اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [2] - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
من أصول أهل السنة والجماعة المقررة عندهم: أن العقل لا يقدم على النقل، وأنهما لا يختلفان إذا صح النقل وسلم العقل من الآفات، ومع هذا فهم لا يقللون من شأن العقل أو يلغونه؛ فإن الشرع بنصوص الكتاب والسنة قد خاطب العقل والعقلاء، وجعل العقل هو مناط التكليف للمرء، ثم هم أيضاً لا يتجاوزون به حدوده، فيبحثون عن الحكمة والعلة في كل شيء، بل ما ظهر منها أخذوا به، وما لم يظهر أسلموا له وأذعنوا.
بيان أهمية العقل في الإسلام وعدم تعارضه مع النقل
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:فلا زال الكلام موصولاً عن أصول وخصائص أهل السنة والجماعة، وكنا قد تكلمنا عن الأصل الأول من أصول أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يقدمون النقل على العقل، وبينا أن ذلك لا يكون إلا عند التعارض، والأصل ألا يختلف عقل صريح مع نص صحيح، ولأجل ذلك صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم الجليل: (درء تعارض العقل والنقل)، وبين أن العقل يتفق تمام الاتفاق مع النقل إذا صح عن الله عز وجل وعن رسوله صلوات ربي وسلامه عليه، وقلنا: لا يمكن أن يختلف العقل مع النقل إلا لأمرين لا ثالث لهما:الأمر الأول: عدم ثبوت النقل عن الله وعن رسوله، ويقصد بعدم ثبوت النقل عن الله؛ أي الأحاديث القدسية، أو عن رسوله في أحاديثه النبوية، ولذلك يستحيله العقل ويرده رداً شديداً؛ لأنه لم يثبت ابتداء فضلاً أنه لم يتفق مع العقل.الأمر الثاني: عدم إدراك العقل لمقصود النص، النص ثابت لكن العقل يقصر تماماً عن فهمه.ومعنى تقديم النقل على العقل: أن النقل يكون حاكماً على العقل وليس العكس، خلافاً لما فعلته الفرق الضالة؛ فإنهم جعلوا العقل حاكماً على النقل، ومعنى حاكم، أي: أن كل واحد منهم إذا قرأ نصاً في كتاب الله أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفهمه، رد النص وقدم عليه العقل، حتى ولو كان آية في كتاب الله عز وجل.ولا أقول بإلغاء العقل تماماً، فهذا مما لا ينبغي أن يحدث من عاقل؛ لأن الله في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته إنما خاطب العقل وأمره بالنظر والتفكر والتدبر والعلم والسياحة في ملكوت الله عز وجل، كما أن العقل في بني آدم هو مناط التكليف، فكيف يلغى؟! ولكن الذي ألغيه وأبطله: أن يقف العقل محاداً لله ورسوله، أما إبطال العقل بالكلية فلا، ولذلك آثرت أن يكون هذا الحديث متمماً للدرس السابق ومكملاً له، ومبيناً لأهمية العقل في الإسلام وأنه مناط التكليف.
 خطاب النبي للعقلاء في السنة
وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام تجد نفس الخطاب، فعن علي وعمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رفع القلم عن ثلاثة)، الحساب والجزاء والجنة والنار والثواب والعقاب إنما يرفع عن ثلاثة: (عن المجنون حتى يبرأ)، المجنون الذي لا عقل له حتى يبرأ من جنونه ومن مرضه العقلي؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ولما كان العقل مناط التكليف عند الآدمي استلزم أن يكون له عقل. (وعن النائم حتى يستيقظ)، لو أن إنساناً نام عن الظهر والعصر فلا حرج عليه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، لم يؤثمه ولم يحرجه، بل يصلي ما فاته في نومه من صلاة النهار وإن كان في منتصف الليل وتعتبر أداء لا قضاء، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة)، ينسب الإنسان للتفريط إذا فرط في جنب الله وهو مستيقظ متذكر، أما إذا كان التفريط في النوم فإنه ليس تفريطاً على الحقيقة، بل معفو عنه.قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: عن الصغير حتى يبلغ ويكبر، كما جاء في رواية عائشة بلفظ: (وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر)، وفي رواية علي عند الترمذي وابن ماجه قال: (وعن الصبي حتى يشب)، أي: يصير شاباً. (وعن المعتوه حتى يعقل). وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) المغلوب على عقله، (كل طلاق جائز)، أي: واقع لا محالة، إلا أن يقول مجنون لامرأته: أنت طالق. فلا يقع طلاقه.وأخرج أحمد من حديث أنس رضي الله عنه قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فوجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين -أي: بين عمودين- فسأل عنه، فقالوا: هذا حبل اتخذته فلانة، فإذا أعيت تعلقت به)، أي: إذا تعبت من طول القيام في الصلاة تعلقت بهذا الحبل وهي قائمة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (خذوا الحبل، فليصل أحدكم ما عقل -أي: فليصل أحدكم ما دام عقله معه- فإذا غلبه النوم أو النعاس فلينم -وفي رواية: فليرقد-) وهذا في صلاة النافلة.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه، وفي رواية: لتعقل عنه).وقال ابن عمر رضي الله عنه: (أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي، فقام إلى ابن عمر رجل من الناس، فقال: يا أبا عبد الرحمن ! أواجبة هي -يعني: أضحية العيد-؟ قال: قلت لك: إن النبي عليه الصلاة والسلام أقام في المدينة عشراً يضحي، قال: يا ابن عمر أواجبة هي؟ فغضب ابن عمر وقال: أتعقل عني، لقد قلت لك: إنه أقام عشر سنين بالمدينة يضحي)، يقول الترمذي راوي الحديث: وعلى هذا الحديث عمل أهل العلم: أن الأضحية سنة يستحب العمل بها لمن قدر عليها.وأخرج أحمد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يا أبا ذر اعقل عني)، يخاطب أبا ذر بأن يجمع عقله وفكره وتدبره ونظره، يعني: افهم عني ما أقول لك، واستوعبه بعقلك جيداً، قال: (لعناق يأتي رجلاً يوم القيامة خير له من مثل جبل أحد ذهباً تركه وراح، أعقلت يا أبا ذر ؟)، يعني: ولد الناقة تقدمه في سبيل الله عز وجل ستلقاه يوم القيامة، (خير لك يا أبا ذر من مثل جبل أحد ذهباً تركته وراءك ولم تقدمه لله عز وجل).ثم قال: (يا أبا ذر اعقل عني ما أقول لك: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة)، الذين يستكثرون من جمع حطام الدنيا وأموالها ومتاعها هم في الحقيقة المحسورون يوم القيامة، الموقوفون المحاسبون الذين يتمنون أن لو كانوا فقراء في حياتهم كلها (إلا من قال به هكذا وهكذا)، أي: إلا من أنفق من ماله في كل واد وعلى كل محتاج.. على الأرامل والمساكين والأيتام والفقراء وطلاب العلم وغير ذلك من المحتاجين: (يا أبا ذر ! اعقل عني ما أقول لك: إن الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).وكذلك أخرج أحمد في مسنده: (أن رجلاً أخذ بزمام ناقة النبي عليه الصلاة والسلام)، يعني: ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعترضه، ثم أمسك بلجام ناقته، وقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يقربني إلى الجنة ويباعدني عن النار؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: فاعقل إذاً أو افهم)، إذا كنت تسأل هذا السؤال فليس أحد إلا ودندنته هذا .. الدخول إلى الجنة والبعد عن النار، ولكني أقول لك كلاماً عظيماً تنجو به من النار وتدخل به الجنة، فاعقل هذا عني وافهمه.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعبد الله لا تشرك به شيئاً -هذا أول شيء- وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتأتي إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك)، يعني: افعل الخير مع الناس كما تحب أن يفعل الناس معك الخير، قال: (وتكره للناس ما تكره أن يؤتى إليك، خل زمام الناقة) أي: دع الناقة تمشي في سبيلها بعد أن حبستها حتى أخذت سؤلك.وفي الصحيحين من حديث أنس أنه قال: (نهينا أن نخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا أن يأتي الأعرابي العاقل من البادية فيسأله ونحن نسمعه).وفي حديث ماعز لما زنى، فجيء به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقرره مراراً حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أبه جنون؟ قالوا: ما به من جنون يا رسول الله)؛ لأنه لو زنى وهو مجنون لا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس محلاً للتكليف، فكيف يقام عليه الحد؟وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه الشيخان: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن). فأثبت أن العقل يذهب تماماً بالجنون والعته، وأثبت أنه ينقص ثم يعود، وأثبت أنه كامل، وهذا محل التكليف ومناطه.وأخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بين يدي الساعة لهرجاً، قلنا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل، قلنا: يا رسول الله! إننا نقتل في كل عام من المشركين كذا وكذا، قال: ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً، ففزع الصحابة أيما فزع، فقالوا: يا رسول الله أوفينا عقولنا في ذلك الوقت)، يعني: أيقتل بعضنا بعضاً ونحن عقلاء، انظر إلى فهم الصحابة وإنكارهم الأمر أشد الإنكار لذلك؛ لأن العقل إنما يأمر بحفظ الدماء لا إراقتها، وغير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية التي تدل على أن العقل مناط التكليف، ولذلك نقدم النقل على العقل حين التعارض، ولا يمكن أن يتعارض النقل مع العقل إلا لأمرين لا ثالث لهما: عدم ثبوت النقل، أو عدم فهم العقل لكلام الله عز وجل، أو كلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إدراك العقل للأوامر الشرعية وتعليله لها
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
 رد الشبهات في جانب الحكمة والتعليل في الأمور التعبدية
هذا المخذول المعتوه الملحد مصطفى محمود خرج علينا منذ شهر بفرية أخرى، وهو أقل من أن يأتي بشبهة من كتاب الله أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه يقرأ لسلفه من الملاحدة والطاعنين في دين الله عز وجل، فيأتي بشبههم، فإذا انطفأت النار وهدأ الجو تلقف شبهة أخرى من أسياده، فهو يقول الآن ويدندن حول قول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، والآية خاصة بالإماء لا بالحرائر، فإذا أتت الأمة الزنا، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ أي: الحرائر مِنَ الْعَذَابِ .يقول وهو يضحك تارة ويبتسم أخرى: لقد استدركت على ربي، هكذا أراد أن يقول، لكن ربما استحى أن يقول هذا باللفظ، فيقول: إذا كانت الأمة عليها إذا زنت نصف ما على المحصنة من العذاب، ولكن لو زنت الحرة المحصنة رجمت حتى الموت، فكيف ينتصف الموت في حق الأمة؟ ولعلك إذا سمعت هذا مني قلت: نعم، كلامه صحيح.الجواب: أنه قد جاء في صحيح مسلم والبخاري وغيرهما أنه (لا رجم على الأمة ألبتة)، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت الثالثة -وقال الراوي ولا أدري أقال ذلك في الثالثة أم في الرابعة- فليبعها ولو بحبل) ولم يقل: ليرجمها، وإجماع أهل العلم على أن الأمة إذا زنت وهي محصنة فلا رجم عليها، تشهد لذلك النصوص التي وردت عن النبي، بل أمة للنبي عليه الصلاة والسلام زنت فحدها بخمسين جلدة.والأمر طويل، والشبهات كثيرة جداً، ومردها إلى مرض القلوب الذي يتقلب فيه الملاحدة بالليل والنهار طعناً في دين الله عز وجل، وما أباحه الله تعالى وحرمه.هناك أمر تعبدي آخر، وهو: أن الله تبارك وتعالى أباح البيع وحرم الربا، مع أن الصورة واحدة في البيع والربا، مع أن المرابي قد يكسب ديناراً واحداً، والبائع يكسب ألف دينار والبيعة واحدة، ومع هذا أحل الله هذا وحرم ذاك؛ حتى نقول: سلمنا وآمنا.وقد أمرت المرأة ألا تحد على أحد قط أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً، يعني: المرأة لا تحد على أبيها ولا أمها ولا أخيها ولا عمها، وهم أقاربها بالدرجة الأولى إلا ثلاثة أيام، ويحرم عليها أن تحد عليهم اليوم الرابع، أما زوجها فيحرم عليها أن تخرج من بيتها حداداً عليه قبل مرور أربعة أشهر وعشرة أيام، لماذا؟ سلمنا وآمنا، وهذا هو الابتلاء في الدين؛ ليختبر الله تبارك وتعالى إيمانك.وغير ذلك من الأمور التي وردت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبداً أن يقف أمامها العقل، وليس له إلا أن يقول: سلمنا وآمنا.أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أصول أهل السنة والجماعة - تقديم النقل على العقل [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net