اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - ‏يمين الحالف على نية المستحلف للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - ‏يمين الحالف على نية المستحلف - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
من حفظ الشريعة لحقوق الناس أن جعلت يمين الحالف على نية المستحلف، وأنه لا يجوز التورية والمعاريض في الأيمان المتعلقة بالحقوق، وخاصة عند التخاصم أمام القاضي، أما في غير الحقوق فتجوز التورية والمعاريض حتى عند القاضي، خاصة إذا ألزمه بالحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالطلاق والعتاق، ولا يجوز الاستثناء في اليمين إلا باتصال الاستثناء باليمين، وكون الحالف قد نوى الاستثناء قبل الفراغ من اليمين؛ لأن الاستثناء المتصل باليمين يمنع انعقاده.
باب يمين الحالف على نية المستحلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.وهذا هو الباب الرابع من كتاب الأيمان.قال النووي رحمه الله تعالى: (باب يمين الحالف على نية المستحلف) يعني: اليمين ليس على نية الحالف، إنما على نية المستحلف، فإذا حلَّفك القاضي يميناً فلا يصح لك أن توَرِّي في هذا اليمين، أو تستخدم المعاريض؛ لأن القاضي لا يحلِّف أحداً إلا إذا كانت هذه الخصومة يترتب عليها إثبات حقوق للآخرين أو نفيها، فحينئذ هذه اليمين لا تصح فيها التورية؛ لأنها تمنع الآخرين حقهم، أو تثبت حقاً لإنسان ليس له حق، فلا يصح أن تتذرع بعد استحلاف القاضي لك أنك ما كنت تقصد ما حلفت عليه؛ لأن هذا بإجماع أهل العلم غير جائز.
 مذهب المالكية في معنى حديث: (اليمين على نية المستحلف)
قال النووي: (ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافاً وتفصيلاً، فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته، ويقبل قوله). يعني: إذا حلف من غير أن يستحلفه أحد فيوري، أو حلف بعد أن يحلفه أحد غير القاضي كذلك له أن يوري، لكن نتيجة هذا الحلف لا يتعلق بها حق للآخرين، فلو حلف مستخدماً التورية أو المعاريض؛ فإنه لا يأثم بذلك ويقبل قوله.ثم قال: (وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعاً، أو بقضاء عليه؛ فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعاً باليمين أو باستحلاف) يعني: لو ابتدأ هو اليمين، أو حلفه الآخرون؛ فإنه حينئذ يأثم، وتلزمه التوبة.ثم قال: (وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل: اليمين على نية المحلوف له). اختلف المتأخرون في إعادة الضمير في قوله: (له) هل هو المفعول له إذا أتى الشاهد فحلِّف، فلا شك أنه يحلف لمصلحة أحد المتنازعين، فهل المقصود في عود الضمير في قوله: (على نية المحلوف له) هل هو أحد الخصمين المتنازعين، أو المحلوف له، أي: القاضي؟ على خلاف، الراجح أنه القاضي، واليمين حينئذ على نية المستحلِف وهو القاضي.ثم قال: (وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلَفاً؛ فعلى نية المحلوف له، وإن كان متبرعاً باليمين؛ فعلى نية الحالِف، وهذا قول عبد الملك وسحنون، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم ، وقيل عكسه، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم ، وقيل: تنفعه نيته فيما لا يقضى به عليه، ويفترق التبرع وغيره فيما يقضى به عليه، وهذا مروي عن ابن القاسم أيضاً.وحكي عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث، وما كان على وجه العذر فلا بأس به) يعني: إذا كنت تحلف وتستخدم التورية على سبيل المكر والخديعة، فأنت تأثم بذلك، حتى وإن كنت المبتدئ باليمين. أما إذا استخدمت التورية وحلفت، وكان على وجه العذر، فأنت معذور في ذلك، ولا بأس عليك.ثم قال: (وقال ابن حبيب -من المالكية- عن مالك : ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له.قال القاضي : ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره، وإن ورَّى، والله أعلم).إذاً: اليمين على نية المستحلِف، خاصة إذا كان المستحلِف قاضياً، فإذا حلفك القاضي بالله فلا يحل لك أن توري في هذا اليمين، هذا أمر.الأمر الثاني: إذا كان هذا اليمين متعلقاً بحق الآخرين، فهذا أوكد في أن اليمين على نية المستحلِف، أما إذا حلفت على شيء مبتدئاً بالله تعالى، فلا يجوز لك كذلك أن توري، وهذا هو الراجح في مذهب المالكية دون الشافعية. ونقلنا الإجماع على أن المقصود بهذا القاضي. على أية حال يترجح لدي في نهاية الأمر مذهب مالك : أن اليمين على نية المستحلِف، خاصة إذا كان المستحلِِف هو القاضي؛ لتعلق حقوق الآخرين به، وهذا أوكد في حرمة التورية إذا حلفك القاضي بالله تعالى.أما إذا ابتدرت أنت اليمين، فالراجح من مذهب مالك لا يحل لك التورية؛ لأن الذي أمامك إنما يحملك على ظاهر قولك، ويسمع منك هذا، فإذا كان الذي أمامك يقبل منك ظاهر قولك، وتريد أن تستخدم التورية والمعاريض فلا بأس بذلك بغير يمين.هذا هو الذي يترجح لدي في الباب كله من أوله إلى آخره.
باب الاستثناء
قال: (باب الاستثناء).الاستثناء: هو ما جاء بعد (إلا) غالباً، أو ما كان معلقاً على المشيئة، حتى وإن سبقه يمين، كما لو قلت: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، فقولك: والله لأفعلن كذا، هذا يمين قد انعقد على الجزم بفعل هذا الشيء، فإن لم تفعله ستحنث في اليمين ويلزمك الكفارة، أما إذا قلت: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، أي: إلا أن يشاء الله ألا أفعله فلا أفعله، هذا هو التقدير، فإذا لم تستثن وحنثت لزمتك الكفارة.والاستثناء دائماً رافع للكفارة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حج أو اعتمر فأهل وشرط؛ فلا حنث عليه). وقال للمرأة: (أهلي واشترطي على ربك، وقولي: لبيك اللهم عمرة أو حجاً، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) يعني: تشترط من الميقات. بعض الناس يتصور أن الدخول في الإهلال والنسك بمجرد لبس الإزار والرداء، وليس الأمر كذلك، حتى لو لبستهما من بيتك فإن النسك لا ينعقد إلا في الميقات المكاني، وهو لأهل مصر الجحفة أو رابغ، ولأهل اليمن يلملم، وللعراق ذات عرق، وللمدينة ذو الحليفة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (هن لهن -أي: هذه المواقيت- ولمن مرَّ بهن من غير أهلهن، لمن أراد الحج أو العمرة).فهذه المواقيت هي بداية الدخول والتلبس بالنسك، لكن هب أنك قلت: لبيك اللهم عمرة! ثم بدأت تلبي حتى وصلت إلى المطار أو الميناء أو غير ذلك، فإذا هناك من الأعذار ما يسمح للقائمين على الأمر إلى ردك لبلدك، كأن تكون الفيزة مثلاً غير صحيحة، أو أوراقك غير رسمية.. أو غير ذلك من الأعذار، فأرجعوك إلى صالة المغادرة، وركبت الطائرة ورجعت إلى بلدك، فماذا عليك حينئذ؟الذي عليك أن تذبح شاة لفقراء الحرم؛ لأنك لم تشترط ولم تقل: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أما لو اشترطت فأرجعوك فلا شيء عليك ولا دم؛ لأنك قلت: يا رب! أنا تلبست بنسك، فإن حبسني حابس فمحلي، أي: فتحللي من ملابس الإحرام ومواصلة النسك حيث حبستني، أي: في نفس المكان الذي حبستني فيه، ولا حرج علي حينئذ، ولا دم علي حينئذ، فدائماً الاستثناء والاشتراط في اليمين يقطع الحنث، كما يقطع كذلك الكفارة.فلو قلت مثلاً: والله إني لا أزور فلاناً قط إلا أن يشاء الله، فهذا قد تحقق الشرط المستثنى، وهذا الاستثناء يمنع انعقاد اليمين.
 شرح حديث أبي هريرة في طواف سليمان بن داود على نسائه في ليلة واحدة
قال: [ حدثني أبو الربيع العتكي وأبو كامل الجحدري فضيل بن حسين واللفظ لـأبي الربيع ، قالا: حدثنا حماد بن زيد البصري ، حدثنا أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري عن محمد بن سيرين البصري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان لسليمان ستون امرأة..، -أي: سليمان بن داود عليهما السلام- فقال: لأطوفن عليهن الليلة) ]. الطواف كناية عن الجماع، كأنه قال: لأجامعن نسائي الليلة كلهن.ثم قال: [ (فتحمل كل واحدة منهن، فتلد كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله، فلم تحمل منهن إلا واحدة، فولدت نصف إنسان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان استثنى؛ لولدت كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله) ]. يعني: لو قال: إن شاء الله.قال: [ وحدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر واللفظ له، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير المكي عن طاوس بن كيسان اليماني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال سليمان بن داود نبي الله: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه أو الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونَسِي) ]. وفي رواية: (ونُسِّي).فقوله: (صاحبه أو الملك) يعني: ربما يكون أحد أصدقائه، وربما يكون القرين من الملائكة.ثم قال: [ (فلم تأت واحدة من نسائه، إلا واحدة جاءت بشق غلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً له في حاجته) ] أي: كان لحاقاً له في حياته.قال: [ وحدثنا ابن أبي عمر العدني محمد بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أو نحوه.وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني أخبرنا معمر بن راشد البصري اليمني عن عبد الله بن طاوس عن أبيه طاوس عن أبي هريرة قال: (قال سليمان بن داود: لأطيفن الليلة على سبعين امرأة) ]. (أطيفن) و(أطوفن) هما لغتان فصيحتان.قال: [(لأطيفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فأطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته) ]. أي: كان دركاً ولحاقاً لتحقق مراده، وهو أن يرزق من كل امرأة بولد، ولكنه لم يرزق من أي امرأة بإنسان؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله، ولم يستثن.قال: [وحدثني زهير بن حرب -أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا شبابة -وهو ابن سوار المدائني نسبة إلى المدائن ببلاد فارس- حدثني ورقاء -هو ابن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن- عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة..) ]. بعض الحمقى وإن شئت فقل: بعض الملاحدة يرد هذا؛ وحجته في ذلك أمران:الأمر الأول: اضطراب هذه الروايات، مرة ذكر تسعين، ومرة سبعين، ومرة ستين، وفي غير الصحيح أكثر من تسعين، كما جاء في رواية: (لأطوفن الليلة على نسائي التسع والتسعين)، وفي رواية: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة)، قال: هذا اضطراب.الأمر الثاني: كيف لرجل أن يطوف على هذا العدد، وهذا معلوم استحالته في حق أي بشر.والجواب: أن هذا العدد له مفهوم يسمى عند الأصوليين: مفهوم العدد، فهل مفهوم العدد حجة؟مذهب جماهير الأصوليين أن مفهوم العدد ليس بحجة، وإنما المراد منه الكثرة، وليس المراد اعتبار عين العدد، كما لو قلت لصاحبك: أنا اتصلت بك مائة مرة، أو أتيتك للزيارة مائة مرة ولم أجدك، وفي حقيقة الأمر أنت ما أردت تحديد العدد، أنك حقاً أتيت مائة مرة عداً، وإنما أردت أن تخبره أنك أتيته كثيراً.إذاً: مفهوم العدد عند جماهير العلماء ليس بحجة، وإنما المراد ذكر الكثرة؛ هذا أحد وجوه الرد.الرد الثاني: أن سياق الروايات ليس سياق حصر، قال: (لأطوفن الليلة على ستين امرأة)، وفي رواية: (سبعين امرأة)، وفي رواية: (تسعين امرأة)، وفي رواية: (تسعة وتسعين)، وفي رواية: (مائة) فهل ثبت أن سليمان بن داود كان متزوجاً بهذا العدد أو متسرياً به دون غيره؟الجواب: لا، وربما يكون عنده من النساء الحرائر والسراري أكثر من مائة، ولكنه قال: (لأطوفن الليلة على ستين منهن)، فلما طاف على الستين زاد إليهن عشراً، فلما زاد عشراً زاد عشرين، ثم زاد تسعاً ثم زاد واحدة فأتم المائة، وأنتم تعلمون أن التأويل بين ما ظاهره التعارض أمر واجب؛ لأن إعمال الأدلة كلها خير من إهمال أحدها، وهذه قاعدة أصولية مستقرة لا نزاع فيها.الرد الثالث: ربما تعددت الحوادث في ليال متعددة، فلما كان تحته ستون امرأة قال ذلك، فلما ضم إليهن عشراً قال ذلك، فلما ضم إليهن عشرين أخريات قال: (لأطوفن الليلة على تسعين)، فليس هناك إشكال.الرد الرابع على الملاحدة الذين ينكرون ما لا يركب في عقولهم بأدنى شبهة: أن الأنبياء ليسوا كغيرهم من بقية البشر، خاصة وأنه قد ثبت أن نبينا عليه الصلاة والسلام: (كان يطوف على نسائه التسع أو الإحدى عشرة في ليلة واحدة بغسل واحد)، وهذا في الصحيحين ثابت بلا نزاع، فالذي ينكر هذا ينكر الآية، والذي يؤمن بهذا لا بد وأن يؤمن بذلك؛ لأن الأنبياء ركبت فيهم من القوى البدنية والنفسية ما لم يركب في واحد من البشر، وكما نعلم حديثاً أن بعض الطيور والحيوانات والهوام يستطيع أن يأتي من جنسه فوق المئات في اليوم الواحد, كما نسمع في برامج العلم أن العصفور يأتي من ثلاثمائة إلى خمسمائة من إناث العصافير في اليوم الواحد، فإذا كان هذا في هذا الطائر الصغير الحقير، فكيف بنبي مرسل في قومه.كذلك شبهة أخرى: يقولون: كيف لهذا النبي أن يتزوج بستين امرأة أو سبعين أو تسعين أو مائة، ونبينا عليه الصلاة والسلام أعظم الأنبياء، ومع هذا لم يؤذن له في هذا العدد؟الجواب: أن كثرة النساء لدى نبي وقلتهن لدى نبي آخر لا علاقة لها بالأفضلية بين الأنبياء، فليس هذا من باب المفاضلة بين الأنبياء.الجواب الثاني: ربما كان ذلك مشروعاً في شريعة سليمان دون شريعة النبي عليه الصلاة والسلام.الجواب الثالث: لم يصح عندنا خبر بأنهن كلهن كن من الحرائر وكن زوجاته، فلربما يكن مملوكات اليمين لدى سليمان، وملك اليمين في شريعتنا أمر واسع مفتوح لعامة أفراد الأمة، وقد ثبت أن غير واحد تزوج بأكثر من أربع، لكن لا يحتفظ إلا بأربع في الوقت الواحد، أي: من الحرائر، وأما من الإماء فله الاحتفاظ بالكثرة الكاثرة، فهذا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي كانت تحته سبعون امرأة: أربع من الحرائر، والباقي إماء.و الحسن بن علي رضي الله عنه أحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة.فهذا رد على الملاحدة الذين يجحدون هذه الروايات رغم وجودها في الصحيحين.قال: [ حدثني زهير بن حرب حدثنا شبابة -وهو ابن سوار المدائني - حدثني ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كلها تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعاً، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، فجاءت بشق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون).وحدثنيه سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة -الإمام صاحب المغازي- عن أبي الزناد بهذا الإسناد مثله، غير أنه قال: (كلها تحمل غلاماً يجاهد في سبيل الله) ].
كلام النووي في أحاديث باب الاستثناء

 حكم استخدام كلمة (لو) و (لولا) فيما مضى وفيما يستقبل
قال: (أما قوله: (لو قال: إن شاء الله لجاهدوا) فيه جواز قول: لو، ولولا.قال القاضي : وهذا يستدل به على جواز قول: لو، ولولا، وقد جاء في القرآن كثيراً، وفي كلام الصحابة والسلف، بل ترجم البخاري على هذا الحديث: باب: ما يجوز من اللو).ظاهره التعارض مع قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا تقل: لو كان كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)، فيتوهم التعارض، توجد آيات وأحاديث فيها: (لو، ولولا)، وهذا حديث ينهانا أن نقول لشيء: لو كان كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فالجمع كما في قول الله تعالى: (في قول لوط صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] -فهنا استخدم لو- وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذه. قاله عليه الصلاة والسلام لامرأة بغي معلومة البغاء، وذاع خبرها وانتشر صيتها، وهذه المرأة هي عناق كانت في الجاهلية بغياً، وكان بيتها بيت دعارة، وبيت زنا، وكانت تقف على باب دارها وتدعو الناس إليها، حتى أسلم صاحبها، فلما دخل مكة مستخفياً رأته، فقالت: يا فلان! ألك حاجة في أن تبيت عندنا الليلة؟! قال: لا، وهذا الرجل قد استأذن النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوجها، فلم يأذن له، فقال: إني استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن أتزوجك فلم يأذن لي، قالت: أليس لك أن تبيت عندنا الليلة؟! قال: لا، قد منعني من ذلك إسلامي وإيماني، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه)، ولكنه أُمر في الشرع ألا يرجم إلا من أقرت بالزنا على نفسها، أو رآها أربعة شهود رأي عين، فلما لم يكن هذا وذاك قال: (لو كنت راجماً)، أي: لو أذن لي ربي أن أرجم امرأة بغير بينة لرجمت هذه، ولكن لما كانت البينة شرطاً لم يرجمها النبي عليه الصلاة والسلام.قال: (وقوله: (لو مد لي الشهر لواصلت يعني: استخدم كلمة (لو)، وذلك لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن وصال الصوم، فواصلوا، فواصل بهم، ولكن أدركهم عيد الفطر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو مد لي الشهر لواصلت)؛ أي: عقوبة لأصحابه الذين خالفوا أمره وواصلوا الصوم، رغم نهيه عن ذلك؛ ليرى كيف سيعمل الصحابة.ثم قال: (وقوله عليه الصلاة والسلام: (لولا حدثان قومكِ بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم) وقال عليه الصلاة والسلام: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار فاستخدم (لولا) في الحديثين مع أنه قد نهى عنها، وأمثال هذا كثير.ثم قال: (والذي يفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في الباب من القرآن والآثار: أنه يجوز استعمال (لو، ولولا) فيما يكون للاستقبال، أما جواز ذلك في أمر قد مضى على سبيل التحسر والتأثم وترك الإيمان بالقدر فهو غير جائز) يعني: لك أن تستخدم (لو) كما لو قلت: لو أصبح بي الصباح لزرتك، هذا كلام مباح، وهو في المستقبل، أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تقولن لشيء: لو كان كذا لكان كذا وكذا)؛ لأنه في شيء مضى، وقلته على سبيل التندم والتحسر، وترك الإيمان بالقدر، ولذلك قال: (ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)، يعني: في الأمور الماضية، أما في الأمور المستقبلة فلا بأس بكلمة (لو، ولولا).قال: (وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن يقين نفسه، أن سليمان لو قال: (إن شاء الله لجاهدوا) إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها هذا الحديث في الصحيحين؛ لأن الله عز وجل منَّ على بني إسرائيل بالمن والسلوى، المن هو اللحم، والسلوى هي الحلوى، فالله عز وجل وهب بني إسرائيل الطعام والحلوى، وأمرهم بالأكل منهما، فادخروهما، فكان أول لحم أنتن في بني إسرائيل. أما قوله: (لولا حواء لم تخن امرأة زوجها)، هو تأثير إبليس عليها بالغواية والإضلال، وإقناعها قبل إقناع آدم بالأكل من الشجرة، ثم سلطها إبليس بعد ذلك على آدم، حتى أكل من الشجرة، قال: (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها)، فخيانة حواء أن قبلت بغواية إبليس فأغوت زوجها.فها هو استخدم هنا كلمة: (لولا).ثم قال: (فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن (لو)، وقد قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]. وقال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]. وكذلك ما جاء من (لولا) كقوله تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68]. وقال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف:33]. وقال تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى أو يأتي عن علم خبراً قطعياً، وكل ما يكون من (لو، ولولا) مما يخبر به الإنسان عن علة امتناعه من فعله مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء آخر، وحصول شيء لامتناع شيء آخر، وتأتي لو غالباً لبيان السبب الموجب أو النافي، فلا كراهة في كل ما كان من هذا إلا أن يكون كاذباً في ذلك، كقول المنافقين: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167]. والله تعالى أعلم).وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 الحكم على حديث: (ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها)
السؤال: ما حكم حديث: (.. ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها)؟الجواب: حديث: (ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها) حديث صحيح.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - ‏يمين الحالف على نية المستحلف للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net