اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الطحاوية [13] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح العقيدة الطحاوية [13] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
لا يعلم كيفية الله وصفاته إلا هو سبحانه وتعالى، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وما خاض الناس فيه بغير ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة فإنما هو أوهام وتخرصات، وإثبات الصفات لله هو منهج أهل السنة والجماعة، لكنه إثبات لها بما لا يشابه صفات المخلوقين، فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وصفاته جل وعلا صفات كمال لا يلابسه نقص، وكما أنه سبحانه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته فكذلك لا يشبهه شيء من مخلوقاته.
بيان معنى كلمة التوحيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا إله غيره):هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره.وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر؛ فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال؛ ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:163]، قال بعده: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:163]].
 تعليق ابن باز على ما قيل في تقدير الخبر في كلمة التوحيد
وقبل أن نستكمل بقية الشرح يناسب أن نقرأ ما نقل هنا من تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى. قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله تعليقاً على هذا الكلام من شرح الطحاوية: [ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيد، وهكذا ما قاله النحاة وأيده الشيخ أبو عبد الله المرسي من تقدير الخبر بكلمة (في الوجود)، ليس بصحيح؛ لأن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ (في الوجود) لا يحصل به المقصود من بيان أحقية ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سواها؛ لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون: لا إله في الوجود إلا الله، وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود:101]، وقوله سبحانه: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً [الأحقاف:28] الآية؟!فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض، وبيان عظمة هذه الكلمة، وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة (حق)؛ لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة وتبين أن الإله الحق والمعبود الحق هو الله وحده، كما نبه على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: أبو العباس ابن تيمية ، وتلميذه العلامة ابن القيم وآخرون رحمهم الله.ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق، وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات.واتضح بذلك أنه المعبود الحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها؛ لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم؛ لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحق عن غير الله سبحانه؛ ولهذا قالوا جواباً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله): أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، وقالوا أيضاً: أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36].وما في معنى ذلك من الآيات، وبهذا التقرير يزول جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب. والله ولي التوفيق].قال رحمه الله تعالى: [وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: في الوجود ليس تقييداً؛ لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:9]، ولا يقال: ليس قوله: (غيره)، كقوله: (إلا الله)؛ لأن (غير) تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد (إلا)، فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا].
بيان أن الله عز وجل هو الأول والآخر
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء):قال الله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ [الحديد:3]، وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)، فقول الشيخ رحمه الله: (قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء) هو معنى اسمه الأول والآخر].يقصد بذلك أنها شرح للفظتي (الأول) و(الآخر)، لا يقصد أن المعنى يثبت به اسم، إنما هو شرح لمعنى (الأول) ولمعنى (الآخر).
 خطأ المتكلمين في إدخال: (القديم) في أسماء الله جل جلاله
قال رحمه الله تعالى: [وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى: القديم، وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى؛ فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الحديث قيل للأول: قديم، وقال تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف:11] أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ [الشعراء:57-56] فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى، وقال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:98] أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه. ومنه سميت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان. وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم ، ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم؛ فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى.وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.قوله: (لا يفنى ولا يبيد): إقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى، قال عز من قائل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضاً مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ].سنترك الكلام عما ذكره المؤلف في القدر؛ لأن البحث فيه صعب ومتكرر، وسننتقل إلى قوله: (لا تبلغه الأوهام).
تنزه الله جل جلاله عن أن تبلغه أوهام المتوهمين وأفهامهم
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام):قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، قال الجوهري في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ رحمه الله: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله تعالى لا يعلم كيف هو سبحانه إلا هو سبحانه وتعالى، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255]، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:23-24] ].هذه الإشارة التي أشار إليها الإمام الطحاوي رحمه الله ثم شرحها الشارح، وهي قوله: (لا تبلغه الأوهام..) فيها تصريح بأن كل ما خاض فيه الناس من أسماء الله وصفاته بغير ما ورد في الكتاب والسنة والآثار الصحيحة إنما هو أوهام، وهذا هو الحق. فكل خوض في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي سائر أمور الغيب بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولا فيما فهمه أئمة السلف من المفاهيم القطعية لهذه النصوص؛ إنما هو أوهام، والأوهام لا تعتقد، بل هي رجم بالغيب، وهي إساءة أدب في حق الله سبحانه وتعالى، بل هي اتباع للمتشابه وإلحاد في كلام الله وأسمائه وصفاته.فما تكلم به المتكلمة من الجهمية والمعتزلة، ثم من متكلمي الأشاعرة والماتريدية والكلابية، ومن نحا نحوهم من الذين تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته بغير ما قاله السلف بناءً على النصوص الشرعية، كل ذلك إنما هو خوض بالأوهام، حيث توهموا أموراً في أذهانهم فجعلوها عقيدة، ولذلك نجد أنهم يسمون أوهامهم علم التوحيد، وهذا هو السائد عند أغلب هؤلاء، تجدهم إذا عرفوا علم التوحيد قالوا: هو الكلام. ويقصدون بالكلام أوهامهم التي توهموها وقالوها بغير حق في الله سبحانه وتعالى.إذاً: الإشارة إلى الأوهام هنا فيها تأكيد على أن ما قاله الناس في الله تعالى وأسمائه وصفاته من غير ما ورد في النصوص إنما هو توهمات، والتعويل عليه إنما هو تعويل على الوهم الذي لا أصل له، بل هو الباطل.
 خطأ المتكلمين في إدخال: (القديم) في أسماء الله جل جلاله
قال رحمه الله تعالى: [وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى: القديم، وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى؛ فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الحديث قيل للأول: قديم، وقال تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف:11] أي: متقدم في الزمان، وقال تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ [الشعراء:57-56] فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى، وقال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:98] أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه. ومنه سميت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان. وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم ، ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم؛ فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى.وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.قوله: (لا يفنى ولا يبيد): إقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى، قال عز من قائل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضاً مقرر ومؤكد لقوله: (دائم بلا انتهاء) ].سنترك الكلام عما ذكره المؤلف في القدر؛ لأن البحث فيه صعب ومتكرر، وسننتقل إلى قوله: (لا تبلغه الأوهام).
تنزه الله جل جلاله عن مشابهة خلقه
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا يشبه الأنام) هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى، قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة -رحمه الله- في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. وقال نعيم بن حماد : من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه.وقال إسحاق بن راهويه : من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة؛ فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبهاً، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة والفلاسفة، وقال: إن الله لا يقال له: عالم ولا قادر؛ يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه؛ لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال: هو مجاز -كغالية الجهمية- يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا إرادة؛ قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم. ولهذا كتب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتي الصفات مشبهة ومجسمة].الرافضة -كما هو معلوم- هم أول من قال بالتشبيه والتجسيم كما قالت اليهود، فأول من أعلن التشبيه والتجسيد الكفري الذي استعاذ منه السلف وكفروا أصحابه هم طوائف من الرافضة، كـهشام بن سالم الجواليقي وهشام بن الحكم وداود الجواربي ومن نحا نحوهم، هؤلاء كلهم رافضة، بل كان التشبيه في آخر القرن الثاني الهجري وما بعده لا يعرف إلا في الرافضة، ثم بعد ذلك - أي: في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع - تحولت الرافضة إلى جهمية معطلة وانقسمت فيما بينها، فلما تحولت إلى جهمية معطلة سمت أهل السنة بالحشوية والمشبهة؛ لأنهم أخذوا بمذهب المعتزلة والجهمية، أي: صاروا معتزلة في أصول الاعتقاد.
 بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته
قال رحمه الله تعالى: [وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله ].النصارى تبعتهم الباطنية والرافضة ونحوهم، واليهود أيضاً تبعتهم المشبهة، فاليهود شبهوا الله بخلقه وزعموا أن الله كالخلق، والنصارى أشركوا من جانب آخر، وهو أنهم شبهوا المخلوق بالله، فنفوا عن الله الأسماء والصفات، لكنهم شبهوا المخلوق بالله، فلذلك عبدوا عيسى على أنه روح الله، وزعموا أنه ابن الله! تعالى الله عما يزعمون.إذاً: فاليهود تشبه الله بالمخلوقين، والنصارى تشبه المخلوقين بالله، والطوائف التي وقعت في الكفر والضلال إما تبع لليهود وإما تبع للنصارى، وبعضها يجمع بين الأمرين، كغلاة المتصوفة وغلاة الباطنية وغلاة الفلاسفة، يجمعون بين التشبيه من جانب وبين التعطيل من جانب آخر، فيعطلون الله من أسمائه وصفاته التي ثبتت في القرآن والسنة، لكنهم يشبهون الله بخلقه بصفات ابتدعوها من عند أنفسهم.قال رحمه الله تعالى: [ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته، فلذلك اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله: (ولا يشبه الأنام). والأنام: الناس، وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10] يشهد للأول أكثر من الباقي، والله أعلم].
كمال حياة الله جل جلاله وكمال قيوميته
قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (حي لا يموت، قيوم لا ينام):قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته. وقال تعالى: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، وقال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان:58]، وقال تعالى: هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر:65] .وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) الحديث.لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى دون خلقه؛ فإنهم يموتون. ومنه: أنه قيوم لا ينام؛ إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد به نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال لكمال ذاته، فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعاً ولهواً ولعباً، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] .فالحياة الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق؛ لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى، وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.واعلم أن هذين الاسمين -أعني: الحي القيوم- مذكوران في القرآن معاً في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما الاسم الأعظم؛ فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضاً على كونه موجوداً بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود، والقيوم أبلغ من القَيَّام؛ لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل يفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك. وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه؛ لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعاً، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل -ولا يزال- موصوفاً بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً؛ ولهذا كان قوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما يرجع معانيها؛ فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته؛ فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام].الحي القيوم من أعظم أسماء الله سبحانه، وقيل: إنهما اسم الله الأعظم، كما يشملان كل كمال يعلمه البشر أو لا يعلمونه، وهذا يستلزم بالضرورة أن أي كمال يتخيله المتخيلون أو ينطق به الناطقون أو يتصوره المتصورون لا يمكن أن يزيد عما في هذين الاسمين.وهذا فيه إشارة إلى أن الذين خاضوا بمجرد عقولهم وأفكارهم ليزعموا أنهم أتوا بأسماء وصفات من الكمال لله تعالى بأعظم مما جاء في القرآن أو مثله؛ إنما رجموا بالغيب، وأعظم منهم إثماً من زعم أنه يمكن أن يأتي في نفي النقائص بأكثر مما نفى الله عن نفسه من النقائص؛ لأن (الحي القيوم) جاء بعدهما قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] فجاء النفي بعد الإثبات، والإثبات مفصل والنفي مجمل في عموم كتاب الله تعالى.ومن أسماء الله الجامعة التي يدخل فيها كل كمال يتوهمه المتوهمون ويتكلم به المتكلمون، أو ما استأثر الله بعلمه في علم الغيب عنده؛ اسم الجلالة (الله)، فهو متضمن كل كمال على الإطلاق، وكذلك (العلي العظيم) يتضمنان كل كمال.وأسماء الله تعالى كلها كمال، لكن بعضها يستلزم جميع الكمال المتصور وغير المتصور، وبعضها قد يفهم له معنىً من معاني الكمال على إطلاقه.
 بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته
قال رحمه الله تعالى: [وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله ].النصارى تبعتهم الباطنية والرافضة ونحوهم، واليهود أيضاً تبعتهم المشبهة، فاليهود شبهوا الله بخلقه وزعموا أن الله كالخلق، والنصارى أشركوا من جانب آخر، وهو أنهم شبهوا المخلوق بالله، فنفوا عن الله الأسماء والصفات، لكنهم شبهوا المخلوق بالله، فلذلك عبدوا عيسى على أنه روح الله، وزعموا أنه ابن الله! تعالى الله عما يزعمون.إذاً: فاليهود تشبه الله بالمخلوقين، والنصارى تشبه المخلوقين بالله، والطوائف التي وقعت في الكفر والضلال إما تبع لليهود وإما تبع للنصارى، وبعضها يجمع بين الأمرين، كغلاة المتصوفة وغلاة الباطنية وغلاة الفلاسفة، يجمعون بين التشبيه من جانب وبين التعطيل من جانب آخر، فيعطلون الله من أسمائه وصفاته التي ثبتت في القرآن والسنة، لكنهم يشبهون الله بخلقه بصفات ابتدعوها من عند أنفسهم.قال رحمه الله تعالى: [ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته، فلذلك اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله: (ولا يشبه الأنام). والأنام: الناس، وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10] يشهد للأول أكثر من الباقي، والله أعلم].
تفرد الله بالخلق والرزق وبيان كمال غناه جل جلاله
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤونة):قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، وقال تعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد:38]، وقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:14] .وقال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر) الحديث. رواه مسلم .
 بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته
قال رحمه الله تعالى: [وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله ].النصارى تبعتهم الباطنية والرافضة ونحوهم، واليهود أيضاً تبعتهم المشبهة، فاليهود شبهوا الله بخلقه وزعموا أن الله كالخلق، والنصارى أشركوا من جانب آخر، وهو أنهم شبهوا المخلوق بالله، فنفوا عن الله الأسماء والصفات، لكنهم شبهوا المخلوق بالله، فلذلك عبدوا عيسى على أنه روح الله، وزعموا أنه ابن الله! تعالى الله عما يزعمون.إذاً: فاليهود تشبه الله بالمخلوقين، والنصارى تشبه المخلوقين بالله، والطوائف التي وقعت في الكفر والضلال إما تبع لليهود وإما تبع للنصارى، وبعضها يجمع بين الأمرين، كغلاة المتصوفة وغلاة الباطنية وغلاة الفلاسفة، يجمعون بين التشبيه من جانب وبين التعطيل من جانب آخر، فيعطلون الله من أسمائه وصفاته التي ثبتت في القرآن والسنة، لكنهم يشبهون الله بخلقه بصفات ابتدعوها من عند أنفسهم.قال رحمه الله تعالى: [ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته، فلذلك اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله: (ولا يشبه الأنام). والأنام: الناس، وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10] يشهد للأول أكثر من الباقي، والله أعلم].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الطحاوية [13] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net