اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - تحريم الصيد على المحرم للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - تحريم الصيد على المحرم - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
لقد حرم الإسلام صيد البر على المسلم ما دام محرماً، كما حرم عليه الإعانة على قتل الصيد بأي شكل من الأشكال، ولا يحل له أكل صيد البر إلا إذا صاده غير المحرم لا يقصد به إهداء المحرم منه أو إطعامه، ومع ذلك فهناك ما يجوز للمحرم قتله في الحرم، وهو ما يعرف بالفواسق؛ كالعقرب والغراب والحدأة وما في معناها.
محظورات الإحرام وكفاراتها
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.نعرج سريعاً على ما ذكرناه إجمالاً في الدروس الماضية فيما يتعلق بالأشياء التي تحرم على المحرم، وإذا وقع فيها فما كفارتها؟
 حكم إتيان محظورات الإحرام
لو أن أحداً ما خالف وفعل هذه المحرمات فإنه إما أن يخالف متعمداً عالماً بالحكم، وإما أن يخالف سهواً أو خطأً أو جهلاً.فالوطء يبطل الحج والعمرة باتفاق أهل العلم من غير خلاف، فلو أن محرماً جامع امرأته بطل حجه وبطلت عمرته، ويلزمه الاستمرار في أداء النسك، وعليه الإعادة والقضاء في العام المقبل. ومن كان له عذر واحتاج إلى ارتكاب محظور من محظورات الإحرام غير الوطء كحلق الشعر ولبس المخيط اتقاء الحر أو البرد ونحو ذلك لزمه أن يذبح شاة؛ لأن كل هذه واجبات، وكل واجب يتخلف عنه الحاج يلزمه دم بخلاف أركان الحج، فكل واجب فرط فيه يلزمه الذبح، أو يطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، والصاع أربعة أمداد، والمد: هو ملء الكفين، أو يصوم ثلاثة أيام على النحو الذي سيأتي معنا، وهو مخير بين هذه الثلاث.
باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: فـ [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال: قد آذاك هوام رأسك -يعني: القمل الذي في رأسك هل آذاك يا كعب بن عجرة؟- قال: نعم. يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: احلق ثم اذبح شاة نسكاً)]، يعني: تعبداً لله عز وجل.فما دام في ذلك عذر فليس عليه فداء، ولكن وجب الفداء جبراً لهذا الواجب؛ لأنه يحرم حلق الشعر للمحرم، فأبيح للمعذور بشرط أن يقدم فداءً وهو ذبح شاة. قال: [(أو صم ثلاثة أيام -يعني: إذا لم يكن معك شاة صم ثلاثة أيام- أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين)]، وهذا حديث عند البخاري ومسلم . والهوام: ما يهيم في رأس المرء من حشرات كالقمل وغيره الذي يضره، ولفظ الحديث: اذبح أو.. أو.. أو وهذا يدل على التخيير.قال: [(اذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع)]، والآصع: جمع صاع، ثلاثة آصع يطعم بها ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع؛ كفارة لمن اضطر إلى حلق شعره إذا كان عنده العذر في ذلك، وهذا من رحمة الله عز وجل. قال: [وعن كعب بن عجرة كذلك قال: (أصابني هوام في رأسي وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى تخوفت على بصري -يعني: حتى خشي أن يذهب بصره- فأنزل الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196])].(ففدية من صيام) أي: ثلاثة أيام بينته السنة، (أو صدقة) ثلاثة آصع على ستة مساكين، (أو نسك) وهو ذبح شاة.قال: [(فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زبيب -الفرق: هو المكيال المعين يحمل ثلاثة آصع- أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت)].ولم يتخير كعب بن عجرة الثلاثة آصع أو الصيام مع أن هذا كان في مقدوره؛ لأن الذي يذبح شاة من باب أولى يملك ثلاثة آصع، لكنه لم يفعل هذا ولا ذاك وإنما فعل الأولى، وهذا شيء عجيب، فالشرع يحتاج إلى قلوب نقية وصادقة مع الله عز وجل حين تتعامل معه، فهذا الرجل لما علم أن خير هذه الكفارات الثلاث هو الذبح ذبح، ولم يتعامل مع ربه بالحد الأدنى وإنما تعامل بالحد الأقصى، وقاس الشافعي غير المعذور على المعذور إذا كان هناك عذر، وأوجب أبو حنيفة الدم على غير المعذور إن قدر عليه لا غير، هذا فيما يتعلق بحلق الرأس. وعن عطاء قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعداً فعليه دم. أي: إذا نتف المحرم من لحيته أو من بدنه أو من إبطه أو من شعره ثلاث شعرات فصاعداً فعليه دم. يعني: يذبح شاة، وروى الشافعي عنه أنه قال: في الشعرة الواحدة مد، وفي الشعرتين مدان، وفي الثلاث فصاعداً دم. إذاً: ينبغي لك وأنت تمشي في منى وعرفات ومزدلفة ألا تلعب في لحيتك وفي شعرك، أو تنتف شعر إبطك، فإنك في هذه الحالة ستنزل من عرفة بدم، وتنزل من مزدلفة بدم، وتنزل من منى بدم. إذاً: في الشعرة الواحدة مد من طعام ملء الكفين، وفي الشعرتين مدان.
 حكم إتيان محظورات الإحرام
لو أن أحداً ما خالف وفعل هذه المحرمات فإنه إما أن يخالف متعمداً عالماً بالحكم، وإما أن يخالف سهواً أو خطأً أو جهلاً.فالوطء يبطل الحج والعمرة باتفاق أهل العلم من غير خلاف، فلو أن محرماً جامع امرأته بطل حجه وبطلت عمرته، ويلزمه الاستمرار في أداء النسك، وعليه الإعادة والقضاء في العام المقبل. ومن كان له عذر واحتاج إلى ارتكاب محظور من محظورات الإحرام غير الوطء كحلق الشعر ولبس المخيط اتقاء الحر أو البرد ونحو ذلك لزمه أن يذبح شاة؛ لأن كل هذه واجبات، وكل واجب يتخلف عنه الحاج يلزمه دم بخلاف أركان الحج، فكل واجب فرط فيه يلزمه الذبح، أو يطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، والصاع أربعة أمداد، والمد: هو ملء الكفين، أو يصوم ثلاثة أيام على النحو الذي سيأتي معنا، وهو مخير بين هذه الثلاث.
حكم من تطيب ناسياً أو لبس المخيط
أما إذا لبس المحرم أو تطيب جاهلاً بالتحريم أو ناسياً أنه محرم لم تلزمه الفدية؛ لأن الناسي لا فدية عليه. قال: فـ[عن يعلى بن أمية قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجعرانة -والجعرانة حل، وهي قبل مكة بحوالي اثني عشر كيلو- وعليه جبة، وهو مصفر لحيته ورأسه -يعني: رآه يلبس الجبة وهو مخالف، ومصفر لحيته ورأسه وهو كذلك مخالف- فقال: (يا رسول الله! أحرمت بعمرة وأنا كما ترى) -يعني: أنا لم أدرك أنه حرام أو لم أتذكر أنه حرام إلا بعد أن فعلت ووقعت في المحظور- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة)] حتى لو فعل ناسياً أو جاهلاً فإنه يجب عليه الجزاء؛ لأنه ضمان مال وضمان المال مضمون.
 حكم إتيان محظورات الإحرام
لو أن أحداً ما خالف وفعل هذه المحرمات فإنه إما أن يخالف متعمداً عالماً بالحكم، وإما أن يخالف سهواً أو خطأً أو جهلاً.فالوطء يبطل الحج والعمرة باتفاق أهل العلم من غير خلاف، فلو أن محرماً جامع امرأته بطل حجه وبطلت عمرته، ويلزمه الاستمرار في أداء النسك، وعليه الإعادة والقضاء في العام المقبل. ومن كان له عذر واحتاج إلى ارتكاب محظور من محظورات الإحرام غير الوطء كحلق الشعر ولبس المخيط اتقاء الحر أو البرد ونحو ذلك لزمه أن يذبح شاة؛ لأن كل هذه واجبات، وكل واجب يتخلف عنه الحاج يلزمه دم بخلاف أركان الحج، فكل واجب فرط فيه يلزمه الذبح، أو يطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، والصاع أربعة أمداد، والمد: هو ملء الكفين، أو يصوم ثلاثة أيام على النحو الذي سيأتي معنا، وهو مخير بين هذه الثلاث.
باب تحريم الصيد على المحرم
اعلم أن جزاء الصيد الذبح، كما قال الله تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] هذه الكفارات وهذه الفداءات كلها تذبح لفقراء الحرم وفي أي وقت بخلاف الهدي، فالهدي سواء كنت متمتعاً أو قارناً يكون في يوم النحر وفي أيام التشريق الثلاثة، لكن الكفارات في أي وقت، حتى من عجز عن أداء الكفارة فله أن يوكل في ذبحها في أي وقت شاء، ولو كان ذلك في أقصى بلاد العالم، يرسل بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو سنة أو سنتين من يذبح له في الحرم.
 شرح حديث أبي قتادة في صيده لحمار الوحش وأكل المحرمين منه
قال: [من حديث أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة -القاحة: هي اسم قرية بين مكة والمدينة- قال: فمنا المحرم ومنا غير المحرم)]، وربما وجه أحدكم سؤالاً وقال: نحن عرفنا من قبل أنه لا يجوز لمن أراد النسك أن يمر على الميقات إلا وهو محرم؟ الجواب: هذا أبو قتادة لم يكن مريداً للنسك؛ ولذلك جاز له أن يعبر الميقات بغير إحرام، وقيل: إن المواقيت لم تكن وقتت بعد. وهذا بعيد، وقيل: لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل، وهذا التأويل هو أقوى التأويلات. إذاً أبو قتادة الأنصاري لما عبر الميقات بغير إحرام كان يقصد استكشافاً للعدو وقتالاً له، وأنتم تعلمون من الدروس الماضية أنه يجوز لمن دخل مكة مقاتلاً أو محارباً أو مجاهداً أن يدخلها بغير إحرام. ومن خرج من بيته ينوي النسك لا يمر على ميقاته إلا محرماً، ويؤدي النسك أولاً ثم ينصرف إلى المدينة، فإذا خالف ذلك فقد خالف الأولى، فإن دخل المدينة بغير إحرام، كان ميقاته حينئذ ميقات أهل المدينة، فعندما يرجع إلى مكة يحرم من ذي الحليفة، لكنه هنا قد خالف الأولى، وفوت على نفسه ثواباً عظيماً جداً، وهو إحرامه من الميقات الأول الذي مر به. قال أبو قتادة [: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم)، إذاً: هذه الرفقة كان فيها محرمون وغير محرمين. قال: (إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً -يعني: ينظرون إليه بأعينهم- فنظرت فإذا حمار وحش -أي: نظرت في الموضع الذي يتراءون فيه فبصرت عيناي حمار وحش- فأسرجت فرسي وأخذت رمحي -يعني: وضعت عليه السرج- ثم ركبت فسقط مني سوطي، فقلت لأصحابي -وكانوا محرمين- ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء)]؛ لأنهم محرمون، فغير المحرم يجوز له أن يناوله السوط، أما أن المحرم فلا يجوز له قتل الصيد ولا ذبحه ولا الإشارة إليه ولا الإعانة على قتله، أما أكل الصيد ففيه نزاع وسيأتي معنا. قال: [(فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة -يعني: أدركت الحمار وهو وراء تبة- فطعنته برمحي فعقرته -يعني: قتلته- فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوه، وقال بعضهم: لا تأكلوه -أي: المحرمون- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته، فقال: هو حلال فكلوه). يعني: وجه أمره للمحرمين أن هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة ولم يكن محرماً حلال لهم ولا بأس بأكله مع أنهم محرمون، قد يقول قائل: الصعب لما أهدى بعض حمار وحشي للنبي عليه الصلاة والسلام رده عليه وقال له: (إنا لم نقبله لأنا حرم) وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المحرمين أن يأكلوا من هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة. وعن أبي قتادة [: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم، فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله)] يعني: هذا طعام ساقه الله إليكم، وهذا يعني: إقراره عليه الصلاة والسلام لما فعلوه. وفي حديث زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل معكم من لحمه شيء؟). قال: [وعن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم يحرم أبو قتادة. قال أبو قتادة: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض)]، كلف النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة أن يأتي بأخبارهم، فلم يكن محرماً لأجل هذا؛ لأن المجاهد في الغالب لا يتفرغ لأداء النسك؛ ولذلك كان فيهم أقوام قد استعدوا للقاء العدو، وأقوام قد استعدوا لأداء النسك، وكان أبو قتادة ممن لم يحرم. قال: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش فحملت عليه فطعنته فأثبته -يعني: سقط ميتاً- فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني -يعني: قال: احملوا معي الحمار.. اذبحوه.. أو اسلخوه فلم يفعلوا- فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع)].هذا الفوج الذي ذهب من المدينة إلى مكة كان فوجاً كبيراً جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة هذا الفوج، وأبو قتادة كان في آخر الفوج، فلما طعن هذا الحمار الوحشي وجاء به وذبحه وسلخه وشواه أو طهاه أكل منه بعض مؤخرة الركب المحرم وغير المحرم. قال أبو قتادة : (ولم يأكل بعضهم وخشينا أن نقتطع) يعني: خفنا أن نتأخر عن الركب. قال: [(فانطلقت أطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع فرسي شأواً وأسير شأواً -يعني: أحمله على المشي السريع تارة، وعلى المشي البطيء تارة أخرى- فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل فقلت: أين لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تركته بَتعْهن -وهو اسم مكان- وهو قائل السقيا)]، يعني: تركته في مكان يسمى تعهن، ولكن يريد غداً أن يقيل في مكان آخر يسمى السقيا، وقد كان العرب يضعون رحالهم في الليل، حتى لا تمشي الإبل والفرس في ليل دامس وأرض قفر أو غير مستوية ولا ممهدة ثم ينطلقون من أول النهار، أي: بعد صلاة الفجر. قال: تركته بتعهن، ولكنه يريد بعد الفجر أن يسير حتى يدرك القيلولة في مكان آخر بعده بفراسخ يسمى السقيا. قال أبو قتادة : [(فلحقته فقلت: يا رسول الله! إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله)] أصحابك الذين في آخر الركب يقرءون عليك السلام ورحمة الله. وهذا فيه استحباب إقراء السلام للغائب، كما أن فيه وجوب الرد الفوري للسلام حتى وإن كان ذلك في رسالة؛ ولذلك أهل العلم يقولون: يستحب لمن أرسلت إليه رسالة إذا قرأها وذكر فيها المرسل النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي عليه، وذكر فيها الله أن يسبحه، وإذا سلم عليه أن يرد عليه السلام حال قراءته للرسالة.وكل مسلم واجب عليك أن تسلم عليه وجوباً كفائياً.قال: [(إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك. انتظرهم يا رسول الله! فانتظرهم فقلت: يا رسول الله! إني أصبت ومعي منه فضلة)]، يعني: اصطدت حماراً وحشياً وبقي معي قطعة، وقد وردت ثلاث روايات: أصبت أو صدت أو اصطدت.قال: [(ومعي منه فضلة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للقوم: كلوا وهم محرمون)]. وقال عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: [(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً وخرجنا معه -لم يقل: ونحن معه حجاج- فصرف من أصحابه فيهم أبو قتادة ، فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني. قال: فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش -يعني: قطيع- فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً -والأتان: اسم لأنثى الحمار- فنزلوا فأكلوا من لحمها فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون. قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة ، فعقر منها أتاناً فنزلنا وأكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فقال: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قال: قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها)]، إذاً يحرم على المحرم صيد البر بنفسه أو بالإشارة أو بالمعاونة أو بالمساعدة أو بأي وسيلة يتمكن بها غير المحرم من قتل الصيد. وفي رواية (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) وفي رواية: (أشرتم أو أعنتم أو أصبتم) يعني: أنتم الذي اصطدتم بأنفسكم أو أعنتم أبا قتادة أو أشرتم إليه؟ قالوا: لا، يا رسول الله! وقال شعبة : لا أدري قال: أعنتم أو أصبتم، وفي رواية: (أن أبا قتادة رضي الله عنه غزا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام غزوة الحديبية. قال: فأهلوا بعمرة غيري -يعني: أبو قتادة لم يحرم- فاصطدت حمار وحش فأطعمت أصحابي وهم محرمون، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنبأته أن عندنا من لحم فاضلة، فقال: كلوه. وهم محرمون). وفي رواية: (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محرمون وأبو قتادة محل -يعني: حلال ليس محرماً- فقال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها). فكل الروايات: فكلوه.. فكلوه.. فكلوه، لكن في هذه الرواية: قال لهم: (هل بقي معكم شيء؟ قالوا: نعم. رجله، فقال: فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فأكلها).وفي حديث الصعب : (أهدى إليه حمار وحش فرده وقال: إنا لم نرده إلا لأنا محرمون). ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هنا أكل بنفسه وأقر أصحابه على الأكل، وفي رواية: (كان أبو قتادة في نفر محرمين وأبو قتادة محل -وفي الحديث-: هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فكلوا). وكان معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي يروي عن أبيه قال: (كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير -طير بري- وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وفق من أكله -يعني: دعا له بالتوفيق والسداد وقال: هنيئاً مريئاً- وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
الأحكام الفقهية لأحاديث باب تحريم الصيد على المحرم
هذه الروايات التي سمعناها في مسلم على اختلاف ألفاظها، والبخاري ترجم باب: إذا أهدي للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل، ثم رواه بإسناده وقال في روايته: حماراً وحشياً، وحكي هذا التأويل عن مالك وغيره، وهو تأويل باطل. وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه كان لحماً مذبوحاً لا يلزم أن يكون حياً، وأنه إنما أهدي بعض لحم صيد لا كله، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم.قال الشافعي وآخرون: يحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف. يعني: تصور لو كان أبو قتادة اصطاد هذا الأتان ثم بعد أن اصطاده مات فوراً، فهل يرثه عبد الله بن أبي قتادة؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم، أما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام عليه، فالصيد ليس متعلقاً بنية الصائد كذلك، فقال: أما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام، سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، فإن صاده حلال -أي: غير محرم- لنفسه ولم يقصد أن يهديه للمحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه؛ لأنه من الأصل لم يصد ولم يعن ولم يشر ولم يساعد، والذي اصطاده حلال ليس محرماً، وهذا الحلال ما أصابه لأجل المحرم إنما أصابه لأجل نفسه هو، فإذا أصابه بهذه النية وأنه ما قصد بهذا الصيد إطعام المحرمين جاز للمحرم حينئذ. قال أبو حنيفة : لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منهم، كأن أبا حنيفة أراد أن يقول: حتى لو نوى الصائد بصيده المحرم ما دام المحرم لم يصدر منه شيء يدل على الصيد بالإشارة أو الإعانة أو غير ذلك فإنه لا حرج عليه حتى لو كانت نية الصائد إطعام المحرم، لكن بر الأمان في مذهب الجمهور. وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً سواء صاده أو صاده غيره له أو لم يقصده فيحرم مطلقاً، وهذا مذهب بعيد جداً، والأحاديث التي معنا في الباب ترد عليه، وعند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) فالحديث صريح، يعني: صيد البر حلال لكم يا محرمين! بشرطين: الأول: ألا تصطادوه أنتم بأنفسكم، الثاني: ألا يصطاده حلال يقصد بهذا الصيد إطعام المحرم. وحديث أبي قتادة لما اصطاد هذا الأتان وأطعمهم وأطعم النبي عليه الصلاة والسلام محمول على أنه ما صاده بنية إطعام المحرمين وإنما اصطاده لنفسه، وحديث الصعب : أنه قصد إطعام النبي عليه الصلاة والسلام وإطعام المحرمين فلما بلغ ذلك النبي عليه السلام من نية الصعب رده وقال: لا، نحن حرم. يحرم علينا أن نصطاد أو نعين أو أن نشير أو أن نساعد، ويحرم علينا كذلك أن نأكل من لحم الصيد الذي صيد لنا خاصة، إذاً: لابد من هذا التأويل حتى تستقيم الروايات.
 شرح حديث أبي قتادة في صيده لحمار الوحش وأكل المحرمين منه
قال: [من حديث أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة -القاحة: هي اسم قرية بين مكة والمدينة- قال: فمنا المحرم ومنا غير المحرم)]، وربما وجه أحدكم سؤالاً وقال: نحن عرفنا من قبل أنه لا يجوز لمن أراد النسك أن يمر على الميقات إلا وهو محرم؟ الجواب: هذا أبو قتادة لم يكن مريداً للنسك؛ ولذلك جاز له أن يعبر الميقات بغير إحرام، وقيل: إن المواقيت لم تكن وقتت بعد. وهذا بعيد، وقيل: لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل، وهذا التأويل هو أقوى التأويلات. إذاً أبو قتادة الأنصاري لما عبر الميقات بغير إحرام كان يقصد استكشافاً للعدو وقتالاً له، وأنتم تعلمون من الدروس الماضية أنه يجوز لمن دخل مكة مقاتلاً أو محارباً أو مجاهداً أن يدخلها بغير إحرام. ومن خرج من بيته ينوي النسك لا يمر على ميقاته إلا محرماً، ويؤدي النسك أولاً ثم ينصرف إلى المدينة، فإذا خالف ذلك فقد خالف الأولى، فإن دخل المدينة بغير إحرام، كان ميقاته حينئذ ميقات أهل المدينة، فعندما يرجع إلى مكة يحرم من ذي الحليفة، لكنه هنا قد خالف الأولى، وفوت على نفسه ثواباً عظيماً جداً، وهو إحرامه من الميقات الأول الذي مر به. قال أبو قتادة [: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم)، إذاً: هذه الرفقة كان فيها محرمون وغير محرمين. قال: (إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً -يعني: ينظرون إليه بأعينهم- فنظرت فإذا حمار وحش -أي: نظرت في الموضع الذي يتراءون فيه فبصرت عيناي حمار وحش- فأسرجت فرسي وأخذت رمحي -يعني: وضعت عليه السرج- ثم ركبت فسقط مني سوطي، فقلت لأصحابي -وكانوا محرمين- ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء)]؛ لأنهم محرمون، فغير المحرم يجوز له أن يناوله السوط، أما أن المحرم فلا يجوز له قتل الصيد ولا ذبحه ولا الإشارة إليه ولا الإعانة على قتله، أما أكل الصيد ففيه نزاع وسيأتي معنا. قال: [(فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة -يعني: أدركت الحمار وهو وراء تبة- فطعنته برمحي فعقرته -يعني: قتلته- فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوه، وقال بعضهم: لا تأكلوه -أي: المحرمون- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته، فقال: هو حلال فكلوه). يعني: وجه أمره للمحرمين أن هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة ولم يكن محرماً حلال لهم ولا بأس بأكله مع أنهم محرمون، قد يقول قائل: الصعب لما أهدى بعض حمار وحشي للنبي عليه الصلاة والسلام رده عليه وقال له: (إنا لم نقبله لأنا حرم) وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المحرمين أن يأكلوا من هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة. وعن أبي قتادة [: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم، فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله)] يعني: هذا طعام ساقه الله إليكم، وهذا يعني: إقراره عليه الصلاة والسلام لما فعلوه. وفي حديث زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل معكم من لحمه شيء؟). قال: [وعن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم يحرم أبو قتادة. قال أبو قتادة: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض)]، كلف النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة أن يأتي بأخبارهم، فلم يكن محرماً لأجل هذا؛ لأن المجاهد في الغالب لا يتفرغ لأداء النسك؛ ولذلك كان فيهم أقوام قد استعدوا للقاء العدو، وأقوام قد استعدوا لأداء النسك، وكان أبو قتادة ممن لم يحرم. قال: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش فحملت عليه فطعنته فأثبته -يعني: سقط ميتاً- فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني -يعني: قال: احملوا معي الحمار.. اذبحوه.. أو اسلخوه فلم يفعلوا- فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع)].هذا الفوج الذي ذهب من المدينة إلى مكة كان فوجاً كبيراً جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة هذا الفوج، وأبو قتادة كان في آخر الفوج، فلما طعن هذا الحمار الوحشي وجاء به وذبحه وسلخه وشواه أو طهاه أكل منه بعض مؤخرة الركب المحرم وغير المحرم. قال أبو قتادة : (ولم يأكل بعضهم وخشينا أن نقتطع) يعني: خفنا أن نتأخر عن الركب. قال: [(فانطلقت أطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع فرسي شأواً وأسير شأواً -يعني: أحمله على المشي السريع تارة، وعلى المشي البطيء تارة أخرى- فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل فقلت: أين لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تركته بَتعْهن -وهو اسم مكان- وهو قائل السقيا)]، يعني: تركته في مكان يسمى تعهن، ولكن يريد غداً أن يقيل في مكان آخر يسمى السقيا، وقد كان العرب يضعون رحالهم في الليل، حتى لا تمشي الإبل والفرس في ليل دامس وأرض قفر أو غير مستوية ولا ممهدة ثم ينطلقون من أول النهار، أي: بعد صلاة الفجر. قال: تركته بتعهن، ولكنه يريد بعد الفجر أن يسير حتى يدرك القيلولة في مكان آخر بعده بفراسخ يسمى السقيا. قال أبو قتادة : [(فلحقته فقلت: يا رسول الله! إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله)] أصحابك الذين في آخر الركب يقرءون عليك السلام ورحمة الله. وهذا فيه استحباب إقراء السلام للغائب، كما أن فيه وجوب الرد الفوري للسلام حتى وإن كان ذلك في رسالة؛ ولذلك أهل العلم يقولون: يستحب لمن أرسلت إليه رسالة إذا قرأها وذكر فيها المرسل النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي عليه، وذكر فيها الله أن يسبحه، وإذا سلم عليه أن يرد عليه السلام حال قراءته للرسالة.وكل مسلم واجب عليك أن تسلم عليه وجوباً كفائياً.قال: [(إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك. انتظرهم يا رسول الله! فانتظرهم فقلت: يا رسول الله! إني أصبت ومعي منه فضلة)]، يعني: اصطدت حماراً وحشياً وبقي معي قطعة، وقد وردت ثلاث روايات: أصبت أو صدت أو اصطدت.قال: [(ومعي منه فضلة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للقوم: كلوا وهم محرمون)]. وقال عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: [(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً وخرجنا معه -لم يقل: ونحن معه حجاج- فصرف من أصحابه فيهم أبو قتادة ، فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني. قال: فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش -يعني: قطيع- فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً -والأتان: اسم لأنثى الحمار- فنزلوا فأكلوا من لحمها فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون. قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة ، فعقر منها أتاناً فنزلنا وأكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فقال: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قال: قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها)]، إذاً يحرم على المحرم صيد البر بنفسه أو بالإشارة أو بالمعاونة أو بالمساعدة أو بأي وسيلة يتمكن بها غير المحرم من قتل الصيد. وفي رواية (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) وفي رواية: (أشرتم أو أعنتم أو أصبتم) يعني: أنتم الذي اصطدتم بأنفسكم أو أعنتم أبا قتادة أو أشرتم إليه؟ قالوا: لا، يا رسول الله! وقال شعبة : لا أدري قال: أعنتم أو أصبتم، وفي رواية: (أن أبا قتادة رضي الله عنه غزا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام غزوة الحديبية. قال: فأهلوا بعمرة غيري -يعني: أبو قتادة لم يحرم- فاصطدت حمار وحش فأطعمت أصحابي وهم محرمون، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنبأته أن عندنا من لحم فاضلة، فقال: كلوه. وهم محرمون). وفي رواية: (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محرمون وأبو قتادة محل -يعني: حلال ليس محرماً- فقال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها). فكل الروايات: فكلوه.. فكلوه.. فكلوه، لكن في هذه الرواية: قال لهم: (هل بقي معكم شيء؟ قالوا: نعم. رجله، فقال: فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فأكلها).وفي حديث الصعب : (أهدى إليه حمار وحش فرده وقال: إنا لم نرده إلا لأنا محرمون). ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هنا أكل بنفسه وأقر أصحابه على الأكل، وفي رواية: (كان أبو قتادة في نفر محرمين وأبو قتادة محل -وفي الحديث-: هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فكلوا). وكان معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي يروي عن أبيه قال: (كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير -طير بري- وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وفق من أكله -يعني: دعا له بالتوفيق والسداد وقال: هنيئاً مريئاً- وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم
قال: [باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم].يعني: في حال حله وفي حال إحرامه، و(يندب) يعني: يستحب ولا يجب.قال: [قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أربع كلهن فاسق، يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور، فقلت للقاسم: أفرأيت الحية؟ قال: تقتل بصغر لها)] يعني: بذل وإهانة، ولا حرج عليك إذا قتلتها فيكون معنا خمسة: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور والحية. وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خمس فواسق) وفي الرواية الأولى قالت: (أربع كلهن فاسق).قالت: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية) ذكرت الحية موقوفة من قول القاسم، ومرفوعة من قوله عليه الصلاة والسلام. قالت: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع) إذاً: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور أربعة، والحية الخامسة. قالت: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا) فالحديا السادسة.وفي رواية: (خمس فواسق يقتلن في الحرم: العقرب والفأرة والحديا والغراب والكلب العقور) فصار لدينا سبع فواسق. وفي رواية: قالت: (خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحديا والكلب العقور) وفي رواية: (خمس من الداوب كلها فواسق تقتل في الحرم: الغراب والحدأة والكلب العقور والعقرب والفأرة)، وفي رواية: عن عبد الله بن عمر قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خمس لا جناح على من قتلهن في الحَرم والإحرام -وهذه الزيادة يعني: في داخل الحرم وهو محرم- الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور)، وفي رواية: قال (في الحُرم والإحرام) يعني: في الأشهر الحرم وفي حال إحرامه، وفي رواية حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس من الدواب كلها فاسق، لا حرج على من قتلهن: العقرب والغراب والحدأة والفأرة والكلب العقور). وفي رواية: (أن رجلاً سأل ابن عمر : ما يقتل المحرم من الدواب؟ فقال: أخبرتني إحدى نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن تقتل الفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور والغراب). وفي رواية: (أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحديَّا والغراب والحية -قال:- وفي الصلاة أيضاً)، يعني: تصور أنك ترى حية وأنت تصلي أو غراباً وأنت تصلي أو عقرباً وأنت تصلي أو فأرة وأنت تصلي، هل يجوز لك قتلها وأنت تصلي؟ الجواب: يجوز لك، وتستمر في الصلاة وتبني على ما مضى، وجمهور أهل العلم قالوا: بشرط ألا يلتفت عن القبلة.وذهب غيرهم إلى أنه يباح للمصلي أن ينطلق خلف هذه الفواسق حيث ذهبت حتى يقتلها.وقتلها مندوب أو مستحب، سواء كان في حال الصلاة أو في حال الإحرام أو في داخل الحرم. وعن ابن عمر : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور). وعن ابن جريج قال: قلت لـنافع : ماذا سمعت ابن عمر يحل للحرام قتله من الدواب؟ فقال لي نافع: قال عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن في قتلهن: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور).
 شرح حديث أبي قتادة في صيده لحمار الوحش وأكل المحرمين منه
قال: [من حديث أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة -القاحة: هي اسم قرية بين مكة والمدينة- قال: فمنا المحرم ومنا غير المحرم)]، وربما وجه أحدكم سؤالاً وقال: نحن عرفنا من قبل أنه لا يجوز لمن أراد النسك أن يمر على الميقات إلا وهو محرم؟ الجواب: هذا أبو قتادة لم يكن مريداً للنسك؛ ولذلك جاز له أن يعبر الميقات بغير إحرام، وقيل: إن المواقيت لم تكن وقتت بعد. وهذا بعيد، وقيل: لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل، وهذا التأويل هو أقوى التأويلات. إذاً أبو قتادة الأنصاري لما عبر الميقات بغير إحرام كان يقصد استكشافاً للعدو وقتالاً له، وأنتم تعلمون من الدروس الماضية أنه يجوز لمن دخل مكة مقاتلاً أو محارباً أو مجاهداً أن يدخلها بغير إحرام. ومن خرج من بيته ينوي النسك لا يمر على ميقاته إلا محرماً، ويؤدي النسك أولاً ثم ينصرف إلى المدينة، فإذا خالف ذلك فقد خالف الأولى، فإن دخل المدينة بغير إحرام، كان ميقاته حينئذ ميقات أهل المدينة، فعندما يرجع إلى مكة يحرم من ذي الحليفة، لكنه هنا قد خالف الأولى، وفوت على نفسه ثواباً عظيماً جداً، وهو إحرامه من الميقات الأول الذي مر به. قال أبو قتادة [: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم)، إذاً: هذه الرفقة كان فيها محرمون وغير محرمين. قال: (إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً -يعني: ينظرون إليه بأعينهم- فنظرت فإذا حمار وحش -أي: نظرت في الموضع الذي يتراءون فيه فبصرت عيناي حمار وحش- فأسرجت فرسي وأخذت رمحي -يعني: وضعت عليه السرج- ثم ركبت فسقط مني سوطي، فقلت لأصحابي -وكانوا محرمين- ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء)]؛ لأنهم محرمون، فغير المحرم يجوز له أن يناوله السوط، أما أن المحرم فلا يجوز له قتل الصيد ولا ذبحه ولا الإشارة إليه ولا الإعانة على قتله، أما أكل الصيد ففيه نزاع وسيأتي معنا. قال: [(فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط، فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة -يعني: أدركت الحمار وهو وراء تبة- فطعنته برمحي فعقرته -يعني: قتلته- فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوه، وقال بعضهم: لا تأكلوه -أي: المحرمون- وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته، فقال: هو حلال فكلوه). يعني: وجه أمره للمحرمين أن هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة ولم يكن محرماً حلال لهم ولا بأس بأكله مع أنهم محرمون، قد يقول قائل: الصعب لما أهدى بعض حمار وحشي للنبي عليه الصلاة والسلام رده عليه وقال له: (إنا لم نقبله لأنا حرم) وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المحرمين أن يأكلوا من هذا الحمار الذي قتله أبو قتادة. وعن أبي قتادة [: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه، فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم، فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله)] يعني: هذا طعام ساقه الله إليكم، وهذا يعني: إقراره عليه الصلاة والسلام لما فعلوه. وفي حديث زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل معكم من لحمه شيء؟). قال: [وعن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم يحرم أبو قتادة. قال أبو قتادة: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض)]، كلف النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة أن يأتي بأخبارهم، فلم يكن محرماً لأجل هذا؛ لأن المجاهد في الغالب لا يتفرغ لأداء النسك؛ ولذلك كان فيهم أقوام قد استعدوا للقاء العدو، وأقوام قد استعدوا لأداء النسك، وكان أبو قتادة ممن لم يحرم. قال: [(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش فحملت عليه فطعنته فأثبته -يعني: سقط ميتاً- فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني -يعني: قال: احملوا معي الحمار.. اذبحوه.. أو اسلخوه فلم يفعلوا- فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع)].هذا الفوج الذي ذهب من المدينة إلى مكة كان فوجاً كبيراً جداً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة هذا الفوج، وأبو قتادة كان في آخر الفوج، فلما طعن هذا الحمار الوحشي وجاء به وذبحه وسلخه وشواه أو طهاه أكل منه بعض مؤخرة الركب المحرم وغير المحرم. قال أبو قتادة : (ولم يأكل بعضهم وخشينا أن نقتطع) يعني: خفنا أن نتأخر عن الركب. قال: [(فانطلقت أطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع فرسي شأواً وأسير شأواً -يعني: أحمله على المشي السريع تارة، وعلى المشي البطيء تارة أخرى- فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل فقلت: أين لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تركته بَتعْهن -وهو اسم مكان- وهو قائل السقيا)]، يعني: تركته في مكان يسمى تعهن، ولكن يريد غداً أن يقيل في مكان آخر يسمى السقيا، وقد كان العرب يضعون رحالهم في الليل، حتى لا تمشي الإبل والفرس في ليل دامس وأرض قفر أو غير مستوية ولا ممهدة ثم ينطلقون من أول النهار، أي: بعد صلاة الفجر. قال: تركته بتعهن، ولكنه يريد بعد الفجر أن يسير حتى يدرك القيلولة في مكان آخر بعده بفراسخ يسمى السقيا. قال أبو قتادة : [(فلحقته فقلت: يا رسول الله! إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله)] أصحابك الذين في آخر الركب يقرءون عليك السلام ورحمة الله. وهذا فيه استحباب إقراء السلام للغائب، كما أن فيه وجوب الرد الفوري للسلام حتى وإن كان ذلك في رسالة؛ ولذلك أهل العلم يقولون: يستحب لمن أرسلت إليه رسالة إذا قرأها وذكر فيها المرسل النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي عليه، وذكر فيها الله أن يسبحه، وإذا سلم عليه أن يرد عليه السلام حال قراءته للرسالة.وكل مسلم واجب عليك أن تسلم عليه وجوباً كفائياً.قال: [(إن أصحابك يقرءون عليك السلام ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك. انتظرهم يا رسول الله! فانتظرهم فقلت: يا رسول الله! إني أصبت ومعي منه فضلة)]، يعني: اصطدت حماراً وحشياً وبقي معي قطعة، وقد وردت ثلاث روايات: أصبت أو صدت أو اصطدت.قال: [(ومعي منه فضلة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للقوم: كلوا وهم محرمون)]. وقال عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: [(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً وخرجنا معه -لم يقل: ونحن معه حجاج- فصرف من أصحابه فيهم أبو قتادة ، فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني. قال: فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش -يعني: قطيع- فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً -والأتان: اسم لأنثى الحمار- فنزلوا فأكلوا من لحمها فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون. قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة ، فعقر منها أتاناً فنزلنا وأكلنا من لحمها، فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فقال: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قال: قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها)]، إذاً يحرم على المحرم صيد البر بنفسه أو بالإشارة أو بالمعاونة أو بالمساعدة أو بأي وسيلة يتمكن بها غير المحرم من قتل الصيد. وفي رواية (أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) وفي رواية: (أشرتم أو أعنتم أو أصبتم) يعني: أنتم الذي اصطدتم بأنفسكم أو أعنتم أبا قتادة أو أشرتم إليه؟ قالوا: لا، يا رسول الله! وقال شعبة : لا أدري قال: أعنتم أو أصبتم، وفي رواية: (أن أبا قتادة رضي الله عنه غزا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام غزوة الحديبية. قال: فأهلوا بعمرة غيري -يعني: أبو قتادة لم يحرم- فاصطدت حمار وحش فأطعمت أصحابي وهم محرمون، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنبأته أن عندنا من لحم فاضلة، فقال: كلوه. وهم محرمون). وفي رواية: (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محرمون وأبو قتادة محل -يعني: حلال ليس محرماً- فقال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها). فكل الروايات: فكلوه.. فكلوه.. فكلوه، لكن في هذه الرواية: قال لهم: (هل بقي معكم شيء؟ قالوا: نعم. رجله، فقال: فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فأكلها).وفي حديث الصعب : (أهدى إليه حمار وحش فرده وقال: إنا لم نرده إلا لأنا محرمون). ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هنا أكل بنفسه وأقر أصحابه على الأكل، وفي رواية: (كان أبو قتادة في نفر محرمين وأبو قتادة محل -وفي الحديث-: هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فكلوا). وكان معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي يروي عن أبيه قال: (كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير -طير بري- وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وفق من أكله -يعني: دعا له بالتوفيق والسداد وقال: هنيئاً مريئاً- وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
كلام النووي في أحاديث قتل الفواسق

 حكم قتل من يجب عليه القتل بقصاص أو رجم أو غيره في الحرم
وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعي وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص أو رجم.أي: إذا كانت هذه الفواسق بسبب الفسق جاز قتلها في الحرم، فكذلك الذي اكتسب حد الزنا أو السرقة أو غير ذلك لابد أنه فسق فيقاس على هذا المنصوص من جهة جواز إقامة الحد عليه في المسجد أو في الحرم. قال: (في هذه الأحاديث دلالة للشافعي وموافقيه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص أو رجم بالزنا أو قتل في المحاربة وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة جميع الحدود فيه، سواء كان موجب القتل والحد جرى في الحرم أو خارجه). يعني: حتى لو أتى الذنب وهو خارج الحرم، كأن يكون زنى خارج الحرم أو سرق خارج الحرم، والمحترفون لا يسرقون إلا عند الطواف حول الكعبة، فيالها من قلوب مثل الحجارة! بل هي أشد وأقسى من الحجارة، يلبس ملابس الإحرام ويطوف مع الناس لكنه لا يطوف بنية العبادة وإنما بنية السرقة.يقول الشافعي : يجوز إقامة كل الحدود في المسجد، سواء كان موجب القتل والحد جرى في الحرم أو خارج الحرم، يعني: ارتكب السرقة خارج الحرم ودخل الحرم، ويحتج بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] فـالشافعي يقول: يقام عليه الحد سواء ارتكب ما يوجب الحد في الحرم أو خارج الحرم. أما أبو حنيفة وطائفة معه فقالوا: ما ارتكبه من ذلك -أي: ما ارتكبه من هذه الموجبات للحد- في الحرم يقام عليه فيه -يعني: إذا أتى ما يوجب الحد في الحرم يقتل في الحرم- وما فعله خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه الحد خارج الحرم، وما كان دون النفس يقام فيه، ولكنهم لم يفرقوا بين نفس ودونها وحجتهم ظاهر الآية: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] إلى آخر ما ذكره.
جزاء قتل الصيد وقطع الشجر في الحرم
لا يحل للمحرم أن يقتل الصيد بنفسه، ولا أن يعين عليه، ولا أن يشير ولا يساعد في شيء من هذا كله، لكن هب أنه قتل فما كفارة ذلك؟ هذا الذي ينبغي أن نتعرف عليه. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [المائدة:95] هذا شرط وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، يعني: تنظر ماذا قتلت فتخرج مثله تماماً، يحكم به اثنان عدلان يقولان: والله هذا مثل هذا، يعني: هذه الكفارة مثلما قتل هذا المحرم. قال تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] يعني: يذبح هذا الهدي لفقراء الحرم. قال تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ [المائدة:95] يعني إن لم تكن المثلية قائمة ولا متيسرة يطعم مساكين. قال: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة:95]، يعني: ما يكافئ ذلك صياماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ [المائدة:95] أي: وبال تعمده ووقوعه في المحرم.قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ [المائدة:95] متعمداً لمثل ما فعل أولاً فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ [المائدة:95].
 بيان جزاء من قطع شجرة من أشجار الحرم
قال: (ويحرم على المحرم والحلال أن يصطاد من الحرم أو أن ينفره، أو أن يقطع شجره الذي لم يستنبته الآدميون في العادة، وقطع الرطب من النبات، يعني: قطع الذي نضج وبدا صلاحه من النبات كالعنب أو البلح أو غير ذلك حتى الشوك، إلا نبات الإذخر؛ فإنه مباح التعرض له بالقطع والقلع والإتلاف ونحو ذلك؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه -يعني: لا تقطع أشجاره حتى وإن كانت أشجار شوك- ولا يختلى خلاه -يعني: الرطب الذي في رءوس النخل لا يختلى- ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف) يعني: وأنت في الحرم سواء كنت محرماً أو غير محرم إن وجدت ساعة على الأرض أو نقوداً أو أي شيئاً فلا علاقة لك بها نهائياً؛ لأنها أولاً وآخراً تحرم عليك، ولا تحل لك بحال إلا إذا كنت معرفاً، فتأخذها وترفعها في يديك وتلف بها شرقاً وغرباً، والمحرم لم يأت معرفاً، وإنما جاء ملبياً. فقال العباس : (إلا الإذخر فإنه لابد له منه فإنه للقيون والبيوت) والقيون: الحداد وكذلك البيوت. قال القرطبي : خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما ينبته الله تعالى، الذي ليس لابن آدم صنيع له فيه، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه، والجمهور على جواز قطعه، وقال الشافعي : في الجميع الجزاء. ورجح ذلك الحافظ ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول. فقال مالك : لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء : يستغفر الله، وقال أبو حنيفة : يؤخذ بقيمته هدي، وقال الشافعي : في النخلة العظيمة بقرة وفيما دونها شاة، واستثنى العلماء الانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر من غير صنيع الآدمي وبما يسقط من الورق، فكل هذا يجوز الانتفاع به. قال ابن قدامة : وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم -أي: الورد الرائحة- وأنه لا بأس برعيه واختلائه، وفي الروضة الندية يقول صديق حسن خان : ولا يجب على الحلال -أي: على من لم يكن محرماً- في صيد حرم مكة ولا شجره شيء إلا مجرد الإثم، وأما من كان محرماً فعليه الجزاء الذي ذكره الله تعالى إذا قتل صيداً -يعني: أجراه وقاسه على قتل الصيد- قال: وليس عليه شيء في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
الأسئلة

 حكم الذهب للمرأة
السؤال: قرأت للشيخ الألباني عليه رحمة الله أن الذهب حرام على المرأة كما هو حرام عل الرجل تماماً بتمام؟ الجواب: إن الشيخ الألباني لم يقل: إن الذهب حرام على المرأة كالرجل تماماً بتمام، ولكن قال بحرمة الذهب المحلق فقط، أما غير المحلق فقال الشيخ بجوازه للمرأة، وعلى أية حال هذا قول محدث خالف فيه الشيخ الأمة بأسرها؛ ولذلك البقاء على مذهب العلماء كافة نجاة وعصمة، فالذهب بجميع أنواعه وأشكاله حلال للنساء. والله تعالى أعلم. فمذهب الشيخ الألباني يرده: (أن امرأة دخلت بابنتها على النبي عليه الصلاة والسلام فرأى في يدها سوارين من ذهب -يعني: ذهب محلق- فقال: أتؤدين زكاتها؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن تسوري بسوارين من نار؟ فألقت المرأة السوارين في حجر النبي عليه الصلاة والسلام)، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليها أنها لبست المحلق، وإنما أنكر عليها أنها لم تؤد زكاته، فالمرأة تخلصت منه بأن ألقته صدقة في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يلزمها النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة، ولكنها كونها بذلت هذا من نفسها لأول وهلة فللنبي عليه الصلاة والسلام أن يأخذه منها صدقة، يصرفها في وجوه الصدقة المشروعة.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - تحريم الصيد على المحرم للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net