اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
لقد حث الإسلام على اتباع الكتاب والسنة والاستمساك بهما، وبين أن المتبعين للكتاب والسنة هم الجماعة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على ملازمتها وعدم الخروج عنها، وبين صلى الله عليه وسلم صفات هذه الجماعة وأنها الطائفة المنصورة، وأنها السواد الأعظم من بين الفرق الأخرى، ومن تركها فهو على شفير الهلكة، وإنما يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فبئست البضاعة بضاعته.
سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فمع باب جديد من أبواب أصول الاعتقاد: وهو فيما يخص ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم، وذم تكلف الرأي والرغبة عن السنة، والوعيد في مفارقة الجماعة.وهو باب عظيم جداً يحث على اتباع الجماعة، وأثبت أنهم هم السواد الأعظم، ولعلنا قد تطرقنا إلى بيان ذلك في دروس قد مضت، وهو إثبات أن المسلمين قد تفرقوا إلى شيع وأحزاب وفرق وجماعات، وقلنا في شرح حديث افتراق الأمة: أن أهل السنة والجماعة هم أعظم فرقة، وإلا فمن فرق المسلمين: الخوارج، فلو أردنا الآن أن نقول: أي الفرقتين أعظم وأكثر سواداً: أهل السنة أو الخوارج في مصر؟ لقلنا: أهل السنة. ولو أردنا أن نطبق هذا على كل بلد من بلدان المسلمين لكان أهل السنة والجماعة أكثر وأعظم من غيرهم في أي بلد من البلدان.فأهل السنة والجماعة بفضل من الله تعالى ورحمة هم السواد الأعظم في كل بقعة من بقاع الأرض التي نطقت بتوحيد الله عز وجل.فالنبي عليه الصلاة والسلام يحث على اتباع الجماعة والتمسك بها، والاعتصام بحبلها المتين، وهم السواد الأعظم.وقد وردت أحاديث، بل قد وردت آيات فيها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن ترك السواد الأعظم وترك الجماعة، وأثبتت هذه الأدلة: أن من ترك الجماعة قيد شبر فمات مات ميتة جاهلية، وإليك هذه النصوص:
 تجديد دين أمة محمد على رأس كل مائة عام وتكليف هذه الأمة بالدعوة إلى الله
إن أبا الحسن الأشعري عليه رحمة الله لما تاب من أشعريته ورجع عنها وصعد المنبر قال: إني أختلع من معتقدي كما يختلع هذا السيف من غمده وأنا على مذهب أحمد بن حنبل. فلماذا لم يقل: على مذهب النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لأن مذهب أحمد بن حنبل كان أظهر المذاهب في ذلك الوقت، ومذهب أحمد بن حنبل من الألف إلى الياء مستقى من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلما وقعت الفتنة العظيمة لـأحمد بن حنبل وثبته الله فيها كتب الله له الظهور والذيوع والنصر والتأييد، فقال كل من يريد أن يظهر دينه وعقيدته: أنا مع أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه، فهنا الأمة لا تجتمع على ضلالة قط في العقيدة، إذ لابد أن تكون الحجة ظاهرة لله عز وجل، فخفاء حجة الله تبارك وتعالى في وقت أو في بلد من البلدان مشكلة كبيرة، وبلية عظيمة جداً، ومصادم لجميع النصوص.فلابد أن تعتقد أن حجة الله تبارك وتعالى ظاهرة، وما من وقت وما من مكان إلا ويسخر المولى عز وجل عبداً من عباده لإظهار السنة وإحياء الدين ولو على رأس كل مائة عام، فهذا وعد من النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تبارك وتعالى يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) فالأمة لن تستمر في الضلالة، ولن تبقى في الجهل يغيب عنها الدين ويغيب عنها العقيدة والسلوك والأخلاق ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام. فعلى رأس كل مائة عام يبعث الله تبارك وتعالى رجلاً يحيي هذا الدين بجميع أوصافه وأركانه وشمائله ومناقبه في قلوب العامة والخاصة، فإذا كادت الأمة تنسى بعث الله تبارك وتعالى على رأس كل مائة عام من يذكرها ومن يعيدها، بالإضافة إلى أن الله تبارك وتعالى كلف هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على خلاف الأمم السابقة، فكان كل نبي يبعث لقومه خاصة ولا يكلف واحداً من أمته بالدعوة إلى دينه وشريعته، لكن ذلك واجب في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك وتعالى كلفنا بأن نحمل دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام حملاً صحيحاً، فقال الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]. يعني: أنت أيضاً مخرج للناس مبعوث، ومهمتك مثل مهمة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، وليس هناك أي أمة سبقت في هذا سواء يهودية أو نصرانية، ولم يكلف واحد من أمة من الأمم السابقة بأن يدعو بدعوة نبيها، وأما نحن فإننا مكلفون جميعاً بأن ندعو الناس إلى الله تبارك وتعالى، وأن نخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والعماية والجهالة والعصبية وغير ذلك إلى الله تبارك وتعالى.. إلى النور، لكن لابد أن يكون ذلك بعلم، أما بغير علم فلا فإن من دعا بغير علم كان ضرره أكثر من نفعه، وكان فساده أكثر من صلاحه، ولذلك يقول المولى تبارك وتعالى على لسان نبيه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم وعلى فقه وورع وعمل بما تعلمت.
حرص الصحابة رضي الله عنهم على التمسك بالجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف

 وصية حذيفة وأبي مسعود البدري بلزوم الجماعة
قال: [ عن سعد بن حذيفة قال: سمعت أبا عبد الله -أباه حذيفة بن اليمان - يقول: والله ما فارق رجل الجماعة شبراً وكان يشير بإصبعيه عند فخذه إلا فارق الجماعة ]. أي: إلا فارق الأمة وخالفها. قال: [ قال المسيب بن رافع: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا. فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ -أي: لعلك تموت في هذه الواقعة- فقال: اتقوا الله واصبروا ]. والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120]. فهذا هو السلاح الذي يقهر العدو. إن أعظم ما يريح العدو أن ترد عليه، وإن أكثر ما يجعله يستشيط غضباً وحنقاً وبغضاً ألا ترد عليه، فأعظم إهانة لعدوك ألا ترد عليه، وهو من الصبر الذي تعبد به الله تبارك وتعالى. [ قالوا: اعهد إلينا! فإن الناس قد وقعوا في الفتنة، فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ].ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) حتى الأرض التي يمشي عليها تستريح منه. إن الناس لما يتعرضون للفتنة من الفتن لا يصبرون، فتراهم يشكون وكأنهم يتسخطون على الله عز وجل وعلى أقداره، ويتمنون أن لو يتمكنون فينتقمون ممن أساء إليهم، ألا تعلم يا عبد الله! أن ما عند الله خير وأبقى، وأن عذاب الله تبارك وتعالى أعظم من عذابك؟ فسلط لسانك في الثلث الأخير من الليل، اجعل بينك وبين عدوك الثلث الأخير من الليل، وكِّل ربك في هذه الحرب الضروس أن ينتقم لأهل الإيمان ولأهل التوحيد، أما أن تجعل الانتقام إليك أنت فإنك قد أوكلت الأمر إلى نفسك، وأنت ضعيف وهزيل لا تملك نفعاً ولا ضراً.قال: [ (اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة) ]. إن العبد ينسلخ من دينه واحدة بواحدة ويظن أن الذي ينسلخ منه هو شيء يسير -وقد يكون كذلك في أول الأمر- ولكن مآله إلى أن ينسلخ من أصل اعتقاده، فتراه يتعرض لضرر أو لمكروه فيبدأ يحلق لحيته، فيجره حلق اللحية إلى معاص كثيرة، ثم يبدأ ينسلخ من الجماعة، وربما -قبل هذا- ينتقل من مسجد السنة إلى مسجد البدعة؛ فيفقد طعم الصلاة وحلاوتها ومذاقها ويفقد فيها الخشوع، ثم يشعر بالضجر والضيق ويقول: صلاتي في بيتي خير من صلاتي في هذا المكان، فيصلي في بيته عند كل أذان، ثم يبدأ يتأخر قليلاً قليلاً حتى يصلي الظهر مع العصر، والعصر مع المغرب، ثم ينام عن الفرض فيصلي الفرضين والثلاثة فروض والأربعة فروض بعد نومه واحدة تلو واحدة، ثم يترك السنن، ثم يترك قيام الليل، وهكذا يبدأ ينسلخ واحدة فواحدة؛ لأنه سلم زمام أمره إلى الشيطان من أول الأمر، فإنه لا يدل على خير وإنما يدل على كل شر.ولكن الأفضل لو اتقى الله وصبر ووضع يده في يد إخوانه فإن الله تبارك وتعالى يثبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن رأى من المرء صدقاً وإخلاصاً وصبراً ثبته وأيده، وإن رأى منه إعراضاً أوكله إلى نفسه، ومن أوكل إلى نفسه هلك.قال: [ قال أبو وائل : عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله! إنك قد رأيت خيراً وشهدت خيراً -يعني: أنت أدركت الخير كله مع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام الكبار- حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به. قال: أجل ]. يعني: سأحدثكم وأنتم قد طلبتم مطلباً عظيماً. [ قال: رأيت خيراً وشهدت خيراً، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ]. قال: [ قال حذيفة عند الموت: رب أيام أتاني فيها الموت وأنا كاره له، فأما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا منها. قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تتلون في دين الله عز وجل ]. أي: لا تتقلب كل يوم تكون في مكان، كل يوم تكون في معصية؛ لأن من شأن الطاعة أنها تسلم إلى طاعة أخرى، ومن شأن المعصية أنها تفضي إلى معصية أخرى، وكلما تفرط في شيء صغير يجرك هذا التفريط إلى شيء آخر، فإذا كنت في صلاة سلمتك هذه الصلاة إلى صيام، والصيام إلى زكاة، والزكاة إلى أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف إلى العمل به، والعمل به إلى النهي عن المنكر، والنهي إلى الانتهاء عنه، فأنت في صراع مع نفسك، فكلما كنت في طاعة فكرت في غيرها فأسلمتك إليها، وإذا كنت في معصية أسلمتك إلى ما بعدها، فكما أن الطاعة تجر إلى مثلها، فكذلك المعصية تجر إلى مثلها.
ذكر بعض صفات الطائفة المنصورة
قال: [ عن عمير بن هانىء : أن معاوية بن أبي سفيان خطبهم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال من أمتي أمة قائمة) ]. و(من) تفيد التبعيض. يعني: لا يزال بعض هذه الأمة. (قائمة بأمر الله، لا يضرهم خلاف من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله فهم على ذلك). وإذا كنت على حق فلا بد أن يكون في اعتقادك أن المخالف لك لا يضرك ولا يؤثر فيك، فكونك تعتقد أن الحق معك ولكن هذا الحق متأثر بالمناوئين والمخالفين فهذه بلية عظيمة، إذ إن الله تبارك وتعالى جعل لك ألف سبيل لتبليغ دينه.إن الدعوة إلى الله لا تكون في المسجد فقط، فمن الممكن أن هذه الدروس التي تلقى أمام المئات لا يستفيد واحد بكلمة منها، ومن الممكن بحديث واحد لرجل في بيته ينتفع به انتفاعاً عظيماً، وهناك من يأتي إلى المسجد مائة عام ولا ينفعه هذا المسجد. أي: لا يتعلم منه، فإن الدعوة الفردية أحياناً تكون أبلغ وأكثر تأثيراً وأعمق في قلب المدعو من الدعوة الجماعية، وشخص منا يكون جالساً في وسط الناس أول شيء يضعه في ذهنه أن هذا الرجل الذي يتكلم يكلم هؤلاء الناس، وينسى أنه يكلمه هو، لكن لما أكون أنا وأنت في بيت ما يصير الكلام مباشراً لك أنت، وأنا لا أعني به أحداً غيرك؛ والله تبارك وتعالى ينفع بالدعوة في كل زمان ومكان، في الشارع في المقاهي في الأسواق في الخمارات والحانات، ينفع الله تبارك وتعالى بها أقواماً. قال: [ قال المغيرة : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال ناس من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) هذا الحديث عن البخاري ومسلم ]. وكذلك ورد من حديث عمران بن الحصين : (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال). وفي حديث يزيد : (ظاهرين على من ناوأهم). يعني: من حاربهم وخالفهم، (حتى يأتي أمر الله وينزل عيسى بن مريم). يعني: هذه الجماعة جماعة مباركة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال: [ عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الدين عزيزة إلى يوم القيامة) ]. وهذه زيادة تدل على أن أهل السنة هم الذين في عزة؛ لأنهم قد استمدوا عزتهم من العزيز تبارك وتعالى. فبتمسكك بالكتاب والسنة تستمد عزتك من عزة العزيز تبارك وتعالى، وغيرك الذي ناوأك وخالفك لا عزة له، فإنه ذليل وإن كان في الظاهر أنه عزيز، فهو في الحقيقة من أذل القوم وأحقرهم، ولا خلاق له ولا نصيب لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لا عزيز له يستمد منه العزة، وأما أنت فإنك تستمد عزتك من عزة الله، وقوتك من قوة الله، ونصرك بتأييد الله، أما هو فإنه لا ناصر له ولا مؤيد له ولا عز له. قال: [ عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبي يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال ناس من أمتي منصورين) ] وهذه أيضاً إحدى السمات أنهم المنصورون حتى وإن كانوا يداسون بالأقدام والنعال، حتى وإن كانت بيوتهم اصطبلات، فهم المنصورون وهم الأعزة. قال: [ (لا يزال ناس من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) ]. و جابر بن عبد الله يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) هذا الحديث ثبت من غير طريق جاء في رواية أبي هريرة وغيره (فطوبى للغرباء) قيل: هي شجرة في الجنة عظيمة لا يأكل منها إلا الغرباء.وهذا الحديث له فقه طويل وقصة عظيمة جداً ينبغي طرحها في محاضرة خاصة ولعل ذلك يكون في درس الجمعة القادم بإذن الله تبارك وتعالى.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
 وصية حذيفة وأبي مسعود البدري بلزوم الجماعة
قال: [ عن سعد بن حذيفة قال: سمعت أبا عبد الله -أباه حذيفة بن اليمان - يقول: والله ما فارق رجل الجماعة شبراً وكان يشير بإصبعيه عند فخذه إلا فارق الجماعة ]. أي: إلا فارق الأمة وخالفها. قال: [ قال المسيب بن رافع: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا. فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ -أي: لعلك تموت في هذه الواقعة- فقال: اتقوا الله واصبروا ]. والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120]. فهذا هو السلاح الذي يقهر العدو. إن أعظم ما يريح العدو أن ترد عليه، وإن أكثر ما يجعله يستشيط غضباً وحنقاً وبغضاً ألا ترد عليه، فأعظم إهانة لعدوك ألا ترد عليه، وهو من الصبر الذي تعبد به الله تبارك وتعالى. [ قالوا: اعهد إلينا! فإن الناس قد وقعوا في الفتنة، فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ].ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) حتى الأرض التي يمشي عليها تستريح منه. إن الناس لما يتعرضون للفتنة من الفتن لا يصبرون، فتراهم يشكون وكأنهم يتسخطون على الله عز وجل وعلى أقداره، ويتمنون أن لو يتمكنون فينتقمون ممن أساء إليهم، ألا تعلم يا عبد الله! أن ما عند الله خير وأبقى، وأن عذاب الله تبارك وتعالى أعظم من عذابك؟ فسلط لسانك في الثلث الأخير من الليل، اجعل بينك وبين عدوك الثلث الأخير من الليل، وكِّل ربك في هذه الحرب الضروس أن ينتقم لأهل الإيمان ولأهل التوحيد، أما أن تجعل الانتقام إليك أنت فإنك قد أوكلت الأمر إلى نفسك، وأنت ضعيف وهزيل لا تملك نفعاً ولا ضراً.قال: [ (اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة) ]. إن العبد ينسلخ من دينه واحدة بواحدة ويظن أن الذي ينسلخ منه هو شيء يسير -وقد يكون كذلك في أول الأمر- ولكن مآله إلى أن ينسلخ من أصل اعتقاده، فتراه يتعرض لضرر أو لمكروه فيبدأ يحلق لحيته، فيجره حلق اللحية إلى معاص كثيرة، ثم يبدأ ينسلخ من الجماعة، وربما -قبل هذا- ينتقل من مسجد السنة إلى مسجد البدعة؛ فيفقد طعم الصلاة وحلاوتها ومذاقها ويفقد فيها الخشوع، ثم يشعر بالضجر والضيق ويقول: صلاتي في بيتي خير من صلاتي في هذا المكان، فيصلي في بيته عند كل أذان، ثم يبدأ يتأخر قليلاً قليلاً حتى يصلي الظهر مع العصر، والعصر مع المغرب، ثم ينام عن الفرض فيصلي الفرضين والثلاثة فروض والأربعة فروض بعد نومه واحدة تلو واحدة، ثم يترك السنن، ثم يترك قيام الليل، وهكذا يبدأ ينسلخ واحدة فواحدة؛ لأنه سلم زمام أمره إلى الشيطان من أول الأمر، فإنه لا يدل على خير وإنما يدل على كل شر.ولكن الأفضل لو اتقى الله وصبر ووضع يده في يد إخوانه فإن الله تبارك وتعالى يثبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن رأى من المرء صدقاً وإخلاصاً وصبراً ثبته وأيده، وإن رأى منه إعراضاً أوكله إلى نفسه، ومن أوكل إلى نفسه هلك.قال: [ قال أبو وائل : عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله! إنك قد رأيت خيراً وشهدت خيراً -يعني: أنت أدركت الخير كله مع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام الكبار- حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به. قال: أجل ]. يعني: سأحدثكم وأنتم قد طلبتم مطلباً عظيماً. [ قال: رأيت خيراً وشهدت خيراً، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ]. قال: [ قال حذيفة عند الموت: رب أيام أتاني فيها الموت وأنا كاره له، فأما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا منها. قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تتلون في دين الله عز وجل ]. أي: لا تتقلب كل يوم تكون في مكان، كل يوم تكون في معصية؛ لأن من شأن الطاعة أنها تسلم إلى طاعة أخرى، ومن شأن المعصية أنها تفضي إلى معصية أخرى، وكلما تفرط في شيء صغير يجرك هذا التفريط إلى شيء آخر، فإذا كنت في صلاة سلمتك هذه الصلاة إلى صيام، والصيام إلى زكاة، والزكاة إلى أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف إلى العمل به، والعمل به إلى النهي عن المنكر، والنهي إلى الانتهاء عنه، فأنت في صراع مع نفسك، فكلما كنت في طاعة فكرت في غيرها فأسلمتك إليها، وإذا كنت في معصية أسلمتك إلى ما بعدها، فكما أن الطاعة تجر إلى مثلها، فكذلك المعصية تجر إلى مثلها.
الأسئلة

 الحكم على بعض الأحاديث المشهورة عند الناس
حديث: (سلمان منا أهل البيت) موقوف على علي بن أبي طالب ، ضعيف مرفوع.وحديث: (رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه)، هو كلام الناس وليس حديثاً.وحديث: (ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، حديث صحيح. وحديث (أن النبي عليه الصلاة والسلام ألقى عباءته على فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) حديث صحيح. والأمر يحتاج إلى ضبط وليس هذا وقته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net