اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار والمنافقين - قتل أبي جهل - قتل كعب بن الأشرف للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار والمنافقين - قتل أبي جهل - قتل كعب بن الأشرف - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وكان أشد الخلق بلاء سيد ولد آدم محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد لاقى من أذى المشركين والمنافقين ما تعجز عن حمله الجبال، ومع ذلك صبر عليهم وأخذهم بالعفو والصفح رجاء أن يخرج من ظهورهم من ينصر الله به دينه ويعلي كلمته، وأما من سبق في علم الله موتهم على الكفر من صناديد الكفر فقد جعل الله قتلهم عبرة للمعتبرين، وآية للمتفكرين.
باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.هذا الباب التاسع والثلاثون من كتاب الجهاد والسير: (باب: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين).
 شرح حديث ابن مسعود في وضع المشركين لسلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي قال: حدثنا عبد الرحيم -يعني: ابن سليمان - عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل : أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر -أي: ابن مسعود - لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت وهي جويرية -تصغير جارية- فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته. ثم قال: اللهم عليك بـأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط ، وذكر السابع ولم أحفظه)]. جاء في رواية أخرى عند البخاري : أن هذا السابع هو عمارة بن الوليد . قال: (فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق لقد رأيت الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -أي: البئر الذي حُفر لهم- قليب بدر).[قال أبو إسحاق : الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث].أي: أن ذكر الوليد بن عقبة خطأ من الراوي في هذا الحديث؛ وذلك لأن الوليد بن عقبة كان في ذلك الوقت لا يزال طفلاً رضيعاً صغيراً. وصوابه: الوليد بن عتبة وليس ابن عقبة ، وإنما تصحّف على الراوي أو أخطأ في سماعه فقال: الوليد بن عقبة وهو ابن عتبة بالتاء لا بالقاف.حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -وهما فرسا رهان في العلم والفضل والعبادة، بل وفي سنة الولادة وسنة الوفاة، ولدا جميعاً وماتا جميعاً، فما يستطيع أحد أن يميّز بينهما -واللفظ لـابن المثنى- قالا: حدثنا محمد بن جعفر] وهو محمد بن جعفر البصري إمام كبير من أئمة البصرة وهو ربيب شعبة بن الحجاج العتكي البصري، كان شعبة بعد وفاة جعفر تزوج أمه فتربى محمد في حجره فرضع منه العلم، وكان فيه نوع من الشغب والحدة؛ ولذلك كان إذا دخل مكة وحضر مجلس ابن جريج يشغب عليه، فكلما تكلم ابن جريج في مسألة يقول له: من أين لك هذه؟ وما دليلها؟ وهل سمعت من فلان؟ أو أنك تدلّس في هذه؟ وابن جريج كان مدلّساً معروفاً، وهو الذي قال له: اسكت يا غندر! وكان أهل مكة يسمّون المشاغب (غندر) ، فهو محمد بن جعفر المشهور باللقب أكثر منه بالاسم. أي: إذا قلنا: حدثنا غندر فهو محمد بن جعفر.قال: [حدثنا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور)]. وولد عقبة بن أبي معيط اسمه الوليد، كان سكّيراً جلد في الخمر مراراً، وكان مسلماً، وهو الذي صلى بالناس الفجر في زمن بني أمية، فقالوا له: صليت الصبح أربعاً. قال: إن شئتم لزدتكم. والإمام الذهبي عليه رحمة الله يترجم له في سير أعلام النبلاء، وذكر أنه كان فاسقاً، وبلا شك أن شرب الخمر كبيرة، ومن ارتكب الكبيرة فقد فسق بها، سواء كان صحابياً أو غيره، وقد حُد مراراً في الخمر.قال: [(إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور، فقذفه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك. فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش -أي: بهذا الجمع من قريش- أبا جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، أو أبي بن خلف) شك شعبة .قال ابن مسعود : (فلقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر فألقوا في بئر، غير أن أمية أو أُبياً تقطعت أوصاله -أي: مفاصله- فلم يلق في البئر)] أي: قُطع ومُزّق أشلاء وقطعاً فلم يكن فيه شيء يُلقى في البئر.[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا جعفر بن عون أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق -و سفيان الذي يروي عن أبي إسحاق هو سفيان الثوري - بهذا الإسناد نحوه وزاد: (وكان يستحب ثلاثاً -أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلح في الدعاء- اللهم عليك بقريش.. اللهم عليك بقريش.. اللهم عليك بقريش) وذكر فيهم الوليد بن عتبة -وهو الصحيح وليس ابن عقبة - وأمية بن خلف ، ولم يشك. أي: ولم يقل: أُبي بن خلف .قال أبو إسحاق : ونسيت السابع.وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا زهير -وهو ابن معاوية بن حديج - حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: (استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا على ستة نفر من قريش)]. النفر في اللغة يُطلق على الواحد وعلى الجماعة، كما قال الله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] قال العلماء: النفر هنا بمعنى: الواحد والجماعة.قال [(فدعا على ستة نفر من قريش، فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط ، فأُقسم بالله لقد رأيتهم صرعى -أي: قتلى- على بدر قد غيرتهم الشمس)]؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما طلبهم في القليب إلا بعد مرور ثلاثة أيام، فلما وضعت الحرب أوزارها في بدر رجع إلى المدينة، وبعد ثلاث رجع إلى نفس المكان فحفروا هذا البئر ثم ألقوا بجثث المشركين فيها، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: [(يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله! أتُسمع أناساً قد أرمّوا؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)] أي: أنهم يسمعونني كما أنتم تسمعونني، غير أنهم لا يجيبون ولا يستطيعون أن يجيبوا، وهذا الإنكار من عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: أتخاطب قوماً قد أرمّوا وقد ماتوا؟ يدل دلالة قاطعة على أن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يعتقدون أن الميت يسمع، وهذا أصل الاعتقاد في هذا الأمر، فالموتى لا يسمعون، أما ما جاء في بعض المواطن أنهم يسمعون فهذا استثناء من عموم، فالعام أن الموتى لا يسمعون، وقد ورد في هذا الموطن أنهم يسمعون إمعاناً في التوبيخ والإذلال، كما أنه قد ورد أن الميت يسمع قرع نعال المشيّعين له، فهذا موطن ثان لبيان أن الميت لا يسمع إلا في هذا التوقيت، وقبل ذلك أو بعد ذلك فإنه لا يسمع، وهذا اعتقاد أهل السنة في هذا الأمر.قال: [(قد غيّرتهم الشمس وكان يوماً حاراً)].
كلام النووي في شرح حديث عبد الله بن مسعود في أذية المشركين لرسول الله وهو ساجد
عقبة بن أبي معيط هو الذي أتى بسلا جزور. السلا: هي تلك اللفافة التي يكون فيها الولد، وهي عند جميع الحيوانات تسمى السلا، وعند المرأة تسمى المشيمة.والمشيمة معروفة، فقال: إن بني فلان قد ذبحوا جزوراً لهم بالأمس -والجزور هو البعير أو الجمل- فاذهب يا عقبة ! وائتنا بسلا هذا الجزور، فضعوه بنتنه ونجاسته ودمه وقيحه على ظهر محمد وبين كتفيه وهو ساجد لربه عند الكعبة. انظروا إلى أي مدى تعرّض النبي صلى الله عليه وسلم للأذى! بلا شك أن الأمة كلها لو كانت في هذا الموقف بدلاً من محمد عليه الصلاة والسلام لكان هذا أخف وطئاً من أن يكون هذا النتن على ظهر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ويُرد بهذا النص على من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرّض لأذى كما تتعرض أمته الآن.فقد سنّ النبي عليه الصلاة والسلام لنا تحمّل هذا الأذى والصبر عليه، فكان أوّل من أوذي في هذه الأمة، سُب وشُتم ولُعن وأُوذي في أهله وفي نسائه وفي خاصة نفسه، وطرد من أحب البلاد والبقاع إليه إلى غيرها من البلدان، وأُوذي في أصحابه، فأمر بتهجيرهم إلى الحبشة هجرة أولى ثم ثانية، ثم أوذي في أصحابه فأمرهم بالهجرة إلى المدينة فسبقوه إليها، ثم هاجر هو عليه الصلاة والسلام، وترك هو وأصحابه الأهل والأموال والأولاد.. كل ذلك ليبيعوا أنفسهم لله تعالى وأرواحهم وأموالهم؛ لأنهم يعلمون أن المقابل لذلك هي تلك السلعة الغالية الجنة.
 شرح حديث سبب نزول سورة الضحى
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس أنه سمع جندباً يقول: (أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: تأخر بنزول الوحي- فقال المشركون: قد وُدِّع -أي: قد استغنى عنه صاحبه جبريل، قلاه وابتعد عنه وتخلى عنه- فأنزل الله عز وجل وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]). مَا وَدَّعَكَ رد على زعم المشركين أن جبريل ودّع محمداً وتخلى عنه، حيث قالوا: هذا الذي يزعم أن جبريل ينزل عليه فلِم لم ينزل عليه منذ فترة من الزمان؟وقال المشركون: إن رب محمد قد أبغض محمداً وقلاه وأبعده. فأقسم الله تعالى بعد أن أقسم على ذلك بآيتين من آياته سبحانه وتعالى بالضحى -النهار- وبالليل، أقسم بآيتين عظيمتين من مخلوقاته، والله تعالى أمرنا عند القسم أن نُقسم به وبأسمائه وصفاته وما دون ذلك شرك، ولكن الله تعالى إذا أراد أن يُقسم أقسم بالعظيم من مخلوقاته، فقال: وَالْعَصْرِ [العصر:1]، وقال: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ [القارعة:1-2]، وقال: وَالضُّحَى [الضحى:1]، وقال: وَالشَّمْسِ [الشمس:1]، وَنَفْسٍ [الشمس:7] وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى.فإذا أراد أن يؤكد شيئاً أو يبيّن أهمية شيء يُقسم بالعظيم من مخلوقاته، فأقسم الله تعالى هنا رداً على المشركين بـ: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ [الضحى:1-3] يا محمد! كما يفتري هؤلاء المشركون وَمَا قَلَى [الضحى:3] ولم يقل: وما قلاك. والسياق يقول: ما ودعك وما قلاك، ولكن الله تعالى قال: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] لينفي أدنى البغض وأدنى البُعد، فلا يكون هناك شيء قط من البُغض. واللغة دائماً إذا كان فيها زيادة مبنى تدل على زيادة المعنى.فقد تقول: ما جاءنا من بشير، فما الفارق بينها وبين قولك: ما جاءنا بشير؟الجواب: اللغويون يقولون: من حرف جر زائد، إذا كان هذا من جهة الإعراب فمسلّم، وإذا كان من جهة المعنى فغير مسلّم؛ لأنه ما جاءنا من بشير أي ما جاءنا من بشير قط، وهذا نفي لجنس البشير، فقوله: (وما جاءنا بشير) لا تنفي أن يكون قد جاءهم بشيران وثلاثة وأربعة، كما تقول بالضبط ما جاءنا من ضيف. وتقول: ما جاءنا ضيف، بل قد جاءنا اثنان وثلاثة وأربعة وضيوف، لكن (ما جاءنا من ضيف) نفي لجنس الضيافة. فهناك فرق بين هذه الكلمات بعضها مع بعض.قال: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع -واللفظ له- قال إسحاق : أخبرنا، وقال ابن رافع : حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان يقول: (اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً -أي: مرض النبي عليه الصلاة والسلام فترك قيام الليل ليلتين أو ثلاثاً- فجاءته امرأة فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث. قال: فأنزل الله عز وجل وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]).قال ابن عباس : مَا وَدَّعَكَ أي: ما قطعك منذ أرسلك. وما قلى. أي: ما أبغضك. وسمى الوداع وداعاً؛ لأنه فراق. وقوله: ما ودّعك هو بالتشديد خلافاً لمن قرأ: (ما ودعك) بالتسهيل.[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار قالوا جميعاً: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة ، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني الملائي حدثنا سفيان كلاهما عن الأسود بن قيس بهذا الإسناد نحو حديثهما].
باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على أذى المنافقين
الباب الأربعون: (في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على أذى المنافقين). الأول كان صبره على أذى المشركين، وهنا صبره على أذى المنافقين. والمشركون في مكة، والمنافقون في المدينة، أي: أنه كان في حرب بين أهله وقومه، وفي دار هجرته عليه الصلاة والسلام. والإخوة يتصورون أن الذي ينزل بالأمة الآن أمر لا يمكن الصبر عليه ولا يمكن أن نطيقه، ولا بد أن نتحرك وننظر ماذا نفعل، فهذه سنة الله تعالى في الخلق.ألم تعلموا أن الغلام قال للراهب: لقد كان من أمري أني واجهت دابة حبست الناس. فقلت: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، فرماها بحجر فقتلها. فقال الراهب لهذا الغلام: إنك اليوم أفضل مني، وإنك ستُبتلى. ولا بد أن نقف عند هذا، وهذا يدل على سنة الله تعالى الكونية في أهل الإيمان، فالبلاء دائماً ينزل بهم حتى يطهّرهم الله تعالى تماماً، فهؤلاء أهل الإيمان لهم معاص وذنوب، وإن كانت من نوع آخر غير الأنواع التي يقع فيها الفُسّاق والمُجّان المعلنون بمعاصيهم وذنوبهم، فنحن جميعاً عندنا ذنوب، ولكن الله حيي ستير يحب الحياء والستر.
 شرح حديث أنس في ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة إلى عبد الله بن أبي
قال: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى القيسي حدثنا المعتمر -وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي - عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أُبي ؟ قال: فانطلق إليه).وهذه وقفة تربوية..الناس يقولوا للنبي عليه الصلاة والسلام: لو تذهب إلى عبد الله بن أبي! ومن يكون عبد الله بن أبي هذا حتى يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليه؟ فهو يأتي -وهو أقل من ذلك- للنبي عليه الصلاة والسلام. أليس الوضيع يذهب إلى الشريف؟ فعندما يذهب الوضيع للشريف فإنه يزداد بذلك شرفاً، ويرتفع عنه شيء من وضاعته، لكن لو ذهب الشريف إلى الوضيع فهذا شرف عظيم جداً للوضيع وليس فيه أدنى شرف للشريف، اللهم إلا التواضع.لكن انظروا إلى هذا القول قال: (فانطلق) ولم يقل: (فذهب إليه)، كأن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يذهب، فانطلق مسرعاً إليه.ولو أن هناك أخاً متخاصماً مع أخيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيرهما الذي يبدأ بالسلام) فقد يقول واحد منهما: اذهب وقل له بأن يكون هو أخير مني ويأتيني إلى هنا!والله يا إخواني! ما هو إلا نوع من أنواع الجاهلية أن تسمع كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تُعرض عنه نصاً ومعنى، فينبغي أن تُسارع في تطبيق كلام الله تعالى وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسك، وهذا باب عظيم من أبواب تأديب النفس وتهذيبها، إذا سمعت كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم قل: سمعاً وطاعة. فإذا أمرني الله بهذا والرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا به فيجب أن أنسى نفسي وأهضم نفسي تماماً، فمن أنا حتى أقول: لا. هو الذي يأتيني؟!إذاً: هو سيأتيك فهو خير منك؛ لأنه سمع كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وما فعل ذلك إلا طلباً للخيرية، فكل منكما أولى؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيّن فقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا -فهذا الإعراض من الشيطان- وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) هذا من الرحمن تبارك وتعالى، حرب بين الخير والشر، بين الطاعة والمعصية. أكبر من ذلك: أن اثنين يكونان من أصحاب الوجاهة ولنفرض أنهما من الدعاة، هذا عند العامة من الدعاة والعلماء، وذاك عند العامة من الدعاة والعلماء، ولو قلت لواحد منهما: اذهب إليه وناقشه في مسائل الخلاف، يقول لك: أنا أذهب إليه؟ هذا مستحيل ولا يمكن أن أذهب إليه!قال: [(فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون)] أي: جمهرة من الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام يذهبون إلى بيت عبد الله بن أُبي قال: [(وهي أرض سبخة -المدينة- فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني)] وانظر إلى هذا الجفاء! تصور بعد كل التواضع والحرص يقول له: ابعد عني.قال: [(إليك عني! فوالله لقد آذاني نتن حمارك)].وهذا شيء يجعل الشخص يفقد شعوره؛ ولذلك قال رجل من الأنصار: [(والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لـعبد الله رجل من قومه. قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال)].هل هذه عصبية جاهلية أم شرعية؟في حق الصحابة عصبية شرعية، يقاتلون ويدافعون عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا واجب عليهم شرعاً.قال: [(فبلغنا أنها نزلت فيهم: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9])].
باب قتل أبي جهل
الباب الحادي والأربعون: (باب: قتل أبي جهل) .قال: [حدثنا علي بن حجر السعدي أخبرنا إسماعيل بن علية حدثنا سليمان -وهو ابن طرخان التيمي - حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل ؟ فانطلق ابن مسعود)] وهذا كان في غزوة بدر، فـأبو جهل قُتل في غزوة بدر، فالنبي عليه الصلاة والسلام علم أنه قُتل، وكان يعلم قبل الغزوة أنه سيُقتل وسيُقتل في هذا المكان بالذات، كما مر بنا أنه أشار إلى مواطن القوم فما برحوها. أي: مواطن قتلهم فما برحوها.قال: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟) عرف أنه قد مات، ولكنه يريد أن يجعل ذلك أمراً عاماً يتحدث به الناس إعلامياً، فيذهب أحد ليراه ثم يقول: يا رسول الله! إنه مات في المكان الفلاني، فيسمع جميع الناس أن أبا جهل قد خلّص الله المسلمين من شره.قال: [(فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء - معاذ ومعوذ - حتى برك) أي: سقط. وفي رواية: (حتى برد). وبرد بمعنى: مات. وفي الحقيقة أن معاذاً ومعوذاً قد ضرباه أولاً حتى أثخناه في دمائه، ولكن الذي جز رأسه هو ابن مسعود .قال: [(فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك. قال: فأخذ بلحيته فقال: آنت أبو جهل ؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قال: قتله قومه؟).قال: وقال أبو مجلز : (قال أبو جهل : فلو غير أكّار قتلني)].الأكّار: الفلاح والمزارع؛ لأن الذي قتله أنصارياً وليس مكياً، فلما علم أبو جهل أن اللذين قتلاه طفلان صغيران قال: لو أن الذي قتلني من علية القوم لكان هذا أشرف لي؛ لأنه أنصاري وأنتم تعلمون أن عمل الأنصار الزراعة، وعمل أهل مكة التجارة، فهو كان يتمنى لو أن تاجراً كبيراً مشهوراً هو الذي يقتله وليس فلاحاً من الأنصار.فقال: [(فلو غير أكّار قتلني؟)] وهكذا ختم الله له بالوضاعة. أي: أنه عاش وضيعاً ومات وضيعاً.
 شرح حديث أنس في ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة إلى عبد الله بن أبي
قال: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى القيسي حدثنا المعتمر -وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي - عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أُبي ؟ قال: فانطلق إليه).وهذه وقفة تربوية..الناس يقولوا للنبي عليه الصلاة والسلام: لو تذهب إلى عبد الله بن أبي! ومن يكون عبد الله بن أبي هذا حتى يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليه؟ فهو يأتي -وهو أقل من ذلك- للنبي عليه الصلاة والسلام. أليس الوضيع يذهب إلى الشريف؟ فعندما يذهب الوضيع للشريف فإنه يزداد بذلك شرفاً، ويرتفع عنه شيء من وضاعته، لكن لو ذهب الشريف إلى الوضيع فهذا شرف عظيم جداً للوضيع وليس فيه أدنى شرف للشريف، اللهم إلا التواضع.لكن انظروا إلى هذا القول قال: (فانطلق) ولم يقل: (فذهب إليه)، كأن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يذهب، فانطلق مسرعاً إليه.ولو أن هناك أخاً متخاصماً مع أخيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيرهما الذي يبدأ بالسلام) فقد يقول واحد منهما: اذهب وقل له بأن يكون هو أخير مني ويأتيني إلى هنا!والله يا إخواني! ما هو إلا نوع من أنواع الجاهلية أن تسمع كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تُعرض عنه نصاً ومعنى، فينبغي أن تُسارع في تطبيق كلام الله تعالى وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسك، وهذا باب عظيم من أبواب تأديب النفس وتهذيبها، إذا سمعت كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم قل: سمعاً وطاعة. فإذا أمرني الله بهذا والرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا به فيجب أن أنسى نفسي وأهضم نفسي تماماً، فمن أنا حتى أقول: لا. هو الذي يأتيني؟!إذاً: هو سيأتيك فهو خير منك؛ لأنه سمع كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وما فعل ذلك إلا طلباً للخيرية، فكل منكما أولى؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيّن فقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا -فهذا الإعراض من الشيطان- وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) هذا من الرحمن تبارك وتعالى، حرب بين الخير والشر، بين الطاعة والمعصية. أكبر من ذلك: أن اثنين يكونان من أصحاب الوجاهة ولنفرض أنهما من الدعاة، هذا عند العامة من الدعاة والعلماء، وذاك عند العامة من الدعاة والعلماء، ولو قلت لواحد منهما: اذهب إليه وناقشه في مسائل الخلاف، يقول لك: أنا أذهب إليه؟ هذا مستحيل ولا يمكن أن أذهب إليه!قال: [(فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون)] أي: جمهرة من الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام يذهبون إلى بيت عبد الله بن أُبي قال: [(وهي أرض سبخة -المدينة- فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني)] وانظر إلى هذا الجفاء! تصور بعد كل التواضع والحرص يقول له: ابعد عني.قال: [(إليك عني! فوالله لقد آذاني نتن حمارك)].وهذا شيء يجعل الشخص يفقد شعوره؛ ولذلك قال رجل من الأنصار: [(والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك. قال: فغضب لـعبد الله رجل من قومه. قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال)].هل هذه عصبية جاهلية أم شرعية؟في حق الصحابة عصبية شرعية، يقاتلون ويدافعون عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا واجب عليهم شرعاً.قال: [(فبلغنا أنها نزلت فيهم: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9])].
باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود
الباب الثاني والأربعون: (باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود).كان يهودياً ولم يُسلم، وكان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد أمان وميثاق.والعهد هو: ألا يُعين كعب أحداً على النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم مع أحد ممن أراده. فهذا هو العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كعب بن الأشرف .
 شرح حديث جابر بن عبد الله في قتل محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف
قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري كلاهما عن ابن عيينة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابراً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لـكعب بن الأشرف ؟ -أي: من منكم مستعد لقتل كعب بن الأشرف - فإنه قد آذى الله ورسوله -العلة أنه آذى الله ورسوله- فقال محمد بن مسلمة : يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: نعم. أُحب أن أقتله، قال: ائذن لي فلأقل)] أي: اسمح لي يا رسول الله! فهذا لزوم العمل، اسمح لي بأن أتكلّم فيك، وفي الشريعة التي أنت أتيت بها، وسأتكلم في نفسي أيضاً، أي: أقول كلاماً ظاهره عليك؛ لأنه لا يمكن إتمام الحيلة إلا بهذا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: [(قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال له وذكر ما بينهما وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة)] أي: أن محمداً أتى ليأخذ أموالنا. قال: [(وقد عنّانا)] أي: أتعبنا وأرهقنا.قال: [(إنه رجل أراد صدقة، وقد عنّانا، فلما سمعه -أي: كعب بن الأشرف - قال: وأيضاً والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن)] فـمحمد بن مسلمة لم يكن يرضى أبداً لنفسه بما رضيته الأمة لنفسها الآن، فالأمة في هذا الوقت ثلة من الأطفال، أما هو فيقول: نحن اتبعناه وأظهرنا اتباعه، وسرنا معه بعض السير قال: [(إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً. قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد. قال: ترهنني نساءكم. قال: أنت أجمل العرب! أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم. قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر. ولكن نرهنك اللأمة -يعني السلاح- قال: فنعم. وواعده أن يأتيه بـالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر. قال: فجاءوا فدعوه ليلاً فنزل إليهم. قال سفيان : قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم. قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائله! إن الكريم إذا دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب. قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم. قال: فلما نزل نزل وهو متوشح. فقالوا: نجد منك ريح الطيب. قال: نعم. تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب. قال: فتأذن لي أن أشم منه. قال: نعم. فشم. فتناول فشم. ثم قال: أتأذن لي أن أعود. قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم. قال: فقتلوه].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار والمنافقين - قتل أبي جهل - قتل كعب بن الأشرف للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net