اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
يشرع للإمام تأمير الأمراء على الجيوش، والخروج معهم لتشييعهم إلى خارج البلد، ووصية الجيش وأميره بتقوى الله والإخلاص، وتذكيرهم بآداب الغزو، ووصية الأمير بالرفق بأفراد الجيش، والعدل والإنصاف مع العدو إذا أرادوا المعاهدة والنزول على حكمه.
باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:فمع الدرس الأول من كتاب الجهاد والسير، وقبل الشروع في أبواب الكتاب وأحاديثه نعرف معنى قوله: الجهاد والسير فنقول: الجهاد: هو بذل الجهد وإفراغ الوسع. والسير: جمع سيرة.أي: هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد إلى الله عز وجل، ماذا كان يفعل؟ وما هي أحكام الجهاد، وآدابه وأخلاقه، وما يلزم له؟كتاب الجهاد والسير في صحيح مسلم ضم مسائل كثيرة مما يتعلق بهذه الأحكام والآداب، أول باب من كتاب الجهاد والسير: (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام). كأن هذا شرط. قال: باب جواز الإغارة، ولم يقل: باب وجوب الإغارة؛ لأن الإغارة ليست واجبة. الإغارة على العدو أو مزاحفة العدو وهو غار -أي: غافل- ليست واجبة بشرط: أن تكون دعوة الإسلام قد بلغته من غير تقدم الإعلام بالإغارة. أي: لا يلزم الإنذار.
 حكم استرقاق العرب
في هذا الحديث أيضاً: جواز استرقاق العرب. أي: اتخاذ العرب أرقاء وأسرى حرب؛ لأن بعض أهل العلم يقول بعدم جواز استرقاق العرب، وفي الحقيقة الأدلة تظاهرت على جواز استرقاق العربي، مع خلاف أهل العلم في كلمة عربي، ما معناها؟ هل العربي الذي ولد لأبوين عربيين؟ أم هو الذي يتكلم اللغة العربية؟والأعجمي هل هو الذي يتكلم غير العربية.. أو أنه أعجمي وإن كان من أبوين عربيين؟ فيه خلاف بين أهل العلم، وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الصحيح، وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي ، وجمهور العلماء. وجماعة من العلماء قالوا: العرب لا يسترقون. وهو قول الإمام الشافعي في القديم، فكأن هذا اتفاق من أهل العلم على جواز استرقاق العرب.والعرب منهم الكافر ومنهم المؤمن، وهذا الكافر إما أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً، وأنتم تعلمون أن عامة العرب في مكة كانوا مشركين، وعامة العرب في المدينة كانوا يهوداً وهم عرب.
باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها
الباب الثاني: (باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث) والبعوث: جمع بعث. وهو: السرية أو الكتيبة.فإذا أرسل الإمام سرية أو كتيبة أو بعثاً أمّر عليهم أميراً، وأمره بأشياء، وحضه على آداب وأحكام وأخلاق.قال: (ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها). قد يقول قائل: هل للغزو آداب؟ الجواب: نعم. الغزو له آداب وله أحكام، وكثير ممن يقولون بالغزو والجهاد الآن يغفلون عن هذه الآداب وتلك الأحكام.
 إنزال الأمير العدو على حكمه واجتهاده في ذلك
قال: [ (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله وحكم الرسول عليه الصلاة والسلام فلا تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله) ]، وذلك لأنهم ربما يسألونك حكم الله وحكم ورسوله في مسألة من المسائل، وأنت لا علم لك بحكم الله وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فتحكم بغير ما حكم به الله وبغير ما حكم به رسوله عليه الصلاة والسلام.قال: [ (فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك أنت) ] أي: قل لهم: هذا حكمي فيكم. ومعنى (أنزلهم): اقبل منهم. فقل لهم: هذا حكمي فيكم، وربما وافق هذا الحكم حكم الله وربما خالفه، ولكنك اجتهدت في إصابة الحكم، ولا يلزم من التحقق والاجتهاد إصابة الحق.قال: [ (فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) .قال عبد الرحمن بن عوف هذا أو نحوه -يعني: الحديث بهذا السياق أو قريباً من ذلك- وزاد إسحاق بن راهويه في آخر حديثه عن يحيى بن آدم قال: فذكرت هذا الحديث لـمقاتل بن حيان -قال يحيى : يعني: أن علقمة يقوله لـابن حيان - فقال: حدثني مسلم بن هيصم عن النعمان بن مقرن عن النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه ].يعني: هذا الحديث من حديث النعمان ومن حديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما.[ وحدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا شعبة قال: حدثني علقمة بن مرثد أن سليمان بن بريدة حدثه عن أبيه. قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً أو سرية دعاه فأوصاه) -أي: أوصاه في خاصة نفسه وفيمن معه من المسلمين- وساق الحديث بمعنى حديث سفيان ].
باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير

 بيان آداب الداعية وما ينبغي أن يكون عليه من التدرج في الدعوة
وفي هذا الحديث: الأمر بالتبشير بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضاً، فترى الواعظ لا يعرف للجنة طريقاً، تخصصه دائماً نار، فلا يحسن أن يتكلم إلا عن النار، وفي ذلك تنفير للناس من رحمة الله عز وجل، فتجد ضعيف الإيمان في أول طريقه يقول: ما دامت المسألة كلها نار نار نار فلماذا نصلي؟ ولماذا نصوم؟ ولماذا نزكي ونحج؟ ويترك الفرائض والواجبات ويرتكب المحرمات حتى يقع في الشرك البواح؛ لأن هذا الواعظ ما أحسن أن يأخذ بمفاتيح قلبه، ولا بد للواعظ أن يكون عالماً بما يريح القلوب، عاملاً به، فمثلاً المحسوسات لو أردت أن تفتح باب المسجد بمفتاح ليس هو مفتاحه، فمن الممكن أن تقف مائة عام على الباب ولا يمكن أن تفتح هذا الباب وهو جماد؛ وذلك لأنك لم تُحسن اختيار المفتاح الذي يُستخدم في فتح هذا الباب، ولكل قلب مفتاح، فعلى الداعية أن يتلون على كل وجه، كأن يكون لطيفاً مع الناس، وهذا يفتحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يفتحه بالكلام عن القلوب وأنواع القلوب، وهذا يفتحه بمسألة فقهية، وهذا بمسألة علمية، وهكذا. فينبغي أن يكون الداعية أهلاً لهذا كله، يعرف مغاليق القلوب، ومفاتيح القلوب كذلك. قال: (وفيه: تأليف من قرب إسلامه). يذكر أن شخصاً أسلم وحضر مجلساً إسلامياً، فقال له الشيخ: أنت أسلمت لماذا؟ قال: يا شيخ! لأن الإسلام هذا جميل وحلو. قال الشيخ: فأين مظاهر الجمال؟ أقول لك: لا تظن أننا سعيدون بإسلامك أبداً، فنحن عندنا ملايين المسلمين، فنحن غير محتاجين إليك، والله لو تذهب في داهية فهو أحسن لنا.والله حدث هذا الكلام، وهذا شيء سيئ جداً والله!!وكانت هناك راهبة كبيرة وكان لها تأثير عجيب في وسط النساء النصرانيات، فأخذت ما يزيد على (200) من نساء النصارى، وذهبت بهن إلى مكان من الأمكنة حتى يشهرن إسلامهن، وهذه المرأة الراهبة معروفة بإسلامها وجهدها الطيب على نساء النصارى، وكانت تعرف المفاتيح والأقفال، فقالت لأحد المسئولين: أتيتك بغنيمة، وهي أن (200) امرأة تم إسلامهن على يدي، فقال لها: لا أريد أحداً أن يسلم، خذيهن واذهبي بهن إلى الخارج. وخرجت هذه المرأة من عنده وهي تقول: ما خرجت مترددة في ترك الإسلام إلا في هذا الموقف، وما قالت هذا الكلام إلا من فرط غضبها.قال: (وفيه: تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه). يقول العلماء: لا تُطلق أحكام الكفر على المعيّن إلا بعد قيام الحجة عليه، فربما كان جاهلاً أو قريب عهد بجاهلية أو قريب عهد بالإسلام، فكلاهما يصلح.أذكر أن امرأة أسلمت في أمريكا وكانت تزني -عياذاً بالله- لتنفق على أولادها، وحينما كلمناها في حرمة الزنا، قالت: والله أنا لا أعلم أن الزنا حرام، كنت أظن أن الزنا فقط مجرد عيب، وأنا الآن متعبة وأستحي من هذا العمل. وتسميه عملاً. تقول: فأنا أتعاطى حبوباً أو شيئاً من الحقن حتى لا أشعر بهذه العملية الفظيعة في أثناء وقوعها.وكذلك من قارب البلوغ من الفتيات، فعندما نعرف أن البنت حاضت، نريد أن نجري عليها أحكام الإسلام كما لو كانت بنت ابن تيمية ، فتجد الأب من أول لحظة يقول لها: أنت الآن أصبحت مكلّفة بجميع تكاليف الإسلام وأحكامه وشرائعه، ويبدأ يملي عليها ويقعد لها كالصقر، مع أنها من سن السابعة إلى يومنا هذا لم يعلمها أبوها شيئاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (علموا أولادكم الصلاة لسبع). ومذهب الجماهير: أن الصلاة ليست مذكورة لعينها، بل يقاس عليها غيرها من تكاليف الإسلام وأحكامه من حلال وحرام وفرائض وغير ذلك؛ حتى إذا بلغ سن التكليف كان قد تجاوز مرحلة التدريب العملي على الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغير ذلك، والصحابة رضي الله عنهم قاموا بذلك خير قيام، فكانوا يعطون الحلوى أو الدينار أو غير ذلك للولد إذا صام إلى الظهر، أو إذا صام إلى العصر، وكانوا يدربونهم على الصلاة، حتى إذا بلغوا كانوا قد تعلموا أحكام الإسلام، لكنك أنت تريد أن تلزمها بفرائض الإسلام وأحكامه بمجرد أن تبلغ، دون أن يسبق ذلك فترة تعليم أبداً، وهذا تصرف لا يصح. أذكر أنه في السودان لما أعلنوا تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل به بدءوا بإقامة الحدود، وهذا تخبّط. هل تقام الحدود على أمة غرقت مئات السنين في العلمانية وفي المعاصي ومخالفة الأمر والابتعاد عن كتاب الله وسنة رسوله؟ فهم أناس لا يعلمون شيئاً عن دينهم، فكان لا بد أن يسبق هذه المرحلة مدة من الزمان تبلغ السنوات؛ لتعليم هذه الأمة أحكام دينها، ثم بعد ذلك تبدأ العقوبة.ومن ارتكب معصية وتاب، ترى من يعرف ذلك يشدد عليه حتى ييأس من رحمة الله عز وجل! والمفروض أن المرء إذا تاب يؤخذ بالرفق والرحمة واللين، بخلاف الإنسان الذي يعصي وهو يعلم أنه يعصي ويُدعى إلى التوبة فيستهزئ ويسخر، فمثل هذا تحذره من شفير جهنم، بخلاف من وقع في معصية ثم تاب منها وأتاك يضطرب قلبه وجلاً خائفاً، فلا شك أن التنفير في هذا الموطن يجعل المرء ييأس من عمل الخير، وعمل الطاعة، ويستمر في عمل المعصية. أليس هذا هو الذي حصل مع الراهب الذي أفتى من قتل (99) نفساً بأن الله تعالى لا يقبل منه التوبة، وسيعاقبه، فأتم به المائة، ولما فتح العالم أمامه باب الأمل كان من أهل الجنة بحسن توبته؟!وفي هذا الحديث: أمر الولاة بالرفق، واتفاق المتشاركين في ولاية، وهذا من المهمات، فإن غالب المصالح لا تتم إلا بالاتفاق، ومتى حصل الاختلاف فاتت المصلحة.وفيه: وصية الإمام الولاة بطاعة الله وتقوى الله عز وجل، وإن كانوا أهل فضل وصلاح كـمعاذ وأبي موسى الأشعري ، فإنه يجوز نصيحة المفضول للفاضل، كما يجوز إمامة المفضول للفاضل.أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net