اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏حكم المحاربين والمرتدين‏ للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏حكم المحاربين والمرتدين‏ - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
ذكر الله تعالى في كتابه أن جزاء المحاربين لله ورسوله والذين يقطعون طريق الناس ويخوفونهم ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا إذا قتلوا النفس بغير حق، أو يصلبوا وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا قتلوا النفس وأخذوا المال، أما إذا أخذوا المال فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ويعزروا إذا قطعوا الطريق وأخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال.
باب حكم المحاربين والمرتدين
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] ، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع كتاب المحاربين.قال الإمام النووي: (باب حكم المحاربين والمرتدين).
 شرح طرق وروايات أخرى لحديث أنس في قصة العرنيين
قال: [وحدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن معاوية بن قرة عن أنس رضي الله عنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم)] وهو البرسام، وهو اسم فارسي معرب وهو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر، وهو يشبه سرطان المخ، أو شيء من هذا. قال: [ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: (وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين)] أي: النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بما فعل هؤلاء بالرعاة وبالإبل التفت إلى من بجواره فوجدهم قرابة عشرين شاباً من الأنصار. [(فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)] والقائف: هو من ألحق الشبه بشبهه، والمثيل بمثيله، والأثر بالمؤثر، فهو الذي يعرف الأشباه والنظائر. أما علمتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أمر زيد بن حارثة وولده أسامة ، وكان زيد أبيض وأسامة أسود أو العكس على ما أذكر، وكانت العرب تقول: إن أسامة ليس أبناً لـزيد، فقد كانوا يرمون أمه بالزنا رضي الله عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى بكلام العرب، أو بغمز بعض المسلمين في هذا الأمر، فجاء أعرابي قائف إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام وعنده زيد وأسامة نائمان قد بدت أرجلهما -يعني: هو لا يعرف لا أسامة ولا يعرف زيداً فضلاً أنهما نائمان ومغطيان ولم يبد منهما إلا أطراف الأقدام- فقال الرجل لنبي الله عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! إن هذه الأقدام بعضها من بعض. يعني: هذا أبو ذاك أو ذاك ولد هذا. ففرح بذلك النبي عليه الصلاة والسلام وقال لـعائشة (أما سمعت ما قال الرجل في زيد وابنه أسامة إن هذه الأقدام بعضها من بعض). فالقائف هو الذي يعرف الآثار في الصحراء، ويفرق بين أثر قدم الشاة والغنم مع أنهما متحدتان، لكنه إذا نظر في الأثر عرف أنها شاة، أو معز أو خف بعير.أنتم تعلمون أن قريشاً ما تتبعت أثر خروج النبي عليه الصلاة والسلام هو وأبو بكر لما خرج إلى غار ثور إلا بآثار البعيران اللذان رباهما أبو بكر رضي الله عنه في هذه الرحلة.قال: (وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)، فالقائف مهمته هي معرفة الطريق الذي صاروا فيه.قال: [حدثنا هداب بن خالد، حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار- قال: حدثنا قتادة عن أنس. (ح) وحدثنا ابن المثنى -وهو محمد- حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة -و سعيد الذي يروي عن قتادة هو سعيد بن أبي العروبة- عن أنس وفي حديث همام: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم رهط من عرينة. وفي حديث سعيد: من عكل وعرينة، بنحو حديثهم.وحدثني الفضل بن سهل الأعرج حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان بن طرخان التيمي عن أنس قال: (إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء)]. أي: الجزاء من جنس العمل، مع أنه نهى عن المثلة؛ فإنه سمل أعين الرعاة قصاصاً.
كلام الإمام النووي في أحاديث باب حكم المحاربين والمرتدين
الإمام النووي قال في حديث العرنيين: (فيه حديث العرنيين أنهم قدموا المدينة وأسلموا واستوخموها، وسقمت أجسامهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى إبل الصدقة -يشربوا من أبوالها وألبانها- فخرجوا فصحوا، فقتلوا الراعي، وارتدوا عن الإسلام.
 خلاف العلماء في المراد بقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...)
قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة). فمنهم من قال: نزلت في قوم مشركين.ومنهم من قال: بل نزلت عتاباً للنبي عليه الصلاة والسلام أنه سمل أعينهم، وليس هذا براجح، إنما الراجح أن هذه الآية وإن نزلت قبل هذه الحادثة إلا أنها صالحة للعمل إلى قيام الساعة، فهي من باب عموم اللفظ، والأصل الأصيل: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية محكمة وليست منسوخة، وعليها العمل، وقد عمل بها السلف، خاصة الصحابة، والخلفاء الراشدون، وكلهم يقولون: هذه الآية عامة. وفيما يتعلق بسبب نزولها أو ببقائها فهي غير منسوخة أي: محكمة إلى قيام الساعة. قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية، فقال مالك: هي على التخيير). يعني لو جيء بالمحارب إلى السلطان فهو مخير بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي من الأرض، لأن الآية ذكرت التخيير: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] فـ(أو) عند مالك وغيره أنها للتخيير، فيخير الإمام بين هذه الأمور، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم على الإمام قتل هذا المحارب.(وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار وأن قتلوا). وهذا رأي ضعيف جداً.(وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم). وهو الراجح وهو مذهب الجماهير وعلى رأسهم الإمام الشافعي: أن العقوبة على التقسيم لا على التخيير. (فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا). والمحارب هو شخص شرد عن الجماعة واتخذ له طريقاً غير مسلوكة، بعيداً عن البلد، وتسلح استعداداً لقتال وحرب كل من مر به وأخذ متاعه حتى وإن أدى ذلك إلى قتله وإزهاق روحه، فإذا تصرف قوم على هذا النحو واجتمعوا، وقاموا على الإمام، أي: يحاربون أهل البلد، ويحاربون الإمام، وجب على الإمام أن يقاتلهم وإن قتلهم جميعاً، وإن لم يكونوا قد ارتدوا؛ لأن المحارب ليس مرتداً، أما النفر من عرينة وعكل فهؤلاء قتلوا ردة؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام، لكن حديث عكل وعرينة موافق للآية فيما يتعلق بأحكام المحاربين.أما المحاربون المسلمون إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قصاصاً، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، فالقتل من القتل، والصلب لأخذ المال، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى مع الرجل اليسرى، والعكس بالعكس.قال: (فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا -أي: ينفوا من الأرض- وهو المراد بالنفي عند الشافعية).(قال: قال أصحابنا -أي الشافعية- لأن ضرر هذه الأفعال مختلف فكانت عقوباتها مختلفة). أي: لأن ضرر الحرابة مختلف؛ فالضرر منه القتل، ومنه أخذ المال وغير ذلك فتنوعت كذلك العقوبة لتنوع الضرر. فهذه حجة الشافعية.قال: (لما نوع الله تعالى العقوبة دل ذلك على تنوع الضرر، فناسب أن يكون لكل ضرر عقوبة).فقول الشافعية هو أرجح الأقوال وهو: إن قتلوا فقط قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ينفوا من الأرض. قال: (ولم تكن (أو) لتخيير، وتثبت أحكام الحرابة في الصحراء). وهذا بخلاف القرية أو المصر أو المدينة، ولذلك العلماء يقولون: شرط الحرابة أن تتم خارج المصر لا في داخل المصر.
مسألة: هل تثبت الحرابة في المصر؟
قال: (وهل تثبت في الأمصار؟)فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح أنها لا تثبت في المصر، إنما تثبت في الصحراء.قال أبو حنيفة : لا تثبت الحرابة في المصر إنما تثبت في الصحراء، وقال مالك والشافعي: تثبت كذلك في الأمصار. قال القاضي عياض رضي الله عنه ورحمه: اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين. قال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة، فهو منسوخ.وقيل: ليس منسوخاً. وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ما فعل قصاصاً؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه، فرواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام).من الناس من يأخذ حديثاً سمعه بطريق مستقيم فيجعله من حديث أناس آخرين. يعني: لو أن محمداً يروي عن عمرو وزيد بإسناد عمرو وبإسناد زيد فإنه يأخذ حديثه الذي سمعه من زيد فيجعله من طريق عمرو؛ لأنه يعرف أن طريق زيد ضعيف، فهو يسرق الحديث من طريق زيد ويقول: حدثني عمرو، وليس هذا الحديث من طريق عمرو وإنما هو من طريق زيد، فتحويل الحديث من طريق إلى طريق عمداً هو سرقة الحديث، وهو شر أنواع التدليس, وهو فوق التدليس بكثير. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
 خلاف العلماء في المراد بقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...)
قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة). فمنهم من قال: نزلت في قوم مشركين.ومنهم من قال: بل نزلت عتاباً للنبي عليه الصلاة والسلام أنه سمل أعينهم، وليس هذا براجح، إنما الراجح أن هذه الآية وإن نزلت قبل هذه الحادثة إلا أنها صالحة للعمل إلى قيام الساعة، فهي من باب عموم اللفظ، والأصل الأصيل: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية محكمة وليست منسوخة، وعليها العمل، وقد عمل بها السلف، خاصة الصحابة، والخلفاء الراشدون، وكلهم يقولون: هذه الآية عامة. وفيما يتعلق بسبب نزولها أو ببقائها فهي غير منسوخة أي: محكمة إلى قيام الساعة. قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية، فقال مالك: هي على التخيير). يعني لو جيء بالمحارب إلى السلطان فهو مخير بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي من الأرض، لأن الآية ذكرت التخيير: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] فـ(أو) عند مالك وغيره أنها للتخيير، فيخير الإمام بين هذه الأمور، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم على الإمام قتل هذا المحارب.(وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار وأن قتلوا). وهذا رأي ضعيف جداً.(وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم). وهو الراجح وهو مذهب الجماهير وعلى رأسهم الإمام الشافعي: أن العقوبة على التقسيم لا على التخيير. (فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا). والمحارب هو شخص شرد عن الجماعة واتخذ له طريقاً غير مسلوكة، بعيداً عن البلد، وتسلح استعداداً لقتال وحرب كل من مر به وأخذ متاعه حتى وإن أدى ذلك إلى قتله وإزهاق روحه، فإذا تصرف قوم على هذا النحو واجتمعوا، وقاموا على الإمام، أي: يحاربون أهل البلد، ويحاربون الإمام، وجب على الإمام أن يقاتلهم وإن قتلهم جميعاً، وإن لم يكونوا قد ارتدوا؛ لأن المحارب ليس مرتداً، أما النفر من عرينة وعكل فهؤلاء قتلوا ردة؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام، لكن حديث عكل وعرينة موافق للآية فيما يتعلق بأحكام المحاربين.أما المحاربون المسلمون إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قصاصاً، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، فالقتل من القتل، والصلب لأخذ المال، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى مع الرجل اليسرى، والعكس بالعكس.قال: (فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا -أي: ينفوا من الأرض- وهو المراد بالنفي عند الشافعية).(قال: قال أصحابنا -أي الشافعية- لأن ضرر هذه الأفعال مختلف فكانت عقوباتها مختلفة). أي: لأن ضرر الحرابة مختلف؛ فالضرر منه القتل، ومنه أخذ المال وغير ذلك فتنوعت كذلك العقوبة لتنوع الضرر. فهذه حجة الشافعية.قال: (لما نوع الله تعالى العقوبة دل ذلك على تنوع الضرر، فناسب أن يكون لكل ضرر عقوبة).فقول الشافعية هو أرجح الأقوال وهو: إن قتلوا فقط قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ينفوا من الأرض. قال: (ولم تكن (أو) لتخيير، وتثبت أحكام الحرابة في الصحراء). وهذا بخلاف القرية أو المصر أو المدينة، ولذلك العلماء يقولون: شرط الحرابة أن تتم خارج المصر لا في داخل المصر.
الأسئلة

 الرد على شبهة هدم الأصنام في أفغانستان
السؤال: هناك شبهة في أمر هدم الأصنام التي يفعلها إخواننا في أفغانستان وهي: (لماذا لم يهدم الصحابة عند دخول مصر أبا الهول؟) وجزاكم الله خيراً. الجواب: هم يقولون القطعة التي ذهبت من أنف أبي الهول إنما هي بسبب فعل الحملة الفرنسية لما دخلت مصر، أرادت أن تتخلص من الأصنام؛ لأن هذا شرك. هم يقولون في التاريخ المزور: إن الحملة الفرنسية لم تأت إلا لتكتشف حجر رشيد، وهذا تزوير في وجه التاريخ، والمعلومة التي يجب أن تعرفها تماماً: هي أن الفرنسيين نصارى، ربما يقدسون أبا الهول، ويعتبرونه إلهاً معبوداً. فهل يتصور أن يقوموا عليه ويجدعوا أنفه، أو يكسروه، أو يدفنوه؟إن الذي فعل ذلك هم أوائل المسلمين لما دخلوا مصر، تعرضوا لهدم الأهرامات كما تعرضوا لتكسير وتحطيم أبي الهول، لكن هذه المحاولات لم تتم. تصور أن هذه القطعة من الحجارة التي كسرت كانت بعد محاولات استمرت ثلاثة أشهر، فكيف بتحطيم أبي الهول كله؟ بل كيف بتحطيم الأهرامات كلها؟ فهذا أمر بلا شك يذهب الغالي والنفيس في دولة في طور تكوينها، فأيهما أولى: ترك ذلك وبناء الدولة؟ أما تخريب الدولة من الداخل بإنفاق اقتصادها وأموالها في تكسير حجر، ليس معبوداً في ذلك الوقت؟بلا شك أن المصالح والمفاسد تقول: بناء الدولة مقدم.الرد الثاني: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما نزل مصر، كان موطنه في الفسطاط -أي: مصر القديمة- ولم يكن هناك بلد تسمى الجيزة، وكانت من الفسطاط إلى الأهرامات صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، فـعمرو بن العاص رضي الله عنه اعتبر أن بعد الأهرامات وبعد أبي الهول وعدم اكتراث واهتمام الناس بزيارة هذه الأماكن أمر يشرع معه تأخير تكسير مثل هذه الأصنام، ولذلك هل ثبت أن صنماً من الأصنام كان في المدينة وتركه عمرو؟ هل كان هناك صنم في البنيان والعمران وتركه عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين؟ فهذا رد عن الشبهة في تكسير الأصنام في مصر.أما حكم ما يفعله إخواننا هناك في هذا المعبود المزيف، فهو أمر مشروع اتفاقاً، ومن نطح في ذلك فإنما ينطح فيه بهوى أو خوف، وإن كان توقيت ذلك عندي فيه نظر، لكن هذا النظر يدفعه أن هؤلاء ممكنون في أفغانستان فلم التأخير إذاً؟ وهذا الصنم إنما يعبد من دون الله عز وجل، ولذلك أرى من الحكمة أنهم هدموا هذا الصنم ولم يهدموا القباب والقبور مع أنها تعبد من دون الله هناك. وحجتهم في ذلك: أن القباب تحتاج إلى فترة لتعليم الناس؛ لأنهم درجوا على الصلاة في هذه المساجد التي بها قبور، أما (بوذا) فإنه يعبد من بعض أهل البلد، ومن القادم من الخارج خصيصاً؛ لأنه عندهم إله. أما المقبورون فإنهم لا يمثلوا هذه الدرجة عند من اتخذهم، أو توسل بهم، أو غير ذلك وإن كانت كل هذه مظاهر من مظاهر الشرك. تصور لو أنك في بيتك وقد اتخذ ولدك حجراً يعبده من دون الله عز وجل فإنك ممكَّن حينئذ من تكسير هذا الإله. ولو أنك تخلفت عن هذا ولم تفعل أثمت بذلك، لأنك ممكن، فهؤلاء رأوا أنهم ظاهرون ممكنون، وأنهم أصحاب نجدة. وقد اتخذ القوم إلهاً في بلدهم يعبد من دون الله عز وجل، فلما علموا ذلك من أنفسهم قاموا فاقتلعوا هذا الإله من جذوره، ودمروه تدميراً، فجزاهم الله تبارك وتعالى على ما صنعوا خيراً.أما الشبهة أن هذا أمر يعطي صورة سيئة عن الإسلام للعالم كله، فهذا كلام لا يقوله إلا الملاحدة أو الجهلة من المسلمين؛ لأن الشريعة لو طبقت في العالم كله إلا في بلاد أوروبا وأمريكا وكسر وهشم بوذا لكانت نفس الشبهة باقية وقائمة، تردد حتى على ألسنة بعض المتدينين في مصر بلد الإسلام، وبلد الأزهر. ونرد عليهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع إلى مكة فاتحاً كسر الأصنام؛ لأنه قادر ممكن، ولأن الدولة صارت دولة إسلامية، والبلد فتح فما الحجة في تأخير تكسير ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة تعبد من دون الله عز وجل؟ فقد كسرها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتلو قول الله عز وجل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81]. أي: ضعيف لا أوتاد له، ولا أساس له. فلماذا لم يقل المشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام بعد في ذلك الوقت: إن فعل محمد وأصحابه بهذه الأصنام يعطي صورة سيئة عن الإسلام، وعن الدين الجديد؟ فمرد هذه الشبهة إلى العلمانيين والملاحدة في هذا البلد، أو في غيره من البلدان.أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب ‏القسامة والمحاربين والقصاص والديات‏ - ‏حكم المحاربين والمرتدين‏ للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net