اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإبانة - كتاب الإيمان - مقدمة كتاب الإيمان للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح كتاب الإبانة - كتاب الإيمان - مقدمة كتاب الإيمان - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
الإيمان قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد نزل القرآن بترتيب فرائض الإيمان، حتى اكتمل الدين وتمت النعمة، وأوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شعب مختلفة في المرتبة والأهمية، فمنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها فلا يصح إيمانه، ومنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها نقص إيمانه مع صحته في أصله.
باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:فمع الجزء الخامس من كتاب (الإبانة) وهو جزء جديد وباب جديد يتعلق بالإيمان والإسلام، وقواعد الإيمان والإسلام.. وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر، وهو تقريباً سيكون أهم باب في هذا الكتاب، وما تقدم يعتبر كالمدخل لهذا الموضوع.قال المؤلف رحمه الله: [ الجزء الخامس من كتاب (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) وهو الأول من الإيمان ] يعني: هذا أول الكلام فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر.قال: [ وفيه ثمانية أبواب:الأول: باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وأن الإيمان قول وعمل.الثاني: باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية.الثالث: باب معرفة الإسلام وعلى كم بني.الرابع: باب معرفة الإسلام والإيمان، وسؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.الخامس: باب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم.السادس: باب كفر تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك.السابع: باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق، وعلامات المنافقين.الثامن: باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارق الإيمان، فإن تاب راجعه ] أي: رجع إليه الإيمان.ثم يتكلم ابن بطة عليه رحمة الله في مقدمته لمعرفة أصول هذا الكلام، أي: أصول هذه الأبواب فيقول: [ بسم الله الرحمن الرحيمرب يسر وأعن بعونك، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الذي هو ربنا وبه نستعين، وإياه نسأل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، الذي أنعم عليهم بهدى القرآن فاتبعوه واهتدوا، ومنَّ عليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبسنته فسلكوا سبيله واقتدوا، متبعين غير مبتدعين، ومذعنين غير طاعنين، وموقنين غير شاكين ولا مرتابين، وهادين بدعوته غير ضالين ولا مضلين. فسلموا عاجلاً -أي: في الدنيا- من السخط والشك والارتياب، واستحقوا آجلاً -أي: في الآخرة- الرضا وجزيل الثواب، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.وصلى الله على من ختم به الرسالة، وأكمل به الحجة، وأوضح به المحجة، وأرسله إلى جميع عباده كافة على فترة من الرسل، ودروس من العلم -أي: وذهاب للعلم- فأنقذ به من عباده من سبقت له الرحمة في كتابه، ففتح أبواب السماء برحمته، وجعله الداعي إلى الحق، والهادي إلى الرشد، والقائم بالدين، ذاك -والله- محمد المصطفى، ونبي الله المرتضى، خير خلقه نفساً، وأكرمهم طبعاً، وأطهرهم قلباً، وأصدقهم قولاً، وأكملهم عقلاً، وأشرفهم خلقاً، النبي الأمين الزكي المرضي، فدعا الناس إلى الإقرار بتوحيد الله ومعرفته، والبراءة من الأضداد والأنداد، وأن محمداً رسوله الصادق، من اتبعه اهتدى فنجا، ومن خالفه هلك وغوى، جعلنا الله وإياكم ممن سبقت له الحسنى، فعُصم من متابعة الهوى، وموافقة أهل الزيغ والردى، ووفقنا وإياكم لاتباع الكتاب والسنة اللذين الدين فيهما مشروع -أي: لا يشرع شيء في الدين إلا من خلال الكتاب والسنة-، والحكم فيهما مجموع، وخير العاجلة والآجلة فيهما موضوع، قد قطع بهما عذر كل معتل، وسد بهما فاقة كل مختل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم.أما بعد:وفقكم الله! فإني مبين لكم شرائع الإيمان التي أكمل الله بها الدين، وسماكم بها المؤمنين، وجعلكم إخوة عليها متعاونين، وميز المؤمنين بها من المبتدعين المرجئة الضالين، الذين زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة ].يتكلم رحمه الله في هذه المقدمة بكلام صريح في نبذ عقائد الفرق الضالة، وتثبيت وتأييد عقيدة الفرقة الناجية، فقال: [ وميز المؤمنين من المبتدعين المرجئة الضالين الذين زعموا -وهذا أصل اعتقاد المرجئة، ماذا زعموا؟- زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة ] أي: إقرار بالقلب من غير عمل. ثم قال: [ فإن الله عز وجل قد كذبهم في كتابه وسنة نبيه وإجماع العقلاء والعلماء من عباده ] أي: أن الله تعالى كذبهم في كتابه، ورسوله عليه الصلاة والسلام كذبهم في سنته، وإجماع العلماء على بطلان عقائد المرجئة، ولكنه يتكلم كلاماً مجملاً هنا؛ لأن التفصيل سيأتي معنا في أثناء الكتاب.ثم قال: [ فتدبروا ذلك وتفهموا ما فيه، وتبينوا علله ومعانيه، فاعلموا رحمكم الله أن الإيمان إنما هو نظام اعتقادات صحيحة ].يعني: الإيمان كالعقد الذي له حلقات مسلسلة.ثم يقول: [ بأقوال صادقة، وأعمال صالحة، بنياتٍ خالصة، بسنن عادلة، وأخلاق فاضلة، جمع الله فيها لعباده مصالح دنياهم وآخرتهم، ومراشد عاجلهم وآجلهم ]. يعني: هذا هو مضمون الإيمان عند أهل السنة والجماعة، يكون من عقائد صحيحة موطنها القلب، بأقوال صريحة موطنها اللسان.فقوله: (وأعمال صالحة) هي أعمال الجوارح.وقوله: (بنيات خالصة، وبسنن عادلة، وأخلاق فاضلة) لم يترك عملاً للقلب ولا للسان ولا للجوارح إلا جعله في حقيقة الإيمان وأصل الإيمان. وقوله: (جمع الله فيها لعباده مصالح دنياهم وآخرتهم، ومراشد عاجلهم وآجلهم) أي: في دنياهم وآخرتهم.
 تفاوت الناس في معرفة الأوامر والنواهي والفرائض
قال: [والدين وإن كان قد انتظم في نفسه جميع ما وصفناه، فليس يقف أو يقع الكل على موضع هذه الفضائل فيه؛ لكنهم يستبقون من أحكامه وشرائعه، وموضع هذه المصالح من مفروضه -أي: من فرائضه- وأوامره في ذلك، ويتفاضلون على حسب مراتب المعقول، وتوفيق البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لهم].يعني: ليس كل الناس يوفق إلى معرفة الأوامر والنواهي والفرائض، بل هذا باب وطريق طلب العلم.
تابع باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل
قال: [باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل].
 أثر سفيان بن عيينة في معرفة الإيمان
قال: [قال: محمد بن عبد الملك بن مسلم أبو عبد الله المصيصي : كنا عند سفيان بن عيينة -وهذا في حديثه سنة (170هـ) فسأله رجل عن الإيمان فقال ابن عيينة : قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله ] يعني: يزيد إلى ما شاء الله لا منتهى لزيادته؛ لأن زيادة الإيمان متعلقة بالأعمال، فكلما ازداد المرء من العمل ازداد إيماناً.ثم قال: [ يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار إلى إصبعه ]. يعني: يزيد الإيمان في قلب العبد بسبب العمل والاعتقاد حتى يكون كالجبال الرواسي، وينقص بسبب ترك العمل حتى لا يبقى منه إلا ذرة أو شعيرة، أو لا يبقى منه شيء ألبتة.ثم قال: [ قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان : كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده] يعني: القول بأنه قول بلا عمل كان قولاً صحيحاً في أول الأمر، وفي صدر الشريعة في العهد المكي.ثم قال: [ إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ].يعني: لم يكن مطلوباً منهم في العهد المكي غير التوحيد بلا عمل، تكاليف قلبية، من نبذ للأصنام، وهذا كله في الظاهر عمل، لكن يحمل كلامه على الفرائض والحدود، وعلى مباني الإسلام، وإن كان الإيمان والتوحيد في حد ذاته عملاً قلبياً يترجم في صورة ولاء وبراء لعبادة غير الله عز وجل.قوله: (فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها) أي: إلا ما ينقضها.وقوله: (وحسابهم على الله) أي: إذا نافقوا بهذا القول فحسابهم على الله، لكنهم إذا صرحوا بالإيمان والتوحيد بألسنتهم عصموا دماءهم وأموالهم، فكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وأما هم عند الله عز وجل فهم منافقون كفار، يجازيهم الله عز وجل على النفاق النار، وهذا معنى قوله: (وحسابهم على الله).ثم قال: [فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة] أي: لما استقر الإيمان والتوحيد في قلوبهم، وعلم الله تعالى صدق هؤلاء، ولم يكن عندهم نفاق؛ لأن النفاق إنما نشأ في المدينة، أما أهل مكة فليس عندهم نفاق، ولذلك كان الواحد منهم يعذِبه مولاه في قول التوحيد، وكان بإمكانه أن ينافق، ويخرج من أذى سيده ومولاه بأن ينطق بكلمة الكفر، وعنده في ذلك الرخصة، ومع هذا آثر العزيمة، فلم يكن ينطق بها حتى يسحب على بطنه تارة وعلى ظهره تارة في حر الرمضاء، وهو يقول: أحد أحد! ربما غلب على ظنه في ذلك الوقت أن العزيمة لها تأثير كبير في قلوب كل من رأى هذا العذاب؛ ولذلك أتى خباب بن الأرت رضي الله عنه النبي عليه الصلاة والسلام وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقال: (يا رسول الله! ألا ترى ما قد نزل بنا؟) أي: من أذى هؤلاء المشركين، (ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا)، يطلب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أن يرفع عنهم هذا البلاء، ولكن هذا الطلب للنبي عليه الصلاة والسلام أثار غضبه وحفيظته، كان مسنداً ظهره إلى الكعبة فجلس، كأنه يعلّم خباباً ومَن وراء خباب إلى قيام الساعة سنن الله الكونية، وأن الحرب دائرة رحاها بين الإيمان والكفر، وأهل الضلال وأهل الاعتدال، وأن ذلك سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، فالعداوة قائمة ومستحكمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر.قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من كان قبلكم كان يخد له الأخاديد فيوضع فيها، وينشر بالمناشير من رأسه إلى أخمص قدميه، حتى يلقى على الأرض شقين، لا يرده ذلك عن دينه).ثم يبشر خباباً والحالة هذه الناظر إليها يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، يعني: تصور قلة المؤمنين في ذلك الزمان، وكثرة المعاندين المحاربين والكائدين لهذا الدين، وما نزل بهذه الثلة المؤمنة القليلة من التعذيب والفتك والضرب والطرد والتشريد بلا شك بحسابات جميع البشر يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، ولا خروجه من حيز مكة.ثم تأتي البشارة وهي من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، قال: (وليظهرن الله عز وجل هذا الأمر -أي: هذا الدين- حتى لا يبقى بيت حجر أو مدر إلا دخله) أي: أخبار هذا الدين تدخل في كل بيت، وهل هناك بيت الآن على هذه الأرض لا يسمع بمحمد ودين محمد؟ الجواب: لا؛ ولذلك هذه بشارة عظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام ليطمئن أهل التوحيد والإيمان وأصحاب الدعوة إلى الله عز وجل على هدى وبصيرة من أهل السنة والجماعة أنهم ظاهرون إلى قيام الساعة. ويدل على ذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم) أي: من أهل البدع أو الشرك والكفر والإلحاد والقتال: (لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وهي الساعة، يعني: هذا الظهور لأهل السنة وللفرقة الناجية والطائفة المنصورة سيظل قائماً ما قامت الدنيا: (لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، أو وهم على ذلك)، بشارة عظيمة جداً أن السنة ستكون ظاهرة ما بقيت الحياة.ثم قال: [ فلما علم الله عز وجل صدقهم] -أي: صدقهم بالتوحيد، وذلك [من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة]، أي: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر هؤلاء الجيل بالصلاة، [فأمرهم ففعلوا] ولا شك أن هذه الصلاة لم تكن مشروعة من قبل، فلما شرعت وفرضت وفعلوها ازدادوا بها إيماناً.ثم قال: [ والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ] أي: لو لم يأتوا بالصلاة لم ينفعهم الإقرار بالتوحيد الذي أقروا به أولاً في مكة؛ لأن جزءاً لا يتجزأ من هذا الإقرار وهذا التوحيد هو الإتيان بهذه الفرائض والمباني والحدود.ثم قال: [ والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة، فأمرهم ففعلوا ] وهذا يدل على أن الهجرة من الإيمان. ثم قال: [ والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقتلوا آباءهم وأبناءهم؛ حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا بصلاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله! هذا رأس الشيخ الكافر].عقد الولاء والبراء في الله عز وجل، وفي دينه وشرعه فقدمه، وكان أحب إليه من ماله وولده وزوجه وأبيه ومن الناس أجمعين، حتى كان الواحد منهم يقاتل أباه إذا لقيه في المعركة، حتى يأتي برأس أبيه على ذبابة سيفه أو رمحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول له: (يا رسول الله! هذا رأس الشيخ الكافر).ثم قال: [ والله لو لم يفعلوا ذلك ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم -أي: ولا هجرتهم- فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رءوسهم تذللاً، ففعلوا ذلك، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتوا قليلها وكثيرها ]. يعني: كان الواحد منهم يذهب إلى ماله كله فيأتي به، ومنهم من يأتي بنصف ماله وربع ماله.[ ووالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ومهاجرهم ولا قتلهم آباءهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، قال الله تعالى لهم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].قال سفيان بن عيينة : فمن ترك خَلة من خلال الإيمان جحوداً بها كان عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً ومجوناً أدبناه وكان فاسقاً ] باستثناء بعض الأعمال التي ستمر بنا.ثم قال: [ هكذا السنة، أبلغها عني من سألك من الناس ] وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة نقلناها من سياق حديث سفيان بن عيينة .
باب معرفة اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي..)
قال: [ باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية ] وهي: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].
 أثر ابن عباس في معرفة اليوم الذي نزلت فيه (اليوم أكملت لكم دينكم..)
قال: [ عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علمنا في أي يوم نزلت هذه الآية جعلناه عيداً، فقال -أي: ابن عباس - لقد نزلت يوم عرفة، يوم الجمعة].[قال عبيد الله بن محمد: لقد علم العقلاء من المؤمنين ومن شرح الله صدره ففهم هذا الخطاب من نص الكتاب وصحيح الرواية بالسنة، أن كمال الدين وتمام الإيمان إنما هو بأداء الفرائض والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب ] هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة.فقوله: (لقد علم العقلاء من المؤمنين) الذين هم أهل السنة، بعد أن شرح الله صدورهم فهموا الخطاب من نص كتاب الله عز وجل، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام التي صحت عنه، أن تمام الدين وتمام الإيمان إنما هو بثلاثة أشياء: الأول: أداء الفرائض والعمل بالجوارح مثل: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب، فقد جمع لنا هنا أصول الإيمان التي هي معتقد القلب، أي: عمله قولاً وفعلاً، ثم قول اللسان وعمل الجوارح والأركان. ومراد ابن بطة هنا إثبات أن عمل الجوارح من الإيمان، للرد على المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.ثم قال: [ وعلموا أيضاً المعنى الذي أنزلت فيه هذه الآية، ومراد الله تعالى فيها، واليوم الذي أنزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبان لهم -أي: لأهل السنة- كذب من افترى على الله، وعلى كتابه وعلى رسوله، وعلى صحابته والتابعين، والعقلاء من علماء المسلمين، فتأول هذه الآية بغير تأويلها، وصرفها إلى غير معانيها، وزعم أنها نزلت في غير المعنى الذي أراد الله بها، وفي غير اليوم الذي أنزلها فيه، فآثر هواه، وباع آخرته بدنياه، ويح من كان دينه هواه، فقد بارت بضاعته، وخسرت صفقته، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ].هذه مقدمة رائعة جداً في إثبات أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح والأركان، فمحل الإيمان القلب واللسان لمن كان قادراً على ذلك، أي: على النطق، والجوارح كذلك.اختلف العلماء في تعلق الإيمان بالعمل، فأهل السنة والجماعة على أن العمل من الإيمان؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).لو نظرنا في هذا الحديث لوجدنا قوله كما في مسلم : (أعلاه لا إله إلا الله) أي: أعلاه شهادة أن لا إله الله، والشهادة عمل اللسان، فالمرء يشهد بلسانه، فلو أن امرأً شهد بلسانه بهذه الشهادة ولم يعتقد قلبه صحة هذه الشهادة، فإنه يكون منافقاً بالإجماع.إذاً: هذه الشهادة إن تلفظ بها الإنسان ولم يكن لها رصيد في القلب لم يكن مؤمناً، بل كان منافقاً، وحينئذ نقول: إن هذه الشهادة لا بد لها من النطق إذا كان صاحبها قادراً على النطق، وإلا فتكفيه الإشارة، أي: الإشارة إلى السماء، كما في حديث الجارية: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (أين الله؟) وفي رواية: (فأشارت إلى السماء) أي: جهة العلو والارتفاع لله عز وجل، قال: لو لم يكن لهذه الكلمة التي صدرت على اللسان رصيد في القلب لا تقبل من قائلها إلا فيما يتعلق بأحكام الدنيا.أما إذا كان يعتقد صحة هذه الكلمة بقلبه، ولم ينطق بها مع قدرته على النطق، فهل يثبت له الإيمان أو الإسلام؟ أنتم تعلمون أن أبا طالب كان يؤازر النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يحوطه من جميع جوانبه، وحينئذ لما صرح أبو طالب في غير ما مرة أن ابن أخيه على الحق، وإنما الذي يمنعه من الدخول فيه قوميته، كان أبو طالب رجلاً قومياً يضمر القومية العربية، فمنعه ذلك من أن يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لا يقال: صبأ أبو طالب ، وترك دين آبائه وأجداده؛ ولذلك لما علم النبي عليه الصلاة والسلام منه إيمانه الجازم بصحة رسالته، قال: (يا عماه! قلها كلمة أشفع لك بها عند ربي، فقال: لو لم تعيرني بها العرب لقلتها) فهو يؤمن بها في قلبه، لكنه لم يتلفظ بها، فهل تنفعه حينئذ؟أنا الآن ضربت صورتين، الأولى: أنه تلفظ بها بلسانه ولم يعتقدها بقلبه، فهذا منافق، والمنافق كافر معلوم، ومن اعتقدها بقلبه ولم يتلفظ بها بلسانه فلا يقبل ذلك منه، بل هو باق على أصل كفره في الدنيا والآخرة، فهاتان صورتان لإثبات أن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد القلب والنطق باللسان لمن كان قادراً على ذلك.يأتينا دور العمل، فكلمة التوحيد لها شروط ومقتضيات، سنتعرض لها بإذن الله تعالى في تتابع دروسنا عن الإيمان.من أتى ببعض هذه الشروط وبعض هذه المقتضيات، كان عنده من الإيمان على قدر ما أتى من شروط ومقتضيات، ومن أخل ببعض هذه الشروط أو بعض هذه المقتضيات اللازمة لكلمة الإيمان، كان عنده من الإخلال: إما أن يكون بأصل الإيمان أو الإيمان الواجب أو الإيمان المستحب. يعني: أن الإيمان متعلق بالأصل والواجب والمستحب، فإذا فرط الإنسان في عمل يتعلق بأصل الإيمان كفر، وإذا فرط الإنسان في عمل يتعلق بالإيمان الواجب، فقد نزع منه على قدر تفريطه في هذا الواجب، وإذا فرط الإنسان في عمل مستحب، فإنما ينزع من إيمانه على قدر ما فرط في هذا العمل المستحب؛ ولذلك ما أحب الله عز وجل عملاً أكثر افترضه على العباد، وهذا يتعلق بالفرائض، قال الله عز وجل: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).. إلى آخر الحديث.فحينئذ عمل الجوارح له علاقة بعمل القلب واللسان، وهذا يدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وحقيقته وماهيته، لكن هذا العمل أصناف، فمنه ما كان متعلقاً بأصل الإيمان، يختل إيمان المرء، بل ينزع من أصله إذا أخل المرء بهذا العمل. وإذا كان الإيمان متعلقاً بالواجب أو بالحلال والحرام أو بالأمر والنهي، فإن إيمان المرء ينزل وينقص على قدر نقصانه في هذا الباب.أما إذا كان تفريط العبد في المستحبات، فإن كمال الإيمان وتمام الإيمان المتعلق بهذه الأعمال المستحبة ينقص على قدر تفريطه، وسيأتي تفصيل لهذا.قال عليه الصلاة والسلام: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) أي: خصلة وخلة، ثم ضرب لذلك أمثلة، فقال: أعلى شعب الإيمان هو التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ لأن واحدة بغير أخرى لا تصح ولا تقبل من قائلها. وأدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، وهذا يدل على أن مراتب الإيمان متفاوتة، منها العالي جداً في القمة، ومنها المتدني جداً، وإن كان الكل داخلاً في حقيقة الإيمان وماهيته، قال: (وأدناه إماطة الأذى). وإماطة الأذى متعلق بالجوارح، ومع هذا فإنه إيمان. ثم قال: (والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء عمل نفسي.إذاً: يثبت هذا الحديث أن عمل اليد وعمل اللسان وعمل القلب وعمل النفس؛ كل ذلك داخل في ماهية الإيمان وحقيقته، كلٌ على قدره، فإذا أتى المرء بكل شعب الإيمان ولم يأت بالشعبة الأولى وهي التوحيد، لا يقبل منه ذلك.إذا أتى المرء بشعبة التوحيد، ولكنه لم يمط الأذى عن الطريق فهل يكفر بذلك؟ لا.إذاً: هناك من شعب الإيمان ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها لا يصح له إيمانه، وهناك من شعب الإيمان ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها نقص إيمانه، لكنه في الأصل صحيح.هذا ما سنتعرض له بإذن الله تباعاً في الدروس القادمة.أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 حكم الجهاد في فلسطين أو غيرها
السؤال: هل الجهاد في فلسطين أو غيرها فرض عين على الشباب في مصر أو غيرها؟الجواب: الجهاد في الأماكن التي ترفع فيها راية الجهاد فرض كفاية على المسلمين لا فرض عين، فالجهاد فرض عين في نفس المكان الذي اعتدي فيه عليك، مثلاً: الجهاد في فلسطين فرض عين على الفلسطينيين هناك، وعلى من كان في فلسطين من غير أهلها فرض عين عليهم، ولا يكون فرض عين على من تلاهم من أهل البلدان إلا إذا عجزوا، فإذا عجز مجموع المسلمين من البلدين تعين على الثالث، فإذا عجزوا جميعاً تعين على الرابع.. وهكذا.أما الجهاد على الشباب في مصر فليس فرض عين، وإنما هو فرض كفاية، وشرط فرض الكفاية: سلامة الطريق، وأنتم تعلمون أن الطريق غير سالم وغير آمن. الشرط الثاني: أن يأذن الوالدان، وهذا شرط لصحة الجهاد في فرض الكفاية، فإذا لم يأذنا يأثم المجاهد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع بعض أصحابه لخدمة والديه، ولو تعين عليه الجهاد لم يرجعه، وستأتي هذه المسألة بالتفصيل بإذن الله تعالى في كتاب الجهاد في صحيح مسلم .

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب الإبانة - كتاب الإيمان - مقدمة كتاب الإيمان للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net