اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - الصائم يدعى لطعام فيقول إني صائم للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - الصائم يدعى لطعام فيقول إني صائم - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
صيام التطوع من فضائل الأعمال، وهو من الأعمال التي جعل الله عز وجل أجرها وثوابها مما يتعلق به، مثله في ذلك مثل صيام الفريضة، إلا أن الصائم تطوعاً يحق له قطع صيامه متى ما أراد، فإن دعي إلى وليمة جاز له الإجابة وقطع الصيام جبراً لخاطر الداعي، كما يجوز له استحداث نية للصيام من النهار، كل هذا من تيسير الشارع للناس في عباداتهم.
باب الصائم يدعى لطعام فليقل: إني صائم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم) ] هذا كلام عام في صيام الفرض وصيام الواجب وصيام النافلة، ربما دعاك غير مسلم في رمضان لتناول الطعام، فجوابك أن تقول: إني صائم، وربما دعاك مسلم صاحب عذر في ترك الصيام وهو لا يذكر أنه في صيام أو أنه في رمضان، فجوابك أن تقول: إني صائم.أما في صيام النافلة لو قال لك أحد الناس: تفضل للطعام عندنا، فقل: إني صائم.يقول الإمام النووي رحمه الله: (قوله: (فليقل: إني صائم) محمول على أنه يقول له اعتذاراً له وإعلاماً بحاله) يعني: يعتذر إليه عن سبب تخلفه عن قبول الدعوة أو الإقبال على الطعام بإظهار حاله، وذلك بأن يقول: أنا صائم، وليس هذا من الرياء، إلا أن ينوي الصائم بصيامه رياءً، وقلَّ أن ينوي صائم بصيامه رياء، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، يعني: إذا دعاك إنسان يوم الإثنين أو يوم الخميس على الغداء وأنت تصوم هذين اليومين، فإما أن تقول له: أنا في هذا اليوم صائم، فإن أذن لك في عدم الحضور فقد سقط عنك وجوب الدعوة، وإن لم يسمح لك وجب في حقك الحضور، ولا يجب في حقك الطعام؛ لأنه يكفيك في حضرة الطعام أن تقول: إني صائم.أما إجابة الدعوة فواجبة، فليس هناك تلازم بين الحضور وأكل الطعام، بل يمكن أن تحضر ولا تطعم، وإنما يكون الواجب في حقك أمرين:الأمر الأول: أن تظهر حالك وتقول: إني صائم.الأمر الثاني: أن تدعو لصاحب الطعام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (فإن أكلت وإلا فصل) والصلاة هنا بمعنى الدعاء، أي: الدعاء لصاحب الطعام. والأفضل للصائم إذا دعي إلى طعام إن كان يشق على صاحب الطعام صومه أن يفطر، وإلا فلا. يقول النووي رحمه الله: (إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر، وإلا فلا). يعني: إذا لم يكن مشقة على صاحب الطعام، ولا أن هذا الأمر يحزنه، لا بأس أن تستمر في صيامك هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً يحرم الفطر، كما لو كنت تصوم نذراً أو كفارة أو تقضي قضاءً من رمضان، أما في حال صوم التطوع فيجوز الفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتنفل في الصيام قال: (المتطوع أمير نفسه) يعني: المتنفل في الصيام لو بدأ ونوى الصيام من أول اليوم فإن له أن يفطر في الضحى، أو في الظهر، أو حتى في العصر، أو قبيل المغرب؛ لأنه أمير نفسه، لكن الأفضل والمستحب -لا الواجب- في حقه أن يكمل صومه ما دام قد شرع فيه، لكن لو أفطر فليس عليه شيء. وفي هذا الحديث: أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصلاة والصيام.. وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن هناك حاجة ولا ضرورة تدعو وتلح إلى إظهارها. كذلك لا تترك الأعمال العبادية خشية الرياء، فلا يقل قائل: أنا لن أصلي في المسجد وإنما سأصلي في البيت، هل يستقيم هذا؟ لا، لا يستقيم؛ لأن الله تعالى أمره بحضور الجماعة، والنبي عليه الصلاة والسلام أمره بحضور الجماعة، فهذا الباب لا يدخله رياء، وإن دخله رياء عند بعض الأشخاص فتجب المجاهدة في حقهم لدفع هذا الرياء، أما أن يتخلف عما أمره الله عز وجل به احتجاجاً بالرياء، فإن هذا أمر لا يستقيم. وفي هذا الحديث: الإشارة إلى حسن المعاشرة، وإصلاح ذات البين، وتأليف القلوب، وحسن الاعتذار عند سببه، هذا كلام مأخوذ من اعتذار الرجل عند صاحب الطعام بعدم الأكل بسبب الصيام، وهذا عذر في الغالب مقبول عند الناس، بخلاف ما لو قلت: أنا لا أريد الطعام، أو اعتذرت عن تناول الطعام ولم تبد سبباً، ربما يوسوس الشيطان لصاحب الطعام بأن هذا الضيف يأنف أن يأكل من طعامه، خاصة لو كان هذا الضيف غنياً وصاحب الطعام فقيراً، فربما حاك في نفس هذا الفقير صاحب الطعام أن هذا الغني يتعفف ويتأفف أن يأكل من طعام الفقير، فتحدث المفسدة، وتتغير القلوب، ولذلك من حسن العشرة إبداء السبب وإبداء العذر بين يدي صاحب العذر.
 

باب حفظ اللسان للصائم
قال المصنف رحمه الله: [ باب حفظ اللسان للصائم ]. ذكر ابن أبي شيبة وكذا عبد الرزاق في مصنفيهما باباً وهو: باب من رأى أن الغيبة تفطر، وباب آخر: باب من سب أو شتم أو رفث أو فسق أو جهل فلا صوم له. أي: فلا صوم له ألبتة، وليس فلا صوم له كامل الثواب. وهذه المسألة كانت عند السلف محل حساسية شديدة جداً، يعني: أن الصائم لا يرفث ولا يفسق ولا يجهل ولا يصخب ولا يسخر، وفي إحدى الروايات وهي شاذة وتصحيف: ولا يجهل، أي: لا يتكلم بكلام يجهل فيه ويسب الآخرين، فإن فعل فلا صيام له ألبتة، والراجح أن صيامه صحيح وهو مذهب أكثر العلماء مع قلة الثواب؛ لأن هذه المعاصي تؤثر على حصول ثواب هذا الصيام كاملاً.كما ذهب كثير من أهل العلم -وخاصة في هذا الزمان- إلى أن الذي يفسق ويرفث في الحج لا حج له، وقد حججت مع شيخ من أكابر علماء المغرب، فكان إذا رأى رجلاً يشرب سيجارة يذهب إليه ويقول له: حجك باطل، وكان إذا سمع رجلاً يسب أو يجهل أو يصخب أو يصيح بكلام فاحش بذيء يذهب إليه ويقول له: حجك باطل، فقلت له: ولم تبطل هذا الحج؟ قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإن حج فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب)، والله تعالى يقول: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، فحمل النهي في الآية وفي الحديث على الفساد والبطلان.يعني: لو حصل هذا الفسوق وهذا الرفث والجدال في الحج فإنه يبطل الحج. هذا مذهب في غاية الشذوذ، والصواب: أن حجه صحيح ما دام قد استكمل الأركان والشروط، ولكن ثوابه محل نزاع، فلا شك أنه لا يستوي الذي التزم الكلام الطيب وابتعد عن الفاحش والبذيء والفسوق والجهالة.. وغيرها، مع الذي أتى بكل هذه المعاصي والمنكرات، لا يستويان عند الله عز وجل، وهذا هو الذي يستقيم مع مذهب السلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين. قال: [ حدثني زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية قال: (إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) ]. قوله: (فلا يرفث) الرفث هو أن يتكلم بكلام فاحش بذيء؛ ولذلك نفى النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه الفحش والتفحش؛ لأن هذا خلق ذميم، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تحلوا بمكارم الأخلاق، وتخلوا عن مساوئ الأخلاق، والفحش والرفث والفسوق والجهل، كل هذا استعاذ منه النبي عليه الصلاة والسلام، بل استعاذ منه جميع الأنبياء.وقوله: (ولا يجهل) الجهل قريب من الرفث، وهو خلاف الحكمة، وخلاف الصواب من القول والفعل.وقوله: (فإن امرؤ شاتمه) (شاتمه) أي: سبه.وقوله: (أو قاتله) أي: دفعه أو ضربه. وقوله: (فليقل: إني صائم، إني صائم) يقولها بصوت مسموع أو بصوت خافت، والأفضل أن يجمع بين الاثنين، لأن المرء لو أسمع الشاتم والساب الجاهل ذلك، فكأنه يقول له: ما يمنعني عنك إلا أني صائم، والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أمراني ألا أدفع مقاتلتك بمقاتلة، وألا أدفع شتمك بشتم، وإنما أمراني أن أصبر وأحتسب، وأقول: إني صائم. وهذا الفعل والكلام الجميل يشهد له القرآن والسنة، بل يشهد له واقع الناس، تصور لو أن امرأً شتمك فصبرت عليه وسكت ودعوت له، فإنه لو كان ناراً مشتعلة لا بد وأنه سينطفئ؛ لأنك قابلت الإساءة بالإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ولو أنك دفعت شر الشرير بالخير والعفو والصفح لانقلب لك صديقاً حميماً، ولو دفعته بمثل ما بدأك به لاشتعلت الخصومة، حتى كادت أن تهلك الأرواح والأبدان.قال النووي رحمه الله: (واعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصاً به، بل كل أحد مثله في أصل النهي). يعني: ليس معنى ذلك أنك إذا كنت صائماً فلا يجوز لك أن ترفث ولا تفسق إلا بعد أن تفطر، لا، وهناك ناس في أثناء الصيام يجاهدون أنفسهم في النهار على مضض وأول ما يفطر ينطلق في الخصومة والسباب.. وغير ذلك، هذا غير صحيح، فهذا الرجل هل استفاد فعلاً من الصيام؟ لا؛ لأن الله تعالى حرم الفحش والفسوق والجدال والخصومة والمقاتلة على صائم وغير صائم، ولكن حرمة هذه المساوئ الأخلاقية في حق المسلم حال الصيام آكد، وإن كانت حرام في كل الأحوال.
 

باب فضل الصيام
قال: [ باب فضل الصيام.
 شرح حديث: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان...)
قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد - وهو القطواني - عن سليمان بن بلال حدثني أبو حازم -وهو سلمة بن دينار- عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة) ]، لما كان الجزاء من جنس العمل كافأ الله عز وجل الذين عانوا الظمأ والعطش في الدنيا، بأن سمى بابهم الذي يدخلون منه خاصة -ولا يدخل معهم أحد-: باب الريان، وهو من الري الذي هو ضد العطش؛ لأن الصائم إنما يصبر على العطش أكثر من صبره على الجوع؛ ولذلك الذي يقوم متأخراً قبيل الفجر يكون همه أن يشرب الماء، لأن الماء لا يعوض، أما الطعام فيمكن الصبر عليه، ولذلك تجد الكثير ممن يمتنع عن الطعام من باب العلاج، كما فعل شيخنا الألباني رحمه الله، لم يطعم طعاماً قط مدة سبعة وعشرين يوماً، لم يطعم فيها شيئاً، وإنما كان يشرب سوائل وعصائر.. وغير ذلك، وكان ذلك لعلة في بطنه، حتى أجرى التحاليل والأشعات الطبية، فكانت النتيجة أنه برئ من مرضه تماماً، فلما أخبر بهذه النتيجة أقبل على الطعام والشراب.وكان شيخنا عليه رحمة الله يأكل كثيراً، حتى كانت بنته أم عبد الله تحمل من أمامه الطعام حملاً فكان يغضب، فمرة دعانا زوج ابنته نظام سكجها ، زوج بنت الشيخ أم عبد الله، وهي أحب بناته إليه وأكبرهن، فوضعت لنا الطعام وما أشهاه! ووضعت طعاماً منفرداً على مائدة أخرى لأبيها، فأول ما دخل الشيخ ونظر في الطعام قال: يد الله مع الجماعة، وذكر أحاديث البركة إذا اجتمعوا على الطعام، فـنظام قال له: مهما حاولت ستأكل لوحدك، قال: والله إذا أنفذتم كلامكم فلآكلن هذا الطعام ثم لا أدخل هذا البيت ثانية، فأكل معنا الشيخ وأكل ثم أكل ثم أكل، وابنته تصرخ بالداخل وتطرق الباب، فدخل إليها زوجها نظام فصاحت في وجهه وقالت: أنت تعلم أن الطعام يضره، والشيخ إذا أكل لا يستطيع أن يمنع نفسه، فقال: والله رفض الشيخ أن يقوم عن المائدة، لكن بعد الفراغ من الطعام سيدخل عليك فقولي له ما شئت.كذلك الإمام النسائي كان أكولاً، ورد في ترجمة الإمام النسائي صاحب السنن أنه كان يأكل كل يوم ديكاً من ديوك زمانه، لكن كان إذا نودي للجهاد رأيت النسائي في الصف الأول. وكذلك شيخنا الألباني عليه رحمة الله ما كان يسمع بمكان فيه بدعة إلا ويكون أول الحاضرين للدفاع والذب عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فكثرة طعامه لا تعيبه، ولكن ذكرنا هذا من باب الطرفة، ومعرفة بعض أحوال الشيخ عليه رحمة الله.قال: [ (يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم) ] يعني: هذا الباب خاص بالصائمين فقط، لا يدخله إلا الصائمون، فمن حافظ على صيام الفرائض والنوافل، وكان من عادته ومن دأبه الصيام، فهذا جزاؤه وثوابه، وهذه كرامة يمنحها الله عز وجل عبده الطائع، في الدنيا بالذكر الجميل والثناء الحسن عند الناس، وفي الآخرة بالثواب العظيم والكرامة منه سبحانه.كذلك من يحافظ على صلاة الجماعة تبجله وتعظمه الناس؛ لأنه قبل النداء يكون في المسجد. كذلك من يقوم الليل يظهر أثر ذلك عليه، فالتوفيق للطاعة نعمة ومنحة من الله عز وجل، ولذلك كان هناك رجل من المحدثين في الزمن الأول يقول: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، ثم انتظر حتى يكتب الطلاب السند، فدخل رجل من شأنه ودأبه قيام الليل، فقال المحدث: من صام بالنهار ظهر نوره بالليل. فكتب الطلاب: من صام بالنهار ظهر نوره بالليل. فظنوا أن هذا حديث؛ لأنه أملاهم الإسناد ووقف عند قال النبي عليه الصلاة والسلام، وسكت حتى يكتبوا الإسناد، فلما دخل هذا الرجل قال هذا القول عنه، فظن الطلاب أن هذا هو حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وليس كذلك، فوقعوا في هذه المخالفة.قال: [ (يقال لهم: أين الصائمون؟) ] أي: في المحشر، والقائل إما أن يكلف الله تعالى ملائكته بالنداء على الصائمين، وإما أن الله تعالى هو الذي يتولى النداء بنفسه. قال: [ (أين الصائمون؟ فيدخلون من هذا الباب، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد) ].لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن في الجنة باباً يدخل منه المصلون، وإن في الجنة باباً يدخل منه أهل الزكاة، وإن في الجنة باباً يدخل منه الصائمون، وعدد الطاعات، فقال أبو بكر الصديق: (يا رسول الله! هل على رجل من بأس أن يدخل من جميع هذه الأبواب؟) يعني: هل من مانع أن يدخل رجل واحد من جميع هذه الأبواب؟ قال: (لا، ليس هناك بأس، وأنت منهم يا أبا بكر).فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه يدخل من جميع هذه الأبواب، وأبواب الجنة ثمانية، مع أن بين مصراعي باب الجنة الواحد كما بين المشرق والمغرب. ومن دخل الجنة لا يخرج منها قط، فكيف سيدخل أبو بكر من الأبواب كلها؟ هذا شيء لا ندركه بعقولنا، وإنما نقول فيه: آمنا وسلمنا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك وآمن به، ونحن نؤمن كما آمن النبي عليه الصلاة والسلام وكما آمن أبو بكر وكما آمن عمر ، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالكلام أحياناً على جبل أحد، أو غيره فيقال له: (يا رسول الله! أوذلك يكون؟ قال: نعم، وأنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر) ومعلوم أن إيمان هؤلاء أعظم من إيمان الأمة بأسرها. فالمعلوم أن الذي يدخل الجنة لا يخرج منها، وأبو بكر لن يدخل من الباب هذا ثم يخرج منه من أجل أن يدخل من الباب الآخر ثم يخرج منه، لا، وهذا لا ننفيه ولا نثبته، وإنما نقول: يدخل أبو بكر من جميع الأبواب كما يريد الله عز وجل ويشاء ويختار، ولا نخوض في ذلك بعقولنا.
باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق
قال: [ باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق ] قوله: (سبيل الله) عند الإطلاق هو الجهاد، فالصيام في الجهاد له فضل عظيم جداً، فكون المجاهد يموت صائماً يكون قد جمع خيراً إلى خير وفضلاً إلى فضل، لكن هذا مشروط بإطاقة الصوم، وعدم إلحاق الضرر بالصائم، ولا تفويت حق واجب في الجهاد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى قوماً قد ظللوا قال: ما بال هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الصائمون، قال: ليس من البر الصوم في السفر وهذا السفر كان سفراً في غزوة من الغزوات، وقال: (ذهب المفطرون بالأجر) فالأصل ألا يفوت عليك الصيام حقاً واجباً للجهاد، أو يلحق بك الضرر، وأن تطيقه بلا كبير مشقة.قال: [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً) ] يعني: الله تبارك وتعالى يباعد بين العبد وبين النار سبعين عاماً؛ بسبب صيام يوم واحد في سبيل الله عز وجل. يقول النووي رحمه الله: (فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقاً، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه).
 شرح حديث: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان...)
قال: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد - وهو القطواني - عن سليمان بن بلال حدثني أبو حازم -وهو سلمة بن دينار- عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة) ]، لما كان الجزاء من جنس العمل كافأ الله عز وجل الذين عانوا الظمأ والعطش في الدنيا، بأن سمى بابهم الذي يدخلون منه خاصة -ولا يدخل معهم أحد-: باب الريان، وهو من الري الذي هو ضد العطش؛ لأن الصائم إنما يصبر على العطش أكثر من صبره على الجوع؛ ولذلك الذي يقوم متأخراً قبيل الفجر يكون همه أن يشرب الماء، لأن الماء لا يعوض، أما الطعام فيمكن الصبر عليه، ولذلك تجد الكثير ممن يمتنع عن الطعام من باب العلاج، كما فعل شيخنا الألباني رحمه الله، لم يطعم طعاماً قط مدة سبعة وعشرين يوماً، لم يطعم فيها شيئاً، وإنما كان يشرب سوائل وعصائر.. وغير ذلك، وكان ذلك لعلة في بطنه، حتى أجرى التحاليل والأشعات الطبية، فكانت النتيجة أنه برئ من مرضه تماماً، فلما أخبر بهذه النتيجة أقبل على الطعام والشراب.وكان شيخنا عليه رحمة الله يأكل كثيراً، حتى كانت بنته أم عبد الله تحمل من أمامه الطعام حملاً فكان يغضب، فمرة دعانا زوج ابنته نظام سكجها ، زوج بنت الشيخ أم عبد الله، وهي أحب بناته إليه وأكبرهن، فوضعت لنا الطعام وما أشهاه! ووضعت طعاماً منفرداً على مائدة أخرى لأبيها، فأول ما دخل الشيخ ونظر في الطعام قال: يد الله مع الجماعة، وذكر أحاديث البركة إذا اجتمعوا على الطعام، فـنظام قال له: مهما حاولت ستأكل لوحدك، قال: والله إذا أنفذتم كلامكم فلآكلن هذا الطعام ثم لا أدخل هذا البيت ثانية، فأكل معنا الشيخ وأكل ثم أكل ثم أكل، وابنته تصرخ بالداخل وتطرق الباب، فدخل إليها زوجها نظام فصاحت في وجهه وقالت: أنت تعلم أن الطعام يضره، والشيخ إذا أكل لا يستطيع أن يمنع نفسه، فقال: والله رفض الشيخ أن يقوم عن المائدة، لكن بعد الفراغ من الطعام سيدخل عليك فقولي له ما شئت.كذلك الإمام النسائي كان أكولاً، ورد في ترجمة الإمام النسائي صاحب السنن أنه كان يأكل كل يوم ديكاً من ديوك زمانه، لكن كان إذا نودي للجهاد رأيت النسائي في الصف الأول. وكذلك شيخنا الألباني عليه رحمة الله ما كان يسمع بمكان فيه بدعة إلا ويكون أول الحاضرين للدفاع والذب عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فكثرة طعامه لا تعيبه، ولكن ذكرنا هذا من باب الطرفة، ومعرفة بعض أحوال الشيخ عليه رحمة الله.قال: [ (يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم) ] يعني: هذا الباب خاص بالصائمين فقط، لا يدخله إلا الصائمون، فمن حافظ على صيام الفرائض والنوافل، وكان من عادته ومن دأبه الصيام، فهذا جزاؤه وثوابه، وهذه كرامة يمنحها الله عز وجل عبده الطائع، في الدنيا بالذكر الجميل والثناء الحسن عند الناس، وفي الآخرة بالثواب العظيم والكرامة منه سبحانه.كذلك من يحافظ على صلاة الجماعة تبجله وتعظمه الناس؛ لأنه قبل النداء يكون في المسجد. كذلك من يقوم الليل يظهر أثر ذلك عليه، فالتوفيق للطاعة نعمة ومنحة من الله عز وجل، ولذلك كان هناك رجل من المحدثين في الزمن الأول يقول: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، ثم انتظر حتى يكتب الطلاب السند، فدخل رجل من شأنه ودأبه قيام الليل، فقال المحدث: من صام بالنهار ظهر نوره بالليل. فكتب الطلاب: من صام بالنهار ظهر نوره بالليل. فظنوا أن هذا حديث؛ لأنه أملاهم الإسناد ووقف عند قال النبي عليه الصلاة والسلام، وسكت حتى يكتبوا الإسناد، فلما دخل هذا الرجل قال هذا القول عنه، فظن الطلاب أن هذا هو حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وليس كذلك، فوقعوا في هذه المخالفة.قال: [ (يقال لهم: أين الصائمون؟) ] أي: في المحشر، والقائل إما أن يكلف الله تعالى ملائكته بالنداء على الصائمين، وإما أن الله تعالى هو الذي يتولى النداء بنفسه. قال: [ (أين الصائمون؟ فيدخلون من هذا الباب، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد) ].لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن في الجنة باباً يدخل منه المصلون، وإن في الجنة باباً يدخل منه أهل الزكاة، وإن في الجنة باباً يدخل منه الصائمون، وعدد الطاعات، فقال أبو بكر الصديق: (يا رسول الله! هل على رجل من بأس أن يدخل من جميع هذه الأبواب؟) يعني: هل من مانع أن يدخل رجل واحد من جميع هذه الأبواب؟ قال: (لا، ليس هناك بأس، وأنت منهم يا أبا بكر).فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه يدخل من جميع هذه الأبواب، وأبواب الجنة ثمانية، مع أن بين مصراعي باب الجنة الواحد كما بين المشرق والمغرب. ومن دخل الجنة لا يخرج منها قط، فكيف سيدخل أبو بكر من الأبواب كلها؟ هذا شيء لا ندركه بعقولنا، وإنما نقول فيه: آمنا وسلمنا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك وآمن به، ونحن نؤمن كما آمن النبي عليه الصلاة والسلام وكما آمن أبو بكر وكما آمن عمر ، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالكلام أحياناً على جبل أحد، أو غيره فيقال له: (يا رسول الله! أوذلك يكون؟ قال: نعم، وأنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر) ومعلوم أن إيمان هؤلاء أعظم من إيمان الأمة بأسرها. فالمعلوم أن الذي يدخل الجنة لا يخرج منها، وأبو بكر لن يدخل من الباب هذا ثم يخرج منه من أجل أن يدخل من الباب الآخر ثم يخرج منه، لا، وهذا لا ننفيه ولا نثبته، وإنما نقول: يدخل أبو بكر من جميع الأبواب كما يريد الله عز وجل ويشاء ويختار، ولا نخوض في ذلك بعقولنا.
باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر
قال: [ باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر ] يعني: باب جواز عقد نية الصيام في أثناء النهار ما لم يدخل وقت الزوال، ووقت الزوال هو وقت ميل الشمس إلى جهة الغروب، يعني: وقت الظهر، فيجوز لمن أراد أن يصوم نافلة وإن أصبح من نومه ينوي الإفطار ولكنه لم يأكل ولم يشرب حتى دخل وقت الظهيرة، فله أن ينوي إكمال يومه بصيام نافلة، أما صيام الفرض فإنه يلزم فيه عقد النية وتبييتها من الليل، وهذه من الفروق بين صيام الفريضة وصيام النافلة، صيام النافلة يمكن فيه عقد النية حتى الزوال، أما صيام الفريضة فيلزم فيه عقد النية من الليل. وقوله: (وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر) يعني: يجوز لمن كان يصوم نافلة أن يفطر بلا عذر، والأولى استحباب إتمام هذا الصيام، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل خلاف الأولى لبيان الجواز، وسنرى أدلة ذلك معنا الآن.
 كلام النووي في عقد صيام النافلة في النهار وقطعه دون عذر
قال النووي رحمه الله: (وفي هذا الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله صلى الله عليه وسلم: هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد.وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار ويبطل الصوم؛ لأنه نفل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء) يعني: أنت مخير في الابتداء أن تبدأ الصيام أو لا تبدأ، فإذا كنت مخيراً في الابتداء فكذلك هذا الخيار ثابت في الدوام. قال: (وممن قال بهذا جماعة من الصحابة وأحمد وإسحاق وآخرون، ولكنهم كلهم والشافعي معهم متفقون على استحباب إتمامه) يعني: ليس واجباً؛ لأن أصل الصوم فيه ليس واجباً، فكيف يأتي إتمام اليوم وجوباً مع أنه لم يبدأ بالوجوب.قال: (وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر) يعني: الذي أفطر في صيام النافلة بعذر لا قضاء عليه، وهذا محل إجماع.قال: (أما إذا كان بغير عذر فقد وقع الخلاف، والراجح أنه لا قضاء عليه كذلك).
باب أكل الناسي وشربه وجماعه وأن ذلك كله لا يفطر
قال: [ باب أكل الناسي وشربه وجماعه وأن ذلك كله لا يفطر. وحدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن علية - عن هشام القردوسي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه) ] ورد في الحديث الماضي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي) فالصيام: هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع. إذا أكل ناسياً صح صومه، وإذا شرب ناسياً صح صومه، وإذا جامع ناسياً صح صومه، وهذا مذهب الجمهور، لكن من جامع ناسياً هذه لا تكون إلا في أوائل رمضان، يحدث فيها ويقع فيها الخطأ كثيراً جداً. تجد شيخاً محترماً يمشي في أول يوم من رمضان في الشارع وهو يأكل ويشرب، كان لي أخ من الإخوة الأفاضل الطيبين يعني شيخ كبير، وكنت في يوم مضطراً لأن أكلفه بأن يأتي بأولادي من المدرسة، فذهب لإحضارهم، وكان أولادي قد اشتروا بمصروفهم بعض المكسرات وركبوا معه في الباص فناولوه الكيس، فقال لهم: لا لا، كلوه أنتم، فقالوا: والله إنك ستأخذ منه، فأخذه وجعل يأكل منه من الجيزة إلى أن قطع مسافة كبيرة، ثم تذكر أن هذا أول يوم في رمضان وكان قد نسي ذلك تماماً، فيقول: أدركت بعد ذلك نظر الناس إلي شزراً في الباص وعلى الطريق، يقول: وقعت في حرج وخجل شديد جداً، وكنت أريد أن أبحث عن الناس الذين رأوني وأقول لهم: عذري كان كيت وكيت، فهذا يقع، فالذي يجعله يقع في الطعام والشراب يقع أحياناً في الجماع، أو نحن سنفترض هذا الفرض إذا جامع ناسياً ما حكم صومه؟ هذا الذي نأخذه. يقول النووي رحمه الله: (في هذا الحديث دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً لا يفطر) يعني: مذهب الجمهور أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً لا يفطر، وممن قال بهذا الشافعي وأبو حنيفة وداود وآخرون.وقال ربيعة ومالك : يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة -يفسد صومه بالطعام والشراب والجماع- مع أن الحديث قاض بأنه إذا أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه، وصيامه صحيح، وليتم صومه).أما قوله: (فليتم صومه) فهو: يدل على أن صيامه صحيح. وقوله: (فإنما أطعمه الله وسقاه) يعني: هذه منحة من الله عز وجل له. قال: (وقال عطاء والأوزاعي والليث : يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد : يجب في الجماع القضاء ولا كفارة، ولا شيء في الأكل والشرب). والذي نرجحه: أن من أكل أو شرب أو جامع ناسياً لا شيء عليه، وصيامه صحيح ويتمه، فإنما هي منحة من الله عز وجل له، وهذا يكون في صيام الفرض وصيام النافلة على السواء. أما من نام وحلم أنه جامع امرأته فهذا لا شيء عليه ألبتة، وما عليه إلا أن يغتسل وصيامه صحيح. في الباب الرابع والثلاثين بيان صيام النبي عليه الصلاة والسلام في غير رمضان، واستحباب ألا يخلي شهراً من صومه. استحباب فينبغي ألا يمر عليك شهر إلا وتجعل فيه لنفسك حظاً من الصيام، كأن تصوم ثلاثة أيام في الشهر، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وكذلك يوم الإثنين والخميس، بحيث أن لا يخرج عنك الشهر بلا إحداث طاعة الصيام فيه، كما أنك لا تخلو في هذا الشهر من طاعة الصلاة وطاعة الزكاة ووجوه البر، فلا بأس أن تجمع مع هذه الطاعات عبادة الصوم.فالنبي عليه الصلاة والسلام بين استحباب صيام الإثنين والخميس، والثلاثة الأيام من كل شهر، وكان يصوم أكثر شهر شعبان، وقد ثبت أنه ما أتم صيام شهر قط إلا شهر رمضان صلوات ربي وسلامه عليه.
 كلام النووي في عقد صيام النافلة في النهار وقطعه دون عذر
قال النووي رحمه الله: (وفي هذا الحديث دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله صلى الله عليه وسلم: هل عندكم شيء؟ لكونه ضعف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد.وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار ويبطل الصوم؛ لأنه نفل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء) يعني: أنت مخير في الابتداء أن تبدأ الصيام أو لا تبدأ، فإذا كنت مخيراً في الابتداء فكذلك هذا الخيار ثابت في الدوام. قال: (وممن قال بهذا جماعة من الصحابة وأحمد وإسحاق وآخرون، ولكنهم كلهم والشافعي معهم متفقون على استحباب إتمامه) يعني: ليس واجباً؛ لأن أصل الصوم فيه ليس واجباً، فكيف يأتي إتمام اليوم وجوباً مع أنه لم يبدأ بالوجوب.قال: (وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر) يعني: الذي أفطر في صيام النافلة بعذر لا قضاء عليه، وهذا محل إجماع.قال: (أما إذا كان بغير عذر فقد وقع الخلاف، والراجح أنه لا قضاء عليه كذلك).
باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان
قال: [ باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان.حدثنا يحيى بن أيوب - الغافقي - وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعاً عن إسماعيل - ابن جعفر - قال ابن أيوب : حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) ] فسر أهل العلم الدهر في هذا الحديث بأنه العام أو السنة، وأن السنة اثنا عشر شهراً، وأن الحسنة بعشر أمثالها كما هو مستقر معلوم، وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، فصيام شهر رمضان بثلاثين حسنة في عشرة بثلاثمائة حسنة وبثلاثمائة يوم، يبقى من العام ستون يوماً، وصيام ستة أيام من شوال بست حسنات في عشرة بستين حسنة، فالذي يصوم رمضان ويتبعه بست من شوال كأنه صام ستاً وثلاثين يوماً في عشرة بثلاثمائة وستين حسنة على ثلاثمائة وستين يوماً، وهو عدد أيام السنة بالشهور العربية.فقوله: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كأنما صام الدهر). أي: فكأنما صام العام كله، وقد أدى زكاة الصيام في كل يوم من أيام السنة.
 كلام النووي في صيام الست من شوال
قال النووي رحمه الله: (في هذا الحديث دلالة صريحة لمذهب الشافعية وموافقيهم في استحباب صوم هذه الست، وقال مالك وأبو حنيفة : يكره ذلك). من العلماء من قال: صيام هذه الستة حرام. وابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه العظيم (التحقيق لمسائل الخلاف بين أهل العلم) ذكر ثمانية أقوال لأهل العلم في حكم صيام ست من شوال، فذكر منها: أنه جائز، وذكر منها: أنه مستحب، وذكر منها: أنه واجب، وذكر منها: أنه مباح، وذكر منها: أنه مكروه، وذكر منها: أنه حرام. ومن ذهب إلى كراهته وحرمته إنما قال ذلك مخافة المواظبة عليها؛ لأجل ألا يظن الناس أن صيام هذه الستة واجب، وهذا وإن كان بعيداً لكن على أية حال له وجه، والاجتهاد فيه سائغ، وإن كان العمل على خلافه عند جماهير العلماء، وهذا الحديث قاض بالرد على جميع من خالف ذلك، وأن صيام هذه الستة أمر مستحب، خاصة بعد أن استقرت السنة واستقرت الأحكام الشرعية. قال: (قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها) يعني: الست من شوال، لكن بعض السنن تركها كثير جداً من الصحابة مثل: سنة الاعتكاف، لما تأتي تبحث عن أسماء الصحابة الذين حققوا هذه السنة تجدهم قلة في جنب أعداد الصحابة الغفيرة، فهم تركوها إما لانشغالهم، أو لمخالفتهم المواظبة على هذه السنة؛ فيظن الناس أو من لا علم له بأن الاعتكاف واجب، فكذلك صيام هذه الستة. قال: (قال مالك: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها، فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت -هذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة- السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها) يعني: أن السنة قاضية على الناس، والناس لا يقضون على السنة، حتى لو أن الصحابة كلهم تواطئوا على ترك العمل بحديث فلا يوافقون على ذلك، هذا على فرض أن هذا حدث، ولا يحدث؛ لأن الإجماع الذي لا خلاف عليه هو إجماع الصحابة، والصحابة لا يجمعون على باطل قط، والأمة في مجموعها في كل زمان وفي كل عصر معصومة من الإجماع على الباطل أو من الوقوع في الباطل، لكن قد يقع عالم في الباطل، واثنان، وثلاثة، وعشرة، فإذا زلت قدم عالم في باطل أو تكلم بكلام خالف فيه الدليل، تجد عشرات بل مئات العلماء في أمة لا إله إلا الله في شرق الأرض وغربها يردون عليه باطله وخطأه الذي أخطأ فيه، بهذا يظهر الحق للأمة، والأمة في مجموعها معصومة أن تقع في الباطل، وإذا كانت كذلك فالعصمة أقرب إلى الصحابة من غيرهم؛ لقرب عهدهم بنزول الوحي، وفهمهم لكلام الرب تبارك وتعالى، وأنه نزل بلغتهم، وأنهم أعلم الناس بكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.فقوله: (وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها) يعني: أن الفيصل هنا والرجوع للدليل لا للناس. كذلك إذا كان الدليل يحتاج إلى إعمال فكر وبذل جهد لاستنباط الفوائد واستخراج النكت منه، فلا شك أن اجتهاد العلماء أولى من اجتهاد غيرهم، يعني: لما يجيء شيخ الإسلام ابن تيمية فيجتهد في حديث وأنا أجتهد في حديث فلا شك وبلا توقف أن اجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية أولى من اجتهاد غيره؛ لأن عقله أرجح وعلمه أتم، وعنده ملكة في الاستنباط أكثر من غيره، وهو صاحب جد واجتهاد.. وغير ذلك، فإذا ترك بعض الناس العمل بالدليل الصحيح الصريح، وجب على المسلمين ترك كلام من خالف الدليل والعمل بالدليل. قال: (قال الشافعي : والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر) لكن تفريقها جائز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من شوال) و(من) هنا تبعيضية تفيد التجزئة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - الصائم يدعى لطعام فيقول إني صائم للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net