اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - غلظ تحريم الغلول للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - غلظ تحريم الغلول - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
لقد ثبت بالكتاب والسنة غلظ تحريم الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، وهو نوع من أنواع السرقة، ولكن لا يقام على من فعله حد السرقة؛ لأن للغال حظّاً في الغنيمة فوجدت الشبهة التي تدرأ الحد، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن عقوبة الغال يوم القيامة أن يأتي بما غلَّ على رقبته، وقد أجمع العلماء على أن الغلول كبيرة من الكبائر، كما أجمعوا على جواز أخذ شيء من الغنائم كالطعام والشراب والسلاح بشرط الحاجة إليه واستخدامه في المعركة ثم إرجاعه إلى الغنيمة.
باب غلظ تحريم الغلول
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
 شرح أحاديث ذكر الغلول وتعظيم أمره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وحدثني زهير بن حرب ] أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، فهو من أكابر شيوخ الإمام مسلم [ قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ] وهو المعروف بـابن علية إسماعيل بن علية بن مقسم الأسدي الضبي أبو بشر البصري [ عن أبي حيان ] وهو يحيى بن سعيد بن حيان ، وهو تيمي كوفي [ عن أبي زرعة ] وهو ابن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، وأبو زرعة مختلف في اسمه جداً على عدة أقوال: فهو مشهور ومعروف بكنيته، ولذلك استغنى الرواة عن ذكر أسماء مختلفة بذكر المتفق عليه وهو الكنية أبو زرعة، اشتهر بالرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه، كما أن أبا هريرة اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين اسماً، لكنه مشهور بكنية واحدة: أبو هريرة . [ قال أبو هريرة : (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره) ].والغلول: نوع من أنواع السرقة، لكنه ليس بالسرقة التي يقام عليها حد القطع؛ لأن الذي يغل هو الذي يأخذ من مال الغنيمة قبل توزيعها على الجند المقاتلين، وله فيها حظ ونصيب؛ ولذلك لم يأمر الشرع بقطع يد الغال لهذه الشبهة. شبهة أن له في هذا المال نصيباً كالذي يسرق مالاً مشتركاً بينه وبين شريك له مع أنه سارق، لكن لا تقطع يده، لقيام الشبهة. والحدود تدرأ بالشبهات، فهذا الذي سرق مالاً له فيه شريك لا يقام عليه الحد؛ لأن له في هذا المال حظاً وملكاً، وهذا الحظ والملك يسمى في الشرع شبهة، تُدرأ بها الحدود فلا تقطع يده. فالغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل أن يقسمها الإمام. ولا شك أن ثبوت الحظ فيها لهذا الغال؛ لكونه من المقاتلين يدرأ عنه الحد، لكن له عقوبة أخرى كما أن النصّاب له عقوبة أخرى. المحتال لأخذ المال له عقوبة، والسارق من الحرز له عقوبة، وإن كان يصدق على كل هؤلاء اسم السرقة، لكن لكل واحد منهم تصنيف: هذا سرقة، وهذا غلول، وهذا نصب واحتيال.. إلى غير ذلك من التصانيف الشرعية للفعل الواحد.ولذلك أُسندت إقامة الحدود إلى السلطان لا إلى الأفراد؛ لأن الأفراد ليس عندهم التأهيل العلمي لجعل كل سرقة في مكانها، وإنما يعدون كل أخذ أموال الغير بغير حق سرقة ونصباً واحتيالاً، وربما لا يفرّقون بين العقوبات، فيقطعون يد كل من أخذ مال الغير حتى وإن كان عن طريق النصب، والنصب له عقوبة أخرى ليست هي القطع، والاحتيال كذلك، والغلول كذلك، وإن كان الكل يشترك في معنى واحد وهو أخذ أموال الغير بلا حق ولا بيّنة. قال: [ (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظّمه وعظّم أمره).أي: ذكر أنه أمر عظيم شنيع جداً. ليس معنى (فعظّمه): أنه أمرٌ عظيم شريف. وإنما معناه: فعظّم أمره جداً، وهوّله جداً، وخوفنا منه جداً.قال: [ (ثم قال: لا ألفين) ] أي: لا أجد. وفي رواية: [ (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء) ] يعني: حذار أن أجد أحداً منكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير قد حمله.قال: (له رغاء) والرغاء: اسم لصوت البعير [ (يقول: يا رسول الله! أغثني -أي: اشفع لي الآن- فأقول: لا أملك لك شيئاً. قد أبلغتك) ] أي: أنا من قبل في الحياة الدنيا قد حذّرتك.قال: [ (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة -الحمحمة: هي صوت الفرس- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً. قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء -وهو اسم لصوت الشاة- يقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً. قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح) ] النفس لفظ عام، فربما سرق من الأسرى واحداً، أو من الإماء واحدة، وربما يكون المعنى أعم من ذلك.قال: [ (فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول لا أملك لك شيئاً. قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، ولو شيئاً من جلد يسير، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً. قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت -والصامت هو الذهب والفضة. أي: يسرق شيئاً من أموال الغنائم ذهباً أو فضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك).وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة -وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم الكوفي المعروف بـأبي بكر- قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ] وهو الكناني المعروف بـأبي علي الأشل وهو مروزي الأصل، نزل الكوفة وله تصانيف مفيدة جداً.[ عن أبي حيان ] وهو يحيى بن سعيد بن حيان الذي تقدم في الإسناد السابق.[ (ح) وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد البجلي الضبي - عن أبي حيان وعمارة بن القعقاع -هو ابن شبرمة الضبي الكوفي - جميعاً -أي: أبو حيان وعمارة يرويان- عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه بمثل حديث إسماعيل بن علية السابق عن أبي حيان .وحدثني أحمد بن سعيد بن صخر الدرامي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد -وهو ابن زيد البصري- عن أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري عن يحيى بن سعيد -أي: يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان - عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلول فعظّمه) واقتص الحديث -أي: وساق الحديث بسياقه الأول- قال حماد: ثم سمعت يحيى -أي: يحيى بن سعيد بن حيان بعد ذلك يحدثه، فحدثنا بنحو ما حدثنا عنه أيوب ].فكأن حماد يقول: سمعت هذا الحديث من شخصين: من أيوب ومن يحيى بن سعيد بن حيان أبي حيان .قال: [ وحدثنا أحمد بن الحسن بن خراش - البغدادي أبو جعفر وهو خراساني الأصل من خراسان- حدثنا أبو معمر - وهو عبد الله بن عمرو المنقري المقعد -حدثنا عبد الوارث -وهو ابن عبد الصمد البصري - حدثنا أيوب عن يحيى بن سعيد بن حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديثهم ].
كلام النووي في شرح أحاديث تعظيم أمر الغلول
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
 حكم الإسهام للغال من الغنيمة
هل يأخذ الغال سهمه من الغنيمة؟ نحن اتفقنا على أنه قد غل، لكن هذا الغال قبل الغلول له سهم أم ليس له؟ الجواب: له سهم. فغلوله شيء واستحقاقه لسهمه في الغنيمة شيء آخر، أما استحقاقه فيجب دفع الحق إليه، وأما غلوله فله حكم آخر، أن يرد ما غل ويتوب إلى الله عز وجل. وبعض العلماء قال: جزاء وقوعه في الغلول يُحرم السهم. وهكذا اختلف العلماء على هذين المذهبين، فمذهب الجمهور: أنه يأخذ سهمه؛ لأن هذا حق ثابت له أثبته الشرع، فيدفع إليه بأمر الشرع، أما الذي فعله فقد رتّب الشرع عليه شيئاً آخر، أوجب عليه التوبة، وأوجب عليه دفع المال، والتخلّص منه على النحو السابق، فهذا شيء واستحقاقه شيء آخر، وهذا الذي يعجبني من هذين الرأيين.
باب تحريم هدايا العمال
قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وابن أبي عمر محمد بن يحيى واللفظ- واللفظ لـأبي بكر بن أبي شيبة - قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي -و أبو حميد مشهور بكنيته واختلف في اسمه على اختلافات شتى كذلك، فهو مشهور بكنيته- قال: (استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد) ] أي: جعله عنده عاملاً. استعمله على بيت المال فهو عامل، استعمله على الصلاة فهو عامل مع أنه الإمام والشيخ الكبير، لكن اسمه في الشرع: عامل؛ لأن الإمام استعمله. أي: طلب منه أن يكون عاملاً في هذا المكان على إمامة الناس، أو عاملاً على الأذان، أو عاملاً على الصدقات، والعاملون عليها لهم أجر، فقد سماهم القرآن (عاملين) مع أنهم في الأصل جباة لأموال الزكوات وغير ذلك، وهم كذلك يعطون منها لأنهم من مصارفها الشرعية، فهم عُمّال عليها. قوله: (رجلاً من الأسد) بالسين، وفي رواية: (من الأزد) بالزاي، وكلاهما صحيح، فهو أسْدي أو أزْدي، والرجل الذي استعمله النبي عليه الصلاة والسلام اسمه عبد الله بن اللتبية .[ قال عمرو وابن أبي عمر: (على الصدقة) ].أي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة. والصدقة عند الإطلاق تعني: الزكاة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60].قال: [ (فلما قدم -أي: ابن اللتبية وجمع الأموال وأتى بالمال والسواد العظيم- قال: هذا لكم. وهذا لي أهدي إلي. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه) ]، أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم حينما يريد أن يتكلم أو يخطب؟ يبدأ بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، ثم يدخل في الخطبة، ثم يختم بالحمد والصلاة.قال: [ (فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي) ] أي: أنني حينما أبعث أحدكم ليأتيني بأموال يأخذ منها شيئاً ويقول: هذا أُهدي إلي! قال: [ (أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟) ] هذا يدل على أن الإنكار أحياناً يكون بالإغلاظ، لكن إذا كنت لا تؤتى بالقوة فسآتي إليك بالسياسة، وآتيك من الطريق والبوابة التي تصلح معك. فلو أن واحداً أغلظت عليه عاند وانتقل من شر إلى أشر، ومن سيئ إلى أسوأ، وإذا تلطفت معه وترفقت معه ستكون معه نتيجة فينبغي اللطف معه، (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) فإذا كان هناك من لا يؤتى إلا بالقوة وبالضرب يضرب، وإذا كان هناك شخص لا يصلي فعندما تأتيه بالطيب يقول: هذا الكلام قديم، فإذا حُبس ثلاثة أيام وضرب صلى، فهنا يضرب ويحبس. قال: [ (أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً) ] أي من أموال الناس بغير حق [ (إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه) ].أورد الإمام مسلم هذا الحديث في هدايا العمال بعد الغلول؛ ليدل على أن هدايا العمال نوع من أنواع الغلول؛ وذلك لاتحادهما في العقوبة، فإنه يوم القيامة يحمله على عنقه بالضبط كنفس عقوبة الغال.قال: [ (إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر -تيعر: تصيح- ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه) ] أي: بياض إبطيه، ولكنه ليس بياضاً في الحقيقة؛ لأن هذا المكان من وجود الشعر فيه لا يكون أبيض، وإنما يكون أبيض مترّباً كوجه الأرض؛ ولذلك يقال: عفرتا إبطيه، بسبب وجود الشعر فيشبهان وجه الأرض، ووجه الأرض اسمه عفر الأرض.فقولك: تعفّرت: أصابك من عفارها. أي: من سطح الأرض ووجهها.ثم قال: [ (اللهم هل بلغت مرتين) ] عليه الصلاة والسلام. أي: أنه يؤكد أنه قد بلّغ هؤلاء حتى لا يأتي واحد يوم القيامة فيسأل: لماذا أخذت هذا؟ فيقول: يا رب! هذه هدية.[ حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد . قالا: أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل النبي صلى الله عليه وسلم ابن اللتبية -رجلاً من الأزد- على الصدقة، فجاء بالمال فدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مالكم. وهذه هدية أهديت لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً) ثم ذكر نحو حديث سفيان بن عيينة ] السابق.[ حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه) ].وفي هذا وجوب محاسبة العامل، ولا يتركه هكذا يسرح ويمرح في الأموال وليس هناك رقيب من الداخل -وهو الوازع الإيماني- ولا رقيب يحاسبه فيقول له: أنت أتيت بكم وأديت كم؟ فلا يترك الخائن يرعى في هذا المال كما يشاء، فنفاجأ بأنه هرب وذهب إلى فرنسا وباريس مأوى الكلاب، أو ذهب إلى سويسرا مأوى الأموال المسروقة من هنا وهناك، ويجد هناك الأمان والضمان، فليس هناك إنس ولا جن يعرفون رقم حسابه.فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: [ (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم) ] يعني: حذار أن أرى هذا المنظر فيكم يوم القيامة [ (لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعَر أو تيعِر -كلاهما صحيح- ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت؟) قال أبو حميد الساعدي : (بصر عيني وسمع أذني) ] أي: أنا سمعته عليه الصلاة والسلام بأذني هذه ورأته عيني وهو يتحدث بهذا. يعني: لا شك في ذلك، وهذا تأكيد لصحة ضبطه لهذه الرواية.[ وحدثنا أبو كريب حدثنا عبدة وابن نمير وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير . وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان . وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان كلهم عن هشام -وهو هشام بن عروة بن الزبير- بهذا الإسناد. وفي حديث عبدة وابن نمير: فلما جاء -أي: ابن اللتبية - حاسبه النبي صلى الله عليه وسلم. كما قال أبو أسامة وفي حديث ابن نمير (تعلمن والله! والذي نفسي بيده) ] تكرار لليمين زيادة في التوكيد مع أن النبي صادق بغير قسم عليه الصلاة والسلام، ولكنه حلف مرة وأكدها. قال: [ (لا يأخذ أحدكم منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة -وزاد في حديث سفيان قال:- بصر عيني وسمع أذناي، وسلوا زيد بن ثابت فإنه كان حاضراً معي) ]. أي: أنها مؤكدات كثيرة جداً، أقسم وأثبت أنه سمع بأذنيه ورأى بعينه، وكان معه شاهد ومتابع لذلك وهو زيد بن ثابت ، فإن كنتم لا تصدقونني فاذهبوا واسألوه، وإن صدقتموني فاذهبوا وتأكدوا من زيد بن ثابت .
 بيان أن هدايا العمال حرام وغلول
قال الإمام النووي : (وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته وحمله ما أُهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بين صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة). حتى إن أهل العلم كانوا لا يأخذون شيئاً من طلابهم على سبيل الورع، لكن لو أن رجلاً عالماً بينه وبين أحد طلابه تعاملات أو جوار أو صداقة، وكانوا قبل ذلك يتعاطون الهدية، فالطالب يعطي العالم والعالم يعطي الطالب، فهذه هدية لا علاقة لها بهذا التحريم، فضلاً عن أنها ليست حراماً، ولكن أهل العلم كانوا يتورعون ويقولون: إنا لا نأكل بديننا وإنما نأكل بأموالنا. وأحياناً يأتي الطالب بهدية فإذا ردها الشيخ انكسر قلب الطالب وربما امتنع عن الدرس خجلاً أن الشيخ أحرجه أو رده. ومن الناس من يقول: شيخنا متكبّر. أتيت له بهدية فلم يأخذها مني، في حين أن وجهة الشيخ وجهة شرعية في رد الهدية.إن بعد الشيخ عن أموال الناس أمان له في دعوته، خاصة بعده عن أموال الأغنياء؛ لأن أكثر شيء يكسر عين الشيخ أن تمتد يده إلى أموال الآخرين، فإذا كانت يده نزيهة ونظيفة ولا تمتد إلا بالرفض والدفع فحينئذ يكون الشيخ حراً دائماً في فتاواه، أما إذا مد يده فإن اليد التي امتدت مرة لا بد أن تمتد الثانية والثالثة حتى تحرص هذه اليد على أن تمتد، وإذا رجعت خائبة مرة يعز عليه ذلك، لكنه يهون عليه أن تمتد يده الثانية والثالثة والرابعة حتى يكون هذا إلفاً مألوفاً له؛ فيألف أن يتكفف الناس دائماً، ولذلك المعصية إذا وقعت من المرء مرة هان عليه أن تقع الثانية، وطالما كان بعيداً عن المعصية فإنه يهابها ويخاف منها، وترتعد فرائصه عند ذكرها على مسامعه، وأعظم من ذلك جرائم الأموال في ذمة العالم والشيخ، ولذلك ينبغي أن يتربى الطالب منذ نعومة أظفاره في طلب العلم على أن يجعل بينه وبين أموال الخلق جداراً كجدار يأجوج ومأجوج؛ لأن هذا هو الحصن الحصين والسد المنيع الذي يجعلك تنطلق بدعوتك لا تألو لها جهداً، ولا تخاف أن يحرج فيها أحد، أما الذي امتدت يده إلى أموال الآخرين أو جيوبهم، فلا شك أنه إذا استفتاه هؤلاء جاملهم؛ لأنه إن لم يجامل حرموه ومنعوه أموالهم، مع أن أبخل الناس هم الأغنياء وأصحاب الأموال إلا ما رحم الله عز وجل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - غلظ تحريم الغلول للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net