اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإبانة - معرفة الإسلام وعلى كم بُني للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح كتاب الإبانة - معرفة الإسلام وعلى كم بُني - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
أهل السنة والجماعة يطلقون اسم الإسلام على الإيمان والعكس، وذلك عند الانفراد، فإذا جاء الاسمان معاً في سياق واحد، كان لكل واحد معنى، وذلك كما في حديث جبريل عليه السلام، فإن فيه بيان معنى الإسلام والإيمان وغيرهما.
باب معرفة الإسلام وعلى كم بني
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: معرفة الإسلام وعلى كم بني]. والذي يجعلنا نتكلم عن ماهية الإسلام وما هو، يُلزمنا أن نعرف الإسلام لغة ثم نعرفه اصطلاحاً، فينبغي أن يضم إليه مصطلح الإيمان، فالكلام ليس فحسب على الإسلام، وإنما على الإسلام والإيمان معاً.[ قال سالم بن أبي الجعد : عن رجل قال: (قيل لـابن عمر : ألا تجاهد؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الإسلام بني على خمس كلمات: الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج) ].وهذا الرجل كان كفيفاً، فقال لـابن عمر : ألا تجاهد؟ كأن ابن عمر قال له: لا.وهذا الكلام محمول على طلب الجهاد في الفتنة، والمسلم العاقل الحازم إذا غلب على ظنه أن الحق مع إحدى الطائفتين وجب عليه أن يقاتل مع الطائفة التي غلب على ظنه -أو تيقن من باب أولى- أنها صاحبة الحق، ويحرم عليه أن يقاتل مع الطائفة التي في ظنه أو تيقن أنها جانبت الحق والصواب، وإذا لم يترجح لديه هذا ولا ذاك وجب عليه أن يكون حلس بيته، فيلزم بيته، ولا يشارك في هذه الفتنة. فلعل هذا السائل الذي سأل ابن عمر أن يجاهد -يعني: في الفتنة- مع أحد الطائفتين، كأنه أراد أن يقيم الحجة على ابن عمر أن الجهاد أمره عظيم وخطير، فلم لا تجاهد إذاً يا أبا عبد الرحمن ؟فأراد أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر أن يبين له أن الجهاد في هذا الموطن ليس من مباني الإسلام ولا من أسسه وقواعده، إنما مباني الإسلام كما سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام خمس: أولها الإخلاص، والإخلاص بمعنى التوحيد، ولذلك سميت كلمة التوحيد بكلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.ثم قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)، وتقديره: من استطاع إليه سبيلاً، فهذه مباني الإسلام، والجهاد ليس منها، ويقيناً فإن الجهاد رغم أهميته إلا أنه ليس من مباني الإسلام، إنما هو ذروة السنام الذي يحفظ الله تعالى به البلاد والعباد؛ فضلاً عن حفظ الدين. وهذه المباني فرض عين على أهلها وأصحابها إلى قيام الساعة لا تزول قط، بخلاف الجهاد، فالجهاد فرض كفاية على الأمة بمجموعها، ولا يتعين إلا في حالات خاصة. إذاً: مباني الإسلام فرض عين، فلا يصح أن يصلي أحد لأحد؛ لأن الصلاة فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ، بخلاف الجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأمة في مجموعها، إذا جاهد بعضها سقط الإثم على الباقين، وإذا نكلوا ونكصوا جميعاً عن الجهاد حتى أُضِرَّ بالدين والدنيا فإن الجميع يأثم، أي: جميع من تعين عليه القتال والجهاد ولم يجاهد، كما أن الجهاد سيسقط في آخر الزمان، وآخر الزمان موعود بنزول عيسى عليه السلام من السماء وقتله المسيح الدجال فحينئذ تضع الحرب أوزارها؛ لأنه لا يكون ملة على الأرض إلا ملة الإسلام، وسيدعو عيسى عليه السلام بعد قتله الخنزير وكسره للصليب إلى دين وشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فلا يكون هناك ملة إلا ملة الإسلام فحسب. فحينئذ يسقط الجهاد، بخلاف هذه المباني فإنها باقية حتى قيام الساعة. فـابن عمر أراد أن يقول: الجهاد ليس فرض عين علي؛ لأن فروض الأعيان معلومة، وقد جاءت في حديث سمعته عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر حديث المباني. [ وقيل لـابن عمر : ألا تجاهد؟ قال: إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ]، والتقدير: وأن محمداً رسول الله، للتلازم بين الشهادتين حتى وإن لم يذكر الشق الآخر من الشهادة في الرواية، فإنه معلوم يقيناً؛ لأن أحد الشقين لا يصح بغير صاحبه، فلو قال الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله ولم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام فهو كافر، ولو آمن بمحمد ولم يشهد بوحدانية الله عز وجل فكذلك هو كافر. فقوله هنا: شهادة أن لا إله إلا الله، يعني: وأن محمداً عبده ورسوله، [ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ]. قال: ثم الجهاد بعد حسن ]، يعني: الجهاد بعد هذه المباني أمر حسن. وفي رواية [ عن ابن عمر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بني الإسلام على خمس) ]، وكلمة (بني) للدلالة على أن المذكور من مباني الإسلام وأسسه وقواعده التي لا يقوم بدونها؛ لأنها كالقواعد الراسيات الراسخات في الأرض التي يبنى عليها البناء، وبغير هذه المباني والقواعد لا يقوم البناء، أو يقوم على ضعف فيه. قال: [ (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان) ]. [ وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان) ]. [ وعن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عمر ]، أي: مرفوعاً، والأشبه أنه موقوف على ابن عمر قال: [ الدين خمس ] أي: خمس مبانٍ. قال: [ لا يقبل الله منه شيئاً دون شيء ]، أي: لا يقبل الله من المسلم واحدة دون الأربع، أو أربعاً دون الواحدة؛ لأنها مبانٍ. قال: [ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والجنة والنار، والحياة بعد الموت هذه واحدة ]، أي: كل الذي مضى واحدة، وهذا يدل على خصال الإسلام وشعب الإيمان كذلك.قال: [ والصلوات الخمس عمود الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة ]، أي: لا يقبل الله إيمان عبد إلا إذا صلى.قال: [ والزكاة مطهرة من الذنوب، لا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمداً، لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة إلا بالصيام، فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج، أو يحج عنه بعض أهله، أو يوصي بحجه؛ لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا الصيام إلا بالحج، لأن الحج فريضة من فرائض الله، ولن يقبل الله شيئاً من الفرائض بعضاً دون بعض ].
 

باب معرفة الإسلام والإيمان وسؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم

 رواية أخرى لحديث جبريل عن أبي هريرة
[ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملأ من أصحابه إذ جاءه رجل فسلم) ]، وهذا يدل على وجوب السلام للداخل على القوم. قال: [ (فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد الملأ) ]، وهذا على وجه الاستحباب، وإلا فرد السلام على المذهب الراجح فرض كفاية، إذا رد البعض سقط عن الباقين، وإذا كان إلقاء السلام على العموم سنة مؤكدة، فإنه واجب على من دخل على قوم وهم جلوس، ولا أدل على ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: إفشاء السلام. أو قال: إلقاء السلام).قال: [ (فقال: يا محمد! ألا تخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والحساب، والميزان، والجنة والنار، والقدر خيره وشره. قال: فإذا فعلت هذا فقد آمنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً لقوله صدقت) ]. إذاً: التعجب فضلاً عن كثير من الصحابة إلا أنه كان من شأنه عليه الصلاة والسلام كذلك؛ لأنه لم يعرف جبريل، ولو عرفه لما تعجب.قال: [ (فقلت: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك. قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: يا محمد! متى الساعة؟ قال: سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ استأثر الله بعلم خمس لم يطلع عليهن أحداً، ثم تلا قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34] حتى ختم السورة. ولكن سأخبرك بشيء يكون قبلها) ]، أي: بأماراتها وعلاماتها التي تسبقها. قال: [ (حين تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- ويتطاول أهل الشاء -أي: رعاة الغنم والإبل والأبقار- في البنيان، وتصير الحفاة العراة على رقاب الناس) ]، والحفاة العراة أي: الفقراء تفتح عليهم الدنيا حتى يكونوا على قمة الناس. [ (ثم ولى الرجل، فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره طويلاً، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إليهم، ثم قال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم).وفي حديث أحدهما: (أو جاءكم يتعاهد دينكم) ]، وهذه الروايات التي وردت في بيان الإسلام وكيف هو.
شرح الإمام النووي لحديث جبريل
هذا الحديث وهو المعروف بحديث جبريل الطويل، أنتم تعلمون أن هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والإمام النووي له كلام رائع جداً ممتع إلى أقصى حد فيما يتعلق بشرح هذا الحديث، يتناول عدة مباحث: المبحث الأول: بيان ماهية الإيمان والإسلام.المبحث الثاني: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيماني.المبحث الثالث: هل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟المبحث الرابع: هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أم لا؟المبحث الخامس: بم يدخل الكافر في الإسلام؟ وبم يخرج المؤمن من الإسلام؟المبحث السادس: الاستثناء في الإيمان.المبحث السابع: حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو من أهل القبلة أم لا؟قال الإمام النووي : أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام وعمومهما وخصوصهما. يعني: هل بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص أم لا؟ وهل كل مسلم مؤمن والعكس صحيح أم لا؟فأنتم تعلمون أن الإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص، العموم أن كل مؤمن مسلم، وليس العكس، يعني: ليس كل مسلم مؤمناً أي: كامل الإيمان، وإلا فلابد أن يكون عند كل مؤمن قدر من الإيمان، وإذا قلت (قدر من الإيمان) يثبت به إسلامه، وقلنا: (ليس كل مسلم مؤمناً)؛ فهذا أمر يدعونا إلى ذكر مراتب الإيمان، فنفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.فمطلق الإيمان هو: الجزء الذي لا يثبت عند الله عز وجل إسلام أحد إلا به، مع أننا نعلم يقيناً أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقد عصم بها نفسه ودمه وماله. هب أنه شهد بالشهادتين تعوذاً وخوفاً من القتل، حقناً لدمائه وماله وغير ذلك، ولم ينعقد عليها قلبه، فهل يكون عند الله تعالى مسلماً؟ الجواب: لا، إنما هو منافق، والمنافق له في الدنيا حكم الإسلام بالشهادتين، أما في الآخرة فهو في الدرك الأسفل من النار.إذاً: إذا جاء رجل بنفسه مختاراً مذعناً، وقال: أريد الإسلام، فقلنا له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله عز وجل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن عيسى هو رسول الله وكلمته وروحه.. إلى غير ذلك من أصول الإيمان والإسلام، فنطق وشهد بهذا؛ فهل يستقيم هذا الرجل أم هو في إيمانه كمن عاش في الإسلام عشرات السنين يصوم ويصلي ويزكي ويحج، ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ هل إيمان هذا الرجل كإيمان من مضى عليه عمر طويل ودهر مديد في الإسلام يعمل الطاعات ويبتعد عن المعاصي؟ الجواب: لا، لكن هذا الرجل الذي آمن الآن قد حصل مطلق الإيمان.فإذا قلنا: إن هذا العبد الذي أتى وشهد الشهادتين، لابد أن يتوفر لديه أصل الإيمان ولو واحد من عشرة، لابد أن يعتقد ما شهد به في قلبه، وأن يجزم على ذلك قلبه، فإذا عمل الطاعات ازداد هذا الإيمان حتى يصل إلى قمته، فهذا الذي وصل إلى قمة الإيمان هو الإيمان المطلق، فلابد أن تفرق بين الإيمان المطلق، وهو كمال الإيمان وتمامه، وبين مطلق الإيمان. فلو أن عبداً شهد الشهادتين بغير مطلق الإيمان، فهل يسمى مسلماً عند الله عز وجل؟ الجواب: لا يكون مسلماً، إنما هو مسلم عند الخلق، أي: تجري عليه في الدنيا أحكام الإسلام.
 نقل النووي لكلام ابن الصلاح في معنى الإسلام والإيمان
وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، (والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)؛ قال: هذا بيان لأصل الإيمان ولزيادة الإيمان وكمال الإيمان وتمام الإيمان.. إلى آخره. وأصل الإيمان هو مطلق الإيمان، إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) وهذا قبل العمل، إذاً: قد توفر فيه أصل الإيمان ومطلق الإيمان.قال: هذه الشعب الإيمانية بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين. وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال انقياده أو اختلاله.ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، وذلك عندما أتى وفد عبد القيس، وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك مضر، وإنا لا نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتؤدي الخمس من المغنم)، وهذه شعائر الإسلام، ومع هذا أطلق عليها هنا الإيمان؛ لأنها لابد أن تكون موجودة ومصاحبة لإقرار القلب.ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة.ويفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، نفى الإيمان عن الزاني، وهو نفي للإيمان الواجب الذي يأثم العبد بتركه، ومن سوء ما يخل به، ولو قلت: إن هذا نفي لأصل الإيمان للزمني أن أقول: إن من زنى كفر، وهذا الذي وقع فيه الخوارج وكادت المعتزلة أن تقع فيه، أي: كادت المعتزلة أن تذهب إلى مذهب الخوارج، ولكنهم ذهبوا مذهباً رديئاً أيضاً، وقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، لا نثبت له الإيمان ولا نثبت له الكفر، بل نقول: هو في منزلة بين المنزلتين. قال: لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، يعني: لو قلت: فلان مؤمن، فمعناه أنه حقق كمال الإيمان، ولذلك في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (يا رسول الله! إنك تعطي فلاناً ولا تعطي فلاناً، وهو مؤمن، فقال عليه النبي عليه الصلاة والسلام: أو مسلم؟)، يعني: يا سعد هذا الرجل يأتي بالشعائر الظاهرة، وعند أن رد النبي صلى الله عليه وسلم على سعد قال له: (أو مسلم) لم يكن يقصد نفي الإيمان المطلق، إنما يقصد نفي كمال الإيمان فيما يتعلق بعلم سعد ؛ لأنه لا علم له بذلك، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها حين ينتهبها وهو مؤمن). إذاً: نفي الإيمان هنا، إنما هو نفي للإيمان الواجب، أما أصل الإيمان فهو باق؛ لأنه لا يتصور أن يقال: إن الزاني كافر، وإن السارق كافر، وإن القاتل كافر؛ لأن هؤلاء مرتكبون للكبائر، ومرتكب الكبيرة ليس كافراً، خلافاً للخوارج.نكتفي بهذا القدر، ولنا إن شاء الله تكملة بعد ذلك.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم..

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإبانة - معرفة الإسلام وعلى كم بُني للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net