؛ لأن غير البالغ ليس مكلفاً، كما أنه ينبغي أن يكون عاقلاً احترازاً من المجنون، وينبغي أن يكون حراً، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه لسفه أو غيره.أستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net