اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مجمل أصول أهل السنة - توحيد العبادة للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


مجمل أصول أهل السنة - توحيد العبادة - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
الله تعالى واحد أحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو المستحق وحده لجميع أنواع العبادة، وصرف شيء من العبادة لغير الله تعالى شرك، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبيناً أو ولياً صالحاً.
قواعد في باب التوحيد الإرادي الطلبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:قال المؤلف حفظه الله تعالى: (ثالثاً: التوحيد الإرادي الطلبي (توحيد الألوهية):أولاً: الله تعالى واحد أحد، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو رب العالمين المستحق وحده لجميع أنواع العبادة). أولاً: التوحيد الطلبي هو توحيد العبادة، ويسمى التوحيد الإرادي؛ لأنه يكون بإرادة العباد، وكذلك الله أراده من العباد وطلبه منهم.وكذلك يسمى التوحيد الطلبي؛ لأن توحيد العبادة هو التوجه والطلب إلى الله عز وجل بالعبادات من قبل العباد، ولأن الله عز وجل أيضاً طالب العباد به.ويسمى توحيد الألوهية؛ لأنه مبني على التعبد والتأله، وهو المحبة والانجذاب إلى الله عز وجل، والانطراح إليه سبحانه، والخضوع له، والتوجه إليه بأنواع العبادة القلبية واللسانية وعبادة الجوارح، فمن هنا سمي: توحيد الإلهية أو الألوهية، وليس بينهما فرق.إذاً: هذا النوع من التوحيد هو أفعال العباد التي يتوجهون بها إلى الله، وتبدأ بتوجه القلوب إلى الله عز وجل بمحبة الله ورجائه وخوفه، وما ينتج عن ذلك من التقوى ومن سائر أنواع العبادات التي تبدأ بالدعاء، وتنتهي بجميع أعمال وحركات الإنسان التعبدية.
 صرف شيء من العبادات لغير الله
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثانياً: صرف شيء من أنواع العبادة: كالدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف، والرجاء، والحب، ونحوها لغير الله تعالى شرك، أياً كان المقصود بذلك: ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو عبداً صالحاً، أو غيرهم.. ].الشرح: إذا قلنا: إن الله عز وجل هو واحد أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المستحق وحده للعبادة؛ فإذاً لا يعبد إلا الله، ثم لا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وأنواع العبادة كثيرة، لكن أبرزها: الدعاء، ثم الصلاة والسجود وغير ذلك من الأنواع الظاهرة البينة؛ لأن العبادة أول ما تنشأ من القلب، والعبادة القلبية خفية، ولا نعلم ما بين العبد وبين ربه عز وجل، فتبقى العبادة الظاهرة التي تبدو على الأركان. وعلى أفعال الإنسان في سجوده وركوعه وتوجهه وقبلته وغير ذلك من الحركات التعبدية أو على أقواله، مثل: الدعاء والاستعانة والاستغاثة، أو على أفعال أخرى قد تدخل في هذا وذاك، فالذبح أمر مزدوج، فقد يذبح زاعماً أنه يذبح لله لكنه ينطق بالتسمية لغير الله، وقد يصرف العبادة اللسانية لغير الله، ولا شك أن هذا ناتج عن العبادة القلبية.إذاً: التوجه إلى غير الله عز وجل بأي نوع من أنواع العبادة شرك، ولا يمكن أن يخفى على عاقل أنها من الأمور البينة التي يمارسها العباد بأفرادهم، فليست من الأمور الخفية، وأنواع العبادة قد يكون منها ما هو خفي يختلط فيه الأمر الغريزي بالتعبدي، فمثلاً: الصلاة لا تجوز لغير الله وهذا أمر بيِّن، والركوع والسجود -وهو جزء من الصلاة- أحياناً قد يفرد بعض الناس سجوداً لغير الله، ولو لم يكن صلاة كاملة، أو يفرد ركوعاً لغير الله، أو يتجه لغير القبلة، أو يطوف بغير الكعبة؛ وكل هذه عبادات محضة، وكلما صرفت لغير الله فهي شرك محض، وهذا بالنسبة للفعل، أما الفاعل فإنه يحتاج إلى أن نجري عليه شروط وموانع التكفير، سواء حكمنا بشركه أو ببدعته أو بنحو ذلك.فأبرز أنواع العبادة: الدعاء والصلاة والسجود، ثم يدخل في ذلك الاستغاثة والاستعانة والذبح والتوكل والخوف والرجاء والحب، وهذه المعاني يوجد منها ما هو طبيعي غريزي فيما بين الخلق في تعاملاتهم، فهذا ليس هو الممنوع، وأمور تنبني على التقديس؛ وهذه هي العبادة، بمعنى أن نقول: الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه أمر مشروع، كأن تقول لأخيك: ناولني القلم، فهذا نوع من الاستعانة، ولكنها استعانة جائزة ومشروعة ولا يماري فيها إلا جاهل، لكن إذا استعنت بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن تأتي إلى ميت وتقول: أعني على كذا، أو تأتي إلى إنسان حي تريد منه أن يأتي لك بالخوارق التي لا يقدر عليها إلا الله، أو تريد منه أن ينزل لك المطر؛ فتكون بهذا استعنت به فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن هنا وقع الشرك.كذلك الاستغاثة والنذر، لكن النذر غالباً لا يكون إلا تعبدياً، ومع ذلك فإن بعض الناس قد يخلط بين النذر والقسم، وبين النذر والحقوق التي يلتزم بها للعباد، فالنذر بمعناه في الاصطلاح العام عند الناس غالباً يكون تعبدياً، فعلى هذا لا يجوز النذر لغير الله.أما الذبح فله صور أبرزها صورتان:الصورة الأولى: مجرد الذبح مع التسمية لله عز وجل لأكل اللحم أو لإكرام الضيف، لغير قصد التعبد، فهذا من الأمور المباحة. الصورة الثانية: أن تذبح تعبداً لغير الله.. وتقديساً لغير الله، فإذا ذبح الإنسان تعبداً لغير الله؛ فمن هنا يقع الشرك، وسواء سمى الله أو لم يسم.والكثير من المسلمين بحمد الله في عافية من هذه الأمور، ولا يتصورونها؛ وقد يسأل سائل: هل إذا ذهبت لأذبح عند الجزار أو في البيت، وذبحت دون أن أسمي الله ناسياً، وأحياناً أسمي الله لكن قصدي إكرام هذا الضيف؛ فهل يكون هذا من باب الشرك؟والجواب: أن هذا مشروع، لأن الذبح لإكرام الضيف سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهو سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسنة السلف الصالح، ومن العوائد الكريمة عند الأمم.لكن المقصود بالذبح الشركي: هو التقرب والتقديس.. ذبح العبادة، القربة التعبدية لغير الله بالذبح.كذلك التوكل هو مثل الاستعانة والاستغاثة، إذا كان يعتمد الإنسان على العباد فيما يقدرون عليه، فهذا أمر جائز، لكن الأولى ألا يسمى توكلاً؛ لأن التوكل هو كمال الاعتماد، ولذلك فإن الصحيح شرعاً أن التوكل لا يكون إلا على الله عز وجل، وأن الاستعانة والاستغاثة من صور التوكل، لكنها تختلف في أنها تتعلق بالطلب من العباد، أما التوكل فهو الاعتماد الكلي، والاعتماد الكلي لا يكون إلا على الله عز وجل، وهو الاعتماد المطلق.إذاً: التوكل إن قصد به معناه اللغوي فلا يجوز إلا على الله عز وجل، وإن قصد به الاستعانة والاستغاثة؛ فمنه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مشروع. وكذلك الخوف والرجاء والحب هذه معان قلبية وعاطفية توجد عند الناس، فمنها ما هو مشروع لا علاقة له بالتعبد، وهو ما بين العباد في علاقاتهم كأن ترجو من إنسان أن ينفعك رجاءً فيما يقدر عليه هو، أو تخاف من إنسان يمكن أن يهددك فيما يقدر عليه هو، أو تخاف من حيوان أو من بعض مظاهر الكون خوفاً غريزياً طبيعياً فيما يحدث من هذه الأمور التي تخاف منها؛ فهذا لا عيب فيه، وهو مشروع إذا لم يتعد الحد المعقول.لكن الممنوع والذي يدخل في الشرك: هو حب التقديس، إذا أحببت أحداً من الخلق: نبياً كان أو ولياً أو صالحاً، أو جماداً أو أي مخلوق آخر.. إذا وصلت درجة المحبة إلى التقديس أو التعظيم الذي لا يجوز إلا لله؛ فهذا شرك.وكذلك الخوف من إنسان لا يقدر على أن يضر؛ كأن تخاف من الميت أو ترجوه، أو تخاف من مخلوق أن يضرك في أمر لا يقدر عليه إلا الله، أو الخوف الذي يصل إلى حد اعتقاد أن الغائب يمكن أن يضرك في أمر لا يضرك فيه، فإذا وصل الخوف إلى هذه الدرجة فقد يكون شركاً أو كبيرة بحسب درجته.إذاً: الخوف والرجاء والحب إذا وصل إلى حد التقديس أو إسناد شيء للمخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا شرك، أما إذا كان دون ذلك فهو غريزي، وقد يكون فيه إثم أحياناً إذا زاد عن الحد المعقول ولم يصل إلى درجة التقديس، وقد يكون مشروعاً وهو الغالب، لأن المحبة الطبيعية والرجاء الطبيعي والخوف الطبيعي؛ كله مشروع.وقوله: (أياً كان المقصود بذلك) أي: أن كل هذه الأمور إذا صرفت لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو فيما لا يجوز إلا لله فهي شرك، سواء كان من صرفت إليه هذه الأمور ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو من العباد الصالحين أو غيرهم، حتى وإن كان من أكرم الخلق ما دام مخلوقاً؛ فلا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة له، وإن كان أفضل العالمين وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يصرف الإنسان شيئاً من العبادة له كما قال صلى الله عليه وسلم لأحد الذين علقوا به شيئاً لا يجوز إلا لله، قال: (أجعلتني لله نداً).
قاعدة في أصول العبادة
قال المؤلف حفظه الله تعالى: (ثالثاً: من أصول العبادة: أن الله تعالى يعبد بالحب والخوف والرجاء جميعاً، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ). عبادة الله عز وجل عند كل عابد لله عز وجل لا بد أن تقوم في قلبه على ثلاثة أسس وأركان موجودة جميعاً وفي آثار أعماله القلبية على جوارحه، وعلى لسانه وأعماله، وهذه الأركان الثلاثة هي:
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
قاعدة التسليم والرضا والطاعة المطلقة لله ولرسوله
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ رابعاً: التسليم والرضا والطاعة المطلقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالله تعالى حكماً من الإيمان به رباً وإلهاً، فلا شريك له في حكمه وأمره، وتشريع ما لم يأذن به الله، والتحاكم إلى الطاغوت، واتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وتبديل شيء منها كفر، ومن زعم أن أحداً يسعه الخروج عنها فقد كفر ]. هذه قاعدة عظيمة تنبني على الأعمال القلبية أولاً، ثم ثمار الأعمال القلبية التي هي جزء من الإيمان، فمن العبودية لله عز وجل توحيد الألوهية، فإن الأساس الأول للعبودية يبدأ من القلب.. من الضمير.. من المضغة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها في الجسد: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب لا بد أن يسلم لله عز وجل ويرضى، والتسليم هو الإذعان والاستعداد لما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يمتلئ قلب العبد بالتعلق بمراد الله، وما يريد الله منه.وأن يكون قصده بذلك الاستجابة لأمر الله، فإن كان أمراً أخذ به، وإن كان نهياً انتهى عنه، وهذا التسليم يبدأ بالقلب، فالعبودية تنبني على التسليم أولاً، ثم الرضا. وما بعد التسليم لا بد أن يلتزم الإنسان بالشرع، والالتزام قد يثقل أحياناً على النفس خاصة إذا سيطر عليها الهوى أو الشبهات أو الشهوات أو الجواذب والموانع والقواطع التي تصرف الإنسان عن العمل الحق والقول به وفعله، فهذه الصوارف تجعل عنده نوعاً من الاستثقال للدين، أو لبعض مفردات الدين، وهذا ينافي العبودية أو يخل بها.فمن مقتضى العبودية بعد التسليم: الرضا والاستعداد والإذعان والطمأنينة، بحيث أن لا يتذمر الإنسان أو يستثقل أوامر الشرع، بل يرضى ويسلم للشرع والقدر.ثم يلزم من ذلك الطاعة المطلقة لله عز وجل، والطاعة المطلقة هي الاستعداد للعمل، أما التنفيذ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها بحسب المستطاع، وبعض الناس يظن أن معنى الطاعة المطلقة أن تطبق كل ما تؤمر به، وفي فرائض الدين وواجباته ما يستطيع تطبيقه عامة الناس، وفيها ما هو مبني على الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.فالطاعة المطلقة: طاعة انقياد وطاعة استعداد، ثم بعد ذلك العمل بالمستطاع، والطاعة المطلقة تكون لله عز وجل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فأمر الله بأن نطيع رسوله صلى الله عليه وسلم.ثم يلزم من ذلك كله: الاعتقاد والجزم بأن الله عز وجل هو الحكم، والحكم أن ترضى بحكمه وقضائه وشرعه، كما رضيت به رباً وكما استسلمت له بأنه إله، لأن من مقتضى إيمانك بأن الله رب ومعبود أن ترضى بحكم الله في كل شيء، في الشرع والقدر، وحكم الله أحياناً يخصك، وأحياناً فيما بينك وبين العباد، والأحكام التي تكون بينك وبين العباد كثير منها لا يقضى إلا بالأسس الشرعية وأسس التعامل مع الخلق، فإذاً: يجب أن تستعد للرضا بحكم الله عليك، أي: حكم شرع الله وقدره.ثم يتبع ذلك أنه عز وجل لا شريك له في حكمه، والحكم حكمان: حكم قدري وحكم شرعي، وأمره أمرنا: أمر قدري وأمر شرعي.وقوله: (وتشريع ما لم يأذن به الله) أي: إذا قلنا: إنه لا بد أن يكون الله عز وجل هو وحده الحكم، وهو الحاكم، وهو سبحانه الذي إليه التحاكم، وهو سبحانه المشرِّع؛ إذاً: تشريع أي شرع لم يأذن به الله، ولم يكن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو التحاكم إلى غير دين الله، أو اتباع أي شرع غير شرع محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك كفر.وتشريع ما لم يشرعه الله، والتحاكم إلى غير دين الله تحاكم إلى الطاغوت، أو اتباع غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حتى في أمر جزئي كما يقول بعض المفتونين: لماذا لا نأخذ بعض أحكامنا من الديانات الأخرى؟كيف نأخذ والله عز وجل قد أكمل لنا الدين، ونسخ الديانات السابقة، وقد يكون عند كثير من الديانات شيء من الحق، لكنه موجود عندنا وزيادة، ولا يمكن أن ينفرد اليوم دين من الديانات بشيء من الحق وهو لا يوجد في الإسلام، وهذه قاعدة حتمية قطعية، ولا يمكن أن ينفرد دين ولا مبدأ في العالم سواء من الأديان المنزلة التي حرفت، أو أديان من التي وضعها البشر أو النظم، لا يمكن أن ينفرد دين أو مبدأ بحق أو بشرع صالح للناس يستقل به عن الإسلام.فلا بد أن يتضمن الإسلام كل ما يمكن أن يخطر على بال بشر من معالم الحق جملة وتفصيلاً، فلا يمكن أن ينفرد مبدأ بالحق من دون الإسلام، وإن وجد عند كثير من المبادئ بعض الأمور الجميلة في تشريعاتها. وفي نظمها، فهذا أمر قد يعترف لهم فيه، لكن يوجد في الإسلام ما هو أكمل منه، وإنما التقصير يكون من المسلمين أنفسهم في كثير من الأحوال.وكذلك التبديل بأن يوضع نظام وضعي بدل نظام شرعي، وسواء كان هذا التبديل في الأحكام الجزئية أو الكلية، فالأصل فيه أن يكون كفراً، لكن قد يكون كفراً مخرجاً من الملة أو غير مخرج بحسب أنواعه.وقوله: (ومن زعم أن أحداً يسعه الخروج منها -أي: من الشريعة- فقد كفر) المقصود: أن من ادعى أو توهم أو اعتقد أن بإمكانه أن يستغني عن شيء من شرع الله؛ فهذا يكون حكمه حكم السابقين في الصور الماضية أنه كفر.
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
قاعدة في الحكم بغير ما أنزل الله
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ خامساً: الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر، وقد يكون كفراً دون كفر.فالأول: التزام شرع غير شرع الله، أو تجويز الحكم به.والثاني: العدول عن شرع الله في واقعة معينة لهوى مع الالتزام بشرع الله.. ]. هذه من القضايا التي تحتاج إلى مزيد من التقعيد؛ لأن الكثير من صورها من النوازل والمستجدات، ففي عهد السلف في القرون الثلاثة الفاضلة وإلى قبل قرنين والمسلمون لا يعرفون النظم الشاملة التي يحكم فيها بغير الإسلام، ما عدا ما حدث من التتار وهو أمر جزئي في ظروف لم يستقر فيها نظام غير نظام الإسلام، إنما جاء في وقت هيمنة التتار. وما عدا ذلك فلا يعرف المسلمون التبديل الشامل للنظم التي توضع بدلاً عن شرع الله، بل هذا لم يعرف إلا في العصر الحديث؛ ولذلك فهذه الأمور تحتاج إلى مزيد من التقعيد، وتكون في الصور الآتية:أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله الأصل فيه أنه كفر، لكن مع ذلك قد يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وقد يكون كفراً أصغر غير مخرج من الملة، ويدخل فيه الفسق والظلم كما ورد في سياق الآيات.ثانياً: أن الحكم على المعين يختلف عن الحكم العام، فالحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله فلا بد أن ننظر في الحكم عليه باعتبارات كثيرة:أولها: أن الذين يحكمون هم العلماء الراسخون.وثانيها: أنه لا بد من التثبت من ذلك.وثالثها: لا بد من تطبيق شروط التكفير وانتفاء الموانع، وإن كان الحال كفراً، وهذا ينطبق على كثير مما يحدث من صور في العالم الإسلامي؛ فلذلك لا يجوز الاستعجال في تكفير دولة أو مؤسسة أو نظام أو حزب أو جماعة أو هيئة أو شخص ما لم تطبق هذه الشروط. كما يجب أن نفرق بين الحكم على المعينين والحكم العام الشرعي، فالحكم الشرعي العام واضح، لكن تطبيقاته هي التي وقع فيها كثير من الخلل والخطأ والزلل والافتيات على العلماء، والتسرع، فترتب على هذا أحكام حادة في التعامل مع الآخرين.ثالثاً: الكفر الأكبر هو التزام شرع غير شرع الله، بمعنى أن الإنسان أو المسلم أو حتى غير المسلم يأخذ بشرع قصداً، أو بنظام قصداً، بأن يبعد شرع الله ويبدله، أو يجوز الحكم بغير شرع الله؛ فهذا كفر.رابعاً: أن يعدل عن الشرع بسبب هوى أو جهل أو إفراط، أو بسبب التباس، وكثير ما يقع الالتباس على كثير من الناس خاصة في هذا العصر، فالعدول عن شرع الله عز وجل بهذه الأسباب، أو في واقعة معينة جزئية كأن يرد الإنسان حكماً قضائياً، أو مسألة حكم بها عالم وردها لهوى، فهذه الجزئيات وإن كانت قد تصل إلى أن تسمى حكماً بغير ما أنزل الله، إلا أنه لا يلزم منها تكفير صاحبها؛ لأنه قد يكون ذلك من الظلم أو الفسق أو الفجور أو الضلال.
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
قاعدة عامة في تقسيم الدين
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سادساً: تقسيم الدين إلى حقيقة يتميز بها الخاصة، وشريعة تلزم العامة دون الخاصة، وفصل السياسة أو غيرها عن الدين باطل.. ]. هذه من الأمور التي قد لا تتعلق بكثير من المسلمين اليوم ولله الحمد، لكنها موجودة عند طائفة من الفلاسفة والمفكرين وغلاة العباد الذين انبنت عقائدهم إما على عبادة الله بالمحبة فقط، أو بالرجاء فقط، أو نحو ذلك، وهؤلاء زعموا أن الدين ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: حقيقة: وهي التعامل الفردي مع الله عز وجل، والذي يسع كل إنسان عنده مواهب بزعمهم أن يعبد الله بها كما يشاء، وهذه الحقيقة هي الصلة بالله على ما يتذوقه هذا الفرد، ولا يدركها إلا النادر من الناس، وعليها بعض العباد وبعض الفلاسفة، وهي تختلف عن الشريعة التي جاء بها الأنبياء عموماً وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن الشريعة إنما جاءت لعوام الناس، أما الخواص فهم طائفة من الزنادقة. وفلاسفة العباد الذين ضلوا عن الطريق وعبدوا الله على طرائقهم الخاصة، وظنوا أن هذه هي حقيقة الدين، وأن المراد بالدين هو الوصول إلى هذه الحقيقة، فيزعمون أنهم وصلوا إليها؛ فليسوا بحاجة إلى الشرع، وهذا من عبث الشيطان بهم، وإلا فإن الدين جاء يحكم الخلق جميعاً، والدين أنزله الله عز وجل على من اصطفاهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ [الحج:75]، فالذين اصطفاهم الله عز وجل هم الذين نزل عليهم الدين وهم أول من عمل بالدين، لكن هؤلاء الذين نزعوا إلى هذه النزعة، ويزعمون أنهم وصلوا إلى الحقيقة بالاستغناء عن الشرع ما دخلوا الديانات السماوية، بل هم من خصوم الأنبياء، ومن المستكبرين عن النبوات والأنبياء والشرائع. وقد استمر هذا المنهج والمسلك عند كثير من الفلاسفة والعباد والمفكرين إلى اليوم، فيزعمون أن الشرع جاء للبسطاء والعوام؛ ولذلك يسمون الدين: دين العوام، ويسمون الأنبياء: رعاة العوام؛ وهذا ضلال مبين، يمقته العقل السليم والفطرة، فضلاً عن أنه يضاد ويحاد قطعيات النصوص.إذاً: تقسيم الدين إلى حقيقة يتميز بها ناس يسمونهم الخاصة، وشريعة تلزم العوام دون الخواص ضلال وفسق.وكذلك فصل السياسة أو الحياة أو الاقتصاد أو فصل أي جانب من جوانب الحياة عن الدين يعتبر من أبطل الباطل، بل هو جور وعدول عن أمر الله، ومن زعم أن الدين لا يواكب الحياة؛ فهذا مبطل، إنما قد يعجز المسلمون عن العمل بتطبيق شرع الله، ولو عملوا لوجدوا أن الدين لا يمكن أن يفصل هذه الأمور بعضها عن بعض، بل كل ما خالف الشريعة من حقيقة أو سياسة أو غيرها فهو إما كفر وإما ضلال بحسب درجته.
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
قاعدة في معرفة علم الغيب
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ سابعاً: لا يعلم الغيب إلا الله وحده، واعتقاد أن أحداً غير الله يعلم الغيب كفر، مع الإيمان بأن الله يُطْلِع بعض رسله على شيء من الغيب.. ]. الغيب المقصود به: هو المغيب عن المخاطبين، والمخاطبون أصناف:منهم: الملائكة، فهؤلاء أطلعهم الله سبحانه على غيب غيبه عن الجن والإنس، وهناك شيء من الغيب لم يطلع عليه حتى الملائكة، فهذا لا يمكن أن يدعي أحد أن الملائكة تطلع عليه، ومن ادعى ذلك فقد وقع في الإخلال بهذه القاعدة. ومنهم: الجن والشياطين، نظراً لأنهم خلق آخر قد يطلعون على أمور مغيبة لا يعلمها الإنس، فهذا ليس غيباً في حقهم لكنه غيب عن الإنس، ولذلك قد يرد إلى الإنس من خلال منافذ: إما كرامات وإما خوارق وإما سحر وإما كهانة؛ وهذا لم يعد من الغيب البحت. أيضاً: المغيب عن الإنس قد يغيب عن بعضهم شيء ولا يغيب عن آخر؛ فهذا لا يدخل في الغيب، فمثلاً: العالم الذي اكتشف بالعلم الحديث أو غيره من الأمور الغائبة عن الآخرين، فما علمه صار من عالم الشهادة، ولو كان غائباً عني، ولا يدخل في عالم الغيب الذي اختصه الله لنفسه؛ لأن الغيب الذي اختصه الله لنفسه هو ما غاب عن الخلق أو عن بعض الخلق، فما غيبه الله عن الخلق أو عن بعضهم فهو بالنسبة لهم غيب، ولا يجوز أن ندعيه لأحد، وعلى هذا فمن ادعى أن أحداً يعلم الغيب غير الله؛ فقد ضل ضلالاً مبيناً.مع الاعتقاد أن الله عز وجل قد يطلع بعض عباده على شيء من الغيب، وهذا لم يعُدْ غيباً بالنسبة لهم، فما أطلع الله عليه الملائكة فهو لم يعد غيباً بالنسبة لهم، وما أطلع الله عليه بعض الرسل لم يعد غيباً بالنسبة لهم؛ ولذلك أطلع الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على أمور كثيرة من الغيب هي لا تزال غيباً في حقنا، لكنها ليست غيباً في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا ادعيناها للنبي صلى الله عليه وسلم بنص فهذا ليس من الأمور المنكرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على المنافقين الخلَّص، وهذا غيب بالنسبة لنا، لكن الله أطلعه عليه؛ فلم يعد من الغيب المغيب عنه.فالغيب هو ما ثبت أنه مغيب عن الخلق أو بعض الخلق؛ فهذا لا يجوز أن ندعيه لأحد، ومن ادعى أنه يعلمه كما يكون من بعض الكهان والمنجمين؛ فقد كفر.
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
إتيان الكهان والمنجمين وتصديقهم
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [ ثامناً: اعتقاد صدق المنجمين والكهان ضلال قد يصل إلى الكفر، وإتيانهم والذهاب إليهم كبيرة.. ]. هذه متفرعة عن التي قبلها، فمن اعتقد أن الكهان والمنجمين يعلمون شيئاً من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وصدقهم في ذلك، أو اعتقد حتى لو لم يصدقهم؛ فقد كفر؛ لأنه بذلك زعم لهم ما هو من خصائص الرب عز وجل، فهذا كفر.أما إتيانهم من باب حب الاستطلاع، أو من باب الجهل فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.كذلك تصديق الكهان والدجالين والمشعوذين في أمر مغيب عن الناس، لكن ليس مغيباً عن الجن والشياطين؛ فهذا من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كفراً، لأن كثيراً مما يأتي به المشعوذون والكهان والدجاجلة يكون عن طريق استعانتهم بالجن، وهناك أشياء محجوبة عنا وليست محجوبة عن الجن ولا عن الغيب المحض؛ فهذا في أغلب صوره يكون من باب كبائر الذنوب، فمن صدقهم في مثل هذه الأمور فهذا كفر دون كفر، وهو الغالب؛ لأن الكفر هنا أطلق، فإذا كان يتعلق بالغيب الخالص فهو كفر مخرج من الملة، وإذا كان يتعلق بالغيب غير الخالص فهو كفر دون كفر، وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم على المحملين.وإتيانهم يعني زيارتهم من أجل الاستطلاع أو جهلاً إلى آخره، وهذا من كبائر الذنوب، ويجب أن يتواصى بالتحذير منه، والمسلمون الآن وقعوا في أشياء كثيرة من هذا النوع، لا سيما مع كثرة الدجل والشعوذة وما يرتبط بها من صور كثيرة تعددت على الناس وتشكلت.ومن الظواهر المزعجة: كثرة زوار هذه البيئات الوبيئة، بيئات المشعوذين والدجالين، وأغلب الناس يتساهلون، فقد يأتون إما من باب الاستطلاع أو الجهل ..إلخ، وهذا كله لا يجوز.وبعض الناس لمجرد التصوير وتوثيق أمور ليس بحاجة إلى توثيقها؛ فالأولى الابتعاد؛ لأن هذا عرضة للوقوع في كبائر الذنوب.
 من أصول العبادة الرجاء
وقوله: (ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ) بمعنى: من قال: الله عز وجل غفور رحيم، وسيغفر لنا جميع الذنوب، يترك الفرائض ويعمل المحرمات، ويقول: الله غفور رحيم، هذا مرجئ، المعنى أنه مال إلى مذهب غلاة المرجئة؛ لأن المرجئة صنفان:الصنف الأول: الغلاة الجهمية الذين لا يبالون بالشرائع، ولا يبالون بالدين، بل يقولون: يكفي معرفة الله، فإذا عرفت الله فقد فزت الفوز الكامل، وكان إيمانك كاملاً، ومن هنا عولوا على هذا المبدأ وقالوا: لا قيمة للأعمال، ولهم فلسفات كثيرة في الأعمال وقد يقول قائل: هل يعقل للمسلم أن ينتسب للإسلام ويقول هذا؟ نقول: نعم، فقد يزل في هذا ويتزندق، لأن لهم فلسفة في هذا أغواهم الشيطان بها، وزعموا أن الشرائع إنما وضعت للناس الذين لا يتقيدون بمعنى الإيمان المعرفي، ويزعمون أنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله، ويكفيهم معرفة الله؛ فلا يعولون على الخوف ولا المحبة، بل يكتفون بالرجاء.الصنف الثاني: مرجئة الفقهاء وهم كذلك عندهم نوع انحراف عن السبيل، خاصة المتأخرة منهم، أما المرجئة الأوائل فقد يكون عندهم تعظيم للأعمال، وعندهم التزام بسنن الإسلام، لكن متأخرة المرجئة يغلبون جانب الإرجاء، ويستهينون بالكبائر والمعاصي، بل أحياناً يستهينون بالشركيات والكفريات زعماً منهم أن الناس تحت رجاء الله، فلا يعولون كثيراً على نصوص الوعيد، وإن عملوا بها يرجحون جانب الرجاء فيقعون في الخلل الذي يجعل المعاصي والفجور والبدع تكثر عندهم.
الأسئلة

 معنى عدم قبول صلاة من أتى كاهناً أو عرافاً
السؤال: ما المقصود أنه لا تقبل صلاة أربعين يوماً لمن زار كاهناً أو ساحراً؟الجواب: هذا وعيد، ومعنى لا تقبل أي: لا يؤجر عليها، ولا تكون مقبولة من حيث أن يكون له عليها الأجر الذي وعد الله به المصلين، ولا يعني أنها لا تجزئ، لأنه فرق بين القبول والإجزاء؛ وهذا في كثير من الأمور التي تتعلق بالصلاة، فالصلاة قد يؤديها الإنسان كأن يصلي وهو غير خاشع، فصلاته لا تقبل، وليس معنى ذلك أنه لم يؤد الفرض، هو أدَّاه وسقط عنه، لكن ليس له فيه أجر.
حكم قراءة الكتب الأسطورية التي تتحدث عن نشأة الكون
السؤال: هل قراءة الكتب الأسطورية التي تتكلم عن نشأة الكون، وأنه نشأ عن تقاتل الآلهة تنافي كمال التوحيد؟الجواب: هذا من الإثم، حتى لو كان من باب حب الاستطلاع، بل جميع العلوم التي لا فائدة فيها للبشرية وهي أشبه بالأوهام والأساطير أو أشبه بالأفكار والخيالات والتخرصات يجب على المسلم تجنبها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من قراءة كتب أهل الكتاب التي أصلها منزل من السماء لكنها حرفت، واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها من التهوك: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب !)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أنب عمر لما قرأ صحيفة من التوراة؛ لأنها تشتمل على الحق والباطل، وقد يلتبس الحق بالباطل على القارئ، ولا يوجد قارئ معصوم، فلذلك أرى أنه ما عدا العلوم التي يحتاجها المسلمون وتحتاجها الأمة وتحتاجها البشرية، فالذين تتعلق هذه العلوم بتخصصاتهم يقرءونها على قدر الحاجة، والذين لا تتعلق بتخصصاتهم لا يقرءوها.وأيضاً ما ليس مفيداً للبشر إطلاقاً مثل هذه الأوهام حول أصل الإنسان وأصل الخليقة هذا من الإثم، وهو داخل في عمل الخراصين الذين قال الله فيهم: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:10-12]، فمنهجهم التخرص، فالأولى اجتناب هذه الكتب؛ فهي تمرض القلوب.
 حكم الاحتفال بالمولد النبوي
السؤال: ما حكم من يحتفل بالمولد النبوي متتبعاً لعلماء البلد الذي يعيش فيه؟ الجواب: قضية المولد من القضايا الكبرى بين السنة وخصومها، وأيضاً بين السنة وكثير من جهلة المسلمين.وهذه المسألة تخضع لقاعدة شرعية ومن سلم بها استراح من هذه البدعة ونحوها؛ وهي أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون باتباعه، وبالتزام سنته صلى الله عليه وسلم، وتكون أيضاًً بمحبته في ذاته صلى الله عليه وسلم بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى المسلم من نفسه وولده وماله والناس أجمعين، ثم يتبع ذلك باتباع السنة، فليس من السنة الموالد، لا سيما أن المولد متعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وحق النبي صلى الله عليه وسلم دين، إذاً: فالمولد بدعة في الدين؛ لأن بعضهم يقول: هذه بدعة عادية.. واحتفال عادٍ، فهي لا تعدو -بدعة المولد- أحد أمرين:إما أن تكون من باب الاعتياد؛ فهي عيد والعيد لا يجوز منه إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، والنبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك في حديث الأنصار لما طلبوا منه أن يعيدوا بأعياد كانت لهم في الجاهلية، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها وحصرهم بعيدين: عيد الأضحى وعيد الفطر، فإن سمي عيداً فهو بدعة.وإن تعلق بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وحقه؛ فهو أيضاً عبادة، ولا يجوز إنشاء عبادة لم يشرعها الله ولم يشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم.وهؤلاء الذين يفعلون المولد إن كان منطلق الكثير منهم -وهو الحاصل- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهم يؤجرون على المحبة، لكن يأثمون على البدعة، وربما يمحق الله أعمالهم بسبب أنهم علقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ببدعة هو يكرهها، وربما لو بعث لقاتلهم عليها؛ لأنهم أساءوا إليه صلى الله عليه وسلم، فهم يؤجرون على محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه محبة الغشيم، فهم تعدوا حدود المعقول.. وحدود المشروع؛ فهي بدعة، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما يحسم هذا إلا التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عباس : (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر) فقد خشي ابن عباس على الأمة أن تعاقب، من أخذ بعضهم بأقوال الصحابة وترك قول النبي صلى الله عليه وسلم.فكذلك المسلمون الذين يعملون بهذه البدع نقول لهم: اتقوا الله! ما عندكم على هذا دليل، بل هذا بدعة محضة من جميع المقاييس.ثم هل أنتم تحتفلون بولادته أو بموته؟ هما في يوم واحد، كلها في الثاني عشر من ربيع أو التاسع من نفس الشهر، فهذا تناقض.وعلى أي الأحوال أرى -على ضوء قواعد الشرع- أن هذه بدعة، ويجب على المسلم تجنبها، وإن فعلها الناس برفق أيضاً؛ لأن الناس يظنون أن من ينصحهم فإنه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مجمل أصول أهل السنة - توحيد العبادة للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net