اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [13] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [13] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
من الأمور التي تميز بين الخالق والمخلوق كون الخالق غنياً والمخلوق فقيراً يحتاج إلى من يقضي حاجته، وكون الخالق مسئولاً والمخلوق سائلاً، فالمخلوق مفتقر في كل أموره إلى خالقه سبحانه، هذه البدهيات جاء الزنادقة من أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ولبسوا على الناس فيها، فكان لزاماً على العلماء أن يبينوا للناس ما لبس عليهم في هذه الأمور، وأن يحذروهم من الانجرار وراء أهل الزندقة والإلحاد.
بيان مظاهر ألوهية الله وربوبيته وحكمته ورحمته وتدبيره العالم المحيط
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا اليوم في الفتاوى، وبعض المقاطع التي سنقرؤها طويلة وليس فيها تعليقات والشيخ في هذا الفصل أراد أن يرد على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وذلك بتقرير الفرق الفطري والعقلي والشرعي المسلم به لدى جميع العقلاء بين الخالق عز وجل وبين المخلوقين .. بين الرب وبين المربوبين، وذلك أن الرب سبحانه هو الخالق البارئ المصور سبحانه، وهو الغني وهو المعبود وله المثل الأعلى في كل شيء، وله الكمال المطلق، وله الجلال والجمال سبحانه، وهو سبحانه الذي بيده مقاليد السماوات والأرض بيده ملكوت كل شيء، وأما المخلوق المربوب فهو ضعيف فقير مفتقر إلى الله عز وجل في كل شيء، ومحدود في الزمان والمكان، وهذا الفرق سيقرره الشيخ على نحو القواعد التي تتضمن الرد على فلسفة أصحاب الحلول ووحدة الوجود والاتحاد، لكن على منحى شرعي يستند ويرتكز على الدليل الشرعي المتضمن للدليل العقلي، على نحو ما ستلاحظون من خلال استقراء وسرد الآيات التي تدل على هذه الأمور، وإن كانت دلالتها بدهية كما ذكرت في دروس سابقة؛ لكن نظراً لأن هؤلاء المبطلين شككوا في البدهيات فلا بد من تقرير الحق، لاسيما وأنهم ضللوا وخدعوا ولبسوا على طوائف من المسلمين، فكان لا بد من تمييز الحق من الباطل، والدفاع عن الحق ورد الباطل بالقواعد الشرعية.يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ فصل. وهو كما يشهد ربوبيته وتدبيره العالم المحيط وحكمته ورحمته، فكذلك يشهد إلهيته العامة، فإنه الذي في السماء إله وفي الأرض إله، إله في السماء، وإله في الأرض: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، وكذلك قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] الآية، على أحد القولين: على وقف من يقف عند قوله وَفِي الأَرْضِ فإن المعنى: هو في السماوات الله، وفي الأرض الله، ليس فيهما من هو الله غيره.وهذا وإن كان مشابهاً لقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] فهو أبلغ منه. ونظيره قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]. وقد قال تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم:27]. وقال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]. وقال: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]. وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد:15]. وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18]. وقوله تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:26-27]. وقوله: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:1]. يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجمعة:1].ونحو ذلك من معاني ألوهيته، وخضوع الكائنات وإسلامها له، وافتقارها إليه، وسؤالها إياه، ودعاء الخلق إياه، إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، وإما دعاؤهما جميعاً، ومن أعرض عنه وقت الاختيار: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67]، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]، ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فإنه باطل إلا وجهه الكريم، كما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في مبدئها، نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها، وإلا كانت باطلة.فهذه المعاني التي فيها تأله الكائنات إياه، وتعلقها به، والمعاني الأول التي فيها ربوبيته إياهم وخلقه لهم، يوجب أن يعلم أنه رب الناس ملك الناس، إله الناس وأنه رب العالمين لا إله إلا هو، والكائنات ليس لها من نفسها شيء، بل هي عدم محض ونفي صرف، وما بها من وجود فمنه وبه.ثم إنه إليه مصيرها ومرجعها، وهو معبودها وإلهها، لا يصلح أن يعبد إلا هو، كما لم يخلقها إلا هو، لما هو مستحقه بنفسه ومتفرد به من نعوت الإلهية التي لا شريك له فيها، ولا سمي له، وليس كمثله شيء.فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو معنا أينما كنا، ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع، وهم فيها درجات.وكذلك ربوبيته لهم وعبوديتهم التي هم بها معبدون له، وكذلك ألوهيتهم إياه، وألوهيته لهم، وعبادتهم التي هم بها عابدون، وكذلك قربه منهم وقربهم منه ].نلاحظ في هذا الفصل أن الشيخ استمر في سرد النصوص ووجه الدلالة منها، لكنه استصحب المنهج السابق، ففي مسألة تمييز الخالق عز وجل من المخلوقين التمييز الضروري المسلم البدهي في هذه النصوص، نلاحظ أن سياق الشيخ لها يدل على أنه أراد أن يقرر أن الله عز وجل هو الغني، وأن من دون الله عز وجل من المخلوقات هي الفقيرة المحتاجة، فما دام هناك محتاج وغني فلاشك أن الغني متميز عن المحتاج، وهذا أيضاً تحته تفصيلات. كذلك هناك عابد ومعبود، فالله عز وجل هو المعبود، وهناك إله ومؤلِّه وهو العبد. ومن خلال النصوص نجد هذه الدلالات واضحة، فقوله عز وجل: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، فيه معنى من معاني الألوهية، وهو السؤال، فهناك سائل ومسئول ولا بد، يعني: السائل هو العبد المفتقر المحتاج إلى سؤال الله عز وجل، والمسئول هو الله. وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، يدل على أن هناك فاعلاً ومفعولات، فالفاعل هو الله عز وجل، والمفعولات هي الشئون لله سبحانه في خلقه وأمره القدري والشرعي. وكذلك: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] دليل قاطع على أن الإله غير السماوات والأرض، المعبود هو الذي يعبده ما في السماوات والأرض.وكذلك الآية التي بعدها تفيد هذا المعنى أنه معبود في الأرض والسماء. إذاً: فهناك عابد ومعبود، وهناك رب ومربوب، فالمربوبات هي السماوات والأرض ومن فيهما، والمعبود هو الله عز وجل وهو الإله. وكذلك قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، هذا دليل تفرد الله عز وجل بالربوبية والألوهية، وأنه ينفي أن يكون فيهما أو يحل بهما أو يكون ضمنهما من ينازع الله عز وجل في هذه الربوبية والإلهية، فضلاً أن تكون هي المخلوقات حالة أو منازعة لله.وكذلك قوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم:27] يعني: عندنا مثل أعلى ومثل أدنى، فالمستحق للمثل الأعلى وهو الكمال هو الله عز وجل، وما دونه مثل أدنى وهو الناقص الفقير إلى الله وهو الخلق كلهم، ثم قوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء:44]، يدل هذا على أن هناك مسِبحاً ومسَبحاً له، عابداً ومعبوداً، فالمخلوقات مسبحة لمن يستحق التسبيح وهو الله عز وجل.إذاً: هناك فرق ظاهر حتى من خلال ما فطر الله عليه المخلوقات من أنها متوجهة إلى الرب الذي يستحق التسبيح سبحانه، وهكذا بقية النصوص على هذا النحو، وهو قوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27]، يعني: هناك أول ليس قبله شيء، وهناك حادث وهو الخلق، هذا دليل ظاهر عقلي وشرعي بدهي مسلم على أن هناك بادئاً بدأ الخلق وهناك حادثاً وهو المخلوقات، ولا يستويان، ولذلك جاء في أسمائه عز وجل أنه الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه، فهو الذي يبدأ الخلق.إذاً: الخلق مبدوء مفتقر لم يكن له وجود ثم وجد، والذي بدأه هو الخالق البارئ المصور سبحانه. والإنسان يدرك ببديهة عقله وفطرته أن الفرق ظاهر ما بين الكامل والناقص، الكامل هو الله والناقص هو المخلوقات. ثم قال: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62] يعني: هناك مضطر ومحتاج يسأل ويلجأ إلى الكامل الغني وهو الله عز وجل، فالمضطر هو المسكين المفتقر وهو المخلوق أياً كان، والمدعو الذي يكشف الضر ويجيب المضطر هو الله عز وجل. إذاً: هناك داع ومدعو، هناك غني ومضطر، فالغني هو الله والمحتاج المضطر هو العبد.
 تنوع معية الله لخلقه وتفاوتهم في درجاتها
ثم أشار إلى المعية في هذه الفقرة، قال: [ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع وهم فيها درجات]، يعني: المعية دليل على التميز بين الخالق والمخلوق. وهذا فيه رد ظاهر على أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، فإن المعية تدل على الاختلاف، لا يقال للشيء نفسه: إنه مع نفسه، لا يقال للشيء الواحد: إنه مع نفسه، إنما إذا قيل: الشيء الفلاني مع الشيء الفلاني فبينهما فرق ذاتي ومعنوي.فإذاً: تحقيق المعية لله عز وجل وكونه مع عباده المعية العامة، ومع عباده الصالحين وعباده المؤمنين المعية الخاصة، أن هذه المعية تدل على المفارقة بين وجود الله عز وجل وبين وجود المخلوق، وأن لله عز وجل وجوداً يخصه وكمالاً لا يمكن أن يكون لأحد من خلقه، والخلق الذي له وجود يفتقر ويفنى وينتهي. وهذه المعية معية محدودة، وتدل على الفرق بين الله عز وجل وبين خلقه، وهكذا بقية الأمور، وهذا مما قد لا يدرك إلا بمثل هذا الفقه الذي وفق الله إليه شيخ الإسلام رحمه الله.
فصل في بيان الباطل المحض في الحلول والاتحاد

 الفرق بين كلمات الله وإرادته الكونية والشرعية
قال رحمه الله تعالى: [ أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني ]. الأول: تمييز الألوهية عن الربوبية، الذي ينبثق عنه تمييز الرب عن الخلق، والربوبية هي أفعال الله عز وجل، والألوهية عبادة العباد لله، وفرق بين الفاعل هنا والفاعل هنا، وبين العابد والمعبود، هذا من وجه، وكذلك من وجه آخر التفريق بين هذا وهذا من حيث الاعتقاد والعمل.قال رحمه الله تعالى: [ أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني، فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه، سواء في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة.. وغيرها، وهم الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم، ولا يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم، بل ولا على أفعالهم؛ فليس هو على كل شيء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل والذوق. ثم إنه قابلهم قوم شر منهم، وهم القدرية المشركية ].التمييز بين الفئتين ظاهر، الأولى: القدرية المجوسية الذين ينكرون قدر الله أو بعض قدر الله، وهم قدرية المعتزلة التي هي امتداد للقدرية الأولى القدرية المعبدية معبد الجهني وغيلان الدمشقي ، فالقدرية الأولى أنكرت جميع تقدير الله عز وجل في أفعال العباد، ثم بعد ذلك خففت الأمر وجعلت بعض أقدار الله أو بعض مراحل مراتب القدر ليست من تقدير الله، فزعموا أن أفعال العباد ليست من تقدير الله، ثم بعد ذلك وصلوا إلى مرحلة أضيق أو أخف وإن كانت شراً أيضاً، وهو أن بعضهم زعم أنا لا نخرج من أقدار الله إلا أفعال الشر، زعموا أن أفعال الإنسان التي يفعلها في الشر ليست من تقدير الله، وهذا يجعل بالضرورة أن هناك مقدراً مع الله، أي: خالقاً مع الله، فهؤلاء يسمون: القدرية المجوسية، لماذا يسمون بالمجوسية؟ لأن المجوسية تعبد إلهين، وفلسفتهم في عبادة الإلهين أنهم يقولون: الإله الأصل وهو الله عز وجل هو إله الخير، لكنه لم يقدر الشر بزعمهم، فلما أخرجوا تقدير الشر عن الله، أسندوه إلى الشيطان، فزعموا أن الشيطان هو الذي خلق الشر، فلما زعموا ذلك عبدوه مع الله، فعبدوا إلهين، والقدرية في الإسلام على هذا المنهج، لكنه منهج أخذ أسلوب أهل الأهواء، أخذ مصطلحات شرعية وإسلامية واستدلالات فيها تلبيس، فهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأخذوا المتشابهات وجعلوها مسلكاً، فزعموا أن الإنسان مقدر أفعاله، وبعضهم صرّح أن الإنسان خالق أفعاله، إذاً: أثبتوا خالقاً مع الله، كما أثبتت المجوسية إلهاً غير الله، فسموا بالقدرية، وهذا المذهب موجود إلى الآن في أتباع المعتزلة، بعض الناس يظنه قد انقرض، أبداً لا يزال أناس من كبار المفكرين الموجودين الآن يقررون هذا، بل إنهم زادوا أمراً عجيباً ما تكلمت به أكثر المعتزلة، فأكثر المعتزلة ما يجرءون أن يقولوا: إن الإنسان خالق مع الله، بهذا اللفظ، وإنما يقولون: الإنسان يقدر أفعاله، الإنسان مسئول عن أفعاله، الله لم يقدر أفعال الإنسان، أكثر المعتزلة على ذلك، أما المعتزلة المعاصرون فقد قرأت لعدد منهم يقولون: إن الإنسان خالق أفعاله، تعالى الله عما يزعمون، هذه قدرية موجودة، فكثير من العصرانيين العقلانيين على هذا المذهب، ليس إلزاماً لهم، لا، بل صرّحوا به، فهم ما بين مصرح بهذا اللفظ، وما بين من تابع المعتزلة بإجمال، ومنهم من تابع المعتزلة بالتفصيل، ومنهم من تابع المعتزلة وزاد عليها، فيظهر لي أن المعتزلة رغم انحرافهم، ورغم ما ظهر منهم من الابتداع وأقيمت عليهم الحجة فلم يرجعوا، إلا أنهم مع ذلك أكثر مداراة للعقيدة السليمة وللمسلمين من المعتزلة المعاصرة، أولئك عندهم شيء من الخوف أو نوع من ترويج المقولة، فليس عندهم تصريح بهذا المذهب من القول بأن الإنسان خالق أفعاله، أو القول بأن الله لم يخلق أفعال العباد، فهم لم يصرحوا بأن الإنسان خالق أفعاله كما صرحت المعتزلة الجديدة.الفئة الثانية عكس هؤلاء تماماً: وهم القدرية المشركية، فهؤلاء هم الجبرية، وهم عكس القدرية. الجبرية: هم الذين زعموا أن الإنسان ليس له أي إرادة ولا حرية، فهو مسيّر تسيير كامل، ولذلك لا عليه أن يعمل أي شيء، حتى إنهم لا يؤاخذون الكافر على كفره، ولا المنافق على نفاقه، ولا يؤاخذون المشرك على شركه، فضلاً عن أن يؤاخذوا الفاجر على فجوره، ويقولون: ما دام أن الإنسان عرف الله فيكفيه ذلك؛ لأنه إن عمل شراً فذلك راجع إلى أن الله قدّر عليه ذلك، فهو مجبور وليس محاسباً ولا مؤاخذاً، وهؤلاء هم جبرية الجهمية التي انتهت إلى الصوفية الطرقية. ومذهب القدرية المشركية هو الذي عليه أكثر الطرقية الصوفية، خاصة الغلاة الكبار؛ ولذلك نجد في أحوالهم وفي قصصهم التي كتبوها عن أنفسهم، وكتبها عنهم خلّص مريدهم كما في (طبقات الأولياء) للشعراني و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني .. وغيرهما من الكتب التي أُلفت في تراجم وسير رءوس القوم، فهم يصرّحون بأن منتهى الولاية لشيوخهم الاستغناء عن شرع الله، ويعدون هذا من الكرامات، بل إن من العجب أنهم يعدون ارتكاب الفواحش لشيوخهم كرامة، يقول: ومن كرامته أنه فعل كذا وكذا، يذكر من الفواحش ما ينزّه المسلم لسانه والمكان والحاضرين والملائكة من أن يذكرها، نسأل الله السلامة.إذاً: القدرية المشركية زعموا أنه يكفيهم معرفة الله، ثم إذا وصل أمر الواحد منهم إلى درجة خاصة الخاصة استغنى حتى عن العبادة، إلا أن يعبد الله تقية، وإلا فالناس يصلون وهذا جالس أمامهم، ثم تسألهم: لماذا لا يصلي هذا؟ قالوا: أنت إنسان محجوب عن الحقيقة، أنت لا تدري، هذا من أولياء الله، هذا الآن عندك موجود، لكنه الآن يطوف بالكعبة أو يصلي في المسجد الحرام، هذا مذهب بعض الغلاة الذين يرون تعدد الولي، أي: يمكن أن يوجد في ألف بقعة من الأرض في وقت واحد، وهذه من خرافات القوم ودواهيهم، فقد تظهر الشياطين على أشكالهم في كل مكان، نسأل الله السلامة.
مرتبة القدرية المشركية في الكفر وعداوتهم للعقل
قال رحمه الله تعالى: [ ثم إنه قابلهم قوم شر منهم وهم القدرية المشركية الذين رأوا الأفعال واقعة بمشيئته وقدرته، فقالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، ولو كره الله شيئاً لأزاله، وما في العالم إلا ما يحبه الله ويرضاه وما ثم عاص، وأنا كافر برب يعصى، وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وربما استدلوا بالجبر وجعلوا العبد مجبوراً، والمجبور معذور، والفعل لله فيه لا له، فلا لوم عليه، فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله، وبأمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه كفراً لا ريب فيه، وهم أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية؛ فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية وبالآيات والسياسات العقلية.وأما الأولون ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه ]. الأولون هم القدرية المعبدية والغيلانية، وقدرية المعتزلة، والتفصيل الذي أشار إليه الشيخ يمكن تلخيصه في مسألتين: المسألة الأولى: أن بعض القدرية الأولى أنكروا جميع مراتب القدر، فأنكروا علم الله عز وجل وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، فهؤلاء كفار لا شك.الصنف الثاني: الذين زعموا أن الله عز وجل لم يقدّر بعض أفعال العباد؛ لالتباس في أذهانهم، وما وفقوا للهدى، فهؤلاء في تكفيرهم نظر، والله أعلم.
 الفرق بين كلمات الله وإرادته الكونية والشرعية
قال رحمه الله تعالى: [ أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني ]. الأول: تمييز الألوهية عن الربوبية، الذي ينبثق عنه تمييز الرب عن الخلق، والربوبية هي أفعال الله عز وجل، والألوهية عبادة العباد لله، وفرق بين الفاعل هنا والفاعل هنا، وبين العابد والمعبود، هذا من وجه، وكذلك من وجه آخر التفريق بين هذا وهذا من حيث الاعتقاد والعمل.قال رحمه الله تعالى: [ أما الأول: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني، فإن الله سبحانه خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه، سواء في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة.. وغيرها، وهم الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم، ولا يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم، بل ولا على أفعالهم؛ فليس هو على كل شيء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل والذوق. ثم إنه قابلهم قوم شر منهم، وهم القدرية المشركية ].التمييز بين الفئتين ظاهر، الأولى: القدرية المجوسية الذين ينكرون قدر الله أو بعض قدر الله، وهم قدرية المعتزلة التي هي امتداد للقدرية الأولى القدرية المعبدية معبد الجهني وغيلان الدمشقي ، فالقدرية الأولى أنكرت جميع تقدير الله عز وجل في أفعال العباد، ثم بعد ذلك خففت الأمر وجعلت بعض أقدار الله أو بعض مراحل مراتب القدر ليست من تقدير الله، فزعموا أن أفعال العباد ليست من تقدير الله، ثم بعد ذلك وصلوا إلى مرحلة أضيق أو أخف وإن كانت شراً أيضاً، وهو أن بعضهم زعم أنا لا نخرج من أقدار الله إلا أفعال الشر، زعموا أن أفعال الإنسان التي يفعلها في الشر ليست من تقدير الله، وهذا يجعل بالضرورة أن هناك مقدراً مع الله، أي: خالقاً مع الله، فهؤلاء يسمون: القدرية المجوسية، لماذا يسمون بالمجوسية؟ لأن المجوسية تعبد إلهين، وفلسفتهم في عبادة الإلهين أنهم يقولون: الإله الأصل وهو الله عز وجل هو إله الخير، لكنه لم يقدر الشر بزعمهم، فلما أخرجوا تقدير الشر عن الله، أسندوه إلى الشيطان، فزعموا أن الشيطان هو الذي خلق الشر، فلما زعموا ذلك عبدوه مع الله، فعبدوا إلهين، والقدرية في الإسلام على هذا المنهج، لكنه منهج أخذ أسلوب أهل الأهواء، أخذ مصطلحات شرعية وإسلامية واستدلالات فيها تلبيس، فهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأخذوا المتشابهات وجعلوها مسلكاً، فزعموا أن الإنسان مقدر أفعاله، وبعضهم صرّح أن الإنسان خالق أفعاله، إذاً: أثبتوا خالقاً مع الله، كما أثبتت المجوسية إلهاً غير الله، فسموا بالقدرية، وهذا المذهب موجود إلى الآن في أتباع المعتزلة، بعض الناس يظنه قد انقرض، أبداً لا يزال أناس من كبار المفكرين الموجودين الآن يقررون هذا، بل إنهم زادوا أمراً عجيباً ما تكلمت به أكثر المعتزلة، فأكثر المعتزلة ما يجرءون أن يقولوا: إن الإنسان خالق مع الله، بهذا اللفظ، وإنما يقولون: الإنسان يقدر أفعاله، الإنسان مسئول عن أفعاله، الله لم يقدر أفعال الإنسان، أكثر المعتزلة على ذلك، أما المعتزلة المعاصرون فقد قرأت لعدد منهم يقولون: إن الإنسان خالق أفعاله، تعالى الله عما يزعمون، هذه قدرية موجودة، فكثير من العصرانيين العقلانيين على هذا المذهب، ليس إلزاماً لهم، لا، بل صرّحوا به، فهم ما بين مصرح بهذا اللفظ، وما بين من تابع المعتزلة بإجمال، ومنهم من تابع المعتزلة بالتفصيل، ومنهم من تابع المعتزلة وزاد عليها، فيظهر لي أن المعتزلة رغم انحرافهم، ورغم ما ظهر منهم من الابتداع وأقيمت عليهم الحجة فلم يرجعوا، إلا أنهم مع ذلك أكثر مداراة للعقيدة السليمة وللمسلمين من المعتزلة المعاصرة، أولئك عندهم شيء من الخوف أو نوع من ترويج المقولة، فليس عندهم تصريح بهذا المذهب من القول بأن الإنسان خالق أفعاله، أو القول بأن الله لم يخلق أفعال العباد، فهم لم يصرحوا بأن الإنسان خالق أفعاله كما صرحت المعتزلة الجديدة.الفئة الثانية عكس هؤلاء تماماً: وهم القدرية المشركية، فهؤلاء هم الجبرية، وهم عكس القدرية. الجبرية: هم الذين زعموا أن الإنسان ليس له أي إرادة ولا حرية، فهو مسيّر تسيير كامل، ولذلك لا عليه أن يعمل أي شيء، حتى إنهم لا يؤاخذون الكافر على كفره، ولا المنافق على نفاقه، ولا يؤاخذون المشرك على شركه، فضلاً عن أن يؤاخذوا الفاجر على فجوره، ويقولون: ما دام أن الإنسان عرف الله فيكفيه ذلك؛ لأنه إن عمل شراً فذلك راجع إلى أن الله قدّر عليه ذلك، فهو مجبور وليس محاسباً ولا مؤاخذاً، وهؤلاء هم جبرية الجهمية التي انتهت إلى الصوفية الطرقية. ومذهب القدرية المشركية هو الذي عليه أكثر الطرقية الصوفية، خاصة الغلاة الكبار؛ ولذلك نجد في أحوالهم وفي قصصهم التي كتبوها عن أنفسهم، وكتبها عنهم خلّص مريدهم كما في (طبقات الأولياء) للشعراني و(جامع كرامات الأولياء) للنبهاني .. وغيرهما من الكتب التي أُلفت في تراجم وسير رءوس القوم، فهم يصرّحون بأن منتهى الولاية لشيوخهم الاستغناء عن شرع الله، ويعدون هذا من الكرامات، بل إن من العجب أنهم يعدون ارتكاب الفواحش لشيوخهم كرامة، يقول: ومن كرامته أنه فعل كذا وكذا، يذكر من الفواحش ما ينزّه المسلم لسانه والمكان والحاضرين والملائكة من أن يذكرها، نسأل الله السلامة.إذاً: القدرية المشركية زعموا أنه يكفيهم معرفة الله، ثم إذا وصل أمر الواحد منهم إلى درجة خاصة الخاصة استغنى حتى عن العبادة، إلا أن يعبد الله تقية، وإلا فالناس يصلون وهذا جالس أمامهم، ثم تسألهم: لماذا لا يصلي هذا؟ قالوا: أنت إنسان محجوب عن الحقيقة، أنت لا تدري، هذا من أولياء الله، هذا الآن عندك موجود، لكنه الآن يطوف بالكعبة أو يصلي في المسجد الحرام، هذا مذهب بعض الغلاة الذين يرون تعدد الولي، أي: يمكن أن يوجد في ألف بقعة من الأرض في وقت واحد، وهذه من خرافات القوم ودواهيهم، فقد تظهر الشياطين على أشكالهم في كل مكان، نسأل الله السلامة.
الأسئلة

 وجه التداخل بين الفرق المنحرفة ونسبة ذلك التداخل
السؤال: هل انتماء الجبرية إلى الصوفية هو من باب تغير الاسم، أم أن هناك فرقاً بينهما؟الجواب: هذه مسألة تتعلق بما يسمى بالتداخل بين الفرق، بعض الناس يقول مثلاً: هل مذهب الجهمية انتقل إلى الصوفية أو أن الجهمية ماتت، أو أن الصوفية تحولت إلى جهمية ولم تعد صوفية؟ كذلك: هل بدع المعتزلة والجهمية انتقلت إلى الرافضة، وصارت الرافضة جهمية ولم تعد رافضة؟ نقول: لا، الآن الحاصل منذ القرن الثالث وما بعده أن الفرق بدأت تأخذ ببدع جديدة مع بقائها على بدعها الأصلية، فالرافضة تحوّلت إلى مذهب الجهمية، مع أنها بقيت على أصول الرافضة القديمة، بل زادت عليها، وكذلك الخوارج، فالخوارج مثلاً بقوا على مذهب الخوارج، لكنهم أدخلوا على عقيدتهم مذهب الجهمية والمعتزلة، والصوفية دخلتها مذاهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ودخلتها مذاهب الجهمية، ولا يعني ذلك أنها تخلت عن التصوف، بل زادت بدعاً في التصوف، وهذا يسمى التداخل بين الفرق، فالفرق تشابكت كل واحدة أخذت عن الأخرى مع بقائها على أصولها، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أهل الأهواء: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) يعني تمضي وتفتك بهم الأهواء كما يفتك مرض الكلب، وهو من الأمراض الفتاكة، وذلك إذا أصيب الإنسان بعضة الكلب المسعور تبدأ بجرح بسيط، ثم هذا الجرح يأكل الجسم عضواً عضواً حتى ينتهي الإنسان، فكذلك البدع تبدأ صغيرة، ثم صاحب البدعة يضيف إلى بدعته أخرى وأخرى حتى تهلكه. إذاً: نخلص إلى أن هذه الفرق كل واحدة أخذت مساوئ الأخرى مع مساوئها الأولى التي كانت عليها.نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية [13] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net