اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [11] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [11] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
الاستغاثة التي لا تكون إلا بالله لا يجوز صرفها لغيره سبحانه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب ولا لصالح من الصالحين، كل ذلك حفاظاً لجناب التوحيد، وبعداً عن الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب، فينبغي على المسلم البعد عن كل ما يخدش توحيده وإيمانه بالله تعالى.
شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء والصالحين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد:فبعون الله وتوفيقه نستأنف دروسنا في مجموع الفتاوى المجلد الأول، وسيكون موضوع هذا الدرس متعلق بنوع من أنواع العبودية، ألا وهو الاستعانة وعلاقتها بالاستغاثة، وهل بين الاستعانة والاستغاثة فرق أم لا؟وبيان ما ينافي التوحيد أو ما ينافي كمال التوحيد في صورتي الاستغاثة والاستعانة بغير الله عز وجل.ومنشأ جواب شيخ الإسلام عن سؤال طويل تضمَّن بعض الإشكالات والجواب عليها، والعجيب أن السؤال يبدو أنه من عالم أو طالب علم متمكن كما سترون، ولذلك كان أحياناً يعرض السؤال عرض الفاهم، وأحياناً عرض المستفهم، وأحياناً يتضمَّن السؤال بعض الجواب. قال رحمه الله تعالى: [سئل الشيخ رحمه الله عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله تعالى فيه].هذه الفقرة قد تضمَّنت شبهة فيها غموض أثرت في مفهوم كثير من الناس قديماً وحديثاً بعد القرون الثلاثة الفاضلة، بينما قبل القرون الثلاثة لم يكن هذا من الإشكالات، حتى إن بعض العلماء التبس عليه الأمر، فأجاب بما يخل بالتوحيد، وهذه المسألة هي الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق عموماً، وبالنبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، فهل هي وسيلة مباحة أو غير مباحة؟ أو اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم وسيطاً في دعاء الرب عز وجل، ويسمونه: الوسيلة.لذا فأقول: إن هذه المسألة عند التحقيق -بصرف النظر عن جزئياتها وفروعها- نجد أنها من الشركيات الصريحة في أصلها، لكن قد يختلف الناس في المفاهيم، وقد يجهل بعض الناس أنها شركية، وربما يبدع هذا النوع، أعني: اتخاذ الواسطة بين الله عز وجل وبين المخلوق، أياً كانت هذه الواسطة من المخلوقات، فإن ذلك شرك.والصورة المباحة منه لا تسمى في الحقيقة واسطة بالمخلوق، وأعني بالصورة: كون الإنسان يتخذ أعماله الصالحة وسيلة عند الله عز وجل، فهذا في الحقيقة هو محض العبادة الحقة، والأعمال الصالحة وسيلة عند الله عز وجل؛ وهي بذاتها مطلوبة من الله، وهي بذاتها موجهة إلى الله عز وجل. ودعوى بعض الناس: أن الدعاء صار واسطة أو وسيلة هو في الحقيقة عبث بالألفاظ، أو أنها أعمال صالحة قصد بها وجه الله، فالأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان لوجه الله عز وجل هي من الوسيلة؛ لأنها في حد ذاتها عبادة، لكن لم يتخذ المخلوق فيها واسطة بينه وبين الله، وإنما عبد الله بنفسه، أعني: عبده بدعائه، عبده بالعمل الصالح المخلص، عبده بالنية الصالحة، فهذه هي العبادة في الحقيقة.وتسميتها الوسيلة فيها نوع من العبثكذلك ما أبيح من طلب دعاء الرجل الصالح، وهو أكثر إشكالاً، وهو الذي اتخذه كثير من المبتدعة ذريعة للشرك، إذ إن طلب الدعاء من الرجل الصالح من الوسيلة المباحة، ولم يكن في هذه الصورة عند التحقيق اتخاذ العبد ذلك الإنسان الصالح واسطة بينه وبين الله.فالعبد الصالح ليس هو بذاته واسطة، وإنما هذا الإنسان طلب من رجل صالح آخر أن يدعو له، فكانت الصورة الحقيقية أن ذلك الرجل الداعي طلب من الله مباشرة، وعلى هذا فيكون طالب الدعاء توجه بقلبه إلى الله ليستجيب دعاء ذلك الرجل الآخر.وهذه لولا أنها توقيفية لكانت على القياس العام لا تصح؛ لكن نظراً لأنها جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها، وعمل بها وعمل بها الصحابة، لكانت من المتشابهات على الأقل، لكن لما أقرت شرعاً عرفنا وجه إقرارها، وهو: أن الإنسان الذي طلب من الرجل الصالح لم يطلبه بذاته، وإنما طلب دعاءه، فصارت الوسيلة هي أن ذلك الداعي دعا الله مباشرة، والطالب للدعاء طلب من الله أن يستجيب دعاء ذلك الداعي، أو رجا من الله وتعلق قلبه بالله في أن يستجيب دعاء ذلك الرجل الصالح، فهذه صورة تختلف عن بقية الصور المشتبهة التي ستأتي من خلال هذا السؤال.لذا فينبغي تحرير هذه المسألة والرجوع فيها إلى كتب أهل العلم، خاصة (التوسل والوسيلة) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد حرر هذه المسألة تحريراً قوياً، وحشد لها الأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف وأعمالهم وتقريراتهم، فكان تفسيرها أشبه بالإجماع الذي لا ينبغي أن يحاد عنه. قال رحمه الله تعالى: [ وأما من توسل إلى الله تعالى بنبيه في تفريج كربة فقد استغاث به، سواء كان ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما، وقول القائل: أتوسل إليك يا إلهي برسولك! أو أستغيث برسولك عندك أن تغفر لي استغاثةٌ بالرسول حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم ].هذا الجزء من السؤال يقصد به السائل: أن هناك أناساً يزعمون أنه لا فرق بين الاستغاثة والاستعانة، أو الاستغاثة والتوسل، وأنها كلها بمعنى واحد.مع أن الشيخ سيقرر أن هناك فرقاً بين مطلق عموم التوسل وبين الاستغاثة والاستعانة، وأن هذه الألفاظ بينها وجه اشتراك واختلاف، وأنه يجوز في بعض صورها بعض الأشياء المشروعة، فجعلها بمعنى واحد، ولا يجوز في الصور الأخرى، والاستدلال بالصور المشروع منها على الصور التي لا تشرع فيه نظر كما سيفصل الشيخ فيما بعد.وهذا السؤال فيه غموض، ولكنه سيتبين إن شاء الله بعد قليل من خلال كلام الشيخ. قال رحمه الله: [ قال: ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص قديماً وحديثاً، وأنه يصح إسنادها للمخلوقين، وأنه يستغاث بهم على سبيل التوسل، وأنها مطلقة على كل من سأل تفريج الكربة بواسطة التوسل به، وأن ذلك صحيح في أمر الأنبياء والصالحين.قال: وفيما رواه الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قال: استغيثوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله)، إن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أنه يستغاث به.. ونحو ذلك، يشير به إلى التوحيد، وإفراد الباري بالقدرة لم يكن لنا نحن أن ننفي ذلك، ونجوِّز أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به، يعني: في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة، وأن القائل لا يستغاث به منتقصاً له، وأنه كافر بذلك، لكنه يعذر إذا كان جاهلاً، فإذا عرف معنى الاستغاثة ثم أصر على قوله بعد ذلك صار كافراً ].على أية حال قبل أن نستكمل بقية السؤال أظن أنه يلزم أن نقف في تقسيم السؤال، أو بيان مفرداته؛ لأن الأمور قد تداخلت. فالسؤال الأول قد تضمَّن مسألة محددة وهي قوله: (عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله تعالى فيه)، هذا هو الجزء الأول من السؤال.ثم استمر في هذا الجزء إلى أن قال: وهذا نوع ثان من السؤال، فهو رحمه الله ذكر في السؤال الأول الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، ثم ذكر شبهة القوم: أنه لا فرق بين الاستغاثة به والتوسل، وتتبين هذه الصورة -صورة السؤال الأول- في قصة الأعمى، بل حتى في قصة طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو توسله بـالعباس ، فهم زعموا أن التوسل بـالعباس توسل بذاته، سواء طلب منه دعاؤه، أو استغيث به، أو توسل به إلى الله عز وجل، وأن الصورة واحدة، لكن هو رحمه الله سيبين أن الصورة ليست واحدة، فهذا هو السؤال الأول.السؤال الثاني يبدأ بقوله: (قال: ولم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص). فهذه شبهة في الحقيقة قد تضمَّنت سؤالاً، وقد استمر السائل في تقريرها حتى انتهى منها.ثم شرع في شبهة ثالثة تضمَّنت سؤالاً أيضاً، وهي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لو نفى عن نفسه أن يستغاث به.. ونحو ذلك، يشير به إلى التوحيد، وإفراد الباري بالقدرة). فكأنه يرى أن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بالتواضع، أو بأن ينفي عن نفسه أمراً لا يجوز له، لكن ليس ذلك على سبيل المنع من الغير، وهذا فحوى الشبهة الثالثة، وتضمَّنت سؤالاً.ثم ذكر الشبهة الرابعة وقد تضمَّنت سؤالاً فقال: (ونجوز أن نطلق أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالح يستغاث به). كذا زعموا.ثم بعد ذلك بدأ بأمر خامس فقال: (ولا يحتاج أن يقول على سبيل أنه وسيلة وواسطة). فهذه شبهة خامسة.والشبهة السادسة وتتضمَّن سؤالاً أيضاً، وقد بدأت بقوله: (وأن القائل لا يستغاث به متنقصاً له).ثم ختم هذه الشبهة بقوله: (وأنه كافر بذلك). إذاً: فالمسألة لم تعد مجرد لبس وتلبيس، بل إنهم حكموا بكفر من قرر الحق، فزعموا أن من لم يجز الاستغاثة بالمخلوق والتوسل به فهو كافر، لكنهم قالوا: (قد يعذر بالجهل).ثم قال: (والتوسل به استغاثة به كما تقدم).ثم ذكر سؤالاً تضمن شبهة فقال: (فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين: إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح). فهذا سؤال نتيجة لما سبق في المسائل السابقة.ثم بعد ذلك قال: (وهل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح أو غيرهما إلى الله تعالى في كل شيء استغاثة بذلك المتوسل به؟)ثم قال: (فهل يعرف أن أحداً من العلماء قال: إنه يجوز التوسل إلى الله بكل نبي وصالح؟) وهذا السؤال العاشر.والسؤال الحادي عشر وهو أيضاً شبهة، حيث إن فتوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام شبهة، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم!الآن نشرع في القراءة ثم نقرر كل مسألة على حدة. قال رحمه الله تعالى: [ والتوسل به استغاثة به كما تقدم، فهل يعرف أنه قال أحد من علماء المسلمين: إنه يجوز أن يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالح في كل ما يستغاث به الله تعالى؟ وهل يجوز إطلاق ذلك كما قال القائل؟ وهل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح .. أو غيرهما إلى الله تعالى في كل شيء استغاثة بذلك المتوسل به؟ كما نقله هذا القائل عن جميع اللغات، وسواء كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الصالح استغاثة به أو لم يكن، فهل يعرف أن أحداً من العلماء قال: إنه يجوز التوسل إلى الله تعالى بكل نبي وصالح؟ فقد أفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فتاويه المشهورة: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه، فهل قال أحد خلاف ما أفتى به الشيخ المذكور؟ ].هذه الصورة الحادية عشر. قال رحمه الله تعالى: [ وبتقدير أن يكون في المسألة خلاف، فمن قال: لا يتوسل بسائر الأنبياء والصالحين كما أفتى الشيخ عز الدين، هل يكفر كما كفره هذا القائل؟ ويكون ما أفتى به الشيخ كفراً، بل نفس التوسل به لو قال قائل: لا يتوسل به ولا يستغاث به إلا في حياته وحضوره لا في موته ومغيبه، هل يكون ذلك كفراً؟ أو يكون تنقصاً؟ ].هذه الصورة الثالثة عشر من صور الإشكال. قال رحمه الله تعالى: [ ولو قال: ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يستغاث فيه إلا بالله، أي: لا يطلب إلا من الله تعالى، هل يكون كفراً، أو يكون حقاً؟ وإذا نفى الرسول صلى الله عليه وسلم ].وهذه الصورة الرابعة عشر. قال رحمه الله تعالى: [ وإذا نفى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمراً من الأمور لكونه من خصائص الربوبية، هل يحرم عليه أن ينفيه عنه أم يجب، أم يجوز نفيه، أفتونا رحمكم الله بجواب شاف كاف موفقين مثابين إن شاء الله تعالى؟!].
 

جواب شيخ الإسلام عن شبهات القائلين بجواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره
بدأ شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب عن هذا السؤال، فجمع هذه القضايا أو الصور الأربع عشرة في أصول فند بعضها مع بعض، كما نجد أن بعض المسائل -ثلاث أو أربع مسائل- جوابها واحد، وبعض المسائل قد فصل في جوابها على أكثر من وجه، لأن السؤال في الحقيقة فيه خلط، وقد اجتمع الخلط فيه من وجهين:الوجه الأول: من جهة السائل، فقد كان يظهر أنه من أهل الحق، فيذكر مداخلاته على السؤال، وهذا مما جعل السؤال متشتتاً.الوجه الثاني: أنه قد جمع شبهات المبتدعة وهي متفرقة ومتفاوتة، وليس بينها نظام ينظمها؛ ولذلك جاء السؤال من أشتات مسائل متفرقة ومن مداخلات السائل؛ لأن السائل نفسه يظهر أن عنده شيئاً من الفقه في الدين، بدليل أنه كان يوجه أحياناً الأسئلة ويجب عليها ضمناً.فالشيخ رحمه الله وضع قواعد تنظم جميع الأمور السابقة بصرف النظر عن مفرداتها، كما أنه قد أجاب على بعض رءوس المسائل، وأدخل البعض الآخر في هذه الرءوس. قال رحمه الله تعالى: [ الجواب: الحمد لله رب العالمين. لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي ولا بملك ولا بصالح.. ولا غير ذلك ].هذا في الحقيقة جواب مجمل محكم، وقاعدة عامة لا يجوز الاستثناء منها إلا بدليل، وسيذكر الاستثناء منها على سبيل التجوز، فيسمى توسلاً، وهو ما حدث من توسل الأعمى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك توسل الصحابة بدعاء العباس والأسود بن يزيد رضي الله عنهما، وهو توسل بدعائهم جزماً؛ لأن القصة حدثت على هذا الوجه.فالشيخ قعد هذه القاعدة، ولا يستثنى منها إلا صوراً تسمى توسلاً تجوزاً، أو بشرط مفهومها المعلوم بالضرورة؛ لأنها واقعة حدثت وفسرت بنوع معين من التوسل. قال رحمه الله تعالى: [ بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه. ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان ].جواب الشيخ تضمن عدة مسائل:المسألة الأولى: قوله: (لم يقل أحد من علماء المسلمين)، فهذه القاعدة العامة الأولى.القاعدة الثانية: قوله: (بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام). أي: أنه لا يستغاث بأحد من المخلوقين فيما لا يستغاث به إلا الله، فجعل ذلك من المعلوم بالضرورة، وليس الأمر فقط اتفق عليه العلماء، وبهذا يكون قد نفى أن يقول أحد من علماء المسلمين المعتبرين بهذا القول.
 أقوال الناس في معنى التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم
قال رحمه الله تعالى: [ وللناس في معنى هذا قولان:أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال: (كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، فقد ذكر عمر رضي الله عنه: أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعاً لهم داعياً لهم، ولهذا قال في حديث الأعمى: (اللهم فشفعه فيَّ). فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه ].لذلك كثير من أهل البدع أُتوا من قبل العجمة كما ذكر أئمة السلف، ومعنى: العجمة: أنهم لم يفقهوا معاني العربية، فلذلك لم يفرقوا بين معنى قوله: (شفعه فيَّ) وبين المعنى البدعي الذي ظنوه.وقوله: (شفعه فيَّ) معناها: اقبل دعاءه في حقي، أو في طلبي، ولا تأتي بمعنى: (شفع) إلا إذا كانت بمعنى: أن يوجد جهد من النبي صلى الله عليه وسلم يبذله، وهذا الجهد هو دعاؤه، ولو كان توسلاً بذات النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: (شفعه)؛ لأنه لو اعتبر الذات هي النافعة ما اعتبر هذا تشفيعاً، ولا اعتبر هذا توجهاً إلى الذات أو توجهاً إلى الشخص. قال رحمه الله تعالى: [ والثاني: أن التوسل يكون في حياته وبعد موته، وفي مغيبه وحضرته، ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين ضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها.. ونحو ذلك ].هذا الوجه الحادي عشر من جواب الشبهات في السابق، وما سبق فهو تفصيل للوجه العاشر.قال رحمه الله تعالى: [ واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح؟ وليس هو من مسائل السب عند أحد من المسلمين.وأما من قال: (إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر)، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين ].هذا الوجه الثاني عشر.قال رحمه الله تعالى: [ وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما) ].هذا الوجه الثالث عشر. قال رحمه الله تعالى: [ وأما من قال: (ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به)، فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس رضي الله عنهما: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ].كلام أبي يزيد وهو البسطامي كلام جيد، وتقعيد عظيم، وهذا مما يجعل الباحث يتوقف في نسبة بعض الأشياء التي تعد من خوارم العقيدة التي نسبت إلى أبي يزيد ؛ لأنه في الحقيقة يصعب ويبعد أن يكون هذا الكلام الجيد، والذي هو من درر الكلام أن يصدر عن إنسان تنسب له تلك المقالات أو تلك الشطحات التي ذكرها عنه مؤرخة التصوف؛ ولذلك كما قلت -كلما تأتي لي هذه المناسبة أكرر ذلك؛ لأن الإخوان الحاضرين أحسبهم من خيرة طلاب العلم، ومن ذوي المقدرة على البحث-: بأنه لابد من ضرورة تحرير مثل هذه المسائل التي تنسب إلى أبي يزيد البسطامي وابن أبي الحواري والجنيد والتستري وأمثالهم من شطحات أحياناً كفرية.في حين أنه تنسب إليهم مثل هذه الدرر التي تدل على صفاء التوحيد، وتدل على قوة يقين في قضايا العقيدة، وهي في الحقيقة من درر الكلام التي فيها رد مباشر على الذين ينتسبون إلى أبي يزيد البسطامي الآن، ويزعمون أنه أصل بدعهم.ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -في الحقيقة- تحرز وتوقف فيما قاله الناس عن هؤلاء من شطحات، وكذلك قول القرشي : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون هي بمعنى قول أبي يزيد البسطامي .إذاً: فهذا التصور صاف في التوحيد، ولا يتأتى معه ما ذكر عن هؤلاء من خوارم، فأرجو من أحد الإخوان أن يبحث هذه المسائل، ولو على الأقل في شخص واحد ليكون أنموذجاً، كـأبي يزيد أو ابن أبي الحواري أو التستري أو الجنيد ، وإن كان الجنيد أمره أوضح؛ لأنه لم يقع في أمور صعبة جداً، لكنه أيضاً له بعض الخوارم القليلة، فلو توزع بعض طلاب العلم هذه المسائل وحققوا فيها؛ لأنها سهلة، تحتاج فقط إلى النظر في أسانيد ما نسب إليهم من أقوال، ولعله إن شاء الله يتبين -كما يميل إلى ذلك شيخ الإسلام - أن ما ذكر عنهم مكذوب عليهم، أو أنه بسبب حالات ترجع إلى اختلال ليس لهم فيه يد. هذا الوجه الرابع عشر من الردود. قال رحمه الله: [ وإذا نفى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه أمراً كان هو الصادق المصدوق في ذلك، كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفي وإثبات، وعلينا أن نصدقه في كل ما أخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيماً له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية تعظيماً له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك ألبتة، والله أعلم ].يقصد الشيخ بذلك الرد على من تأولوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يعظم ولا يقدس، فتأولوا بأن ذلك نوع من التواضع منه، وأنه خصوصية له منه، وليس لنا أن نأخذ بذلك، فهو يقول: هذا رد لقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهو فعلاً رد صريح حينما قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)، فما قصد بذلك مجرد التواضع، بل قصد بذلك الحق؛ لأن التعظيم والتقديس لا يكون إلا لله عز وجل، وأما تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى: حبه، ووصفه بخصائصه التي ميزه الله بها، وتوقيره والأخذ عنه، فهذا لا شك أنه من التعظيم الذي يجب على كل مسلم، لكن لا يعني ذلك تجاوز حدود ما لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن تجاوز ذلك لا يكون تعظيماً، وإنما يكون إهانة، ولذلك عُدَّ قول النصارى في المسيح إهانة للمسيح عليه السلام، وعُدَّ من الكفر والشرك بالله عز وجل.
الأسئلة

 حكم دفن موتى المسلمين في مقابر الكفار
السؤال: ما حكم دفن الموتى من المسلمين في مقابر الكفار؟الجواب: ينبغي للمسلمين أن يدفنوا موتاهم في مقابر المسلمين، ولا يدفنوا موتاهم في مقابر الكفار، وهنا قد يرد إشكال وهو: إذا مات المسلم في بلاد الكفار فما حكم ذلك؟ يجب أن يبحث له عن مقابر للمسلمين، أو ينقل إلى بلاده إذا أمكن ذلك، وبحمد الله قد علمت أن في كثير من البلاد الغربية وغيرها استطاع المسلمون أن يتخذوا لهم مقابر خاصة، وهذا مما يجب على من يموت له قريب أن يدفنه في مقابر المسلمين، ولا يدفنه منفرداً إلا إذا لم يجد له مقبرة لموتى المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [11] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net