اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [8] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [8] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
من لوازم العبودية الحقة لله تعالى ألا يسأل العبد إلا الله تعالى في كل أموره، وألا يستعين ولا يستعيذ ولا يتوكل إلا على الله.والعبادات مبناها على الإخلاص والمتابعة، فلابد من اجتماعهما حتى تكون العبادة مقبولة عند الله تعالى.
فصل في ألا يسأل العبد إلا الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا في الفتاوى لـشيخ الإسلام في المجلد الأول، وقد وصلنا إلى فصل: في ألا يسأل العبد إلا الله، وهو امتداد للكلام عن موضوع العبودية، وكما تعرفون أيضاً أن أغلب هذا المجلد بل سائره في تقرير مسائل العبودية، وبيان ما ينافيها، والرد على المخالفين في هذه المسائل.
 حكم سؤال وطلب الدعاء من الآخرين
قال رحمه الله تعالى: [ وأما سؤله لغيره أن يدعو له فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر : (لا تنسنا من دعائك)، وقال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وقد يقال في هذا: هو طلب من الأمة الدعاء له؛ لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم كما قال للذي قال: (أجعل صلاتي كلها عليك؟ فقال: إذاً يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك)، فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم، كسائر أمره إياهم بما أمر به؛ وذلك لما في ذلك من المصلحة لهم، فإنه قد صح عنه أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكَّل الله به ملكاً كلما دعا دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك مثله) ].ما يتعلق بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بأن يدعوا له ويصلوا عليه له وجه آخر، ذكره شيخ الإسلام وغيره في مقام آخر، وهو أن ذلك من التشريع الذي أمر الله به، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ، وهو عليه الصلاة والسلام عندما أمرنا بأن نحبه أكثر مما نحب أنفسنا وأولادنا وما نملك فإن ذلك بأمر الله عز وجل له، ولم يقصد بذلك رفعة نفسه، بل الله رفعه وأمره أن يبلغ، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم عندما طلب منا أن نصلي ونسلم عليه وذكر الأجر على ذلك إنما ذلك هو حق له صلى الله عليه وسلم شرعه الله.وعليه فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بلغنا شرع الله ولم يطلب لنفسه شيئاً، فإنما هو مبلغ عن الله تعالى، ومن هنا يزول الإشكال في كون النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الأمة أن تدعو له، وأن تسلم عليه، وأن تصلي عليه، وأن تحبه، وأن تتبع شرعه وأن تقتدي به، وكل ذلك إنما هو بأمر الله عز وجل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فصل العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع
قال رحمه الله تعالى: [ فصل: العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع ].هذه من القواعد العظيمة في الشرع، وقد أشار الشيخ هنا إلى العبادات؛ لأنه في مقام ذكر توحيد الإلهية والعبادة، لكن في الحقيقة أن هذه قاعدة أشمل من هذا النص، ولذا فيجوز أن يخصص هذه القاعدة ويجوز أن يعممها، فنقول: الدين كله -العبادة والعادة والأحكام .. وغيرها- مبناه على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، كما يجوز لنا أن نأخذ هذه القاعدة في كل علم بحسبه، فنقول مثلاً: الأحكام مبناها على الشرع والاتباع، والعقيدة مبناها على الشرع والاتباع، والعبادات مبناها على الشرع والاتباع، ومن هنا حصلت العبادة؛ لأن المقام مقام الحديث عن العبادة، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهي من خصائص قواعد السلف التي تميزوا بها عن غيرهم، وهي من الفوارق الكبرى بين منهج السلف ومنهج المخالفين، فالسلف كلهم يتفقون على هذه القاعدة بإجماع، بينما أهل الأهواء منهم من يخرق هذه القاعدة نظرياً، ومنهم من يخرقها نظرياً وعملياً، ومنهم من يخرقها عملياً فقط، أي: أنه يخالف هذه القاعدة عملياً فقط؛ لأن هناك من أهل البدع من يدعي هذه القاعدة، لكنه يخالفها في العمل، فيبتدعون أموراً ما أنزل الله بها من سلطان.إذاً: لابد لهذه القاعدة من فروع وضوابط وأسس سيتكلم عن بعضها الشيخ بعد قليل.
 الفرق بين الأحوال الرحمانية لأهل الحق والأحوال الشيطانية لأهل البدع
قال رحمه الله تعالى: [ ومن هؤلاء: من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لابد فيه من الإحرام، والوقوف بعرفة، ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة، ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات.. إلى غير ذلك من واجبات الحج، وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، ويحمل أحدهم بثيابه، فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة.ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة، فيراه من يعرفه واقفاً، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة! فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيراً، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه:123] إلى قوله: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]، ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها، وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقرأ هذه الآية.فمن اتبع ما بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقي، وأضله الشيطان وأشقاه.فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان، فإن هذه حال أوليائه، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، وتكون نعمة لله على عبده المؤمن في دينه ودنياه، فتكون الحجة في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين، مثلما كانت معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين، مثل: البركة التي تحصل في الطعام والشراب، كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل: نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء، ومثل: الأخبار الصادقة والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط.وأما أصحاب الأحوال الشيطانية، فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولابد في أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء:221-222] الآيتين].في الحقيقة إن من الأمور التي ينبغي التفريق بينها ما يحدث لكثير من أهل البدع من الخوارق، وما يحدث من كرامات لأهل الحق والولاية الشرعية، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً بينهما، فالكرامة لا تحصل إلا من مستقيم على السنة، وقد تحدث من مقصر، لكن لا تحدث في تأييد بدعته أو في تأييد معصيته، وإنما قد تحدث له عند الضرورة، أو عندما يلجأ إلى الله عز وجل في أمر يتعلق بمصالح الأمة أو بنصر الدين، فهو وإن كان فاسقاً أو فاجراً قد تحدث له من الكرامة في سبيل نصرة الحق أو في سبيل كشف كربته أو ضرورته، لكن لا يمكن أن تحدث الكرامة في نصر البدعة أو نصر المبتدع، بل ولا تحدث الكرامة على يد المبتدع فيما يتعلق بتأييد الحق، ثم إن الكرامة أيضاً في الغالب تكون مؤيدة للشرع، بمعنى: أن نتيجتها لابد أن توافق الدليل الشرعي، سواء كانت النتيجة قولية أو عملية أو في أحكام.. أو في غيرها، فيستفيد منها المسلم أو يستفيد منها المسلمون.ثم إن الكرامة في الغالب أنها تحدث بغير قصد لها أو تعمد لها، فهي تحدث إكراماً من الله عز وجل للعبد، كأن يلجأ إلى الله عز وجل، أو يحدث منه ما يرضي الله عز وجل من العبادة الصادقة.. ونحو ذلك عن غير طلب لها، فإن طلبها فقد تحدث له مرة، لكن إن تكررت فالغالب أنها تكون ابتلاء وتنقلب من كونها كرامة إلى كونها مخرقة، وقد ابتلي كثير من العباد الصالحين الذين يعبدون الله على جهل بالبدع؛ بسبب ما يقع لهم من الكرامات الدائمة، لذلك فإنه قد تحدث لبعضهم كرامات قد تكون فعلاً موجبها أموراً قلبية صحيحة، وأحوالاً قلبية صحيحة في أول الأمر، لكنه لجهله يغتر فيقع في طلب الكرامة والإلحاح عليها، فيستدرج إلى البدعة بالكرامة، فتنقلب الحال من كرامة تكون من الملائكة إلى استغلال الشيطان لهذا التوجه عند الشخص، فيدخل عليه الشيطان من هذا الباب فتكثر عنده المخارق، فتختلط عليه الكرامة بالمخرقة والدجل، ثم إن الكرامة لابد أن تكون مما يستأنس بها المؤمن والمسلم المستقيم، يعني: يكون فيها نوع من البشارة ونصر الحق، أو التفريج عن مسلم .. أو نحو ذلك، بخلاف المخارق ففي الغالب أنها تكون في تأييد أحوال أهل الفسق والفجور والبدع، ثم إنه في الجملة فالكرامات لا تكون من أهل البدع المغلظة، بينما أهل المخارق يكونون غالباً من أهل البدع المغلظة، ولذلك تكثر عندهم هذه الأحوال، لذلك كان من علامات انحراف بعض الجماعات عن السنة في عصرنا الحاضر كثرة تعويلهم على هذا الباب، نعم الكرامات حق، لكن إذا صاروا يعولون كثيراً من أمورهم وأحوالهم العلمية والعملية والمادية، وحتى شئون الدعوة.. وغيرها على الكرامات أكثر مما يعولون بها على ما أمرهم الله به عز وجل من الاستعداد والعمل، فهذا فيه نوع ابتداع واتكال على أعمال قد يدخل عليهم الشيطان من بابها وهم لا يشعرون، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابساً الخبائث من النجاسات والأقذار التي تحبها الشياطين، ومرتكباً للفواحش أو ظالماً للناس في أنفسهم وأموالهم.. وغير ذلك، والله تعالى قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ].إذاً: إذا كان الأمر الخارق يقر ظلماً أو يقر عدواناً أو يؤيد بدعة أو يؤيد مبتدعاً، أو يكون فيه نوع من الإخلال بالأحوال القلبية كالتوكل.. وغيره، أو إخلال بما أمر الله عز وجل به من طلب الرزق، أو بما أمر الله به من الأمور المباحة، أو كانت هذه الأحوال تؤدي إلى تحريم حلال أو تحليل حرام.. أو نحو ذلك مما هو من خصائص أهل البدع غالباً، فنحكم بأنها من المخارق الشيطانية وليست من الأحوال والكرامات التي يؤيد الله بها العباد.ولذلك نجد أن الكرامات يقل ذكرها عند المؤمنين؛ لأن الغالب أنها لا تؤدي إلى هذه الأمور، ثم إنه أيضاً من ضوابط الكرامة: ألا تؤدي إلى الغرور، فإن أدت إلى الغرور والتعالي والاستعلاء بها والتمدح بها، فإنها قد تنقلب بعد ذلك إلى خوارق شيطانية.قال رحمه الله تعالى: [ وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان، والله أعلم ].
فصل جامع في أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم
قال رحمه الله تعالى: [ فصل جامع:قد كتبت فيما تقدم في مواضع قبل بعض القواعد، وآخر مسودة الفقه: أن جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم ].يقصد الشيخ هنا العدل بمعناه العام، والظلم بمعناه العام؛ لأن العدل معناه واسع، وهو ضد الجور وضد الميل، والجهل كذلك ضد الاعتدال وضد الاستقامة، وأغلب ما يستعمل الناس العدل فيما هو ضد الجور وضد الميل، لكن معناه الواسع قد يغفل عنه كثير من الناس، والشيخ هنا قصد المعنى الواسع، فالعدل هو الاعتدال، وهو صراط الله المستقيم الذي فيه جميع الشرع، العقيدة والشريعة، وكل ذلك هو العدل وهو مقتضى العدل، وليس فقط العدل مع الناس أو العدل في الحكم أو العدل ضد الجور أو ضد الميل، وإنما العدل الاستقامة على دين الله عز وجل.ولذلك نجد هذا المعنى العام موجود حتى عند العوام، فيقولون: هذا الطريق عدال، أي: مستقيم، وهو معنى جيد لمفهوم العدل، وكذلك الظلم ليس فقط معناه هنا مجرد ظلم الآخرين، بل ظلم النفس وظلم الآخرين، وكذلك من الظلم الجور عن الحق، والميل عنه.قال رحمه الله تعالى: [ وتفصيل ذلك: أن الله خلق الخلق لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب لجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنة من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلما نهى عنه فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم ].الشيخ هنا فسر الظلم بمعناه العام فقال: (وكل ما نهى عنه -الشرع- فهو زيغ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم).قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف:29]، فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين، والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون، والذين بدلوا الكتاب من أهل الكتاب، فاشتملت السورة على ذم من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفار بالأنبياء، أو بعضه ككفار أهل الكتاب. وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين:أحدهما: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات، فالأول شرع من الدين ما لم يأذن به الله.والثاني: تحريم لما لم يحرمه الله.وكذلك في الحديث الصحيح حديث عياض بن حمار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الله تعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً). ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك.. ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصار وأغلال من التحريمات، ولهذا قال لهم المسيح عليه السلام: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50]، وأصل دين النصارى فيه تأله بألفاظ متشابهة، وأفعال مجملة، فالذين في قلوبهم زيغ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما قررته في غير هذا الموضع: بأن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين يرجع إلى ذلك، فإن إخلاص الدين لله أصل العدل، كما أن الشرك بالله ظلم عظيم ].والنتيجة أو الخلاصة لهذا الحديث كله: هي أنه قصد في هذا الفصل الجامع أن العدل هو إخلاص الدين لله جملة وتفصيلاً، ويدخل في ذلك إخلاص الدين لله في العبادة والأحكام، وفي المستحبات والواجبات والفرائض. كما قصد رحمه الله أن الظلم هو الشرك بالله جملة وتفصيلاً، ويدخل في ذلك الشرك الأكبر والشرك الأصغر وظلم النفس وظلم الغير، وهذه من الأمور والقواعد الجيدة التي ينبغي لطلاب العلم دائماً أن يعوها ويستفيدوا منها؛ لأن مثل هذه القواعد في الغالب أنها تصبح بمثابة الموازين، حيث إنه إذا استوعبها طالب العلم ففي الغالب بإذن الله أنه يوفق ويسدد إذا التزم قواعد الاستدلال ونهج السلف في ذلك، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الفرق بين الأحوال الرحمانية لأهل الحق والأحوال الشيطانية لأهل البدع
قال رحمه الله تعالى: [ ومن هؤلاء: من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحمله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله، ولا يعرف أنه يجب عليه أن يتوب من هذا، وإن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لابد فيه من الإحرام، والوقوف بعرفة، ولابد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة، ويرمي الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات والإحرام من الميقات.. إلى غير ذلك من واجبات الحج، وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، ويحمل أحدهم بثيابه، فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة.ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة، فيراه من يعرفه واقفاً، فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة! فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة، ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيراً، وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه:123] إلى قوله: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]، ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها، وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقرأ هذه الآية.فمن اتبع ما بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقي، وأضله الشيطان وأشقاه.فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان، فإن هذه حال أوليائه، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، وتكون نعمة لله على عبده المؤمن في دينه ودنياه، فتكون الحجة في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين، مثلما كانت معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين، مثل: البركة التي تحصل في الطعام والشراب، كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل: نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء، ومثل: الأخبار الصادقة والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط.وأما أصحاب الأحوال الشيطانية، فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولابد في أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء:221-222] الآيتين].في الحقيقة إن من الأمور التي ينبغي التفريق بينها ما يحدث لكثير من أهل البدع من الخوارق، وما يحدث من كرامات لأهل الحق والولاية الشرعية، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً بينهما، فالكرامة لا تحصل إلا من مستقيم على السنة، وقد تحدث من مقصر، لكن لا تحدث في تأييد بدعته أو في تأييد معصيته، وإنما قد تحدث له عند الضرورة، أو عندما يلجأ إلى الله عز وجل في أمر يتعلق بمصالح الأمة أو بنصر الدين، فهو وإن كان فاسقاً أو فاجراً قد تحدث له من الكرامة في سبيل نصرة الحق أو في سبيل كشف كربته أو ضرورته، لكن لا يمكن أن تحدث الكرامة في نصر البدعة أو نصر المبتدع، بل ولا تحدث الكرامة على يد المبتدع فيما يتعلق بتأييد الحق، ثم إن الكرامة أيضاً في الغالب تكون مؤيدة للشرع، بمعنى: أن نتيجتها لابد أن توافق الدليل الشرعي، سواء كانت النتيجة قولية أو عملية أو في أحكام.. أو في غيرها، فيستفيد منها المسلم أو يستفيد منها المسلمون.ثم إن الكرامة في الغالب أنها تحدث بغير قصد لها أو تعمد لها، فهي تحدث إكراماً من الله عز وجل للعبد، كأن يلجأ إلى الله عز وجل، أو يحدث منه ما يرضي الله عز وجل من العبادة الصادقة.. ونحو ذلك عن غير طلب لها، فإن طلبها فقد تحدث له مرة، لكن إن تكررت فالغالب أنها تكون ابتلاء وتنقلب من كونها كرامة إلى كونها مخرقة، وقد ابتلي كثير من العباد الصالحين الذين يعبدون الله على جهل بالبدع؛ بسبب ما يقع لهم من الكرامات الدائمة، لذلك فإنه قد تحدث لبعضهم كرامات قد تكون فعلاً موجبها أموراً قلبية صحيحة، وأحوالاً قلبية صحيحة في أول الأمر، لكنه لجهله يغتر فيقع في طلب الكرامة والإلحاح عليها، فيستدرج إلى البدعة بالكرامة، فتنقلب الحال من كرامة تكون من الملائكة إلى استغلال الشيطان لهذا التوجه عند الشخص، فيدخل عليه الشيطان من هذا الباب فتكثر عنده المخارق، فتختلط عليه الكرامة بالمخرقة والدجل، ثم إن الكرامة لابد أن تكون مما يستأنس بها المؤمن والمسلم المستقيم، يعني: يكون فيها نوع من البشارة ونصر الحق، أو التفريج عن مسلم .. أو نحو ذلك، بخلاف المخارق ففي الغالب أنها تكون في تأييد أحوال أهل الفسق والفجور والبدع، ثم إنه في الجملة فالكرامات لا تكون من أهل البدع المغلظة، بينما أهل المخارق يكونون غالباً من أهل البدع المغلظة، ولذلك تكثر عندهم هذه الأحوال، لذلك كان من علامات انحراف بعض الجماعات عن السنة في عصرنا الحاضر كثرة تعويلهم على هذا الباب، نعم الكرامات حق، لكن إذا صاروا يعولون كثيراً من أمورهم وأحوالهم العلمية والعملية والمادية، وحتى شئون الدعوة.. وغيرها على الكرامات أكثر مما يعولون بها على ما أمرهم الله به عز وجل من الاستعداد والعمل، فهذا فيه نوع ابتداع واتكال على أعمال قد يدخل عليهم الشيطان من بابها وهم لا يشعرون، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: [ ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابساً الخبائث من النجاسات والأقذار التي تحبها الشياطين، ومرتكباً للفواحش أو ظالماً للناس في أنفسهم وأموالهم.. وغير ذلك، والله تعالى قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ].إذاً: إذا كان الأمر الخارق يقر ظلماً أو يقر عدواناً أو يؤيد بدعة أو يؤيد مبتدعاً، أو يكون فيه نوع من الإخلال بالأحوال القلبية كالتوكل.. وغيره، أو إخلال بما أمر الله عز وجل به من طلب الرزق، أو بما أمر الله به من الأمور المباحة، أو كانت هذه الأحوال تؤدي إلى تحريم حلال أو تحليل حرام.. أو نحو ذلك مما هو من خصائص أهل البدع غالباً، فنحكم بأنها من المخارق الشيطانية وليست من الأحوال والكرامات التي يؤيد الله بها العباد.ولذلك نجد أن الكرامات يقل ذكرها عند المؤمنين؛ لأن الغالب أنها لا تؤدي إلى هذه الأمور، ثم إنه أيضاً من ضوابط الكرامة: ألا تؤدي إلى الغرور، فإن أدت إلى الغرور والتعالي والاستعلاء بها والتمدح بها، فإنها قد تنقلب بعد ذلك إلى خوارق شيطانية.قال رحمه الله تعالى: [ وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان، والله أعلم ].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [8] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net