اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفقه العقدي للنوازل [3] للشيخ : عبد الرحيم السلمي


الفقه العقدي للنوازل [3] - (للشيخ : عبد الرحيم السلمي)
للنوازل العقدية صور عديدة في عصرنا, ارتبط بعضها بهيمنة الكفرة وضعف المسلمين, وللفقهاء آراؤهم في هذه النوازل بين خلاف معتبر وآخر ضعيف أو شاذ بحسب كل مسألة, ومن جملتها: طلب المسلم الجنسية من دولة كافرة, والعمل مع الجيوش الكافرة الغازية لبلاد المسلمين, والاقتراض من البنوك الربوية لشراء البيوت في أوروبا ونحوها, وتحكيم القوانين الوضعية, وحكم الخروج على الحاكم بها, والحوار بين الأديان, وغير ذلك من النوازل العقدية المعاصرة.
نازلة أخذ الجنسية من الدول الكافرة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.أما بعد: فإن مسألة حكم التجنس بجنسية البلاد الكافرة من المسائل العقدية الجديدة والنازلة، وصورتها: أن يطلب أحد المسلمين من دولة من الدول الكافرة -والمقصود بالكفر هنا: الكفر الأصلي، سواء كانت هذه الدولة محتلة لبلاد المسلمين أو كانت غير محتلة لبلاد المسلمين- الجنسية ويصبح مواطناً من مواطني هذه البلاد وتختلف الدول من دولة لأخرى في الشروط التي تطلبها من المتقدم لطلب الجنسية.
 اختلاف العلماء في المسألة
اختلفت فتاوي أهل العلم في هذه المسألة، فبعضهم اعتبر أن طلب التجنس بجنسية بلاد غير مسلمة من الردة والكفر بناء على ذلك لا يجوز للمسلم أن يطلب من البلد الكافر أن يكون مواطناً من مواطنيه؛ لأن ذلك من الولاء للكفار والكافرين والأدلة في موضوع موالاة الكافرين مشهورة.والقول الثاني: يجوز للإنسان أن يطلب الجنسية من البلد الكافر إذا كانت الشروط التي تتضمنها وثيقة الطلب ليس فيها ما يناقض أحكام الإسلام، وليس فيها أي معنى من معانِ الولاء ولا ناقضاً من نواقض الدين. والخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف اعتباري، بمعنى: أن الذين رأوا أن طلب الجنسية من بلد غير مسلم واعتبروه كفراً نظروا لحالة معينة فإنه في زمن الاستعمار لبلاد المسلمين عرضت الجنسية على عدد كثير من المسلمين بشروط معينة وكانت هذه الشروط تقتضي نقض أساس الدين، وأن يعادي من عاداهم ويقاتل من قاتلهم، وأن يواليهم ويحبهم، وأن يلتزم بالدخول في صفوف الجيش لمقاتلة أي فئة دونهم .. ونحو ذلك من الشروط التي تقتضي المولاة دون شك، وبناء على ذلك قالوا: إن الموافقة على مثل هذه الشروط نقض لأساس من أسس الدين، وهو أساس الولاء والبراء المتعلق بشهادة التوحيد فإن موالاة الكفار والدفاع عنهم والتعاون معهم ضد المسلمين لا شك في أنه كفر ناقل عن دين الإسلام. ومن قال من أهل العلم بأنه يجوز للمسلم أن يطلب الجنسية من بلدان الكفر قال: إن الشروط المعروضة ليس فيها ما يناقض أصول الدين، بل إن غاية ما فيها أن يبقى في البلد فترة معينة، وأن يكون حسن السيرة والسلوك، أو أن يتزوج من امرأة متجنسة كأن تكون مثلاً مسلمة من أهل البلاد نفسها، ونحو ذلك وكل هذا ليس فيه أي إشكال، وليس فيه أي قدح في أصل الولاء والبراء.
نازلة الانضمام للجيوش المحاربة للإسلام
من المسائل العقدية النازلة: أنه عندما بدأت الحكومة الأمريكية بما يسمى بحملة الحرب على الإرهاب، وقاتلوا المسلمين في أفغانستان وفي العراق وفي كثير من البلاد الإسلامية وأسقطوا الأنظمة كما حصل في أفغانستان وفي العراق، طاردوا المسلمين في أماكن متعددة، وحاربوا الجمعيات الخيرية وآذوها كما هو معلوم ومعروف من الأخبار لمن يتابع هذه الأمور، ثم أسلم عدد من الأمريكيين وهم في الجيش الأمريكي وعندما بدأت هذه الحروب أُخذوا مع من أُخذ من أمريكا وطلب منهم القتال، بناء على طبيعة العمل الذي هم يعملون فيه، فكانوا يسألون: ما حكم قتال المسلمين في أفغانستان وفي العراق مع هذه الدولة الكافرة؟
 شبه القائلين بالجواز والرد عليها
وقال أصحاب القول الأول: إذا خرج من الجيش فإنه سيصبح بدون وظيفة، وهذا من معالم الاستدلال الغريبة التي استدلوا بها: أن بقاءه في الوظيفة فيه مصلحة بقاء حياته، وأنه لو ترك هذه الوظيفة فإن حياته ستكون معرضة للخطر، وهذا نظر في غاية الضعف فإن هذه الوظيفة محرمة، وليست شرطاً أساسياً لبقائه في الحياة، ويمكنه أن يبحث له عن وظيفة أشرف وأحسن ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وليس هناك أي دليل لا من الواقع ولا من العقل يدل على أنه إذا ترك هذا العمل المحرم فإنه سيهلك، ليس هناك أي تلازم بينهما وترك العمل هنا لا يقتضي الهلاك حتى يكون مضطراً، وحينئذ يصح الاستدلال بحالة الضرورة فهو استدلال فاسد وباطل. وبناء على هذا فإن الدخول في جيش من جيوش الدول الكافرة التي تحارب المسلمين فيه إعانة لهم على المسلمين، وهو نقض لأصل الدين.
نازلة أخذ قرض من البنوك لبناء بيت بفوائد ربوية
مسألة أخرى وقد لا تكون هذه المسألة عقدية وهي تتناول الأقليات الإسلامية في أوروبا وفي أمريكا، أو الجاليات الإسلامية في أوروبا وفي أمريكا، فقد طرحت البنوك في هذه الدول فكرة أن تبني لهم مقابل فوائد ربوية.
 شبهة المجيزين لهذه المسألة والرد عليها
ومع الأسف فإن بعض الفقهاء المتأثرين بضغوط العصر أفتوا بجواز أن يقترض المسلمون من هذه البنوك من أجل أن يسكنوا، وعللوا ذلك بتعليل يدل على عدم فهمهم لمقاصد الشريعة ومعانيها، كما عللوا دخول المسلمين الذين أسلموا في أمريكا في الجيش الأمريكي، وجواز خروجهم مع الجيش: بأن هذه قد تكون حالة ضرورة؛ لأنه إذا ترك الجيش فإنه يعرض للهلاك بترك الوظيفة وقالوا: إن السكن من الضروريات وهذه حقيقة، وبناء على هذا فإنه يجوز لهم أن يقترضوا من هذه البنوك؛ لأنهم مضطرون.والمقدمة الأولى صحيحة، وأما المقدمة الثانية المبنية عليها ففاسدة؛ لأنه ليس من لوازم السكن أن يقترض لبناء بيت، بل قد يستأجر مدى الحياة، وليس هناك مانع لأن يستأجر الإنسان مدى الحياة، ولا أن يعرض دينه للخطر والسكن الذي هو من الضروريات هو السكن الأساسي الذي لا يجد الإنسان وسيلة لتركه إلا بتعرضه للهلاك بالبقاء في الشارع، بمعنى: أن الإنسان إذا تيقن أنه سيبقى تحت الشمس ولن يجد سكناً أو مأوى يؤويه وليس أمامه إلا أن يقترض ليبني بيتاً فهذه الحالة قد تدخل في باب الضرورة وهي غير موجودة؛ لأنه يمكن أن يستأجر أو يستعير أو يأخذ من الزكاة ويشتري بيتاً فهناك بدائل متعددة، وليس هناك حصر للوسائل التي يمكن له أن يحصل بها على سكن.
نازلة تحكيم القوانين الوضعية
مسألة أخرى وهي البلية الكبرى التي ابتليت بها البلاد الإسلامية، وهي تحكيم القانون الوضعي في البلاد الإسلامية، وما يترتب عليه من قضايا متعددة ومختلفة. والقانون الوضعي فيه تبديل لحكم الله وتغيير لأحكام الشريعة.ولا شك في أن هذا كفر مخرج عن دائرة الإسلام، ويكفر كذلك القاضي الذي يحكم بهواه وشهوته في مسألة من المسائل أو أكثر، مع بقاء أصل الحكم بالشريعة عنده؛ لأنه تبديل وتغيير للدين، وهو استحلال والذي يقرأ القوانين الوضعية الموجودة الآن يجد أنها صريحة في الاستحلال. وأحياناً قد يختلف بعض الناس ويكون خلافهم في موضوع الخلاف الحقيقي الذي هو ميدان التطبيق، فمثلاً بعض الناس يختلفون هل الحاكم الذي يعتقد، أو القانون الذي ليس فيه استحلال ويعتقد صاحبه المشرع له أو الحاكم به أن حكم الله أفضل منه، وأنه ليس مثل حكم الله، وغير مساوٍ له ويعترف بالتقصير والذنب، فهل يعتبر هذا كفراً.فنقول: هذه الحالة ليس لها وجود؛ لأن القانون الوضعي أصلاً هو استحلال ونصوصه تقول: يجوز كذا وكذا وكذا، ولا يجوز كذا وكذا وكذا، فلماذا نناقش قضية لا وجود لها أصلاً في الحقيقة؟! ومن يريد أن يتأكد فليقرأ مواد القوانين الموجودة فإنها صريحة في الاستحلال فالمسألة في حقيقتها مجمع عليها حتى عند المرجئة، فالمرجئة يتفقون مع أهل السنة في أن هذه القوانين تنقض أصل الدين؛ لأنها صريحة في الاستحلال وما يكتب ويحكم به ويقر هو مثلما ينطقه الإنسان؛ لأنهم يقولون: إن الاستحلال أمر قلبي، ولابد أن يعبر عنه الإنسان باللسان، ويقولون: إن الاستحلال الصريح هو أن يعبر عنه الإنسان كأن يقول: يجوز أخذ فائدة ربوية مقدارها خمسة في المائة أو عشرة في المائة. أو أن الرجل إذا زنى بامرأة متزوجة فتغرم مبلغ وقدره كذا، وإذا كانت غير متزوجة فيطلق سراحها بكفالة، مثلاً.فالخلاف أحياناً في مسألة من المسائل قد يكون خارجاً عن إطار الموضوع المطروح في الحقيقة.فالقانون الوضعي لا شك في أنه كفر مخرج عن دائرة الإسلام، ويمكن مراجعة كتاب تحكيم القوانين الوضعية للشيخ محمد بن إبراهيم ، وكتاب الحكم بغير ما أنزل الله للشيخ عبد الرحمن المحمود ، وقد نُقل عن عدد كبير من أهل العلم منهم: ابن كثير ، والشيخ أحمد شاكر ، والشيخ ابن باز ، وأيضاً الشيخ ابن عثيمين ، نصوص كثيرة في هذا الموضوع، تبين أن هذه القوانين كفر مخرج عن دائرة الإسلام وهو كتاب كبير، وفيه تفصيلات كثيرة.
 حكم الخروج على من يطبق الأحكام الوضعية
وأما مسألة: حكم الخروج على مثل هذه البلاد التي طبقت القوانين الوضعية، فنقول: إن تطبيق القانون الوضعي لا شك أنه كفر، والقانون الوضعي في حد ذاته كفر، وقد أفتى فيه أهل العلم وفتواهم فيه واضحة وبينة، وأما التطبيق على المعينين فهو موطن إشكال؛ لأنه يترتب عليه مسألة وجود الشروط وانتفاء الموانع، وهذا مما يختلف فيه الناس وهذا يناط بأهل العلم؛ لأنه من الأمور العامة فإذا طبق القانون الوضعي فالواجب الدعوة والإصلاح والإنسان صاحب الجهد والقدرة والمعرفة يجب عليه أن يبذل ذلك في إصلاح الأمة، فالله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد الكفار والمنافقين، وفرق بين جهادهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، ولو كان جهادهم واحداً لجعل الطلب واحداً، ولكنه فرق بينهما فأمر بجهاد الكفار وأمر بجهاد المنافقين، فجهاد الكفار يكون بالقتال، وأما جهاد المنافقين يكون بالتوضيح والبيان، والدعوة والإصلاح، والاحتساب والابتعاد عن كل ما يكون سبباً من أسباب الفتن، ولهذا فإن الذين يتحدثون عن الجهاد في العصر الحاضر، لهم تجربتين:تجربة نجحت وجلبت تعاطف المسلمين وأُيدت من كافة المسلمين، ولا يقدح فيها إلا منافق أو رجل مُغرّر به لا يعرف الحقائق.وتجربة ثانية وجدت معارضة كبيرة جداً من داخل البلاد الإسلامية، وسببت فتناً ومشكلات كبيرة جداً.فأما التجربة الأولى: فهي قتال الكفار الأصليين الواضحين، أمثال الروس في أفغانستان وفي الشيشان، والهندوس في كشمير، والأمريكان في العراق، وغير ذلك وهذه كلها من الأمور التي يجب دعمها؛ ولأنه قتال ضد الكافر الأصلي الواضح الكفر الذي لا إشكال في كفره، المحتل لديار المسلمين، والذي يريد أن يغير عقائدهم وأفكارهم ودينهم، وهذه من الأمور التي لا خلاف فيها ولا يجوز الخلاف فيها بأي وجه من الوجوه ولو حصل في مثل هذه الأمور -جهاد الكفار الأصليين- خلاف لما كان للجهاد معنى. والحقيقة أن مذهب من يرى أنه ليس في العراق جهاد مذهب لو اطرد لأدى إلى إلغاء الجهاد كله من أصله. وهناك فرق بين من يقول: أوصي الشباب بعدم الذهاب إلى العراق، وعليهم بالدعوة لإصلاح بلادهم. وبين من يقول: ليس في العراق جهاد نهائياً، وأنه يجب على العراقيين أن يستسلموا للأمريكان، وأن يشكلوا حكومة عميلة للأمريكان كما يشتهون. فهذا لا يقول به إنسان يعرف طعم العلم أو تذوقه أصلاً، نسأل الله أن يعيذنا من كل مشكلة. فلو دخل العدو إلى بلادنا وأراد أن يشكل حكومة كما يشتهي ويرغب، وتكون عميلة له تتابعه في كل شيء فلا يجوز لمسلم أن يقول: لا تقاتل الكافر الذي يحتل بلدك ويقاتلك؛ لأن مقاتلة هذا العدو جهاد، وهو من أوضح الجهاد بل إنه تكفله حتى القوانين الوضعية العالمية، وحتى قوانين هيئة الأمم المتحدة تكفل مثل هذه الأشياء، فأي بلد يستحله عدو له لا لشيء إلا لأنه قوي فقط فيجب أن تقاتله وتدافعه؛ وحتى البلاد الكافرة التي احتلت شعوباً أخرى تختلف عنها عرقياً قاتلوها حتى أخرجوها، أفيقال للمسلمين: استسلموا حتى يحتلكم العدو ويشكل لكم حكومة كما يشتهي، ويعبث بكم؟! فلو استسلم المسلمون في العراق لقامت أمريكا باحتلال جميع البلاد الإسلامية وتشكيل حكومات جديدة كما تريد وتهوى، وهذه حقيقة معروفة وهم قد صرحوا بهذا وقالوا: إذا انتهينا من العراق فسيأتي الدور على من بعده، فلا يمكن أن يقال لمسلمين يحتلهم أعداؤهم من الكفار: لا تقاتلوهم. فهذا من شواذ المذاهب الغريبة. والذي يتعاون مع المحتل ويُنصَّب لا يسمى ولي أمر، ولا يصبح ولي أمر؛ لأن ولايته لا أساس لها، وهذا لا شك أنه مذهب غريب في غاية الغرابة.وأما التجربة الثانية التي فشلت فشلاً ذريعاً في بلاد المسلمين فهي التي أراد بعض المنتسبين للجهاد أن يبدؤها في البلاد الإسلامية فقاتلوا داخل البلاد الإسلامية، وقتلوا عدداً كبيراً من المسلمين، وقتل عدد منهم وكانت النتيجة هي أن أهل الإسلام رفضوا مثل هذا الأمر، كما رفضه أهل العلم؛ لأن فيه فتنة داخل البلاد الإسلامية، وليس فيه طريق للإصلاح.
نازلة الحوار بين الأديان
مسألة الحوار بين الأديان مسألة جديدة، ومجرد التحاور بين أصحاب الأديان ليس جديداً؛ لأن الحوار الذي هو ترديد الكلام ليس أمراً جديداً، فالدعوة وتوجيه الدعوة للأديان الأخرى هو من جنس الحوار بمعناه اللغوي العام، ولكن الحوار بين الأديان أصبح الآن مصطلحاً خاصاً يراد به نموذجاً معيناً من التفاهم مع أصحاب الأديان الأخرى، وهذا النموذج هو الاتفاق مع أصحاب دين من الديانات الأخرى مثل النصرانية على العمل على القضايا المشتركة بين المسلمين وبينهم، مثل مقاومة الإلحاد والفقر والفساد الأخلاقي؛ لأن هذه الثلاث القضايا يتفق عليها المسلمون والنصارى، فيقولون: نتعاون على هذه القضايا ونترك ما عداها من القضايا التي هي مثار خلاف وجدال، مثل الكلام في قضايا العقائد، ويقولون: إن هذا يحقق مصالح كثيرة جداً للمسلمين وهذه الصورة ليس فيها إقرار بدينهم، ولا دمج للأديان بعضها مع بعض، كما في قضية وحدة الأديان المعروفة، وليس فيها تخلٍ عن الدين، وإنما فيها العمل على قضايا مشتركة فما حكم هذه القضية؟والجواب: أن حكم مثل هذه الحالة يعتمد على جانبين:الجانب الأول: هو أن يعتقد أن دين هؤلاء الكفار دين يدينون به، ودين الإسلام هو الدين الصحيح، وأنهم كفار، ويطبق عليهم أحكام الكفر المعروفة في الإسلام.والجانب الثاني: ألا يُكفر اليهود والنصارى، وإنما يرى أنهم أصحاب وجهة نظر -كما يقولون- وقد يدخلون الجنة؛ لأنهم يسيرون إليها من طريق ونحن نسير إليها من طريق آخر. فإن كان الحوار على هذا الجانب فهذا نقض لأصول الدين؛ فإن لا إله إلا الله تقتضي تكفير الكافر والله عز وجل قد صرح بتكفير اليهود والنصارى، وعقائدهم تناقض أساس الدين، فهم لا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويشركون بالله عز وجل فإذا كان الحوار بين الأديان يقتضي عدم تكفير اليهود والنصارى فهو نقض لأصل الدين وأساسه. وإن كان المحاور يعتقد أنهم كفار ولن يصلوا إلا إلى جهنم وليسوا على حق وإنما هم على باطل، وأن أحكام الإسلام المرتبة في العلاقة بين المسلمين والكفار تترتب على العلاقة معهم، سواء في حالة الصلح أو في حالة الحرب، ويقول: بأن هذه مصلحة من مصالح المسلمين في الوقت الحاضر فنقول: إن هذا من البدع المضلة ما والسبب في كونها بدعة هو أن المقتضي لهذا كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الأديان كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والفقر كان موجوداً، والوثنيين كانوا موجودين ومع ذلك لم يتعاون عليه الصلاة والسلام معهم -يعني: مع اليهود والنصارى- ويترك الدعوة وهذه قضية مهمة جداً تدل على بدعية مثل هذه الحوارات؛ لأن فيها تخلياً عن الدعوة إلى الله؛ لأن من شروط وثيقة الحوار ألا يدعو المسلمون أهل الدين النصراني، وألا يدعو النصارى أهل الدين الإسلامي وهذه وثيقة باطلة؛ لأن الدعوة واجبة ولا يجوز التخلي عنها بأي وجه من الوجوه وبناء على هذا ففكرة الحوار بين الأديان بالطريقة الموجودة طريقة بدعية مخالفة لمنهج الأنبياء والمرسلين في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والحقيقة أنها مبنية في الأساس على منهج منهزم وهذا المنهج المنهزم جعل المحاورين من المسلمين ينظرون إلى النصارى على أنهم أقوى أثراً من المسلمين، والحقيقة عكس ذلك. وأول من بدأ فكرة الحوار من الناحية التاريخية هم النصارى عام 1965م عندما حصلت التحولات في المذهب الكاثوليكي بسبب الانغلاق الكبير فيه فأرادوا الانفتاح وذلك بطرح فكرة الحوار، وأسسوا فرعاً موجوداً في الفاتيكان سموه الحوار بين الديانات، وطلبوا من الدول الإسلامية أن تفتح المجال للحوار بين الأديان وضُغط على الأزهر في تلك الفترة أيام السادات ، وعلى عبد الحميد محمود شيخ الأزهر في تلك الفترة حتى وافق على أن يفتح فرعاً في الأزهر سمي: بلجنة الحوار بين الأديان، ثم رفضها الأزهريون بعد ذلك، ثم أعيدت مرة أخرى وهذا يدل على أن وراء هذا بعدٌ سياسي، ويمكن أن يراجع في هذا الموضوع كتاب: (الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان)، وهو كتاب مفيد، يبين أن هذه الحوارات ليس لها حقيقة ولا فائدة في الواقع، وإنما الهدف منها هو إيقاف المد الإسلامي الذي بدأ ينتشر بشكل مذهل في أوروبا وفي أمريكا، وفي الوقت نفسه تراجعت النصرانية بشكل كبير، فالواجب هو ألا نجتمع في طاولة مستديرة مع النصارى لنتكلم عن الإلحاد الذي سقط عام 1990م وغيرها من القضايا، وإنما لندعوهم إلى الله عز وجل وننصحهم، فإن لم يقبلوا دعوتنا طلبنا مناظرات بيننا وبينهم لعل الله عز وجل أن يهديهم، وذلك من خلال دراسة منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار مع أصحاب الأديان الأخرى من خلال وفد نجران وذلك بجمع طرق حديث وفد نجران وجعلها في سياق واحد، ثم أخذ الفوائد وربطها بالواقع المعاصر، من خلال حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الوفد الذي جاءه فقد كان هذا الوفد من النصارى. فهل حاورهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس المنهجية التي يُحاور عليها الآن، وهي السكوت عن الدعوة، ورفض الحديث في قضايا الدعوة، والعمل على القضايا المشتركة؟
 حكم الخروج على من يطبق الأحكام الوضعية
وأما مسألة: حكم الخروج على مثل هذه البلاد التي طبقت القوانين الوضعية، فنقول: إن تطبيق القانون الوضعي لا شك أنه كفر، والقانون الوضعي في حد ذاته كفر، وقد أفتى فيه أهل العلم وفتواهم فيه واضحة وبينة، وأما التطبيق على المعينين فهو موطن إشكال؛ لأنه يترتب عليه مسألة وجود الشروط وانتفاء الموانع، وهذا مما يختلف فيه الناس وهذا يناط بأهل العلم؛ لأنه من الأمور العامة فإذا طبق القانون الوضعي فالواجب الدعوة والإصلاح والإنسان صاحب الجهد والقدرة والمعرفة يجب عليه أن يبذل ذلك في إصلاح الأمة، فالله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجاهد الكفار والمنافقين، وفرق بين جهادهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، ولو كان جهادهم واحداً لجعل الطلب واحداً، ولكنه فرق بينهما فأمر بجهاد الكفار وأمر بجهاد المنافقين، فجهاد الكفار يكون بالقتال، وأما جهاد المنافقين يكون بالتوضيح والبيان، والدعوة والإصلاح، والاحتساب والابتعاد عن كل ما يكون سبباً من أسباب الفتن، ولهذا فإن الذين يتحدثون عن الجهاد في العصر الحاضر، لهم تجربتين:تجربة نجحت وجلبت تعاطف المسلمين وأُيدت من كافة المسلمين، ولا يقدح فيها إلا منافق أو رجل مُغرّر به لا يعرف الحقائق.وتجربة ثانية وجدت معارضة كبيرة جداً من داخل البلاد الإسلامية، وسببت فتناً ومشكلات كبيرة جداً.فأما التجربة الأولى: فهي قتال الكفار الأصليين الواضحين، أمثال الروس في أفغانستان وفي الشيشان، والهندوس في كشمير، والأمريكان في العراق، وغير ذلك وهذه كلها من الأمور التي يجب دعمها؛ ولأنه قتال ضد الكافر الأصلي الواضح الكفر الذي لا إشكال في كفره، المحتل لديار المسلمين، والذي يريد أن يغير عقائدهم وأفكارهم ودينهم، وهذه من الأمور التي لا خلاف فيها ولا يجوز الخلاف فيها بأي وجه من الوجوه ولو حصل في مثل هذه الأمور -جهاد الكفار الأصليين- خلاف لما كان للجهاد معنى. والحقيقة أن مذهب من يرى أنه ليس في العراق جهاد مذهب لو اطرد لأدى إلى إلغاء الجهاد كله من أصله. وهناك فرق بين من يقول: أوصي الشباب بعدم الذهاب إلى العراق، وعليهم بالدعوة لإصلاح بلادهم. وبين من يقول: ليس في العراق جهاد نهائياً، وأنه يجب على العراقيين أن يستسلموا للأمريكان، وأن يشكلوا حكومة عميلة للأمريكان كما يشتهون. فهذا لا يقول به إنسان يعرف طعم العلم أو تذوقه أصلاً، نسأل الله أن يعيذنا من كل مشكلة. فلو دخل العدو إلى بلادنا وأراد أن يشكل حكومة كما يشتهي ويرغب، وتكون عميلة له تتابعه في كل شيء فلا يجوز لمسلم أن يقول: لا تقاتل الكافر الذي يحتل بلدك ويقاتلك؛ لأن مقاتلة هذا العدو جهاد، وهو من أوضح الجهاد بل إنه تكفله حتى القوانين الوضعية العالمية، وحتى قوانين هيئة الأمم المتحدة تكفل مثل هذه الأشياء، فأي بلد يستحله عدو له لا لشيء إلا لأنه قوي فقط فيجب أن تقاتله وتدافعه؛ وحتى البلاد الكافرة التي احتلت شعوباً أخرى تختلف عنها عرقياً قاتلوها حتى أخرجوها، أفيقال للمسلمين: استسلموا حتى يحتلكم العدو ويشكل لكم حكومة كما يشتهي، ويعبث بكم؟! فلو استسلم المسلمون في العراق لقامت أمريكا باحتلال جميع البلاد الإسلامية وتشكيل حكومات جديدة كما تريد وتهوى، وهذه حقيقة معروفة وهم قد صرحوا بهذا وقالوا: إذا انتهينا من العراق فسيأتي الدور على من بعده، فلا يمكن أن يقال لمسلمين يحتلهم أعداؤهم من الكفار: لا تقاتلوهم. فهذا من شواذ المذاهب الغريبة. والذي يتعاون مع المحتل ويُنصَّب لا يسمى ولي أمر، ولا يصبح ولي أمر؛ لأن ولايته لا أساس لها، وهذا لا شك أنه مذهب غريب في غاية الغرابة.وأما التجربة الثانية التي فشلت فشلاً ذريعاً في بلاد المسلمين فهي التي أراد بعض المنتسبين للجهاد أن يبدؤها في البلاد الإسلامية فقاتلوا داخل البلاد الإسلامية، وقتلوا عدداً كبيراً من المسلمين، وقتل عدد منهم وكانت النتيجة هي أن أهل الإسلام رفضوا مثل هذا الأمر، كما رفضه أهل العلم؛ لأن فيه فتنة داخل البلاد الإسلامية، وليس فيه طريق للإصلاح.
الأسئلة

 توافر الشروط وانتفاء الموانع في تكفير المعين
السؤال: نسمع دائماً أنه لا بد في الحكم بالتكفير من وجود الشروط وانتفاء الموانع فما هي الشروط والموانع؟الجواب: يمكن مراجعتها بالتفصيل في كتب ميسرة، مثل كتاب: نواقض الإيمان القولية والاعتقادية، ونواقض الإيمان العملية وهي عبارة عن رسائل علمية في هذا الموضوع كتبت في جامعة الإمام محمد بن سعود . سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الفقه العقدي للنوازل [3] للشيخ : عبد الرحيم السلمي

http://audio.islamweb.net