اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر‏ [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر‏ [1] - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
الخمر ما خامر العقل وغطاه، وقد جاء تحريم الخمر في كتاب الله عز وجل، وجاءت السنة ببيان حده، فجلد النبي صلى الله عليه وسلم فيها أربعين جلدة، وجلد بعده الصديق مثل ذلك، فلما كان في عهد عمر جلد فيها ثمانين جلدة، وكل ذلك سنة.
باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.والخمر هو: كل ما خامر العقل. أي: ستره وغطاه. وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.
 شرح حديث علي بن أبي طالب في ديته لشارب الخمر إذا جلد فمات
قال: [ حدثني محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع البصري حدثنا سفيان الثوري عن أبي حصين ] عن أبي حَصِين مكبراً، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي .قال: [ عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه قال: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر؛ لأنه إن مات وديته) ]. أي: إن مات في أثناء الحد غرمت ديته. يعني: ألزمت نفسي بدفع الدية.قال: [ (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه) ]. وهذا كلام يحتاج إلى وقفة وبيان، فالنبي جلد أربعين -لفظاً صريحاً- بالجريد والنعال، وجلد نحو أربعين، وجلد بجريدتين أربعين. فكأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب الشارب من باب التعزير لا من باب الحد، وذلك لأن قوله: (نحو أربعين) لا يدل على أنه حد، فلو كان حداً لا نقول فيه: نحو ثمانين ولا نحو أربعين ولا نحو عشرة؛ لأنه لا بد أن يكون الحد محدداً بيناً واضحاً، والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب بالجريد أو بالنعال أربعين، وعمر رضي الله عنه ضرب ثمانين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وعمر منهم رضي الله عنه؛ ولذلك قال علي رضي الله عنه: (جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة). لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولم يعترض على عمر أحد من الصحابة، فـعمر لم ينكر عليه علي، بل أقره على ذلك، وكل ما هنالك أن أحب الجلد إليه الجلد الأول؛ ولذلك يقول العلماء في هذه المسألة الخلافية: الخلاف فيها معتبر ومحترم، فلا يقول العلماء: هذا خطأ وهذا صواب، وإنما يقولون: راجح ومرجوح، وإلى يومنا هذا يترجح لدى بعض أهل العلم أن الثلاث طلقات تقع ثلاثاً، عملاً بسنة عمر رضي الله عنه، والجماهير على أن الثلاث تقع واحدة؛ عملاً بالأصل الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر ، وعليه عمر في صدر خلافته. فـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي - يعني: أجد في نفسي حرجاً من هذا الموت - إلا صاحب الخمر. قال: لأنه إن مات وديته). يعني: دفعت إليه الدية. وعلل ذلك بأن عقوبة شارب الخمر قد لا تكون من باب الحد ولعلها وقعت في الشرع من باب التعزير. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول ذلك؛ لأنه شك أن تكون العقوبة وقعت في الصدر الأول من الإسلام على شارب الخمر من باب التعزير والتأديب لا من باب الحد. ولو اعتبرنا أن أقل الأقوال هو أن الضرب كان من باب التعزير لا من باب الحد، فلو مات المعزر بسبب حد التعزير أو بسبب أسواط التعزير وجبت ديته، بخلاف المحدود، فلو مات المحدود في الحد فلا تجب له الدية، ولا دية له أصلاً، لكن المعزر إذا مات في أثناء التعزير أو بسبب التعزير فإنه يودى، والذي يوديه السلطان من بيت المال. وهذا أرجح الأقوال. وقيل: بل من مال الأمير نفسه. وقيل: لا يودى. وقيل: ديته على عاقلة المعزر. أي: الجلاد. وللجلاد عند جلده شروط، منها: ألا ترتفع يده عن كتفه، حتى إن بعض أهل العلم غلا في ذلك وقال: ألا يغادر عضده إبطه.قال: (لأن رسول الله لم يسنه) يعني: لم يترك لنا فيه سنة واضحة بينة. وعلى أية حال: هذا اجتهاد من سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي لم يسن حداً مقدراً معيناً لشرب الخمر. وهذا الذي قاله علي بن أبي طالب خالفه فيه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل حد الشارب للخمر أربعين.وفي هذا الحديث: أن فعل الصحابي سنة يعمل بها، وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) في حديث العرباض بن سارية عند الترمذي وغيره.
كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.والخمر هو: كل ما خامر العقل. أي: ستره وغطاه. وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.
 اختلاف العلماء في حكم شرب النبيذ
قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ). والنبيذ: هو كل ما ينتبذ من سوى العنب. لأن الذي يتخذ من العنب لا خلاف في أنه الخمر، فالعرب لم تكن تطلق مصطلح الخمر إلا على ما يتخذ من عصير العنب، وما يتخذ من غير العنب لا يقولون عنه: خمر، إنما يقولون عنه: نبيذ. والنبيذ: هو النقع؛ ولذلك: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن ينبذ التمر مع البسر، وأن ينبذ البسر مع الجنيب، وأن ينبذ الجنيب مع الرطب في إناء واحد)، (وكانت عائشة رضي الله عنها تنبذ التمر للنبي عليه الصلاة والسلام فيأكله في اليوم الأول، ويأكله في اليوم الثاني، ويطرحه في الثالث). أي: لا يشرب منه في اليوم الثالث.وفي حديث أنس من طريق المختار بن فلفل عند النسائي في سننه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين) أي: من الثمر.وفي رواية: (نهى أن ينبذ شيئان في إناء واحد). يعني: لما تأتي بالتمر مع الزبيب وتنبذهما جميعاً هذا خمر، وذهب أهل العلم إلى حرمة ذلك أو كراهته، على خلاف بين أهل العلم هل هذا مكروه أو محرم؟ حتى قال الإمام النووي في المجموع وكذلك الإمام الشوكاني في كتاب نيل الأوطار في باب الأشربة والأطعمة في آخر مجلد: واختلف أهل العلم: هل هذا الحديث على ظاهره وإن لم يسكر، أو يجوز أن ينبذ كل صنف لوحده، فإذا أراد الشارب أن يشرب خلطهما فشربهما؟ يعني: لو أني في رمضان أتيت بالزبيب ونقعته في آنية على حدة، ثم جئت بالتمر ونقعته كذلك في آنية مستقلة، ولما أُذِّن للمغرب خلطت منقوع التمر مع منقوع الزبيب وشربته، هل هذا العمل مشروع؟ الجواب: غير مشروع، فإما أن يكون تمراً لوحده كما يفعل عامة الناس، وإما أن يكون أي نوع من أنواع الثمار.وبعض الناس لديهم أكلة يسمونها سلطة الفواكه: يأتون بالموز والعنب والتمر والتفاح والخوخ وغيرها من الفواكه ثم يقطعونها ليصنعوا منها سلطة فواكه بشكل جميل، وهي بغير ماء، فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يقال للنبيذ نبيذاً إلا بالنقع، والنقع لا يكون إلا في الماء، فإذا وضعت هذه الثمار مجتمعة في ماء فهو نبيذ يحرم عليك أكله أو يكره على خلاف بين أهل العلم، وإذا قطعت وخلطت هذه الثمار بغير نقع -أي: لم توضع في ماء- ولم تخرج هي ماءها فتنتبذ فيه فلا حرج في ذلك. وكذلك العصائر من عدد من ثمار الفواكه وما نسميه نحن بالكوكتيل، فهو عصير، والعصير هذا هو أصل مادة النقع وليس منقوعاً ولا منتبذاً. ومن أراد أن يراجع المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار في كتاب باب: ما جاء النهي عن الخليطين. وقبله بأبواب وبعده بأبواب، فالمسألة مبحوثة على أعلى مستوى عند الفقهاء.قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر). كل العلماء قالوا: النبيذ مثل الخمر بالضبط. ومعلوم أن الخمر: ما اتخذ من العنب؛ ولذلك الأحناف يقولون: الخمر لا يكون إلا من العنب. والجمهور على خلاف ذلك، وردوا على الأحناف في ذلك: أن معنى كلمة خمر: التغطية والستر، ومن هنا سمي الخمر خمراً؛ لأنه يستر العقل ويغطيه، فيستوي أن يكون هذا من العنب أو من التمر أو من البر أو الشعير، فالعلة واحدة. والأحناف لم يوافقوا الجمهور على ذلك. وأدنى ما قيل من متأخري الحنفية أنهم قالوا: الخمر حرام أصلاً، وأنها من العنب، وغيرها من الخمر يقاس عليها. ويفهم من قولهم: أن بقية أنواع الخمور ليست حراماً لذاتها وإنما هي حرام بالقياس. يعني: ليست حراماً بالنبذ وإنما هي حرام بالقياس على الأصل الأصولي وهو: أن ما كان حراماً بالنص تقدم حرمته على ما كان حراماً بالقياس. فنحن نقول: السجائر حرام. ونقول: الخمر حرام. فحرمة الخمر ثابتة بالنص، أما السجائر فثبتت حرمتها بالقياس.وقد جاء في الأثر: أن أم يعقوب الأسدية أتت عبد الله بن مسعود تقول له: بلغني أنك تلعن كيت وكيت -يعني: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله- قال: وما لي لا ألعن من لعنه الله ورسوله. قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين -أي: القرآن كله- فما وجدت فيه. قال: لو كنتِ قرأتيه لا بد أن تجدي ذلك فيه. قالت: أين أجده؟ قال: أما قرأتِ قول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] ؟ قالت: بلى. قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) الواصلة: هي التي تصل الشعر. والمستوصلة: هي الطالبة لذلك.قال: (والواشمة والمستوشمة) وهي التي تضع الكحل الأخضر تحت جلدها من أجل أن يظهر في وسط بياضها الشاهق لون مخالف أخضر، وهو لون جميل، مع أنه والله عند المؤمنين منظر مؤذ جداً؛ لأنه كذا مثل الصليب، فالنصراني عندما يسلم يتقزز جداً من صورة الصليب على يده.قال: (والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) والمتفلجات للحسن: اللاتي ينشرن الأسنان حتى يصير هناك فارق بين الأسنان.قال: (وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد شاربه). فقول أبي حنيفة بالذات في أن كل خمر اتخذت من غير العنب ليست حراماً ومن شربها وسكر لا يقام عليه الحد قول شاذ؛ لأنه قال بأن الخمر لا يكون إلا من العنب فقط. وهذا قول غير معتبر، وهذا يدل على أن كل إنسان غير النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ ويصيب، وأن من أخطأ لا يقر على خطئه ولا يتابع عليه ولا يكون قدوة ولا أسوة فيما أخطأ فيه، فلا عذر لأحد علم أن الحق خلاف هذا القول وتابعه فيه.قال: (وقال أبو ثور : هو حرام. يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته). وهذا رأي ثالث، ورأي الجمهور هو الصحيح: أن الخمر تقال لكل ما اتخذ خمراً، سواء كان ذلك من عنب أو من تمر أو بر أو شعير أو غير ذلك.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر‏ [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net