اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام ابن المديني للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام ابن المديني - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هم خير الناس بعد الأنبياء، وقرنهم هو خير القرون، وأدناهم صحبة أفضل من الذين لم يروه، ثم يليهم في الفضل التابعون الذين حملوا لواء الدفاع عن الكتاب والسنة، ووقفوا أمام البدع والشبهات، وعلى هذا سار من بعدهم من أئمة الدين وحفاظ الحديث، يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويؤمنون بالغيب.
اعتقاد علي بن المديني
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:فلا زال الكلام موصولاً عن مجمل اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم، وقد ذكرنا في اعتقادهم عدة مسائل، ووعدنا ألا نعيد هذه المسائل في عقيدة كل من نذكر، وسردنا عقيدة سفيان الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، وابن عيينة وغيرهم. وهنا سنذكر عقيدة الإمام الكبير العلم الجبل إمام النقد علي بن عبد الله بن جعفر المديني ، وهو من أئمة الجرح والتعديل العظام، بل هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو شيخ الإمام البخاري ، وقرين أحمد بن حنبل.
 عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [ وإذا رأيت رجلاً يحب أبا حنيفة ، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه ]. لأنه يميل أيضاً إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة رحمه الله وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثاً بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد ، ولا مالك ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، ولا ابن المديني ، ولا البخاري. ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة ، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج. وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
اعتقاد أبي ثور
يقول أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم: [ أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور بكتاب يسأل عن الإيمان ما هو؟ ] تصور أن واحداً يبعث من آخر الدنيا برسالة يسأل فيها إماماً عن الإيمان ما هو؟ هذا يعني أن الأمر عظيم. قال: [ وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول أو قول وعمل، أو قول وتصديق وعمل؟ ]. فأجابه بأجوبة عظيمة جداً قد ذكرناها في عقائد من تقدموا، فلا داعي لنذكرها، ولكنه على سبيل الاختصار قال: [ فأجابه: إنه التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل الجوارح.وسأله عن القدرية من هم؟ فقال: إن القدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد -يعني: أفعال العباد- وأن المعاصي لم يقدرها الله على العباد ولم يخلقها. فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا يشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.قال: وسألت عن الصلاة خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فهذا كافر بقوله -أي: بقول الذي يقول لا يصلى خلفه- وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم. ومن قال: كلام الله مخلوق فقد كفر وزعم أن الله عز وجل حدث فيه شيء لم يكن ] يعني: خلق فيه شيء لم يكن.قال: [ وسألت: يخلد في النار أحد من أهل التوحيد؟ والذي عندنا أن نقول: لا يخلد موحد في النار ]. هذا مجمل اعتقاد أبي ثور رحمه الله.
 عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [ وإذا رأيت رجلاً يحب أبا حنيفة ، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه ]. لأنه يميل أيضاً إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة رحمه الله وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثاً بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد ، ولا مالك ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، ولا ابن المديني ، ولا البخاري. ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة ، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج. وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
اعتقاد الإمام البخاري
أما اعتقاد الإمام البخاري عليه رحمة الله فإنه كثير جداً، ولذلك قال: [ لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومضر، لقيتهم كرات قرناً بعد قرن، ثم قرناً بعد قرن ]، وكرات يعني مرات أي: التقى بالواحد منهم مرات متعددة، وقد بلغ عدد شيوخ البخاري أكثر من ألف. قال: [ فلقيت بالشام ... ] أي: فلان، ومضر فلان، ومكة فلان، والمدينة فلان وعدد أقواماً. ثم قال: [ واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل ]. فإذا نطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضى هاتين الشهادتين يكون في الغالب، أو في أرجح أقوال أهل العلم: كافراً بهذه الكلمة. [ أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] ]. فبعد أن وحدوا الله تبارك وتعالى -أي: نطقوا بشهادة التوحيد- لابد وأن يأتوا بالأعمال، وذكر الله تبارك وتعالى من الأعمال عملان هما: الصلاة والزكاة لأهميتهما. ولا يعني ذلك: أن من أراد أن يتخلف عن الحج أو يجحده فلا حرج عليه، بل إنما ذكر الله تبارك وتعالى أهم فرضين ليدل على الباقي.قال: [ وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف:54].قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل : قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر ]، يعني: فرق بين الخلق وبين الأمر. [لقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] ...]. قال: [ وما رأيت فيهم أحداً يتناول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ]. يعني: ما رأيت أحداً من هؤلاء العلماء الذين بلغوا ألفاً من أهل العلم ومن أئمة السلف يتعرض لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. [ قالت عائشة : أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك في قوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] ]. أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ولعنوهم، خاصة الخوارج والشيعة والمعتزلة فهم الذين نالوا من الصحابة كثيراً. قال: [ وكانوا ينهون عن البدع ]، أي: هؤلاء الألف. والبدع [ هي ما لم يكن عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، لقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]. ولقوله: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54].ويحثون على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأتباعه، لقول الله عز وجل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].وأن لا ننازع الأمر أهله -وأن لا ننازع أصحاب السلطان سلطانهم- لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم) ]. أي: ذلك المسلم صاحب القلب الطيب النظيف النقي إذا اتصف بهذه الصفات. وهي: [ إخلاص العمل لله عز وجل، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم. فإن دعوتهم تحيط من وراءهم ].الذي يتصف بهذه الصفات، لا يكون في قلبه غل ولا حسد ولا حقد على أحد من المسلمين.قال: [ ثم أكد ذلك في قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59].وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ]. يعني: أن لا يرى جواز الخروج بالسيف على أمة النبي عليه الصلاة والسلام، كما خرجت الخوارج ومن بعدهم خرجوا الشيعة.قال: [ وقال الفضيل : لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد. قال ابن المبارك : يا معلم الخير من يجترئ على هذا غيرك! ] يعني: من يفهم هذا الكلام غيرك؟!
 عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [ وإذا رأيت رجلاً يحب أبا حنيفة ، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه ]. لأنه يميل أيضاً إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة رحمه الله وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثاً بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد ، ولا مالك ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، ولا ابن المديني ، ولا البخاري. ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة ، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج. وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازي
وأما عقيدة أبي زرعة الرازي ، وأبي حاتم الرازي فقد ورد عن ابن أبي حاتم أنه قال: [ سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ ]. و أبو حاتم ، وأبو زرعة كانا كفرسي رهان، كاد الناظر في علمهما أن يقول: إنهما نسخة واحدة أو شخص واحد، ولكن أبا زرعة يزيد قليلاً في التوثيق والإمامة عن أبي حاتم، وكلاهما ثقة.قال: [ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأنصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والقدر خيره وشره من الله عز وجل، وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب عليهم السلام وهم الخلفاء الراشدون المهديون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم ]. أي: حق وعقيدة. قال: [ وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه ] ومعية الله تعالى لهم إنما هي معية سمع وبصر وإحاطة وعلم). فالله تبارك وتعالى إذا كان معك فإن ذلك لا يتنافى قط مع العلو والفوقية، فإذا قرأت قول الله تبارك وتعالى: أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194]، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، فهذه المعية المذكورة في الآية إنما هي معية علم وسمع وبصر وإحاطة، فهذا لا يتنافى مع علو الله عز وجل وارتفاعه وفوقيته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله خلق السموات والأرض، وجعل بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام، وجعل فوق السماء السابعة بحراً، وفوق البحر العرش، وفوق العرش الكرسي). والله تعالى مستوٍ على الكرسي استواءً يليق بجلاله وعظمته.واستواء الله تبارك وتعالى معلوم لدينا، فالاستواء في لغة العرب لا يعني الاستيلاء، وإنما يعني العلو والفوقية، فإذا قلت أنت: إن فلاناً استوى على سقف البيت، فهذا يعني أنه علا وارتفع على سقف البيت، ومع هذا أنت تقول: إن فلاناً معنا، كما أن القمر في السماء والشمس في السماء، ومع هذا فأنت تقول: الشمس معنا والقمر معنا باعتبار النظر إليه، فأنت لا تنظر إلى الله تبارك وتعالى في حياتك الدنيا، وإنما النظر هذا في الآخرة، والله تبارك وتعالى هو الذي يراك ويرى جميع خلقه، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم أبداً، فالغيب والشهادة شهادة لله عز وجل.قال: [ وأن الله عز وجل على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف ].يعني كيف استوى؟ لا ندري. فإذا كنت أنت لا تدري عن ذات الله تبارك وتعالى شيئاً، فأنت لا تدري عن كيفية ذات الله تبارك وتعالى، فكيف يتسنى لك أن تعلم صفاتها، فإذا كنت لا تعلم كيف الذات، فمن باب أولى أن تخفى عليك الصفات، ولا يتصور ذات بلا صفات.تصور أنك تقول: إن هذا كأس، ولكن لا صفة له. فهذا لا يتصور؛ لأن هذا الكأس أولاً له اسم وهو الكأس، ومن صفاته أنه برتقالي، وأنه مستدير، وأن له يداً يتحكم فيه من خلالها، فلا يتصور قط أن هناك ذات لا صفة لها، فإذا قلت: إن إبراهيم رجل كريم فكرم إبراهيم محدود، لأنه كرم بشري، وإبراهيم كريم في حدود طاقته واستطاعته.ولذلك الكرم الذي وصف الله تبارك وتعالى به عباده كرم محدود، أما كرم المولى عز وجل فغير محدود وغير مكيف؛ لأن كرم الله تعالى يتناسب مع ذاته العلية، فإن الله تبارك وتعالى موصوف بكمال الكرم، فليس هناك كرم يضاهيه أو يوازيه، ولذلك نحن لا نخوض في كيفية معرفة صفة الله عز وجل، وإنما نؤمن بها ونمرها كما أمرها السلف، وكما مروا عليها بلا تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل بصفات المخلوقين؛ لأن ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق، فلابد أن صفات الخالق كذلك تختلف عن صفات المخلوق.قال: [ وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء ].يعني: أنت عندما تقرأ في أوصاف الجنة تجد أنها من أعظم النعم، وأعظم ما فيها على الإطلاق: النظر إلى وجه الله عز وجل في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، يتجلى ربنا تبارك وتعالى لخلقه فيرونه.فتقول: أنا أريد أتصور كيف يتجلى ربنا؟ وما هذه الحجب التي إذا كشفها الله عز وجل رأيناه؟ وتدور بمخيلتك لتصل إلى صورة مرضية ومقنعة لك. أنت غير مطالب بهذا، بل أنت منهي عن هذا؛ لأنك مهما تصورت فإن الحقيقة أعظم من ذلك، وهو نعيم ليس بعده نعيم.إذا كان الله تبارك وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام قد بينا أن في الجنة نعيم من ثمارها وطيبها ورائحتها ما لا يمكن أبداً لعين أن تكون قد رأته، ولا لأذن أن تكون قد سمعت به، ولا لبشر أن يكون خطر على قلبه، فكيف بالذات العلية؟!ورد أن أصحاب المعاصي لما يروا إخوانهم في الجنة يقولون لهم: أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف:50]. أي: أعطونا أي حاجة. وأقل حاجة في الجنة لو أنها نزلت إلى أهل الدنيا لشبعوا إلى قيام الساعة، كما ورد ذلك عند البخاري ومسلم : (أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى الجنة فمد يده؛ لأجل أن يأخذ منها قطفاً. قال: ولو أخذته لأكلتم منه إلى قيام الساعة). عنقود عنب واحد، تأكل منه الدنيا كلها إلى قيام الساعة. تصور كيف هو هذا العنقود؟ بل الشجرة في الجنة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام، والنبي عليه الصلاة والسلام قد وعد أن من سبح الله تبارك وتعالى فله بكل تسبيحة وتهليلة وتكبيرة شجرة تغرس له في الجنة.ومن فضله تبارك وتعالى ورحمته بأهل الإيمان وأهل التوحيد: أن جعل الجنة تزيد على النار بباب، جعل الجنة ثمانية أبواب، والنار سبعة أبواب. وفي رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن للجنة ثمانية أبواب، الباب الواحد ما بين مصراعيه مسيرة مائة عام). وفي رواية: (كما بين المشرق والمغرب).كان المغرب ينتهي إلى أوروبا، ثم لما اكتشفت الأمريكيتين، كانت هي نهاية المغرب، ولم لا يكون منتهى العالم شيء آخر أبعد من ذلك، ونحن نعلم أن تميم الداري رضي الله عنه رأى المسيح الدجال في داخل الجزيرة، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يسأل تميماً عن هذه الجزيرة، ولا عن اتجاهها، كما أن تميماً كان في روايته: أنه ضل ورفاقه الطريق فنزلوا جزيرة فرأى فيها كيت وكيت وكيت، وذكر الحديث الطويل الذي رواه الإمام مسلم . والعلم الحديث يدعي أنه اكتشف جميع الأرض، ونحن نبحث عن المسيح الدجال فما وجدناه. هذا يدل على أن هذه الاكتشافات عاجزة وقاصرة، وإلا فيلزمك أمران: أن تؤمن بكلامهم وتكفر بالنبي عليه الصلاة والسلام وكلامه، أو العكس؛ فإن كنت تؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام وكلامه فلابد أن تعلم أن هذه الاكتشافات إلى الآن قاصرة، وأن الله تعالى حجز هذا عن أعين الخلق؛ لأنه وعد أنه سيظهر في وقت معين، وأن رؤية الدجال لاشك أنها أعظم فتنة في الإسلام، بل منذ أن خلق الله الأرض، ولاشك أن من اقترب منه افتتن، فلذا الله من فضله ورحمته أخفى ذلك عن أعين هذه الأمة، ولذلك هم يقولون إنه في مثلث برمودا، لما قلنا نحن: هناك جزيرة في المحيط نتوقع أن فيها المسيح الدجال ، وهذه الجزيرة كلما اقتربت الطائرة منها انقطع الاتصال الصوتي أو اللاسلكي معها ثم تختفي الطائرة ولا يدرى لها مكان.قالوا: إن المسيح الدجال هناك، وهذا الفعل هو من قبيل الشياطين الأبالسة. وهذا كلام كله كلام فارغ يناسب القاعدة التي أخذناها من قبل: المسلم يتوقف عند النصوص ويقول: سمعاً وطاعة، فأنت غير مكلف بأن تفتح الجزيرة هذه. قال: [ وأن الله تبارك وتعالى يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء ]. يعني: أنت عليك أن تؤمن أن الله سيكلمك ليس بينك وبينه ترجمان. هذا هو المطلوب منك، أما كيف سيكلمك فهذا غير مطلوب منك.قال: [ والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبداً، والجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل ].والكلام هذا ليس متعلقاً بأصحاب الجنة وأهل الجنة، بل متعلق بأهل النار.قال: [ وجعل النار عقاباً لأهل معصيته إلا من رحم الله ]. المشركون والكافرون لا يدخلون في هذا الاستثناء أبداً، أما أصحاب المعاصي من المؤمنين وأصحاب الكبائر فيدخلون. قال: [ والصراط حق ] وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف.قال: [ والنار تحت الجسر، والصراط ممدود على الجسر، والجسر على جهنم ] هذه الشعرة أي: الصراط نحيف جداً، فنحن لو أخذنا شعرة من لحيتك أو من رأسك وقلنا لك: إن الصراط أدق من هذه الشعرة، ولكنه أحد من السيف، وإن الناس جميعاً سيعبرون عليه فماذا ستقول؟! نكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [ وإذا رأيت رجلاً يحب أبا حنيفة ، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه ]. لأنه يميل أيضاً إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة رحمه الله وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثاً بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد ، ولا مالك ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، ولا ابن المديني ، ولا البخاري. ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة ، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج. وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام ابن المديني للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net