اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه‏ لا ضمان عليه للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه‏ لا ضمان عليه - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
الصائل هو الظالم الباغي المعتدي، ومن اعتدي عليه فله أن يدفع المعتدي بما يندفع به تدرجاً، وإن لم يندفع إلا بتلف عضو من أعضائه أو قتله فهو هدر لا ضمان عليه ولا دية ولا قصاص، والضمان والدية والقصاص لا تكون إلا عند المبالغة في دفع الصائل بما يمكن أن يندفع بما هو دونه يقيناً.
باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد: فمع الباب الرابع من كتاب القسامة: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه).أي: دفع الظالم أو الباغي المعتدي بغير حق على الآخرين، وهو المعروف بالصائل؛ لأن الصائل هو الظالم. ولو أن واحداً اعتدى عليك في نفسك، أو مالك، أو عرضك، فدفعته فمات من هذه الدفعة، أو أتلفت عضواً من أعضائه، فهل تضمن أنت هذا التلف؟هذا التلف إما أن يكون حدث في النفس. بمعنى: أنك لو دفعته قتل من هذه الدفعة. أو مات من هذه الدفعة، أو كان لا يمكن دفعه إلا بالقتل؛ لأن العلماء مجمعون على أن الصائل لا يدفع بأكثر من الوسيلة المطلوبة في دفعه، فلو أن واحداً اعتدى عليك فدفعته بيدك فاندفع فلا يجوز دفعه بالسوط، وإذا كان يمكن دفعه بالسوط فدفعته بعصا فهذا لا يشرع لك ولا يحل، وإذا كان يمكن الفرار منه بعدم الإتلاف أو بعدم تمكنه من الظلم بأن هربت منه فلا يجوز لك أن تتعرض له؛ لأنك لو عرضت نفسك له فإنما أوقعت نفسك في التهلكة.فالشاهد من هذا: أن الإسلام يدعو إلى الحفاظ على النفس، والعرض، والمال بأي وسيلة مشروعة متاحة كانت، فلو أن ظالماً أو معتدياً أو صائلاً سطا أو ظلم وبغى على النفس أو المال أو العرض فيجب دفعه بالوسيلة المتاحة التي يمكن بها دفعه، نبدأ بالأقل، ثم الأكثر، ثم الزيادة، ولا يمكن قط أن يأذن الشرع لمن وقع عليه الضرر -أي: للمصول عليه- أن يدفع الصائل بوسيلة هي أعظم من مجرد جرم هذا الصائل، فلو أن واحداً سطا عليك في بيتك في الليل أو في النهار فكان يمكن أن يدفع هذا الصائل بمجرد التخويف فلا يجوز دفعه بالضرب، وإذا كان لا يندفع إلا بالضرب فلا يجوز القتل وغير ذلك.أما أن يفكر المصول عليه في قتل الصائل أولاً وابتداءً فهذا يجب عليه أن يضمن ما أتلف، سواء أتلف النفس، أو المال، أو أتلف عضواً من أعضائه فإنما لا يضمنه إذا كان لا يمكن الدفع إلا بالقتل، أو ليس بين يدي المصول عليه إلا وسيلة يقتل بها، أو غلب على ظن المصول عليه أنه لا يمكن دفع هذا إلا بالقتل أو الجرح، أو قطع عضو من أعضاء الصائل فإنه حينئذ لا ضمان عليه، لأن هذا الصائل لا يدفع إلا بهذه الوسيلة، وهي المتاحة، ولذلك بوب النووي هنا وقال: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه).فلو أن شخصاً شهر سيفه وغلب على ظنك أنه لا بد أن يقتلك فلا شك حينئذ أنك لو قتلته فإن قتله غير مضمون عليك. بمعنى: أنك لا تكلف به قصاصاً، ولا دية، لأنه لا يمكن والحالة هذه دفعه إلا بالقتل، إما إذا كان بإمكانك أن تدفعه بغير القتل وهذا معلوم من ظروف وملابسات الواقعة؛ فإنك تضمنه إذا أتلفت روحه.وكذلك لو قال لك إنسان: مد إلي يدك لأقطع كفك، لا سبيل لك إلا ذلك، فابتدرته لما علمت أنه فاعل ما يهدد به فقطعت يده التي يهدد بها؛ فإن لم يمكنك قطع يده إلا أن تقطع رقبته فلا حرج عليك حينئذ ولا تضمن. أما إذا صال عليك صائل، وبغى عليك ظالم ثم بمجرد التهديد أو التخويف أو علمه أنك في البيت، بأن سمع صوتك، أو أنك تنحنحت، أو تكلمت، فعلم أن في البيت رجل يكف عن هذه الصيالة فحينئذ اندفع وهرب فلا يجوز لك أن تعدو خلفه فتقتله؛ فإن قتلته فأنت ضامن، لأنه اندفع بأقل من ذلك، واندفع بالفعل، فلم تعديت أنت حد الصيالة حينئذ؟! وهكذا يقول الإمام النووي: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه) ولو أن ظالماً ظلمك في نفسك أو في أحد أعضائك إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه.
 شرح حديث: (أن رجلاً عض ذراع رجل فجذبه فسقطت ثنيتيه فرفع إلى النبي فأبطله) وذكر رواياته وطرقه
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء عن ابن يعلى عن يعلى عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.وحدثنا أبو غسان المسمعي -واسمه عبد الواحد- حدثنا معاذ -وهو ابن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي- قال: حدثني أبي عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين : (أن رجلاً عض ذراع رجل فجذبه -أي: فجذب ذراعه من فمه- فسقطت ثنيته فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبطله)] يعني: جعله هدراً لا قصاص ولا دية. [(وقال: أردت أن تأكل لحمه؟!)]. أي: أردت أيها العاض أن تأكل لحم أخيك؟ كأنه يوبخه ويقول له: أتريد أن أقضي لك وأنت قد أردت ابتداءً أن تأكل لحم أخيك فماذا أقضي لك ؟ وكيف تأمرني أن أقضي لك ؟ فأبطل حقه عند صاحبه.قال: [وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن بديل -وهو ابن ورقاء- عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى (أن أجيراً لـيعلى بن منية عض رجل ذراعه فجذبها، فسقطت ثنيته فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبطلها وقال: أردت أن تقضمها كما يقضم الفحل)] وهو البعير.[حدثنا أحمد بن عثمان النوفلي حدثنا قريش بن أنس عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين : (أن رجلاً عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته أو ثناياه فاستعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم)].يعني: طلب منه أن يكون بجواره، وهذا من سوء الأدب أن يذهب أحد الخصوم إلى حاكم أو قاض في غير مجلس القضاء والخصومة، وأن يحكي له الحكاية حتى يستعديه على الطرف الآخر بغير أن يسمع القاضي من الطرف الآخر، فهذا من سوء الأدب في القضاء ابتداءً، بل هذا لا يصح في الأذهان أن يذهب أحد الخصوم لمن يظن أنه يقضي له، أو يستميل قلبه ليتألب على الطرف الآخر ويكون رأياً قبل سماع الطرف الآخر.فاستعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: فطلب منه أن يعادي الآخر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما تأمرني؟) كلام للتوبيخ والتقريع. [(ما تأمرني؟! تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل)].أي: أنت ماذا تتصور؟ وأنت ماذا تريد مني ؟ أتريد مني أن أقضي لك أن يبقي خصمك يده في فمك تأكل لحمه وعظمه؟ [(قال: ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها)] إذا كنت متصور أنني سأقضي لك فإنما أقضي لك بنحو أن يقع عليك منه كما وقع عليه منك، فاذهب فضع يدك في فمه ومكنه أن يقضمها كما قضمت يده فحينئذ لا قصاص ولا دية، أما أن تتصور أنني أحكم لك مع أنك الباغي، والصائل، والمتعدي، والظالم فهذا لا يصح لا شرعاً ولا عقلاً.قال: [(ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك - أي: في فمك - تقضمها - أي: تعضها - كما يقضم الفحل ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها) ]أي: ثم انتزعها أنت من فمه حتى تسقط أسنانه فحينئذ يكون السن بالسن، والعضة بالعضة، إذا كنت تريد عدلاً فهو هذا، وهذا الكلام بلا شك خرج مخرج التقريع وليس المراد بتمكينه يده ليعضها وإنما معناه الإنكار عليه. أي: أنك لا تدع يدك في فيه يعضها فكيف تنكر أن ينتزع يده من فيك وتطالبه بما جنا في جذبه بذلك.قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار- حدثنا عطاء وهو ابن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وقد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيتاه قال: فأبطلها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل) .حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة أخبرنا ابن جريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي- قال: أخبرني عطاء -وهو ابن أبي رباح- أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، قال: وكان يعلى يقول: تلك الغزوة أوثق عملي عندي -يعني: أرجى عمل لي عند الله عز وجل- فقال عطاء : قال صفوان : قال يعلى : كان لي أجير فقاتل إنساناً فعض أحدهما يد الآخر، قال: لقد أخبرني صفوان أيهما عض الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض، فانتزع إحدى ثنيتيه (فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته)] معنى أهدر ثنيته: أنه لم يجعل فيها قصاصاً ولا دية. وعضو هدر. أي: لا دية له ولا قصاص من باب أولى.قال: [وحدثناه عمرو بن زرارة أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد نحوه]. يعني: بهذا الاختلاف العظيم في هذه الرواية.ولا شك أن أسانيد هذا الباب كلها مضطربة، فمرة يقولون أن المعضوض هو يعلى بن أمية ، ومرة يقولون: المعضوض هو أجير يعلى وليس يعلى نفسه.فقال الحفاظ : الصحيح المعروف أن المعضوض هو أجير يعلى ، لا يعلى ، ويحتمل أنهما قضيتان:يعني: قضية عض فيها يعلى ، وقضية أخرى عض فيها أجير يعلى ، وإن كان هذا بعيداً لكن على أية حال هناك اضطراب في الأسانيد وليس في هذا طعن أو مطعن على هذه الروايات، فقد أخرج كذلك البخاري رحمه الله من وجه آخر، وأما مجموع هذه الروايات فيدل على ثبوت هذه القصة.قال: (وهذا الحديث دلالة لمن قال: إنه إذا عض رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض أو فك لحيته أو لحييه -أي: فكيه- لا ضمان عليه. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين رضي الله عنهم. وقال مالك فقال: يضمن). أي: في كل حال. وبلا شك أن الصواب هو مذهب الجماهير.والقضم إنما يكون بأطراف الأسنان.
باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها
الباب الخامس: (باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها) أي: فيما دق وجل من بدن الإنسان، كل عضو من أعضاء الإنسان ما دام عضواً منفصلاً له اسم ووقع عليه اعتداء أو صيالة، أو بغي فيثبت فيه القصاص.
 شرح حديث: (القصاص القصاص)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم -وهو المعروف بـالصفار- قال: حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس: (أن أخت الرُبيع وهي أم حارثة جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القصاص القصاص)] يعني: أدوا القصاص، ومكنوا من جرحتموه أن يجرحكم كما جرحتموه؛ لأن هذا هو الحكم في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45]. (فقالت أم الرُبيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة، والله لا يقتص منها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: سبحان الله! - كلمة تعجب أو إنكار - يا أم الرُبيع القصاص كتاب الله - يعني: هذا حكم الله تعالى فيما وقع من فلانة أنه يقتص منها - قالت: لا والله لا يقتص منها أبداً. قال: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)] يعني: أبر الله تعالى قسمه، وهذه المرأة ليست معترضة على الله عز وجل، وليست رادة لحكم الله ولا لكتاب الله عز وجل.
كلام النووي في حديث الباب

 وجوب القصاص أو الدية في السن
قال: (ومنها: وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه). يعني: لا خلاف بين أهل العلم في أن واحداً لو كسر سنة آخر أن يكسر سنه بسنه الذي كسر. يعني: لو أنك ضربت شخصاً بلكمة في أسنانه فسقطت فلا بد من تمكينه من أنه يلكمك بأسنانك حتى يسقط منها ما سقط منه، وهذا بالإجماع بين أهل العلم، لكن إن عفا صاحب القصاص عن القصاص وقبل الدية تقوم السن بالدية وتدفع له.قال: (ومنها وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه، فإن كسر بعضها ففيه وفي كسر سائر الأعضاء خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون على أنه لا قصاص فيه إنما تجب فيه الدية). والدية في السن عشرة من الإبل، وهذا من باب حفاظ الإسلام على كرامة الإنسان.
ما يباح به دم المسلم
الباب السادس: (ما يباح به دم المسلم).
 شرح روايات وطرق حديث الباب
قال: [ حدثنا ابن نمير حدثنا أبي عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا ابن أبي عمر محمد بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم قال: أخبرنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي- كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله.حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن مثنى واللفظ لـأحمد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر: التارك الإسلام - يعني: المرتد - المفارق للجماعة ، والثيب الزاني، والنفس بالنفس) قال الأعمش : فحدثت به إبراهيم -يعني النخعي- فحدثني عن الأسود -يعني ابن يزيد النخعي- عن عائشة بمثله].فهذا الحديث ثابت من طريق عبد الله بن مسعود ومن طريق عائشة.قال: [وحدثني حجاج بن الشاعر والقاسم بن زكريا قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان -وهو ابن عبد الرحمن النحوي- عن الأعمش بالإسنادين جميعاً نحو حديث سفيان ولم يذكرا في الحديث قوله: (والذي لا إله غيره)].
كلام النووي في شرح حديث الباب: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ..)

 حكم التارك لدينه المفارق للجماعة
قال: (وقوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، سواء كانت ردته اعتقاداً، أو قولاً، أو عملاً، أما إذا ارتد في اعتقاده مع بقائه على أحكام الإسلام الظاهرة فهذا عند الله كافر أما عند العباد فمسلم، وهذا شأن المنافقين، أما إذا ارتد قولاً أو ارتد فعلاً فلا شك أنه يجب على أولياء الأمور الحكم بردته وقتله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه) فسواء كان تبديل هذا الدين أي الردة بالقول، أو العمل، أو الاعتقاد، أما الاعتقاد فإنه لا سبيل للعباد عليه، لأنه أمر قلبي لا اطلاع لأحد عليه، أما إذا أظهر ردته بالقول أو العمل فوجب على أولياء الأمور أن يأخذوه به، ويجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام.(قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، وغيرها، وكذا الخوارج). لأن الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بغاة، والباغي ليس كافراً، ولذلك لما سئل علي بن أبي طالب : أهؤلاء كفاراً أم ماذا؟ مع أنهم تميزوا وقاتلوا علياً وهو الإمام، فقال: من الكفر فروا. يعني: ليسوا كفاراً، مع أن عملهم يعتبر خروجاً عن الإمام الحق، ومع هذا لم يكفرهم الإمام.كذلك ما وقع من الذين خرجوا على عثمان بن عفان حتى قتلوه، وهذا في دفع الصائل كذلك، يعني هذه الأحكام فيما يتعلق بـعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهما ممن وقع عليهم الظلم والبغي والصيالة، كانوا يدعون إلى عدم المقاتلة حتى لا يظن الظان أن المقاتلة إنما كانت بسبب الردة والكفر؛ لأن الباغي ليس كافراً.ثم سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج: إذاً فمن هم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم. والله تعالى يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الحجرات:9] ماذا حدث بينهم ؟ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9]، فسمى الله تعالى الطائفتين مؤمنتين، كما قال الله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178]، ولم يقل: من قاتله، أو من القاتل الكافر، وإنما قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178]. فأثبت له أخوة الإيمان، وهذا يدل على أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً بكبيرته، وإن كانت من أعظم الكبائر.أما ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس لقاتل المؤمن عمداً توبة. فقد ثبت رجوعه عن ذلك، وإن لم يثبت فلا عبرة بخلافه لمجموع الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن هذه المسألة -أي: الحكم على القاتل بالكفر- مسألة يردها الكتاب والسنة، كما تردها السنة العملية للصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا أن القاتل ليس كافراً وإنما ارتكب جرماً عظيماً جداً، وهو على خطر بين يدي الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإن تاب منها تاب الله عز وجل عليه، والله أعلم.أما قوله عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)؛ فالسب فسق، لكنه لا يخرج به من الملة، كما أن قتال المؤمن أو قتال المسلم كذلك كفر وهو عند الإطلاق كفر عملي، ما لم يستحله مع قيام الحجة عليه، فإذا استحله مع قيام الحجة عليه وأن هذا مما حرمه الله، فأقدم على القتل وهو يعلن أن هذا دمه حلال بغير بينة ولا حجة فلا شك أنه يكفر بذلك ويخرج من الملة، لا لعين القتل، وإنما لكونه أحل ما حرمه الله.قال: (قوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة) هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، وغيرهما، وكذا الخوارج.واعلم أن هذا عام يخص منه الصائل، الذي هو المفارق للجماعة، فيباح قتله في الدفع). كما قلنا في الباب قبل الماضي أن الصائل إذا لم يندفع إلا بالقتل قتلناه، لا لكونه مرتداً وإنما لكونه لا يدفع إلا بهذه الوسيلة، فيباح قتله في الدفع. قال: (وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة) ليس لأنه مفارق للإسلام، وإنما هو مفارق للجماعة.(أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هذه الثلاث). يعني: لا يحل قتل المؤمن عمداً إلا في هذه المسائل الثلاث، والله تعالى أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 كيفية تحريك السبابة في التشهد
السؤال: كيف يكون الوضع الصحيح لسبابة اليمنى أثناء التشهد ؟الجواب: المسألة هذه فيها نزاع على اعتبار شذوذ زيادة زائدة بن قدامة من عدمها، فمن قال بزيادة زائدة بن قدامة مع أنها في صحيح مسلم وشذوذها يقول: السنة في الأصبع أو السبابة اليمنى الإشارة فقط. ومن قال بأن هذه الزيادة زيادة ثقة قال بجواز رفع السبابة والخفض، فتكون اليد على الفخذ والإشارة بها على المذهب الأول وهو الذي يترجح لدي، أما بعض الناس فيتكلف هيئات أخرى للإشارة بالسبابة لا دليل عليها. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه‏ لا ضمان عليه للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net