اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [2] - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
جاء الشرع بالتدرج في تحريم الخمر، وبعد أن استقر الأمر على التحريم فرض حداً على شاربها، فجلد النبي صلى الله عليه وسلم وجلد من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وفي هذا رد على من أنكر حد الخمر من المغمورين المفتونين، والذين زعموا أن القرآن إنما جاء بتحريمها دون بيان الحد على شاربها.
كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وبعد: فما زال الكلام عن الخمر موصولاً، وفي الدرس الماضي سردنا الأحاديث المتعلقة بحد الخمر، وذكرنا طرفاً من كلام الإمام النووي عليه رحمة الله في معرض كلام علي بن أبي طالب : (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي -أي: أجد منه حرجاً في نفسي- إلا صاحب الخمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنّه).وقال علي : وصاحب الخمر إذا مات وديته. أي: غرمت ديته.
 حكم التداوي بالخمر
مسألة: حكم التداوي بالخمر: التداوي بالخمر محل خلاف، فمذهب الجماهير -وهو الراجح- على أن التداوي بالخمر غير جائز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن التداوي بالخمر وقال: (إنها داء وليست بدواء). وقال: (إن الله أنزل الداء والدواء، فجعل لكل داء دواء فتداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام).وقد روى أبو داود : (أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا؟ قال رسول الله: هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتنبوه. فقال الرجل: فإن الناس ليسوا بتاركيه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لم يتركوه فقاتلوهم).وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام، وهذا مذهب مرجوح.ومثَّل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة في حالة الاضطرار فكاد يختنق ولم يجد ما ينزلها سوى الخمر فله أن يأخذ شربة من الخمر أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك سوى جرعة من خمر فله ذلك؛ لأن الهلاك من البرد متيقن. أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت؛ فأخبره الطبيب الحاذق أنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر؛ فهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات، وإلا فلا.
باب قدر أسواط التعزير
قال الإمام في الباب التاسع: (باب: قدر أسواط التعزير).لم يرد كيفية معينة في ضرب الحد أو التعزير، لكنه ضرب وسط بين الشدة والرخاوة، ومثَّل الفقهاء بنوع هذا الضرب بألا يغادر العضد الإبط. وبعضهم قال: عليه أن يرفع عضده حتى لا يرتفع على منكبه. أي: يضرب ضرباً معتدلاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يشج رأساً ولا يكسر عظماً). وكذلك هذا القدر في الحد والتعزير.
 حكم الزيادة على عشرة أسواط في التعزير
وقد اختلف العلماء في التعزير: هل يقتصر فيها على عشرة أسواط فما دونها ولا تجوز الزيادة أم تجوز الزيادة؟ فقال ابن حنبل وبعض من المالكية والشافعية: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط. أما جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فذهبوا إلى جواز الزيادة. ثم اختلف هؤلاء فقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات. يعني: هم قالوا بجواز الزيادة فقط، واختلفوا في الضابط في ذلك، فلم يذكروا عدداً معيناً، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود، كما أنهم استندوا إلى فعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حد صاحب الخمر ثمانين، ونحن نعلم أن الحد المضبوط الذي حده علي بن أبي طالب، وحده من قبله النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر هو أربعون، أما عمر فحد ثمانين، يعني: عزر بأربعين، وجمع بين الحد والتعزير في مجلس واحد، وربما زاد على ذلك؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (جلد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر نحواً من أربعين)، يعني: قريباً من أربعين. والقريب من هذا سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، وربما يكون اثنين وأربعين، أو ثلاثاً وأربعين جلدة زائدة. وهذا مذهب جماهير العلماء: أن التعزير ربما يبلغ الحد وزيادة. قال الجمهور: لأن عمر رضي الله عنه ضرب من نقش على خاتمه مائة، وضرب صبياً أكثر من الحد، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: (لا يبلغ به أربعين؛ لأنه أقل الحد). وقال ابن أبي ليلى: (خمسة وسبعون)، وهي رواية عن مالك وأبي يوسف وعن عمر : لا يجاوز به ثمانين، يعني: يضرب الحد، لكن لا يبلغ به ثمانين.وعن ابن أبي ليلى في رواية أخرى: (هي دون المائة)، وهو قول ابن شبرمة ، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي يحيى: (لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب)، يعني: في التأديب والتعزير لا يضرب أكثر من ثلاث.وقال الشافعي والجمهور من أصحابه: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى حدوده فلا يبلغ بتعزير العبد عشرين، أي: نصف حد الخمر؛ لأن العبد إذا شرب الخمر حد على نصف حد الحر، فإذا كان حد الحر أربعين فحد العبد عشرون، ولا يبلغ تعزير الحر أربعين، وقال بعض أصحابنا: لا يبلغ بواحد منهما أربعين، وقال بعضهم: لا يبلغ بواحد منهما عشرين، وأجاب أصحابنا عن الحديث: بأنه منسوخ؛ وإلا فإن الحديث سيهدم هذه الآراء كلها؛ لأنه لا اجتهاد مع وجود النص والاجتهاد مع وجود النص باطل.فقال: أجابوا عن هذا الحديث بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم جاوزوا عشرة أسواط، وتأوله أصحاب مالك على أنه كان مختصاً بزمن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا التأويل ضعيف.ولذلك مذهب من قال: بأن هذا النص منسوخ وأن الزيادة جائزة في التعزير عن عشرة أسواط رأي ضعيف وإن كان رأي الجمهور، فمذهب الجمهور: جواز الزيادة، والحقيقة أن النص قاضٍ عليهم.وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [2] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net