اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أقوال الصحابة في إثبات القدر [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أقوال الصحابة في إثبات القدر [1] - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد امتلأت كتب الآثار بكلام الصحابة في إثبات القدر، ونكيرهم على الجبرية والقدرية الذين زاغوا عن الهدى القويم، والصراط المستقيم.
مراتب الإيمان بالقدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.لا زال الكلام موصولاً عن القدر، والقدر هو سر الله تعالى في الكون، وحكمته من خلق الخلق، ومراتب القدر أربع قد تكلمنا عنها، وقلنا: إن أول مرتبة هي مرتبة العلم. أي: أن الله تبارك وتعالى علم أزلاً ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما كان ذلك كتبه الله تبارك وتعالى في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات، ثم قدر ذلك وشاءه لعباده، فشاء لهم الطاعة وشاء لهم البر والخير مشيئة شرعية دينية، محلها ومناطها الرضا، وشاء الله تبارك وتعالى الكفر والكبائر وسائر المعاصي، بمعنى أنه أذن في وجودها في الكون، وأذن الله تعالى في خلقها لا أنه يحبها ويرضاها، بل حذر منها ونهى عنها ورتب عليها العقوبات، ولأجلها أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ومنحك العقل، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.والمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق. فأفعال العباد جميعاً مخلوقة لله عز وجل. بمعنى: أنه أذن في وجودها خيرها وشرها، فالخير والشر من الله عز وجل، كما دل على ذلك تلك الآيات الكثيرة التي سقناها في دروس مضت، ثم أقواله عليه الصلاة والسلام وأحاديثه التي مضت في دروسنا أيضاً لإثبات أن الخير والشر من عند الله عز وجل، مع أنه لا يرضى الشر، ولكنه أذن في وجوده ووقوعه، وأذن في خلقه؛ لأن الله تعالى علم أن العبد سيختار طريق المعصية فكتب ذلك عليه، لا أنه سبحانه يرضى المعاصي.
 

أقوال الصحابة في إثبات القدر وأن الخير والشر من عند الله عز وجل
وها نحن اليوم مع الأدلة من أقوال الصحابة رضي الله عنهم في إثبات أن الخير والشر من عند الله عز وجل، ولا يجوز لأحد أن يقول: إذا كان الخير والشر من عند الله فلِم يعاقبنا عليه؟ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بشرط التوبة منها.ولذلك إذا كانت المعاصي من قدر الله فإن العقوبات كذلك من قدر الله، فهل ترضى أن تُقطع يدك؟ سيكون الجواب حتماً: لا. لأنه لا أحد يرضى بذلك، فإذا كنت لا ترضى بقطع يدك فلِم مددتها للسرقة؟ لِم أطلقت ليدك العنان أن تأخذ أموال الناس من أحرازها؟فإذا كانت المعاصي من قدر الله وهي كذلك، فلا بد أن هذه العقوبات هي كذلك من قدر الله، فلا بد لكل إنسان ذكي عاقل قبل أن يفكر في الذنب أن يفكر في عقوبته، وأن الذنب وعقوبته المترتبة عليه إنما هما بقدر الله عز وجل. وأقوال الصحابة في إثبات أن الخير والشر من عند الله عز وجل كثيرة جداً لا تكاد تحصى، بل لم يأتنا نص واحد عن صاحب من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الخير من عند الله وأن الشر من عند الناس؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا أنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، فإذا كان هذا الأمر محل إجماع الصحابة رضي الله عنهم فكفى به إجماعاً، بل كفى به دليلاً، فلو لم يأت في كتاب الله آية واحدة ولا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام حديث واحد لكفى إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الخير والشر من عند الله عز وجل.تصور أمر يُجمع عليه جميع الأصحاب ولم يأتنا مخالف لهم، بل لم يأتنا مخالف لهم حتى ممن أتى بعدهم من أهل السنة والجماعة وممن نهج منهج أهل السنة، فكيف يكون هذا الأمر محل نزاع أو محل خصومة؟
 قول عائشة رضي الله عنها في إثبات القدر
قال: [عن عائشة قالت: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].ولذلك أنت تقول: العبد طيلة حياته يعمل بعمل أهل الجنة، فكيف يختم له بالنار؟ فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (إنما الأعمال بالخواتيم)، ويقول: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟ أي: أنك ترى أن هذا العمل عمل أهل الجنة لا يعمله إلا ناس قد أحبهم الله عز وجل ويسرهم ووفقهم إلى فعل هذا الخير، ولكنه يصلي الفجر معك ويضع رجله على رجليك؛ ويجلس بجوارك ليتجسس عليك ويعرف اسمك ويكتب فيك تقريراً فهذا العمل عمل أهل النار وليس عمل أهل الجنة.قالت: [إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].إذاً: فهذا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولا بد من كلمة: (فيما يبدو للناس)؛ لأن هذه قد وردت في رواية ابن مسعود من طريق آخر، وهي تحل جميع الإشكالات التي وردت في هذا الحديث.وقال محمد بن كثير العبدي : سمعت سفيان الثوري يقول: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله.وعبادة الأصنام هذه محببة إلى الشيطان، ولكن العبد يعبد الأصنام وهو حبيب الله؛ لما سبق من علم الله أنه سيُختم له بخاتمة الطاعة، فيكون من أحبائه بعد الهداية لا أثناء عبادة الأصنام: (والأعمال بالخواتيم)، وقال: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) فحينئذ يكون حبيب الله عز وجل.
أقوال التابعين في إثبات أن الخير والشر من عند الله عز وجل

 قول أبي قلابة رحمه الله في إثبات القدر
قال أبو قلابة لـأيوب: [يا أيوب ! اضبط عني أربعاً -أي: احفظ عني أربع مسائل- لا تقولن في القرآن برأيك -لأن هذا محذور شرعي- وإياك والقدر -أي: أن تتكلم فيه- وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك]. وأنتم تعلمون أن الشيعة وقعوا في جُل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بل لم ينج من ألسنتهم إلا نفر قليل من أصحابه عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان يقول: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي: أقل من النصف.قال: [وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء سمعك فيغيروا قلبك].أي: احذر أن تجتمع بصاحب بدعة.فهؤلاء الأئمة في الأزمنة السابقة كانوا يفرون من أصحاب البدع فرارهم من الأسد مع أنهم أئمة وكانت بإمكانهم مناظرتهم، فالحجة بأيديهم يقيمونها عليهم، ولكنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقتدي بهم من يأتي بعدهم، فليس لك أن تقول: أنا من أهل العلم المجتهدين، وسأذهب لأناقش أصحاب التكفير والهجرة، ثم ما إن ترجع من مناقشتك معهم إلا وقد أخذت عنهم الكثير، ثم تقول بأنهم على حق، فهذا ليس ميدانك.نكتفي بهذا، وصلى الله على محمد، وآله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 حكم خلط الثمار
السؤال: ما الحكم في خلط الثمار كالكوكتيل؟الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الخليطين أو عن الثمرتين أن ينبذا جميعاً، فنهى كما في البخاري ومسلم عن خلط التمر بالبسر، وعن خلط التمر بالجنيب، والجنيب بالبسر، وأهل العلم اختلفوا في هذا فقالوا: النهي للتحريم، والجمهور: على أن النهي للكراهة، والراجح أنه للتحريم.ثم ذكروا مسألة أخرى: هل الحرمة والكراهة متعلقتان بالمذكور نصاً؟ أي: أنها متعلقتان بأصناف الثمار المذكورة في الحديث؟الظاهرية وبعض الحنابلة قالوا: بالمذكور نصاً، وجمهور أهل العلم على أن ذلك عام في كل الثمرتين. أي: حينما تضع فراولة وموز وتنقعهم في الماء فهذا خلط قد نهى عنه الشرع. وفي رواية المختار بن فلفل عن أنس رضي الله عنه في سنن النسائي : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين). وهذا حديث عام يعم الثمار كلها؛ ولذلك ذهب أهل العلم في الكوكتيل إلى مذهبين: الحرمة والكراهة إذا كان ذلك نقعاً؛ لأن الانتباذ هو النقع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أقوال الصحابة في إثبات القدر [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net