اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأرض المقدسة في ضوء الكتاب والسنة [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري
اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأرض المقدسة في ضوء الكتاب والسنة [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد:
فلا شك أن الكل يعلم أن معظم الأمة إنما هم غثاء ورعاع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، ولذلك هم يعيشون كغيرهم من بقية رعاع الخلق لا يعرفون لأنفسهم مهمة، كأنهم ما خلقوا لأجل غاية، إنما عاشوا لبطونهم، وشهواتهم، وأهوائهم، لا يدرون عن الدين والدنيا شيئاً، ولا يعرفون حرمة لبلد، ولا يعرفون قدسية لشعيرة من الشعائر، إنما عاشوا لأنفسهم فقط، ويموتون لأنفسهم، وتطوى صحفهم، فلا يذكرون بعد موتهم، وإن ذكروا فبكل شر.
ونحن نرى ونسمع كثيراً في كل لحظة وحين كثيراً من الناس يقول: لم هذا الضجيج وهذه الجعجعة في الحفاظ على أرض فلسطين، وعلى أرض الأقصى؟! ثم يزيد الطين بلة فيقول: ما لنا وللفلسطينيين؟! ثم ما الذي يدفعني أن يراق دمي أو يدفعني إلى دفع ولدي للجهاد هناك؟! ولم أدفع مالي وأظل فقيراً بقية حياتي لأناس من أخلاقهم كيت وكيت..؟ ويذكر بعض الأخلاق التي نهى الإسلام عنها جميع الناس ولم ينه عنها المسلمين فحسب بل نهى عنها الخلق أجمع، هذا إنسان إنما هو أنموذج لعامة الأمة، ولم يفهم القضية حق الفهم إلا أولو العلم وأهل العز الذين اصطفاهم الله عز وجل لحمل راية الإسلام والتوحيد خفاقة عالية، حتى آخر نفس من أنفاسهم.
إن القدس وإن المسجد الأقصى ليرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمكة المكرمة وبمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أرض الشام أرض الخيرات والبركات.
وتاريخ الأمة المحمدية مرتبط بها قبل أن يبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم، وتاريخ هذه الأمة منوط بالحفاظ على فلسطين من قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأننا أبناء الملة الحنيفية التي هي ملة إبراهيم عليه السلام، وفلسطين هي مهاجر إبراهيم عليه السلام، هاجر إليها من العراق والحجاز، واستقر بها عليه الصلاة والسلام مدة عظيمة من الزمان، حتى رجع مرة أخرى إلى بلاد الحجاز، فهي مهاجر أبينا إبراهيم عليه السلام، والواحد منا لو أنه ولد في بيت وباع أبوه هذا البيت ولا علاقة له منذ الطفولة بهذا البيت تجد أن الحنين والشوق يجره جراً إلى هذا البيت، وكلما مر عليه حن إليه.
فكيف لا تحن الأمة لأرض هي أرض الأحداث، وأرض الصراع بين الحق والباطل، وأرض المحشر والمنشر، وأرض أولى القبلتين، وثالث الحرمين؟
إنها أرض ذات تاريخ عريق، هذا التاريخ هو تاريخ الأمة الإسلامية، تاريخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتاريخ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وعيسى، وتاريخ محمد عليه الصلاة والسلام، هذه الأرض مرتبطة بالنبوة منذ أن بعث الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام، ولا أقول: لنا فيها حق، بل هي الحق كله، وواجب على كل واحد منا أن يبذل قصارى جهده لأخذ حقه المسلوب المغتصب ولابد.
هب لو أن واحداً صائلاً دخل بيتك واعتدى عليك وأراد أن يأخذ مالك، أو يهتك عرضك، ماذا أنت فاعل حينئذ؟ لابد أن ستدافع عن مالك، ودمك، وعرضك بكل ما أوتيت؛ حتى ترد هذا الصائل أو تقتله إن لم يندفع إلا بالقتل.
ولا تعجبني هذه الطنطنة، وهذه الدندنة؛ فمنذ نعومة أظفاري وأنا أسمع عن السلام، والسلام الشامل، والسلام العادل، فلا سلام مطلقاً، وهذا كله كذب وافتراء، وزور، وتزوير للتاريخ، ورد لكلام الله عز وجل الذي قال: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، وهذا الخطاب وإن كان موجهاً للنبي عليه الصلاة والسلام بالدرجة الأولى، إلا أنه خطاب عام للأمة إلى قيام الساعة، وهذا الخطاب بدأ بـ(لن) النافية للحال والمستقبل، أي: لا يمكن بحال -يا محمد- أن ترضى اليهود عنك ولا عن أمتك إلا أن تكفر بالله وترتد عن دينك أنت وأمتك، فلا يبقى منكم أحد على الإيمان والإسلام والتوحيد، هذه شهادة الله عز وجل، وهذا كلام الذين يدندنون حول السلام، وإنشاء دولة للمغتصبين اليهود أبناء القردة والخنازير في قلب بلاد المسلمين، فالشام هي قلب بلاد المسلمين.
أما مكة فإن فيها القبلة الدائمة إلى قيام الساعة، وأما المدينة فلوجود المسجد النبوي الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، وفيها كذلك قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهذه البلدان الثلاثة -مكة والمدينة والشام- بلدان لها قدسية خاصة، ومن زعم أن القدسية في مكة أو في المدينة دون الشام أو في الشام دون المدينة ومكة، أو في المدينة دون مكة والشام؛ فقد أعظم على الله تعالى الفرية، إنما هذه البلاد كلها ينبغي الحفاظ عليها بالدم والروح، حتى وإن لم يبق في المسلمين إلا مسلم واحد فيجب عليه أن يقاتل حتى يسترد هذا الحق المغصوب.
وإذا قلنا: إنها بلاد مباركة؛ فهل عندنا دليل على هذه البركة؟!
لابد أن يكون عندنا دليل، وإلا فلا يجوز أن نذم قطعة من الأرض أو أن نمدح أخرى إلا بنص ودليل، ولذلك صنف علماؤنا مصنفات عظيمة أخذت منها وأفدت منها إفادات جمة في هذه المحاضرة، ولو ذهبت أذكر أسماء هؤلاء الأفاضل الذين صنفوا في هذا الباب لطال المقام، ولكن بيت المقدس والشام لها ذكر في القرآن الكريم، ولها ذكر في السنة النبوية المطهرة، وهذا دليل عناية الرب تبارك وتعالى بهذه البقعة من الأرض، فالشام هي كنز من كنوز الله تعالى، وفيها كنزه من عباده كذلك، والبركة في الشام وبيت المقدس ثبتت بآيات عظيمة من كتاب الله عز وجل، وكل كلام الله تعالى عظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: معلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله تعالى ولوطاً من أرض الجزيرة والعراق إلى الأرض المباركة التي هي أرض الشام.
وقال ابن جرير : لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم كانت من العراق إلى الشام.
وقال تعالى عن نجاة موسى ومن معه بعد غرق فرعون: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف:137]، والذي كان يستضعف إنما هو موسى عليه السلام ومن معه، فقد كان موسى عليه السلام يستضعف في بلاد مصر طغى عليه الطغاة وبغى عليه البغاة حتى أخرجوه منها، فأورثه تعالى أرضاً مباركة، لكن موسى عليه السلام لم يصل إلى بلاد الشام، بل أدركته المنية قبل الوصول إلى الأرض المباركة، قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137]، فمشارق الأرض ومغاربها التي بارك الله تعالى فيها إنما هي أرض الشام كما قلنا من قبل.
وقال ابن تيمية : معلوم أن بني إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ومغاربها بعد أن أغرق فرعون في اليم.
وقال تعالى في آية أخرى في حديث موسى عليه السلام لقومه: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، أي: الطاهرة، النقية، الطيبة، المباركة، الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة:21]، والأرض المقدسة هي ما قلنا.
ومملكة سليمان وداود كانت على أرض القدس في فلسطين، لكن الخنازير اليهود أبعد الناس عن سليمان، وأبعد الناس كذلك عن داود، وهذا الهيكل المزعوم الذي تدعيه وتزعمه اليهود أبناء القردة والخنازير ليس معروفاً في تاريخ اليهود الأول، فمن أين أتوا به؟! إنما هي أكذوبات وافتراءات، قال الله تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء:81] تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي بارك الله فيها وهي أرض فلسطين أرض الشام، وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء:81]، قال ابن تيمية : إنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها مملكة سليمان. ولكن هؤلاء اليهود علاقتهم بسليمان وداود -بل علاقتهم بموسى وعيسى- منقطعة تمام الانقطاع.
وقال تعالى عن قصة سبأ في اليمن : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [سبأ:18] أي: في الشام، قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ [سبأ:18]، وهذا القرى الظاهرة إنما كانت قرى عامرة، ساكنة، آهلة بالطعام والشراب والسكان والثمار.. وغير ذلك من خيرات الله عز وجل، من اليمن إلى الشام، ولكن القوم كفروا وارتدوا عن دينهم: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ:19].
حكى أصحاب التفاسير وأهل العلم: أنه كان الواحد منهم إنما يحمل على رأسه شناً فإذا صار في الطرق تساقطت الثمار في هذا الشن حتى يمتلئ، دون أن يكلف نفسه قطف الثمار، إنما كانت تنزل في الوعاء حتى تملأه، فكفروا بهذه النعمة وقالوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ:19]، فما كانت هناك مسافات بين كل قرية وأخرى ظاهرة على الطريق، فأهلك الله عز وجل هذه القرى كلها، وباعد بين أسفارهم، قال: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:19]، أي بسبب كفرهم وردتهم، وكفرهم لنعم الله تبارك وتعالى عليهم، قال ابن تيمية : وهو ما كان بين اليمن مساكن سبأ وبين قرى الشام من العمارات القديمة.
وقال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، ربط بين المسجدين: المسجد الحرام في مكة والقبلة الأولى في بيت المقدس في الشام، ولابد أن نسأل أنفسنا: لم هذا السر؟ أو: هناك سر في هذا الربط فما هو؟ لإثبات قدسية الحرمين الشريفين: الحرم الأقصى، والحرم الأدنى أو حرم مكة، قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فهذه الآية تدل على أن أرض الشام إنما هي أرض بركة؛ لقوله: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ولم يقل: باركنا فيه، وإنما قال: ( بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) أي: ومن باب أولى أن قطعة المسجد وأرض المسجد أرض مباركة، شريفة، مقدسة، طاهرة، وكذلك الأرض التي حول هذا المسجد، نسأل الله تعالى أن تكون ديار مصر من الأرض التي هي حول هذا المسجد الأقصى المبارك.
وأقول في ذلك: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يحدد الميقات المكاني لأهل الشام حدد الجحفة المعروفة الآن برابغ، فرابغ ميقات للمصريين وميقات لأهل الشام جميعاً، ومن مر بها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة، فمن هذا الحديث رجوت الله تعالى أن تكون مصر أرض الكنانة هي من الأرض التي حول المسجد الأقصى فتنال دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كما تنال البركة التي وعد عز وجل بها بأسلوب الماضي، الذي قال: الَّذِي بَارَكْنَا [الإسراء:1]، و(بارك) فعل ماضٍ يدل على الثبوت والاستمرار والاستقرار، أي: استقرار البركة واستمرارها وعدم زوالها، فهذه الأرض -أرض الشام- أرض مباركة، وكانت مباركة، وهي مباركة منذ أن خلقها الله عز وجل وستستمر معها البركة، ولا يستطيع أعداء الله عز وجل من اليهود والنصارى وسائر ملل الكفر أن يزيلوا ولا أن يزعزعوا هذا البركة؛ لأنها متأصلة في هذه الأرض، متأصلة في أبناء هذه الأرض، ومن هاجر إليها.
وقوله تعالى: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، قال العز بن عبد السلام : اختلف العلماء في هذه البركة ما السر فيها؟ فقيل: هي بالرسل والأنبياء، وقيل: بما بارك الله فيها من الثمار والمياه، والذي له عناية أو اتصال بثمار وأطايب الطعام في أرض الشام -وخاصة فلسطين بالذات- يعلم أن هذه الأرض لها خاصية ولها ميزة، ولما كنت في بلاد الشام في الأردن كان يأتينا من هناك الزيتون، والعنب، والرمان، والبطيخ.. وغير ذلك من الثمار، فوالله! ما ذقت ثماراً ألذ ولا أطيب ولا أحلى مما أكلت في الأردن مما يأتي إليها من فلسطين، وهذا أظنه بإجماع كل من أكل من هناك.
وقال الطبري : جعلنا البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم.
وهذه البركة أطلقها الله عز وجل ولم يحددها، ولذلك قال العلماء: إذا أطلق الله تعالى البركة فليس لأحد من الخلق أن يحددها، فهي بركة في المعاش، والمعاد، والثمار، والطعام، بركة اجتماعية، بركة سياسية.
وعلى أية حال هذا الكساد في السياسة على أرض فلسطين اليوم على أيدي العميل الذي باع دينه وباع شرفه وعزته وكرامته بدراهم لليهود إنما هو يؤدي الفريضة التي فرضها عليه اليهود، فهذا العميل تربى بين أحضانهم، ثم جيء به من الخارج ليتولى زعامة البلاد، ولا يعرفه من أهل البلاد أحد، فهو رجل دخيل كدت أن أقول: إن هذا الرجل ليس عربياً، ولا يعرفه أحد من العرب، فأين تاريخ هذا الرجل؟! لابد أن يبرز هويته، هذا رجل باع كل ما حافظ عليه سلف الأمة من هذه الأرض ومن هذه المقدسات، باعها بدراهم قليلة، باعها بثمن رخيص، وهذه الأرض أغلى من كل ثمن؛ لأنها مرتبطة بالعقيدة، مرتبطة بالتوحيد، مرتبطة بالميعاد بالمحشر والمنشر، أرض تمثل الجزء العظيم -هي ومكة المكرمة والمدينة النبوية- من عقيدة الإسلام وعقيدة التوحيد، أرض هي أعز عليك من قلبك ودمك، فلا يمكن التفريط فيها قط، وإن اشترى اليهود بعض البيوت والشوارع والأراضي فإنما هذا اغتصاب وليس شراء، حتى وإن باع واحد من الشعب أرضه أو بيته ليهودي فهذا البيع باطل؛ هذه الأرض وقف للإسلام، وهذا كما لا يجوز لأحد قط أن يبيع من أرض الجزيرة شبراً ليهودي، بل لا يجتمع دينان في الجزيزة العربية قط.
فنطالب السلطات والحكومات الإسلامية أجمع بالحفاظ على هذا المقدسات الثلاثة، فأقل شيء أن تحافظوا على مشاعر هذه الأمة، وعلى الشعوب الإسلامية في ربوع الأرض كلها، الحفاظ على هذه المدن الثلاث: الشام، ومكة، والمدينة، وإذا كانوا لا يخافون الله تعالى فلا أقل من أن يخافوا سخطة الشعوب عليهم.
هذه البركة بركة ربانية ثابتة في الأرض، وهي أرض ثابتة طاهرة كما أنها أرض صدق كذلك، والصدق ضد الكذب، قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يونس:93]، أي: أورثنا بني إسرائيل هذه الأرض أرض الصدق والقدسية، لكن الذي أريد أن أنبه عليه أن اليهود هؤلاء ليسوا هم بني إسرائيل، هؤلاء لا علاقة لهم ببني إسرائيل؛ لأن إسرائيل عليه السلام -وهو يعقوب- بريء منهم، وقد تبرأ منهم قبل موته عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:93]، قال الضحاك وقتادة وابن زيد : هي الشام ومصر، وهذه بشارة عظيمة. وقرأ: إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71]، قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وهو -حقيقة- سلطان، والعلماء يقولون: الحكام فوق الناس، والعلماء فوق الحكام، إذاً: الذي هو في القمة هم العلماء، وكان في قمة القمم في زمانه العز بن عبد السلام ، كان سلطان العلماء وزينة أهل الشام ومصر، حارب، وجاهد، رجل سيرته تساوي سيرة أمة بأسرها كاملة، ولذلك نادى في الناس أن أمير مصر في زمانه ليس له إمارة حقيقية، بل هو عبد ولا يصح للعبد السيادة والريادة، حتى ذهب إليه السلطان وقال: ابسط يمينك لأقبلها، قال: خذ. فبسط له يمينه فلما قبلها السلطان قال: تنتفع بها إن شاء الله، انظر إلى هذا الذل في السلاطين إذا كانوا عصاة، وانظر إلى هذا العز الذي يتمتع به أهل العلم إذا كان بينهم وبين ربهم طاعة، وإلا فكيف يأتي سلطان ليقبل يد رجل لا سلطان له، ولا سطوة له، لا يملك سلاحاًولا عدة ولا عتاداً؟! إنما هو هيبة أهل العلم، وطاعة العلماء، وإخلاص سرائرهم لله عز وجل، فلما صفت قلوبهم مع الله صفا الله تعالى لهم، ومن كدر كدر عليه، وهي سنة الله تبارك وتعالى التي لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً.
وهي أرض ذات قرار ومعين، قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50]، وعيسى بن مريم إنما ولد بفلسطين من أرض الشام، وتربى فيها عليه الصلاة والسلام، وأقسم الله تبارك وتعالى بهذه الأرض أرض الشام الأرض المباركة، والله تعالى لا يقسم إلا بالعظيم من مخلوقاته، فإذا أقسم الله تعالى إما أن يقسم بذاته، أو صفاته، وإما أن يقسم بالعظيم من مخلوقاته، ولا يحل لأحد من خلقه أن يقسم بالمخلوق، إنما يجب علينا أن نقسم بالخالق تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته، أما الله تعالى فله أن يقسم بالعظيم من مخلوقاته، قال الله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ .. [التين:1-3] إلى آخر الآيات، فأقسم الله بالتين والزيتون، وإنما أقسم بهذه الثمار وهذا الخلق وأراد الله تبارك وتعالى بهذا القسم الأرض التي ينبت فيها التين والزيتون وهي أرض الشام بإجماع المفسرين، كما قال كعب : الزيتون بيت المقدس، قال قتادة : هو الجبل الذي عليه بيت المقدس، وقال ابن زيد : مسجد إيلياء، فأقسم الله تعالى بمنابت التين والزيتون في الشام وبيت المقدس.
وبيت المقدس أرض المحشر والمنشر، قال الله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [ق:41]، قال ابن جرير : واستمع -يا محمد- صيحة القيامة يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب. وذكر أنه ينادى بها من صخرة بيت المقدس، هذا النداء يكون من صخرة بيت المقدس.
وقال قتادة : كنا نحدث أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض.
وقال كعب : ملك قائم ينادي على صخرة بيت المقدس.
وقال بريدة: ملك قائم على صخرة بيت المقدس.
فهذا كأنه إجماع أن هذا النداء يوم الحشر الأكبر إنما يكون من بيت الله المقدس.
وقال الله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13]، قال عبد الله بن عمرو بن العاص أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه: هو السور الشرقي، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم، وهذا مباشرة خلف المسجد الأقصى.
وقال كعب : في الباب الذي في بيت المقدس.
وقال الطبري : قد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم.
هذا فيما يتعلق بفضل الشام في كتاب الله عز وجل، ولو لم يكن في كتاب الله إلا آية واحدة تذكر فضل الشام لكفى، والحر تكفيه الإشارة.
قال ابن الفقيه : أجناد الشام أربعة: حمص، ودمشق، وفلسطين، والأردن، قال ذلك في كتاب اسمه (كتاب البلدان)، قال العلماء: لم يتم تقسيم أرض الشام إلى دويلات بهذه الأسماء إلا بعد اتفاقية سايكس بيكو، لا أقول: أرض الشام فقط، بل أرض العرب والمسلمين كلها كانت شيئاً واحداً، وما كان الواحد إذا ذهب لأداء النسك عمرة أو حجاً يتعرض لهذه العراقيل، ولهذا العنت، ولهذه المشقة التي نلقاها في هذا البلد أو غيره من البلاد، والأرض لله عز وجل، وكل واحد قائم على أمر بلد يتحكم فيها وكأنه المالك الحقيقي لها، ألا فليتق الله الجميع، فإن كل الخلق في قبضة الله عز وجل، والأرض أرض الله عز وجل، والملك ملكه، ولو شاء الله تعالى أن يأخذ الجبابرة جميعاً في أقل من طرفة عين لفعل، ولكنها السنن الكونية: كيفما تكونوا يول عليكم، أعمالكم عمالكم من جنسكم سلطها الله تبارك وتعالى عليكم.
قال ابن الفقيه : إقليم الشام جرير الشام، ديار النبيين، ومركز الصالحين، ومطلب الفضلاء، به القبلة الأولى، وموضع الحشر والمسرى -مسرى نبينا عليه الصلاة والسلام- والأرض المقدسة، والرباطات الفاضلة، والثغور الجليلة، والجبال الشريفة، ومهاجر إبراهيم، وقبر وديار أيوب، وبئره هناك، ومحاريب داود وبابه هناك، وعجائب سليمان ومدنه هناك، وتربة إسحاق وأمه، ومولد المسيح ومهده، وقرية طالوت ونهره، ومقتل جالوت وحصنه، وجب أرنيا وحبسه، ومسجد أوربا وبيته، وقبة محمد وبابه، وصخرة موسى، وربوة عيسى، ومحراب زكريا، ومعرك يحيى، ومشاهد الأنبياء، وقرى أيوب، ومنازل يعقوب، والمسجد الأقصى وقبر موسى، ومضجع إبراهيم ومقبرته هناك، وموضع لقمان ووادي كنعان، ومدائن لوط، وموضع الجنان، والباب الذي ذكره الرجلان، والمجلس الذي حضره الخصمان، وقبر مريم، وراحيل، ومجمع البحرين، مع مشاهد لا تحصى، وفضائل لا تخفى، وفواكه ورخاء، وآخرة ودنيا، به يرق القلب وتنبسط الأعضاء للعبادة.
أولاً: أرض الشام أرض البركة، والخير، والطهر، والعفاف، ومستقر الإيمان في الفتن، وحصن الإسلام وبها عموده.
عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يا طوبى الشام! يا طوبى الشام! يا طوبى الشام! قالوا: يا رسول الله! وبم ذاك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام)، فملائكة الله عز وجل تبسط أجنحتها على الشام خاصة من دون بلاد الله عز وجل، فأي شيء أطيب من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الشام بطيب العيش والراحة، وحراسة الملائكة، وحفظها للشام وأهله؟! قال العز بن عبد السلام : أشار صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى وكل بها الملائكة يحرسونها، ويحفظونها.
وهذا موافق لحديث عبد الله بن حوالة الذي سيأتي بإذن الله.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من خلقه).
إذاً: هذه البلاد هي صفوة البلاد، وساكنها هم خيرة عباد الله عز وجل، قال: (فمن أبى فليلحق بيمنه)، أي: فمن أبى أن يسكن بلاد الشام فليسكن في اليمن، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن اليمن وإن كان فيها فضل إلا أنه يقل عن فضل أهل الشام وبلاد الشام، ولذلك أثنى النبي عليه الصلاة والسلام على اليمن، فلما دخل أهل اليمن على النبي عليه صلى الله عليه وسلم قال: (أتاكم أهل اليمن أرق الناس أفئدة، وألينهم قلوباً، الفقه يمان، والإيمان يمان، والحكمة يمانية)، وما زلنا نلحظ الطيب وحسن الخلق في أهل اليمن, وإنا -والله- نحبهم في الله، بل نحب كل مسلم في الله عز وجل على قدر ما فيه من طاعة، ونبغضه على قدر ما فيه من معصية، وهذا أصل من أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة: ألا يعقد الحب والبغض إلا في الله، فمن أعظم شعب الإيمان: الحب في الله والبغض في الله.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين في هذا الحديث فضل أهل اليمن، إلا أن فضل أهل الشام فوقهم في الفضل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من خلقه، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليسق من غدره)، والغدر: جمع غدير، وهو الطريق في الأرض، أو الوعاء يجمع فيه الماء، وسمي غديراً لأنه يغدر بأهله في وقت الحاجة والشدة.
قال: (فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله)، أي: هو الذي حفظ ورعى وصان، قال المناوي: الشام مصطفاة من بلاده -أي: هي أرض اصطفاء وبركة- يجمع إليها المختارين من عباده، ضمن حفظها وحفظ أهلها القائمين بأمر الله.
وعن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة)، يعني: سيئول أمر الأمة في آخر الزمان إلى أن تكون هذه الأمة جنوداً، (جنداً بالشام، وجنداً باليمن، وجنداً بالعراق، قال ابن حوالة : خر لي يا رسول الله!)، أي: اختر لي في أي الأجناد أكون بجند الشام، أم اليمن، أم العراق؟ قال عليه الصلاة والسلام: (عليك بالشام حينئذ؛ فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله)، قال ربيعة : فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه، يعني: من تولى الله تعالى كفالته ورعايته فلا يضيع أبداً، إذا كان الله تعالى تكفل بحفظ الشام فمن يضيعهم إذاً؟ لا يضيعون أبداً رغم أنف اليهود الحاقدين.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعبد الله بن حوالة : (أتدري ما يقول الله تعالى في الشام؟ إن الله تعالى يقول: يا شام! أنت صفوتي من بلادي أدخل فيك خيرتي من عبادي، إن الله تكفل لي بالشام وأهله)، وهذا ثناء، ومدح، وحفظ، ورعاية من الله تعالى، وبشارة عظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الشام، وهناك في نفس هذا المعنى أحاديث كثيرة جداً.
وقال العز بن عبد السلام : أخبر صلى الله عليه وسلم أن الشام في كفالة الله تعالى، وأن ساكنيه في كفالته وحياطته، ومن أحاطه الله تعالى وحفظه فلا ضيعة عليه، ولا يزال العلماء في كل عصر يوصون بسكنى الشام؛ لفضل الشام وفضل أهلها، وخير دليل على ذلك تحطم جميع الحملات الصليبية التي توجهت لبلاد الشام، وتحطيم هؤلاء التتار على أرض الشام، وجعله الله تبارك وتعالى مقبرة تبتلع أصحاب الحملات الصليبية وكذلك التتار، فكانت أرض الشام مقبرة لأعدائها على طول التاريخ وعرضه.
قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تخرب الشام قط إلا قبيل قيام الساعة) بعد أن يبعث الله ريحاً طيبة من أرض الشام فتقبض روح كل عبد مؤمن ومن في قلبه ذرة من إيمان أو خير، ولا يبقى في أرض الشام حينئذ إلا شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، لكن خراب المدينة قبل خراب الشام، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولا تخرب الشام حتى تخرب يثرب)، يعني: المدينة خرابها أولاً قبل خراب الشام، وهذا يدل على عظم الشام، والثبات الإيماني بها إلى آخر لحظة من حياة أهل الإيمان والتوحيد.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا به نور ساطع عمد به إلى الشام -يعني: ذهب به إلى الشام- ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام)، ألا إن الإيمان والأمن إذا وقعت الفتن بالشام، وهذا لا يعني أنه لا يكون في أرض الشام فتن، لكنها أقل نسبة، فلو نظرنا إلى الفتن التي تقع الآن بفلسطين، وقسناها بما يقع من فتن في بلاد العالم أجمع لجموع المسلمين العزل لعلمنا أن الله تبارك وتعالى ما زال مثبتاً وحافظاً لأهل الشام في وجوه أعدائهم من اليهود، وكلنا يلحظ ذلك.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به -يعني: يذهب بغير رجعة- فأتبعته بصري -أي: فظللت أنظر إليه- فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حيث تقع الفتن بالشام).
قال العز بن عبد السلام : أخبر صلى الله عليه وسلم أن عمود الإسلام الذي هو الإيمان يكون عند وقوع الفتن بالشام، بمعنى: أن الفتن إذا وقعت في الدين كان أهل الشام برآء من ذلك ثابتين على الإيمان، وإن وقعت في غير الدين كان أهل الشام عاملين بموجب الإيمان ومقتضاه، وأي مدح أتم من ذلك لأهل الشام؟! والمراد بعمود الإسلام ما يعتمد أهل الإسلام عليه، ويلتجئون إليه، والعيان شاهد لذلك، فإنا رأينا أهل الشام على الاستقامة التامة، والتمسك بالكتاب والسنة عند ظهور الأهواء واختلاف الآراء.
فعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم)، يعني: يا معشر الأمة! وقال: (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)، إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام أن جموع الطائفة المنصورة المجاهدة المقاتلة العالمة الداعية الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر جموعها في أرض الشام، وهذا لا ينفي أن يكون بعض هذه الطائفة في غير بلاد الشام في جموع الأرض كلها، وقد اختلف أهل العلم في هذه الطائفة المنصورة من هم؟ فقيل: هم أهل الحديث، وقيل: أهل العلم كافة، وقيل: هم المجاهدون، وقيل: هم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، ولا مانع عندي أن تكون الطائفة المنصورة هي من مجموع أولئك جميعاً.
وقد وردت نصوص عن الإمام أحمد وغيره أن الطائفة المنصورة هي طائفة أهل الحديث، فالطائفة المنصورة في زمانه كانت هي أهل الحديث حقيقة، لكن هل يلزم من ذلك أن يكونوا هم أهل الحديث في كل زمان ومكان؟ عندي أنه لا يلزم ذلك، بل ربما تكون الطائفة المنصورة من الحراس، والزراع، والصناع، والتجار، في شرق الأرض وغربها ما داموا عاملين بالكتاب والسنة، داعين إلى الكتاب والسنة، منافحين مدافعين إلى آخر قطرة ونفس عن الكتاب والسنة، وعن دينهم وشريعة ربهم، فلا مانع عندي أن يكونوا هم من الطائفة المنصورة، فأهل الشام هم ميزان قسط لأهل الإسلام، وأمة الإسلام، وكذلك تعرف أمة الإسلام بمدى قربها أو بعدها عن دينها بالنظر إلى أهل الشام، فكلما كان أهل الشام أكثر قرباً من دينهم وأكثر تمسكاً به كانت أمة الإسلام بخير، والعكس بالعكس.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهماً قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، مرتين أو ثلاثاً، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟! فقال النبي: من هناك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الشر)، وعن عبد الله بن عمر في تمام الرواية: (فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت عليه الصلاة والسلام، ثم أعاد الرجل: وفي عراقنا؟ فسكت، ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم اجعل مع البركة بركة -يعني: مع البركة بركة أخرى- والذي نفسي بيده! ما من المدينة شعب ولا نقب إلا وعليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا عليها..)، وذكر الحديث طويلاً، فهنيئاً لمن تعلق نسبه بالمصطفى عليه الصلاة والسلام، وتعلقت أسبابه بأسبابه، فالأسباب كلها منقطعة إلا سبباً واحداً وهو التعلق بالله تعالى ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.
فهذه النار تخرج من حضرموت من اليمن فتظل تحشر الناس وتسوق الناس أمامها حتى يتكدس ويجتمع الناس في الشام، فحينئذ تقوم الساعة.
قال: (وأما الولد فإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها -إما في الشبه أو الأنوثة- وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه -أي: في الذكورة أو الشبه-، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، قال عبد الله بن سلام : آمنت بالله وأنك رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: أترى -يا عبد الله بن سلام- إذ سألتني ما كان عندي من علم حتى نزل علي جبريل فأخبرني بما أجبتك، قال: جبريل يا رسول الله، ذاك عدو اليهود من الملائكة)، يعني: أن اليهود يعادون ملائكة الله! فاليهود اتخذوا من الملائكة أعداء، فهل يمكن أن يسالموا أحداً، أو يصالحوا أحداً؟ لا يمكن، وهذه غفلة عظيمة جداً من المسلمين حكاماً ومحكومين، وغلط في ظنهم باليهود خيراً، وأنهم يمكن أن يصلوا في لحظة من اللحظات إلى عقد الصلح والأمان مع المسلمين، هذا خبل وجنون، ولو تصوره متصور من المسلمين فلا يمكن أن يكون، والله تعالى قضى عليهم بأنهم لا يمكن أن يقبلوا ذلك ولن يرضوا عنا أبداً حتى نترك ديننا إلى غير دينهم؛ لأن غرورهم يأبى عليهم أن يدخل في دينهم أحد، وإنما يكتفون بأن يخرج الناس من دينهم إلى الكفر العام لا إلى اليهودية؛ لأنهم يظنون أنهم هم الجنس المثالي والشعب المثالي شعب الله المختار كما كانوا يقولون ذلك آنفاً، وما سمعت هذا الكلام منذ فترة طويلة، فلعلهم كفوا عن ذلك؛ لعلمهم أن العالم سمع بهذه الشعارات المزيفة وآمن بها، وحسبنا أننا نوقن تمام اليقين: أن اليهود هم سفلة الخلق، وشر الخلق، ولا يمكن أبداً عقد صلح معهم، وإذا كنت أريد أن أقول كلمة حاسمة في هذا الأمر فأقول: والله العظيم! والله العظيم! والله العظيم! لا ترجع القدس ولا غيرها من بلاد الإسلام، ولا يرجع شرف المسلمين وعز المسلمين إلا بإعلان راية الجهاد في وجه كل يهودي، لا أقول: في فلسطين، بل في ربوع الأرض كلها، والتخلص منهم حتى آخر واحد فيهم، وكذلك النصارى، فلابد من معركة حاسمة، وستكون هذا المعركة على أرض فلسطين، المعركة الحاسمة بين الحق والباطل بين الإيمان والكفر إنما مسرحها ومسرح أحداثها على أرض فلسطين، وكذاب من يقول غير ذلك، فالحل هو الجهاد في سبيل الله.
وبعضهم يقولون: الجهاد خراب، ودمار، وضياع للأموال، وتخريب البيوت، وهذا كلام من لا يعرف شرف الجهاد، فالجهاد عز الأمة وشرفها، وكرامتها، وإذا كان الجهاد خراباً وفساداً ودماراً فهذه الخمر التي تقتل الآلاف من الشباب في كل يوم، يقتلون ويصعقون في الشوارع بسبب شربهم للخمر، وينامون كالكلاب بعضهم على بعض في الشوارع والطرقات، أليس هذا فيه ما يحث المسلم على أن يحافظ على شرفه وكرامته؟! فهل الجهاد مضيعة للأبدان والأموال والدماء والأعراض؟! فالجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وهو سبب الخلاص من هذا الضياع الذي تمر به الأمة، فالأمة ما تركت معصية أرسل الله تعالى لها نبياً خاصة إلا وقعت فيها، من التطفيف في الكيل والميزان، وشرب الخمر، واللواط، والسرقة، والزنا، وما من معصية خص الله تبارك وتعالى بقوم نبياً لهم يدعوهم للتخلص من هذه المعصية وهذه السقطة إلا وقعت هذه الزلة وهذا المعصية في الأمة حتى صارت إلفاً مألوفاً، فكأن هذا الأمة الآن جمعت بين شرور الأمم السابقة كلها، فهي أمة جديرة بأن تسحل وتسحق من على وجه الأرض، ولكن ذلك مخالف لفضل الله وسنة الله تبارك وتعالى، ووعد الله؛ لأن هذه أمة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك كتب الله تعالى على لهذه الأمة البقاء إلى قيام الساعة، رغم ما يقع فيها من معاص، وزلات، وأخطاء؛ فإن الله تبارك وتعالى يكفر هذا بالأمراض، والبلايا، والفتن، والزلازل، والبراكين.. وغيرها، ويكفرها كذلك بتسلط أبناء القردة والخنازير حتى جعل الله تعالى -بسبب معاصينا- نعال اليهود فوق هاماتنا، وهذه سنة كونية قدرية لا بد من تنفيذها.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان، فدوروا مع القرآن حيث دار).
فهذه أوامر وتوجيهات وإرشادات نبوية، ولكننا أبينا إلا التخلي عن هذا المنهج المعصوم وحي السماء الذي هو كلام الله عز وجل، وكلام رسوله الذي لا ينطق عن الهوى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]، فكان لابد من إنزال العقوبة، والعقوبة كما ترون.
نسأل الله أن يحفظ ديار المسلمين جميعاً.
وقال عبد الله بن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهجر إبراهيم عليه السلام -أي: الشام- حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الله -وفي رواية: روح الرحمن عز وجل- وتحشرهم النار مع القردة والخنازير تقيل حيث يقيلون وتبيت حيث يبيتون وما سقط منهم فلها)، هذا النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الهجرة إلى أرض الشام هجرة بعد هجرة وهجرة بعد هجرة، يعني: هجرات متتابعة متواصلة، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا كلهم يحبون أن يذهبوا إلى سوريا لولا ما فيها من طغيان، وكلهم يحب أن يذهب إلى الأردن، وكلهم يتشوق شوقاً عجيباً إلى الذهاب إلى بيت المقدس والصلاة فيه ولو ركعتين، فلا تزال أنفس الموحدين تشتاق إلى زيارة بلاد الشام.
وهذا فضيلة أخرى للشام: أن من يأتيها ويقيم بها من أهل الصلاح للمرابطة هم خير أهل الأرض، يعني: للجهاد في سبيل الله عز وجل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب عظيم له (مناقب الشام وأهله): فقد أخبر أن خير أهل الأرض من ألزمهم مهاجر إبراهيم، بخلاف من يأتي إليه ثم يذهب عنه، ومهاجر إبراهيم هي الشام، وقد جعل مهاجر إبراهيم يعدل مهاجر نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الهجرة إلى مهاجره انقطعت بفتح مكة، وهذا ما قلناه تفصيلاً.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الطائفة ثلة قليلة، فقال: (لا تزال طائفة..)، أي: مجموعة من الناس قليلة لكنها قائمة بأمر الله، ظاهرة، ومهما عاداها الأعداء وناوأها المناوئون فإن ذلك لا يضرهم، ولا يفت في عضدهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على ذلك، ولذلك الناظر إلى هذه الثلة المؤمنة من أهل العلم والمشايخ الكبار يجد أن العالم بأمة كاملة، فمَن مِن الناس لا يسمع عن أئمة الهدى في كل زمان ومكان؟ ربما لا تسمع عن كثير من الحكام والسلاطين والأمراء ولا تعرف أسماءهم؛ لأنهم كثيرون جداً، أما العلماء فهم طائفة قليلة مشهورة ظاهرة قائمة بالحق لله عز وجل بإخلاص وصدق، ولذلك ملكوا قلوب العباد، ومن أعظم ما يدل على أن العالم فوق الحاكم أن الناس في داخلهم يحبون التقرب إلى الله بطاعة أهل العلم.
وحديث: (لا تزال طائفة من أمتي..) كاد أن يبلغ حد التواتر، لكن في بعض الروايات بين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الطائفة هم أهل الشام، ولا مانع أن يكونوا في الشام وغيرها كما تقدم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض، فإذا تصافوا..) أي: وقف جيش الإيمان في مقابلة جيش الكفر (قالت الروم: خلوا بيننا وبين من سبوا منا -يعني: أخذوا منا سبايانا- نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا -والله- لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فينهزم ثلث الجيش، لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، كأن الشام تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الحديد..) إلى آخر الحديث.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).
وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي الدرداء : (فسطاط المسلمين يوم الملحمة)، أي: في يوم الملحمة الكبرى التي يسميها الآن اليهود والنصارى: معركة هرمجدون، ولعلكم تسمعون بهذه المعركة، والنبي عليه الصلاة والسلام أسماها الملحمة الكبرى، واليهود والنصارى وبعض من يحلو له أن يردد مصطلح اليهود والنصارى في كتبه ومحاضرته ومقالاته يقول: معركة هرمجدون، ومجدو: اسم قرية في الشام تبعد عن تل أبيب حوالي خمسة عشر ميلاً، هذه الأرض اليهود يعلمون أن المعركة الحاسمة والملحمة الكبرى بينهم وبين المسلمين في آخر الزمان إنما تكون في هذه الأرض، في أرض مجدو، أو في قرية مجدو، أو في جبل مجدو، وهي التي يعبر عنها اليهود والنصارى بمعركة هرمجدون.
أما النصوص فتقول: هي المعركة الكبرى أو الملحمة الكبرى، والله تعالى يكتب فيها النصر والتأييد لأهل الإيمان، ويقتلون من اليهود مقتلة عظيمة جداً، فيفرون ويتيهون في سائر بقاع الأرض كما تاهوا فيها في زمن موسى عليه السلام، وهذه بشارات عظيمة جداً، وأن النصر والتأييد والفوز والفلاح والسؤدد والريادة لأهل الإيمان والإسلام، لكن القضية الآن أنه لا يهزم اثنا عشر ألفاً من قلة، وجيوش المسلمين تبلغ ملايين الناس.
لكن أين الاثنا عشر ألفاً بشروطهم، الذين لا يهزمهم جيش؟!
والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا صلى أربعون من أهل الإيمان على رجل شفعهم الله فيه)، لم يقل: أربعون فقط، أو مائة فقط، بل حدد لهم شروطاً: أن يكونوا من أهل الإيمان والتوحيد، لا يشركون بالله عز وجل في قول ولا فعل، وإذا نظرت إلى جموع الآلاف الذين يصلون على جنائز المسلمين نظرت في نفسك فارتد إليك بصرك وعقلك مرة أخرى هل في هؤلاء -وأنا منهم- أربعون موحدون؟ فليست العبرة بالعدد، وكم من جماعة قامت على العدد فلم يغن عنها العدد شيئاً، فيها كل البلايا والطامات.
الاهتمام بتربية النشء المسلم، والفرد المسلم على كتاب الله وصحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو المنهج الأمثل، بل هو المنهج الأوحد الذي يرجى من ورائه الخير، بل لو تربى المرء على هذا المنهج الذي عبر عنه السابقون واللاحقون بالتصفية والتربية، تصفية العلم والسنة وكتب التاريخ والتراث مما علق بها من إسرائيليات وخرافات وأحاديث باطلة ضعيفة، وتربت الأجيال بعد ذلك على هذا المنهج المصفى لكان هذا هو النعيم بعينه، وكان هذا هو الخير كله، ولا خير في الأمة إلا بهذا المنهج.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق)، إذاً: الملحمة الكبرى ستكون على أرض كانت تسمى في زمان النبي عليه الصلاة والسلام الغوطة، ولا يزال اسمها معروفاً إلى الآن بالغوطة، يسمونها: غوطة دمشق، وهي قرية قريبة من دمشق.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام -فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه-: (إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي أكرم العرب فرساً وأجودهم سلاحاً يؤيد الله بهم الدين).
و ابن القيم يقول: لكل مسمى حظ من اسمه سلباً أو إيجاباً، فهو اسمه مصطفى وما فيه شيء من الاصطفاء، وأبوه كمال ولا فيه شيء من الكمال.
وفي الحديث: (ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق)، ويهلك شيخ الضلالة المسيخ الدجال الذي يقتله عيسى بن مريم بيده.
الرابع عشر: أرض الشام هي أرض المحشر والمنشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بالنص: (الشام أرض المحشر والمنشر).
قال الحافظ ابن رجب : ومن بركات الشام الدينية أن نور النبي صلى الله عليه وسلم سطع إليها، والمقصود بنور النبي شرعه الذي جاء به عليه الصلاة والسلام، فأشرقت قصور الشام بنور الوحي الذي أتى مع النبي عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك أول مبدأ دخول نوره الشام صلى الله عليه وسلم، ثم دخلها نور دينه وكتابه فأشرقت به وطهرها الله تعالى مما كان فيها من الشرك والمعاصي، ثم كان مهاجره إلى المدينة النبوية، وإن تمام أمره وعمود ملكه سيكون في الشام حيث رأت أمه قصور الشام.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! ما كان أول بدء أمرك؟ فقال النبي: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي نوراً أضاءت منه قصور الشام).
وعن العرباض بن سارية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام).
وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله وسلامه عليهن، قال الحافظ ابن كثير : وفي هذا الحديث وغيره بشارة لأهل محلتنا -لأن ابن كثير كان دمشقياً من بصرى- وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، قبل أن يظهر في مكة والمدينة ظهر في الشام عند ولادته عليه الصلاة والسلام، قال: وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص -يعني: ذهب- إليها وظهر فيها نور النبوة ولله الحمد والمنة، ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحاً في خلافة أبي بكر .
اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأرض المقدسة في ضوء الكتاب والسنة [1] للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري
http://audio.islamweb.net