اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - التزام السنة ونبذ البدعة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح أصول اعتقاد أهل السنة - التزام السنة ونبذ البدعة - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
المؤمن يلتزم بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ويترك ما خالفهما وينبذه وراء ظهره، والمبتدع يتبع الأهواء والآراء الضالة المضلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه وما أجمع عليه الصحابة وسلف هذه الأمة.
الأمر باتباع الكتاب والسنة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:فمازال الكلام موصولاً عن التزام السنة ونبذ البدعة.قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الكوفي رحمه الله ورضي عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم].وفي الدرس الماضي قلنا: كاد أن يكون كلام الصحابة وحياً نزل من السماء؛ لأنهم عاينوا الوحي كتاباً وسنة، فألفوا كلام الله عز وجل، وألفوا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فكان كلامهم يشبه كلام الله وكلام النبي عليه الصلاة والسلام.فلم يتكلم صاحب من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام بقول إلا وله شاهد من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.أما قوله رضي الله عنه: (اتبعوا). أي: اتبعوا الكتاب والسنة. (ولا تبتدعوا) في دين الله عز وجل (فقد كفيتم) أي: فقد كفاكم الله تعالى في كتابه، وكفاكم رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته أن تبتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وتجد مصداق ذلك في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].فهذا التمام والكمال في شريعة الرحمن تبارك وتعالى إنما تحذر كل الحذر ممن سولت له نفسه أن يشرع للناس من عند نفسه ثم يستحسن ذلك ويأمر الناس باتباع ما ابتدعه.وفي رواية بزيادة: (وكل بدعة ضلالة). أي: كل بدعة في الدين ضلالة، وصاحبها ظالم.قال: [قال ابن مسعود : إنها ستكون أمور مشتبهات -أي: ستظهر فيكم ولكم أمور مشتبهات- فعليكم بالتؤدة]. أي: عليكم أن تسيروا معها سيراً حثيثاً بالتؤدة والاطمئنان وعرض هذه الأمور المستحدثة والمشتبهة على فهم السلف لكلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.قال: [فإنك أن تكون تابعاً -يعني: فلأن تكون تابعاً- في الخير خيراً من أن تكون رأساً في الشر]. يعني: إياكم والمحدثات، سواء كانت هذه المحدثات في الاعتقاد أو في العبادات أو في الأخلاق أو في السلوك، ولم يأت لها دليل في كتاب الله ولا في سنة الرسول ولا في فعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، لم يكن فيها شاهد ولا نص.قال: فاحذر من اتباع هذه البدعة فإنها محدثة، وكل محدثة في الدين بدعة وضلالة.وقال أيضاً: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة أو أمراً مبتدعاً في الدين تنكرونه، فعليكم بالهدي الأول]. كما في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة : (سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون). لأن الحق له صور وعلامات كعلامات القرين، فالأمراء أحياناً يأتون بالمعروف وأحياناً يأتون بما ينكر عليهم.قال: (فمن كره فقد برئ)، أي: من كره بقلبه فقد برئ بيده من الإثم. (ومن أنكر فقد سلم). أي: ومن تعرض لهذا المنكر بالإنكار والتغيير فقد سلم، ولكن الحرج كل الحرج والإثم كل الإثم على من رضي بهذا المنكر وتابع الأمراء عليه.قال: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم]. يعني: ربما تأتي البدعة منكم أو تأتيكم من غيركم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول. أي: فعليكم بكتاب الله وسنة رسوله وهدي الصحابة رضي الله عنهم.فكل هذه النصوص إنما تحث المسلم أن يتمسك بما كان عليه سلف الأمة، وبما كان عليه أهل القرون الخيرية الأولى؛ لأنهم أدرى بكتاب الله وهم كذلك أعلم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا ظهر في دين الله عز وجل غير ما تعرفون من كتاب الله وسنة رسوله وفهم الصحابة والسلف الصالح على جهة الخصوص من هذه النصوص فعليكم أن تتمسكوا بالهدي الأول أي: بالأمر العتيق.قال: [قال ابن مسعود كذلك: ما كان أهل الكتاب إلا كان أول ما يدعون السنة، وآخر ما يدعون الصلاة.وقال: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا -يعني: مفصل أنملة- أو يقول: يأتي من بعدكم أقوام يدعون من السنة -أي: من العقيدة- مثل هذه. وأشار إلى بعض الأنملة. كأنها تلك القطعة من اللحم التي تحت الظفر، وهو شيء يسير جداً.يقول: فإن تركتموهم وما أحدثوا لكم في الدين جاءوا بالطامة الكبرى، وإن لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون السنة وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة].الذي يلزمنا وهو أوضح في المراد: أننا لو تركنا أهل الباطل بباطلهم وأهل الفساد بفسادهم لعم العقاب، كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25].وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر رضي الله عنه: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عذاباً ثم لا يرفعه عنكم).وفي رواية: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عذاباً ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). جاء في حديث النعمان بن بشير في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب مثلاً للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فقال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا صعدوا إلى أعلى السفينة وأنزلوا دلوهم فاستقوا، فقالوا: لو أنا خرقنا خرقاً في نصيبنا ولم نؤذ من فوقنا) نيتهم حسنة، ولكن الناس لو تركوهم على هذا النحو لهلكوا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (فإنهم إن تركوهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)؛ لأن الذي في أسفل السفينة لو خرق فيها خرقاً لعبئت السفينة بالماء وبالتالي لابد أن تغرق، فيغرق من في أسفلها ومن في أعلاها.ولذلك يقول الصديق رضي الله عنه: (إنكم تقرءون هذه الآية وتفهموها على غير وجهها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب، ثم تلا هذه الآية).إذاً: لا يضرك مخالفة من خالف إذا أنكرت عليه، أما أن تبقى بغير إنكار فإن العذاب يشمل الصالح والطالح، كما جاء في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج عليها فزعاً وقال: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بالسبابة والإبهام). وهو خرم بسيط جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب)، ثم قرن ذلك الشر المرتقب في العرب بخرم يسير جداً فتح من ردم يأجوج ومأجوج، وهذا يدل على أن العرب إنما أنيط بهم على جهة الخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل.قالت زينب بنت جحش : (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث). ولكن لو أن المرء أدى ما عليه كما قام رجل إلى مروان الخليفة المدني الأموي كان يخطب قبل صلاة العيد، فقام إليه رجل وقال: بدلت وغيرت، إنما الصلاة قبل الخطبة، فسبه مروان فجلس الرجل، فقال أبو سعيد الخدري مشيراً إلى الرجل: أما هذا فقد أدى ما عليه. أنكر عليه وهو خليفة، فلا حرج عليه بعد ذلك، لو أن الله تعالى أنزل عليهم عذاباً وخصهم فإنه يبعث هذا الرجل على نيته الصالحة وعلى عمله الصالح، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيحين: (يغزوا جيش الكعبة -أي: في آخر الزمان- حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، قالت عائشة : يا رسول الله! أيخسف بهم جميعاً؟ قال: نعم. قالت: فيهم أسواقهم ومن ليس منهم) يعني: فيهم أقوام إنما مشوا معهم لا لتكثير سوادهم وإنما للتجارة والمرابحة والبيع والشراء.. وغير ذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يخسف بهم جميعاً ثم يبعثون على نياتهم).فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما وجودكم في هذا المكان ووجود غيركم في مثل هذا المكان إلا ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل.ولذلك فإن هذا الواجب العظيم مناط بخيرية هذه الأمة، كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].وقال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71].فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأهميته ذهب بعض أهل العلم إلى أنه من فرائض الإسلام العينية التي تجب على كل مكلف، ولكن مذهب الجماهير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين.قال: [قال ابن مسعود : عليكم بالطريق الطريق -أي: الهدي المستقيم- فلئن لزمتموه لقد سبقتم سبقاً بعيداً؛ ولئن خالفتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً].فالذي يترك الكتاب والسنة بفهم السلف لابد أنه واقع في ضلال، وإن كان متبعاً لآثار من مضى فإنه على الهدي المستقيم.قال: [سئل ابن مسعود كذلك عن مسألة فيها لبس، وشبهة وإشكال، فقال: أيها الناس! إن الله قد أنزل أمره وبيناته، فمن أتى الأمر من قبل وجهه فقد بين له، ومن خالف فوالله لا نطيق خلافه].يعني: إذا كان يعجبكم أن تمسكوا بآثار وأفهام من مضى فأنا معكم، وإذا خالفتم فلا أطيق أن أخالف معكم.قال: [عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتعمق والتنطع، وعليكم بالعتيق]. أي: الأمر الأول الذي لا بدع فيه ولا تنطع فيه ولا تعمق.قال: [قال سفيان : كان السفهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة]. أي: موافقة هديه عليه الصلاة والسلام قال: [عن الحارث بن قيس قال: قال لي عبد الله : يا حارث ! تريد أن تدخل وسط الجنة؟ قلت: نعم. قال: عليك بهذا السواد الأعظم]. والسواد الأعظم هم أهل السنة والجماعة.
 منهج السلف في الأخذ بالسنة وترك البدعة
قال: [قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمالاً لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولى].قال: [قال أبو الدرداء : لن تضل ما أخذت بالأثر]. يعني: كلما أخذت بالأثر فأنت بعيد كل البعد عن الضلال.قال: [يقول أبو الأسود : إن استطعت ألا تحك قفاك -وفي رواية: جلدك- إلا بأثر فافعل]. يريد أن يخبرك بأن حركاتك وسكناتك كلها لابد أن تكون منضبطة على كتاب الله وعلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يشهد له قوله عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي).قال: [قال ابن عباس : من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة -أي: المبتدعة- فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه].قال: [قال معاوية لـابن عباس : أأنت على ملة علي ؟ قال ابن عباس : ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة محمد عليه الصلاة والسلام. أرأيتم إلى هذا الكلام الجميل. يعني: معاوية يريد أن يقول له: أنت معي أم مع علي ؟ فقال له: أنت على ملة علي ؟ فرد عليه فقال: ولا على ملة عثمان ، أنا على ملة محمد عليه الصلاة والسلام].قال: [قال رجل لـابن عباس : الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم -يريد أن يلبس على ابن عباس - فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة، إنما هو الأثر].قال: [قال مالك بن أنس : قيل لرجل عند الموت: على أي دين تموت؟ فقال: أموت على دين أبي عمارة ، وعلى ملة أبي عمارة -كأنه رجل كان مبتدعاً، وكان من أهل الأهواء- قال مالك : يدع المشئوم دين أبي القاسم ويموت على دين أبي عمارة؟!].قال: [عن ابن سيرين قال: الرجل ما كان مع الأثر فهو على الطريق]. يعني: مادمت متمسكاً بالأثر فاعلم أنك على الصراط المستقيم، فإذا حدت عن الأثر لقول فلان وعلان ومذهب فلان أو فلتان فاعلم أنك ضللت ضلالاً بعيداً.قال: [عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك حتى أصابتها ريح شديدة فتحات ورقها -أي: فسقط ورقها- إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات تلك الشجرة ورقها، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة]. يعني: إن كان اجتهاد واقتصاد فليكن على منهاج الأنبياء وسنتهم.قال: [كان أبو الأحوص يقول لنفسه: يا سلام ! نم على سنة خير من أن تقوم على بدعة]. يعني: كن متبعاً للسنة خير لك من أن تكون رأساً في الشر ورأساً في البدعة.وعن شريح أنه كان يقول: إنما أقتفي الأثر -يعني: أبتدع الأثر- فما وجدت قد سبقني به -يعني: الصدر الأول- حدثتكم به. فهذا شريح ما كان يتكلم بكلمة إلا ولابد أن يكون له فيها سلف، حتى إذا قيل له: من أين لك هذا؟ قال: قال به فلان، أو سمعته من فلان، أو حدثني به فلان.وعن إبراهيم النخعي قال: لو أن أصحاب محمد مسحوا على ظفر لما غسلته التماساً الفضل في اتباعهم، وإبراهيم النخعي إمام الكوفة وكان مجتهد الزمان في زمانه.يعني: الأمر قد ورد في القرآن والسنة بغسل اليد، ولو أن السلف مسحوا على أظفارهم لما تجاوزت المسح؛ لأنهم أفهم لكلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، بل مسحت كما مسحوا اتباعاً، أو يقول: التماساً للفضل في اتباع سلف الأمة، وهذا كلام جميل جداً.قال: [يقول الشعبي : نزل المسح من السماء]. يعني: نزل المسح على النعلين والخفين والجوربين من السماء.قال: [عن الشعبي قال: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ لأن المسح سنة والسنة أفضل].وأنتم تعلمون أن مسألة المسح على الخفين من مسائل الأحكام، وقد وردت في كتب الاعتقاد؛ لأنها أنكرت عند بعض فرق الضلال، وهم الشيعة الرافضة، فلما كانت هذه علامة على دين الرافضة وأنهم ينكرون المسح على النعلين والخفين والجوربين قام أهل السنة بإظهار هذه السنة، فكانت من مسائل الأحكام العملية من جهة، ومن مسائل الاعتقاد من جهة أخرى.ولذلك يخطئ من يظن أن الكتب المصنفة في العقيدة إنما تحوي مسائل الاعتقاد كلها، وإنما غالب هذه المسائل التي جاءت في كتب الاعتقاد ما اعتنى بها من صنف فيها إلا لمخالفة غير أهل السنة والجماعة لأهل السنة والجماعة في هذه المسائل.وبعبارة أخرى: عندما تقرأ العقيدة الطحاوية إياك أن تظن أن هذه مسائل الاعتقاد ولا مسائل غيرها، بل هذه المسائل أو معظم المسائل التي خالفنا فيها أهل البدع، وأظهرها أهل الإسلام في مصنفات مخطوطة؛ حتى يحافظوا على طلاب العلم وأهل العلم والعامة الناشئين في حظيرة أهل السنة والجماعة.قال: المسح على الخفين أفضل من الغسل. لأن الغسل يعرفه كل أحد، لكن المسح فيه أظهار لسنة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً وأبداً يحرص على مخالفة أهل الكتاب.فمثلاً: الصلاة بالنعلين، أنت الآن لو صليت بالنعلين، سيكون رد الناس عليك شديداً؛ لأن الناس لم يروا أحداً يصلي بالنعلين، فإذا تمكنت أن تصلي في نعليك فافعل إظهاراً للسنة، وإذا تمكنت أن تمسح على الجورب أو النعل أو الخف فافعل إظهاراً للسنة وتعبداً لله عز وجل، وصحة لعبادتك بخلاف من ينكر ذلك، وافعل هذا في وسط لا يعرف هذه السنة.نحن كنا مثلاً منذ 20 سنة، والمرأة المنتقبة في الريف عندما كانت تمشي بالنقاب كان الصبيان والأطفال بل والكبار والصغار يرمونها بالطوب ويزفوها من البيت إلى المحطة أو من المحطة إلى البيت.لكن الآن والحمد لله بالإصرار على إظهار هذه العبادة لله عز وجل أصبح هذا الأمر طبيعياً جداً، بل أخذ موضع احترام وتقدير وإجلال، بل حتى الذين يجلسون على البوافي يقولون: اتركوا هذه المرأة ولا تؤذوها لئلا تدعو علينا بالليل، فالأوغاد ينظرون إليها باحترام وإجلال.كذلك الملتحي، ففي كل ثلاثين أو أربعين قرية أو في مركز من المراكز أو في محافظة من المحافظات نادراً أن تجد شخصاً ملتحياً، وهذا كان قبل 30 إلى 40 سنة.وعند أن تجده تجده أضحوكة الناس، حتى الأم كانت تخوف ابنها فتقول له: أتعرف عمك الشيخ محمد، لو لم تسكت سأحضره إليك يعضك ويأكلك ويعمل كذا، بل صوروه بأنه بعبع هو الذي يعض الأولاد ويؤذي الأولاد ومن هذا القبيل.والحمد لله! الآن الشباب الملتحي منتشر في كل بيت من بيوت الريف والمدينة، في كل بيت وضع الله عز وجل من يظهر الدين فيه.فإظهار السنة أمر مهم جداً؛ ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يخلع نعله خصوصاً للصلاة ولا يلبسه خصوصاً للصلاة، فإذا أدركته الصلاة منتعلاً صلى منتعلاً، وإن أدركته حافياً صلى حافياً، على حاله التي أدرك عليها وقت الصلاة.وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (صلوا في نعالكم، فإن اليهود لا يصلون في نعالهم). وفي رواية: (خالفوا اليهود والنصارى). وفي رواية: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم). خالفوهم يعني: صلوا في نعالكم. (وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعله، وبينما كان في بعض صلاته أهوى إلى خفه فخلعه وألقاه عن يساره، فأهوى الصحابة إلى نعالهم فخلعوها فألقوها، فلما فرغ من صلاته عليه الصلاة والسلام قال: ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ قالوا: يا رسول الله! وجدناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. قال: إن جبريل نزل وأخبرني أن بهما أذى أو قذراً، فإذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلينظر في نعليه، فإن كان بهما أذى أو قذراً فليدلكهما بالأرض وليصل فيهما)، أي: فإذا كنت على قارعة الطريق أو في ساحة عمل، أو مكان يصلح بأن تصلي بالنعل فلا بأس بإظهار هذه السنة، من باب إحياء السنن وإماتة ما استقر في قلوب الناس أن هذا هو الدين.قال: [قال المعتمر بن سليمان : ما بلغ أبي أمران إلا أخذ بأشدهما. وأبوه هو سليمان التيمي ، كان من أكابر المحدثين، روى له البخاري ومسلم .كان دائماً يأخذ بالعزيمة، ثم قال: إلا أمراً واحداً هو المسح على الخفين فإنه كان يمسح]. يعني: يريد بذلك اتباع السنة.قال: [عن عبدة بن أبي لبابة قال: إني لأبادر الحدث لبس الخفين تشييداً للسنة]. يعني: لا يريد أن ينُقض وضوؤه، إنما يتكلف ذلك حتى إذا قضى حاجته التي لا حاجة له فيها ذهب فمسح على الخفين، تشييداً للسنة. والتشييد هو البناء، أي: رفعاً لراية السنة.يقول الشيخ ابن بطة في نهاية الباب: [فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر به أصحابه والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة واتباع الآثار ما فيه بيان وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خيري الدنيا والآخرة، فإنه قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه، ونعوذ به ممن كان موصوفاً به، فإنه قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].ورحم الله عبداً بذل الحذر، واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة].وكان ابن عوف يقول لنا: رحم الله رجلاً لزم هذا الأثر، ورضي به وإن استثقله.أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - التزام السنة ونبذ البدعة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net