اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الطحاوية [74] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح العقيدة الطحاوية [74] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
من عقيدة أهل السنة والجماعة التصديق بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان، وكله حق يجب اتباعه، وسواء كان من أخبار الآحاد أو المتواتر، فإنها تفيد العلم اليقيني في أبواب الاعتقاد أو الأحكام والشرائع، أما من لجأ إلى عقله وحكم هواه ورد به أحاديث الآحاد أو ما لا يوافق عقله، فهذه من طرق أهل البدع في الاستدلال، وقد كان للسلف دور كبير في كشف استدلالات أهل الأهواء وبينوا ما فيها من فساد وخلل.
جميع ما صح عن رسول الله من الشرع حق والرد على الجهمية في ردهم أخبار الآحاد
قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق) يشير الشيخ -رحمه الله- بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان: متواتر وآحاد.فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة؛ فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ].هذا القول من عقائد الجهمية، والمعتزلة تبع للجهمية في هذه المسألة؛ لأن السلف في مثل هذا الموضوع أو مثل هذه القضية لا يفرقون بين المعتزلة والجهمية، بل يسمون الجميع جهمية؛ لأن كل من عطل أو قال بقول مؤد إلى التعطيل أو التزم التأويل منهجاً في العقيدة يسميه السلف جهمياً، فعلى هذا يكون أول من ابتدع بدعة التفريق في الأخبار بين الآحاد والمتواتر، وجعل الآحاد دون المتواتر في الاحتجاج به هم الجهمية، ومن خلال الجهمية انتقل هذا الأصل الباطل إلى الرافضة؛ لأن الرافضة تحولوا إلى جهمية، ومتأخرة الخوارج كذلك قالوا بهذا القول، وإلى الآن يتبنونه. ثم إن هذا الأصل أيضاً موجود عند متكلمة الأشاعرة والماتريدية، بل أكثر الأشاعرة والماتريدية يقولون بهذا القول، أي: يفرقون في مسألة الأخبار بين الآحاد والمتواتر.وتقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر من الناحية الفنية العلمية تقسيم صحيح، فمعلوم أن الأخبار فيها متواتر من حيث السند وفيها آحاد، لكن تقسيمها من حيث القبول والرد على هذا النحو هذا هو البدعة، وهو من أبواب الضلالة التي استهدفت العقيدة ومصادر الدين، ومنهج الاستدلال الذي اتفق عليه سلف الأمة، فهذا الأصل صار الآن من أصول الأشاعرة والماتريدية، خاصة بعدما تبناه أكابر المتكلمين من الأشاعرة، أمثال أبي المعالي الجويني والرازي المسمى بـفخر الدين ، وكل منهما أصل هذه القضية، إلا أن الرازي فرع عليها فروعاً كثيرة وجعلها من الأساسيات في تقرير العقيدة في كتابه (أساس التقديس)، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة وغيرها بردود مفصلة من خلال كتاب (بيان تلبيس الجهمية)، كما رد عليه ابن القيم في كتابين أيضاً: في الصواعق المرسلة، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية، وقولهم بأنها لا تفيد اليقين، هذا قول التزموه وليس من لوازم قولهم، بمعنى: أنهم زعموا أن الأدلة اللفظية المتواتر منها والقطعي لا تفيد اليقين، ويقصدون باللفظية التي لا تخضع لقواعدهم، ما دامت مجرد ألفاظ في الكتاب والسنة لا تخضع لقواعدهم فلا تفيد اليقين حتى يحتكم فيها إلى القواعد العقلية.بمعنى أنهم يقولون: إن الأخبار الواردة في الأمور الغيبية -كأسماء الله وصفاته- تبقى دلالتها ظنية، ولا نجزم بأن دلالتها قطعية حتى تعرض على ما يسمونه بالقواطع العقلية، فما وافق هذه القواطع أخذوا به لفظاً ومعنى، وما خالف قواطعهم -كما زعموا- أولوه إلى معان يختلفون عليها اختلافاً كثيراً، فمن هنا زعموا أن الدلالات اللفظية -أي: دلالات القرآن على أسماء الله وصفاته وأفعاله- لا تصير إلى شيء.
 

سد الجهمية طريق معرفة الرب بالقدح في دلالة النصوص على الصفات
قال رحمه الله تعالى: [ وبهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات، قالوا: والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتج بها من جهة طريقها ولا من جهة متنها، فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول، وأحالوا الناس على قضايا وهمية ].يقصد بذلك أن كثيراً مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الدين ورد بطريق الآحاد، ثم إنه حينما ورد ذلك قبله الصحابة وقبله التابعون وأئمة الهدى، فهو عند السلف يفيد العلم، بل كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بآحاد أو تواتر فإنه يعد من مصادر الدين الأساسية، وسيذكر المؤلف أصل هذه القاعدة، والذي يتلخص أن سلف هذه الأمة عنوا بالأسانيد عناية فائقة قطعت الشبهة أو الشك في أي حديث يرد ويثبت بإسناد صحيح..فإذا كنا عرفنا أن السلف عنوا عناية فائقة فصار عندهم تمييز قاطع بين الصحيح وغير الصحيح؛ فهذا يعني أنه لا يمكن أن يقال بأن حديث الآحاد أو خبر الآحاد لا يعتمد عليه في الدين.قال رحمه الله تعالى: [ وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وهي في التحقيق كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:39-40]، ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص، فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص، ولم يظفروا بقضايا العقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية، ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح الموافق للفطرة السليمة.بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته وما ظنه معقولاً، فما وافقه قال: إنه محكم وقبله واحتج به، وما خالفه قال: إنه متشابه ثم رده وسمى رده تفويضاً! أو حرفه وسمى تحريفه تأويلاً! فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم ].
 

أصول أهل التأويل والتعطيل في دلالات النصوص

 عرض النصوص على البدع
ثم ذكر الأصل الرابع فقال: [ بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته ]، يعني: أنهم جعلوا بدعهم وأصولهم هي الأصل وهي الحكم، والنصوص محكوماً عليها، فما وافق عقلياتهم قالوا بأنه محكم وقبلوه واحتجوا به، وما خالف عقلياتهم زعموا أنه متشابه، ثم إذا زعموا أنه متشابه اختلفوا في الموقف منه، فمنهم من رده، بمعنى: أنه لم يعتقد دلالته، ثم آل إلى الشك وفوض المعاني إلى غير اعتقاد، يعني: جعل الألفاظ بلا معان، وفوضها إلى علم الله، مع أن هذا أمر لا يصح؛ لأن الله عز وجل تكلم بالقرآن بلسان عربي مبين، وله حقائق ومعان، فتفويض المعنى يعني أنه لن يعتقد أن للنصوص معاني، فيبقى بلا عقيدة؛ لأن من فوض على هذا النحو فإنه سيبقى بلا عقيدة، ومنهم من حرف، بمعنى: أنه أول بمختلف أنواع التأويلات؛ لأن هناك من أول تأويلاً بعيداً وهناك من أول تأويلاً قريباً، لكن لا يدل على الحقيقة المرادة من النص.ومنهم من عطل تعطيلاً مطلقاً، بمعنى: أنه لم يفوض ولم يحرف ولم يؤول، إنما اعتقد أن ألفاظ القرآن والسنة مجرد ألفاظ تخييلية أو تشبيهية أو تمثيلية .. إلى آخر ذلك من المعاني التي زاغوا بها عن الحق واتبعوا الفلاسفة.
طريق أهل السنة في اعتبار دلالات النصوص
قال رحمه الله تعالى: [ وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله، وكما قال البخاري رحمه الله: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي رحمه الله، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال رجل للشافعي : ما تقول أنت؟! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟! تراني في بيعة؟! ترى على وسطي زناراً؟! أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! ونظائر ذلك في كلام السلف كثير.وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] ].
 عرض النصوص على البدع
ثم ذكر الأصل الرابع فقال: [ بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته ]، يعني: أنهم جعلوا بدعهم وأصولهم هي الأصل وهي الحكم، والنصوص محكوماً عليها، فما وافق عقلياتهم قالوا بأنه محكم وقبلوه واحتجوا به، وما خالف عقلياتهم زعموا أنه متشابه، ثم إذا زعموا أنه متشابه اختلفوا في الموقف منه، فمنهم من رده، بمعنى: أنه لم يعتقد دلالته، ثم آل إلى الشك وفوض المعاني إلى غير اعتقاد، يعني: جعل الألفاظ بلا معان، وفوضها إلى علم الله، مع أن هذا أمر لا يصح؛ لأن الله عز وجل تكلم بالقرآن بلسان عربي مبين، وله حقائق ومعان، فتفويض المعنى يعني أنه لن يعتقد أن للنصوص معاني، فيبقى بلا عقيدة؛ لأن من فوض على هذا النحو فإنه سيبقى بلا عقيدة، ومنهم من حرف، بمعنى: أنه أول بمختلف أنواع التأويلات؛ لأن هناك من أول تأويلاً بعيداً وهناك من أول تأويلاً قريباً، لكن لا يدل على الحقيقة المرادة من النص.ومنهم من عطل تعطيلاً مطلقاً، بمعنى: أنه لم يفوض ولم يحرف ولم يؤول، إنما اعتقد أن ألفاظ القرآن والسنة مجرد ألفاظ تخييلية أو تشبيهية أو تمثيلية .. إلى آخر ذلك من المعاني التي زاغوا بها عن الحق واتبعوا الفلاسفة.
الرد على الجهمية ومن سلك مسلكهم في رد خبر الآحاد

 أخبار أئمة الحديث المشتغلين به تنفي وقوع الشك في صحة ما رووه وتلقوه بالقبول
قال رحمه الله تعالى: [ وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب، ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث ].قوله: [ خبر الآحاد وإن كان يحتمل الصدق والكذب ]، أي: قبل أن يحرر، وهذه قاعدة معلومة عند العقلاء، فمجرد خبر يأتيك عن أحد يحتمل الصدق والكذب حتى يحرر، فإذا حرر ثبت بالقرائن أو بصدق الراوي.فيكون الخبر معلقاً بين الصدق والكذب قبل أن يحرر، فإذا حرر عرف هل هو صدق أو كذب، فكل خبر يحتمل الصدق والكذب حتى يثبت بطرائق الثبوت المعروفة عند العقلاء، أو بالطرق الشرعية.قال رحمه الله تعالى: [ ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث والبحث عن سيرة الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، فهم يزك الإسلام وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث.فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم؛ ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه، ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم صلى الله عليه وسلم وسيرته وأخباره ما ليس لغيرهم به شعور، فضلاً أن يكون معلوماً لهم أو مظنوناً.كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك؛ لعد ذلك جهلاً كثيراً ] يقصد بذلك أن الذين يؤخذ عنهم القول الفصل في مسألة خبر الآحاد هم أهل الحديث الذين عنوا به، حيث كانوا يفرقون بين الأحاديث بمختلف درجاتها، ويعرفون الصحيح من السقيم، وما الذي يعتمد عليه في الدين وما الذي لا يعتمد عليه، ومصداق قول الشارح أنا لا نعرف من أئمة الحديث الكبار المعتد بهم المقتدى بهم في الدين من يتردد في قبول خبر الآحاد إذا ثبت بسند صحيح، بل يتورعون عن الكلام فيه أشد التورع، ولا يجرؤ أحد من أئمة الحديث الكبار على ذلك؛ لأنه عرف مسالك القبول في الحديث من عدمه، فما نعرف أن أحداً منهم يتردد في الحديث مثل تردد الذين ليس لهم علم بالحديث، فلذلك هذا القول لم يقل به -فيما أعلم- أحد من أئمة الحديث المعتد بهم، إلا أنه قد يوجد من أئمة الحديث من قال ذلك بسبب نزعته، فهذا النوع تغلب عليه النزعة إلى مذهبه المخالف، من حيث يشعر أو لا يشعر، أما الذين لا ينتمون إلى الفرق ولا إلى الجماعات -بمعنى: ليس لهم مناهج تخالف مناهج أهل السنة- فلا يعرف أن منهم من تردد في هذه المسألة، وهي أن الحديث إذا ثبت بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل، ولا يفرقون بين العقائد والأعمال، ولا يقولون بأنه ظني. وقد يتفلسف بعض المتكلمين فيقول: إني أقصد أنه ظني في أصل منشأ الخبر، لكن هذا ينبغي أن لا يقال في الأحاديث، فإذا صح أن نقول في أخبار الناس: إن الأصل فيها الظنية حتى تثبت؛ فلا يصح أن يقال ذلك فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أهل العلم المختصون: إنه صحيح يجب قبوله بدون تردد، ولا يعرض لهذه الأوهام التي قد تصح في غير الوحي.
شبهة النفاة في رد دلائل الأحاديث الصحيحة
قال رحمه الله تعالى: [ ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته خواطرهم وأفكارهم ردوه بـ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] تلبيساً منهم وتدليساً على من هو أعمى؛ قلباً منهم وتحريفاً لمعنى الآية عن مواضعه، ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين، ثم استدلوا على بطلان ذلك بـ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، تحريفاً للنصين، ويصنفون الكتب ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون كثيراً من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه معناه الذي أراده الله، وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص علينا ذلك من خبرهم؛ لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم، فقال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75]، إلى أن قال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78]، والأماني: التلاوة المجردة.ثم قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]، فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله وعلى اكتسابهم بذلك، فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضاً من الدنيا مالاً أو رياسة، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه. ويشير الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (من الشرع والبيان) إلى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع ].يظهر أنه يقصد بالشرع الابتدائي: النصوص العامة التي تقرر أصول الدين وقواعد الأحكام وجوامع الأدلة، فهذه تسمى شرعاً ابتدائياً، وما يفصلها وما يبينها وما يفسرها -سواء من القرآن أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم- هو الشرع المبين، فالابتدائي هو الأصول والقواعد، والنصوص الحاكمة والنصوص العامة، وما سواه هو البيان والتفسير.قال رحمه الله تعالى: [ وقوله: (وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى)، وفي بعض النسخ: بالخشية والتقى بدل قوله: (بالحقيقة)، ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت كما تقدم تنظيره بقوة البصر وضعفه.وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، والمعنى الأول أظهر قوة، والله أعلم بالصواب ].
 أخبار أئمة الحديث المشتغلين به تنفي وقوع الشك في صحة ما رووه وتلقوه بالقبول
قال رحمه الله تعالى: [ وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب، ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث ].قوله: [ خبر الآحاد وإن كان يحتمل الصدق والكذب ]، أي: قبل أن يحرر، وهذه قاعدة معلومة عند العقلاء، فمجرد خبر يأتيك عن أحد يحتمل الصدق والكذب حتى يحرر، فإذا حرر ثبت بالقرائن أو بصدق الراوي.فيكون الخبر معلقاً بين الصدق والكذب قبل أن يحرر، فإذا حرر عرف هل هو صدق أو كذب، فكل خبر يحتمل الصدق والكذب حتى يثبت بطرائق الثبوت المعروفة عند العقلاء، أو بالطرق الشرعية.قال رحمه الله تعالى: [ ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث والبحث عن سيرة الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، فهم يزك الإسلام وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث.فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم؛ ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه، ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم صلى الله عليه وسلم وسيرته وأخباره ما ليس لغيرهم به شعور، فضلاً أن يكون معلوماً لهم أو مظنوناً.كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك؛ لعد ذلك جهلاً كثيراً ] يقصد بذلك أن الذين يؤخذ عنهم القول الفصل في مسألة خبر الآحاد هم أهل الحديث الذين عنوا به، حيث كانوا يفرقون بين الأحاديث بمختلف درجاتها، ويعرفون الصحيح من السقيم، وما الذي يعتمد عليه في الدين وما الذي لا يعتمد عليه، ومصداق قول الشارح أنا لا نعرف من أئمة الحديث الكبار المعتد بهم المقتدى بهم في الدين من يتردد في قبول خبر الآحاد إذا ثبت بسند صحيح، بل يتورعون عن الكلام فيه أشد التورع، ولا يجرؤ أحد من أئمة الحديث الكبار على ذلك؛ لأنه عرف مسالك القبول في الحديث من عدمه، فما نعرف أن أحداً منهم يتردد في الحديث مثل تردد الذين ليس لهم علم بالحديث، فلذلك هذا القول لم يقل به -فيما أعلم- أحد من أئمة الحديث المعتد بهم، إلا أنه قد يوجد من أئمة الحديث من قال ذلك بسبب نزعته، فهذا النوع تغلب عليه النزعة إلى مذهبه المخالف، من حيث يشعر أو لا يشعر، أما الذين لا ينتمون إلى الفرق ولا إلى الجماعات -بمعنى: ليس لهم مناهج تخالف مناهج أهل السنة- فلا يعرف أن منهم من تردد في هذه المسألة، وهي أن الحديث إذا ثبت بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل، ولا يفرقون بين العقائد والأعمال، ولا يقولون بأنه ظني. وقد يتفلسف بعض المتكلمين فيقول: إني أقصد أنه ظني في أصل منشأ الخبر، لكن هذا ينبغي أن لا يقال في الأحاديث، فإذا صح أن نقول في أخبار الناس: إن الأصل فيها الظنية حتى تثبت؛ فلا يصح أن يقال ذلك فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه أهل العلم المختصون: إنه صحيح يجب قبوله بدون تردد، ولا يعرض لهذه الأوهام التي قد تصح في غير الوحي.
الأسئلة

 معنى الفاسق الملي
السؤال: ما معنى الفاسق الملي؟الجواب: الفاسق الملي: هو مرتكب الكبيرة، يسمى فاسقاً ملياً؛ لأنه فاسق بكبيرته، وسمي ملياً لأنه لا يزال من أهل الملة، فهو المسلم الذي يرتكب الكبيرة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الطحاوية [74] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net