اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً للشيخ : أسامة سليمان


إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً - (للشيخ : أسامة سليمان)
يصور الله سبحانه أهوال يوم القيامة في كتابه تصويراً في غاية الدقة والتعبير، لعل العبد حين يسمع أو يعي هذا التصوير يترك صفات الجزع والبخل والإعراض، ويكتسب صفات الخير والبر؛ حتى تكون سبباً في نجاته يوم القيامة، وفوزه برضا الله وجنته.
وقفات وتأملات في سورة المعارج
الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة سوداء للناظرين، ثم خلق العلقة مضغة بقدر أكلة الماضغين، ثم خلق المضغة عظاماً كأساس لهذا البناء المتين، ثم كسا العظام لحماً فهي كالثوب للابسين، ثم أنشأه خلقاً آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين وفي الآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.أما بعد:فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! نواصل الحديث مع سورة المعارج، وقد انتهينا عند قول الله عز وجل: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:5-34].هذه الآيات تتحدث عن يوم القيامة: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج:6-7]، وكما قلت قبل ذلك: كل آت قريب: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ [النحل:1]، اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فمما لا شك فيه أنه قريب؛ لأنه آت، وما مضى من زمن الدنيا بالنسبة لما بقي فيها قليل؛ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى). والحديث له مفهوم عند بعض العلماء: إذا قارنت بين السبابة والوسطى تجد أن الوسطى تزيد عن السبابة بربع عقدة فقط، فما مضى من عمر الدنيا هو هذا القدر، وما بقي فيها تلك الزيادة. إذاً: لم يبق منها إلا اليسير؛ ولذلك الساعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وليس بعده نبي؛ لذلك في حديث البخاري : (أنه كان يبيت عند زينب بنت جحش رضي الله عنها، فقام فزعاً بالليل وقد تغير وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، لقد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلق بين السبابة والإبهام، فقالت زينب : يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث).
 ذكر صفات الإنسان وصفات المؤمنين في سورة المعارج
يذكر الله صفات الإنسان، فيقول: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19].ويقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]. ويقول: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا [العصر:1-3] استثناء. قوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19]، ذكر فيها الهلع، وفسرتها الآيات التي بعدها على التو: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج:20] أي: إذا أصيب بمرض أو بفقر أو بفقد حبيب أو مال أو صديق يجزع، ولا يصبر على قضاء ربه، قال: وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:21] أي: إذا نزل به الفرج ومنع المال. فيستثني سبحانه ويقول: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:22-23] فإن أردت أن تنظر في دين عبد انظر إلى صلاته، فإن ضيع الصلاة كان لغيرها أضيع.أقول: إن حال سلفنا الصالح كان عجباً والذي نفسي بيده، منهم من قال عن نفسه: مكثت أربعين سنة أصلي الفجر بوضوء العشاء، قد يقول قائل: هذا مخالف للسنة، لكن نقول: يا عبد الله! هذا معان من ربه، وفعله ليس للأسوة، أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يفعل يفعل ليشرع؛ لذلك سأل العلماء سؤالاً مهماً: أيهما أفضل في الأضحية: البدنة أم الكبش؟ فقال جمهور العلماء: البدنة يعني: الإبل، وقالت المالكية: الكبش؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين، فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الأولى، وقال جمهور العلماء: البدنة أولى بدليل حديث البخاري في فضل الجمعة والتبكير إليها: (من راح في الساعة الأولى إلى الجمعة فكأنما قرب بدنة -فبدأ بالبدنة- ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) فقدم في الحديث البدنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين؛ لأنه أسوة، فإنه ربما لا يمتلك الفقير إلا ثمن الكبش، عند ذلك يضحي كما ضحى النبي صلى الله عليه وسلم، أما إن استطاع أن يذبح بدنة فهذا هو الأولى ولا شك في هذا، وهذا قول الجمهور.قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] أي: يحافظون عليها في أوقاتها فلا يضيعون صلاة في جماعة، بل يؤدونها وقد استكملوا الشروط والأركان والسنن بخشوع. قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، الصدقة والزكاة مقدار كل واحدة منهما معلوم، لا يبخسون الناس حق الله عز وجل، قال: لِلسَّائِلِ [المعارج:25] الذي يسأل، وَالْمَحْرُومِ [المعارج:25]، الذي يكف عن السؤال، يحسبه الجاهل غنياً من التعفف، تعرفه بسيماه؛ لذلك ربنا يقول: فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:36] أي: من الهدي وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]، والقانع: الذي يقتنع بحاله ولا يسأل الناس، والمعتر: الذي يسألهم، فأطعموا من يسأل ومن لا يسأل، وإياك أن تطعم من يسأل وتترك من لا يسأل. يقول ربنا عز وجل: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] وكلمة ( حق ) تشير إلى أن للفقير في مال الغني حقاً، فأنت حينما تعطيه لا تعطيه فضلاً منك، إنما هو حق لابد أن يأخذه؛ لذلك قاتل أبو بكر المرتدين حينما منعوا الزكاة، فلو أن المجتمع يؤدي زكاة ماله لما وجد فيه الفقراء، ولا الذين بدون زوجات، والحالات التي تعرض ليلاً ونهاراً تجعلنا نبكي دماً بدلاً من الدموع؛ وذلك لأن الأغنياء يحبسون ما أعطاهم الله عز وجل.قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:26-27]، خائفون وجلون يخشون عذاب ربهم عز وجل، إذ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28].ومن صفاتهم: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29]، حفظ الفرج عما حرم الله، والمحرمات متعددة، فلا يضعون فروجهم إلا فيما أحله الله من الزوجة أو ملك اليمين، أي: الأمة، أما ما سوى ذلك فحرام، واستدل العلماء من هذه الآية بحرمة نكاح اليد، لا يقربون بفروجهم ما حرم الله، لا يقربون دبراً ولا امرأة في حيض، ولا أي شيء حرمه الله، وذلك كما قال تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:30].ثم قال: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المعارج:32]، وتعدى حدود الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:31-32]، وأول الأمانات أمانات التكاليف الشرعية التي كلفهم الله بها، الأمانات بمعناها الشامل، والعهود بمعناها الشامل أيضاً، سواء كانت أمانة للمخلوق أو أمانة التكاليف التي كلفهم الله بها، ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33]، فلا يكتمون الشهادة، إنما يقيمونها لله عز وجل، أيها الإخوة الكرام! هذه صفات عباد الله تبارك وتعالى.
المنهجية الصحيحة في مواجهة أعداء الأمة
أيها الأحباب الكرام! منهجنا ثابت وواضح ومعروف لا نغير فيه ولا نبدل، فلسنا مع التخريب والمظاهرات بحال، قلناها ونقولها مراراً: لا لحساب أحد، وإنما هو شرع ربنا نوضحه ونبينه، ونقول: إن الشرع قد ألزمنا أساليب شرعية للتغيير والتعبير عن الرأي، وليس منها مظاهرات تدعو إلى التكسير والتخريب والاختلاط بين الغث والسمين، والمزايدة بشعارات واهية، يرفعها من يركب الموجة، ويحسب على التيار أو المجموع، فاتقوا الله! فدعوتكم أمانة، ودينكم أمانة، ومسجدكم أمانة، فنحن لا نملك لإخواننا في فلسطين أو في العراق إلا أن ندعو أولاً، قد يقول قائل: ماذا يصنع الدعاء، وقد مللنا من الدعاء؟! أقول لك: اتق الله، فالدعاء يحرق الصخور ويحطم الشرك والكفر: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، ما زاد نوح على ذلك وما قام بمظاهرة، فكان جواب ربه: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12].وفي حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فأطبق على باب الغار صخرة، ماذا صنعوا؟ هل حطموها بمعول أو بفأس؟ هم في ظلام دامس، وعلى باب الغار صخرة يعجزون عن تحريكها حتى وإن جاءوا بأكبر الآلات، ماذا صنعوا يا عباد الله؟! قالوا: هيا بنا نتذكر أعمالنا الصالحة ونتوسل إلى الله بها، لعله يفرج عنا ما نحن فيه، فقام الأول وقال: يا رب! إنك تعلم ولا يعلم سواك أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت باراً بهما، وكنت في كل ليلة آتيهما بغبوق اللبن فأسقيهما قبل أن يناما، فيناما بعد أن يشربا، ففي ليلة تأخرت وجئت بغبوق اللبن فوجدتهما نائمين، والصغار عند قدميَّ يتضاغون، فأبيت أن أسقي أبنائي حتى يشرب أبوي، فلما استيقظا في موعدهما أعطيتهما فشربا، ثم سقيت أبنائي بعدهما. يا قوم! يأتي الزوج بالفاكهة ويدخل بها على الزوجة، فيضعها في الجيب، أو يخبئها وراء الظهر حتى لا ترى الأم؛ لأنه يأخذ التعليمات الشفوية المشددة: لا تدخل على أمك إلا بإذني، أمي لا أبرها إلا بإذن زوجتي، يا قوم! ماذا حدث لنا؟!قال: اللهم إن كنت تعلم -والله يعلم- أني فعلت ذلك لأجل وجهك وابتغاء مرضاتك؛ ففرج يا رب! عنا ما نحن فيه. فتحركت الصخرة، والذي حركها هو الله، الصخرة تتحرك بالدعاء يا قوم! هذا الدعاء من عبد أخلص لله.رب عبد فينا لا نلتفت إليه يقول: يا رب! عليك بأعداء الدين، فيحطمهم الله وهو قادر. أما الثاني فقال: يا رب! إنك تعلم أنه كان عندي أجير يعمل بالأجرة، ففي يوم ترك أجره دون أن يأخذه، فأخذته ونميته واستثمرته له، فجاء بعد مدة يقول: يا عبد الله! تركت عندك أجراً منذ زمن، قلت: انظر إلى هذا القطيع من الأنعام هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قلت: استثمرته لك. فيا من تأكلون حق الأجير! اتقوا الله في أنفسكم، يا من تستعبدونهم بغير وجه حق! اتقوا الله في أنفسكم. قال: فأخذ القطيع، فيا رب! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لأجلك ففرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة مرة ثانية دون أن يمسها أحد. فجاء الدور على الثالث، يقول العلماء: والثالث أفضلهم؛ لأنه لو لم تتحرك لما خرجوا، إذ إن المكان لا يتسع للخروج. قال: يا رب! إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها، فجاءتني يوماً تسألني فأبيت أن أعطيها حتى تمكنني من نفسها، فلما جلست بين شعبها الأربع كما يجلس الرجل إلى زوجته قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانتفضت من عليها خوفاً منك يا رب! وتائباً إليك، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة فخرجوا بإذن الله. إذاً: الدعاء يحرك الصخر، أما أنا وأنت إن كنا معهم في الغار، وقلنا: يا رب! فرج عنا ما نحن فيه فربما أتت صخرة فوق صخرة؛ وذلك بفعل ذنوبنا، فنحن نقول: يا رب! انصرنا، لكننا لا نجد أعمالاً صالحة نتوسل بها إلى الله. فلا تغتر بمظاهرة جماهيرية، هي غثاء كغثاء السيل، والذي نفسي بيده لا عقيدة ولا التزام بمنهج ولا التزام بحدود، إنما هي فقاقيع تطير في الهواء. منهجنا في هذا المسجد ثابت وواضح وبيّن. الأمر الأول: ندعو، الأمر الثاني: ندعم بالوسائل الشرعية، كمقاطعة السلع، ومقاطعات المنتجات؛ وكالدعم المادي إن أمكننا ذلك، هذا ما نملكه إلى بعض الوسائل المشروعة الأخرى.أيها الإخوة الكرام! أما حرية النعيق وحرية الصراخ ولطم الخدود وتمزيق التماثيل وحرق الصور، هذه أمور صنعها أعداؤنا لنا؛ لنفرغ فيها الشحنة، ويقع بعضنا في بعض وهم يشاهدون، فلا تغيير للواقع، أخبروني ماذا صنعت المظاهرات لأي قضية على وجه الأرض؟ وماذا حصدنا بها؟ أقول هذا احتساباً لله عز وجل، ودفعاً لشبهة زرعت في بعض الرءوس.اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك المستضعفين في فلسطين، وانصر عبادك المستضعفين في العراق، اللهم أيدهم بنصرك يا قوي يا متين! اللهم عليك بأعداء دينك فإنهم لا يعجزونك، اللهم اقتلهم بدداً، وأحصهم عدد، ولا تبق منهم أحداً.اللهم إنا عبيدك! نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت ربنا ورب المستضعفين ارحم نساء المسلمين، وارحم أطفال المسلمين، رحماك بأطفالنا وشيوخنا ونسائنا، فأنت رحيم بنا، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم. اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، اللهم أرنا في أعداء الدين آية فإنهم لا يعجزونك، يا قوي يا متين! شتت شملهم، فرق جمعهم، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، جمد الدم في عروقهم، اللهم سلط عليهم جنودك يا رب العالمين! فأنت حسبنا ونعم الوكيل. قلت وقولك الحق: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، يا رب! ندعوك فلا تردنا خائبين، يا رب! ندعوك فلا تردنا خائبين، مكن لدينك في الأرض يا رب العالمين! من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بكيد فاجعل كيده في نحره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود وفرعون.اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، عليك بالأحزاب والتحالف، اللهم أهلكهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمنا في أوطاننا، وأمنا في بلادنا، اللهم أمنا في بيوتنا، وخذ بناصيتنا إلى البر والتقوى، وارزقنا ما تحب وترضى. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، ونور أبصارنا. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي قرارنا.اللهم رخص أسعارنا، اللهم رخص أسعارنا، وعليك بأعدائنا فإنهم لا يعجزونك يا ربنا!اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خشعاً، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واجعل بلادنا بلاد أمن ورخاء فإنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.آمين آمين آمين.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 ذكر صفات الإنسان وصفات المؤمنين في سورة المعارج
يذكر الله صفات الإنسان، فيقول: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19].ويقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]. ويقول: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا [العصر:1-3] استثناء. قوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19]، ذكر فيها الهلع، وفسرتها الآيات التي بعدها على التو: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج:20] أي: إذا أصيب بمرض أو بفقر أو بفقد حبيب أو مال أو صديق يجزع، ولا يصبر على قضاء ربه، قال: وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:21] أي: إذا نزل به الفرج ومنع المال. فيستثني سبحانه ويقول: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:22-23] فإن أردت أن تنظر في دين عبد انظر إلى صلاته، فإن ضيع الصلاة كان لغيرها أضيع.أقول: إن حال سلفنا الصالح كان عجباً والذي نفسي بيده، منهم من قال عن نفسه: مكثت أربعين سنة أصلي الفجر بوضوء العشاء، قد يقول قائل: هذا مخالف للسنة، لكن نقول: يا عبد الله! هذا معان من ربه، وفعله ليس للأسوة، أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يفعل يفعل ليشرع؛ لذلك سأل العلماء سؤالاً مهماً: أيهما أفضل في الأضحية: البدنة أم الكبش؟ فقال جمهور العلماء: البدنة يعني: الإبل، وقالت المالكية: الكبش؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين، فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الأولى، وقال جمهور العلماء: البدنة أولى بدليل حديث البخاري في فضل الجمعة والتبكير إليها: (من راح في الساعة الأولى إلى الجمعة فكأنما قرب بدنة -فبدأ بالبدنة- ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) فقدم في الحديث البدنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين؛ لأنه أسوة، فإنه ربما لا يمتلك الفقير إلا ثمن الكبش، عند ذلك يضحي كما ضحى النبي صلى الله عليه وسلم، أما إن استطاع أن يذبح بدنة فهذا هو الأولى ولا شك في هذا، وهذا قول الجمهور.قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] أي: يحافظون عليها في أوقاتها فلا يضيعون صلاة في جماعة، بل يؤدونها وقد استكملوا الشروط والأركان والسنن بخشوع. قال تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24]، الصدقة والزكاة مقدار كل واحدة منهما معلوم، لا يبخسون الناس حق الله عز وجل، قال: لِلسَّائِلِ [المعارج:25] الذي يسأل، وَالْمَحْرُومِ [المعارج:25]، الذي يكف عن السؤال، يحسبه الجاهل غنياً من التعفف، تعرفه بسيماه؛ لذلك ربنا يقول: فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:36] أي: من الهدي وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36]، والقانع: الذي يقتنع بحاله ولا يسأل الناس، والمعتر: الذي يسألهم، فأطعموا من يسأل ومن لا يسأل، وإياك أن تطعم من يسأل وتترك من لا يسأل. يقول ربنا عز وجل: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] وكلمة ( حق ) تشير إلى أن للفقير في مال الغني حقاً، فأنت حينما تعطيه لا تعطيه فضلاً منك، إنما هو حق لابد أن يأخذه؛ لذلك قاتل أبو بكر المرتدين حينما منعوا الزكاة، فلو أن المجتمع يؤدي زكاة ماله لما وجد فيه الفقراء، ولا الذين بدون زوجات، والحالات التي تعرض ليلاً ونهاراً تجعلنا نبكي دماً بدلاً من الدموع؛ وذلك لأن الأغنياء يحبسون ما أعطاهم الله عز وجل.قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:26-27]، خائفون وجلون يخشون عذاب ربهم عز وجل، إذ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28].ومن صفاتهم: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29]، حفظ الفرج عما حرم الله، والمحرمات متعددة، فلا يضعون فروجهم إلا فيما أحله الله من الزوجة أو ملك اليمين، أي: الأمة، أما ما سوى ذلك فحرام، واستدل العلماء من هذه الآية بحرمة نكاح اليد، لا يقربون بفروجهم ما حرم الله، لا يقربون دبراً ولا امرأة في حيض، ولا أي شيء حرمه الله، وذلك كما قال تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:30].ثم قال: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المعارج:32]، وتعدى حدود الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:31-32]، وأول الأمانات أمانات التكاليف الشرعية التي كلفهم الله بها، الأمانات بمعناها الشامل، والعهود بمعناها الشامل أيضاً، سواء كانت أمانة للمخلوق أو أمانة التكاليف التي كلفهم الله بها، ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33]، فلا يكتمون الشهادة، إنما يقيمونها لله عز وجل، أيها الإخوة الكرام! هذه صفات عباد الله تبارك وتعالى.
مقومات الشخصية اليهودية في القرآن الكريم
أيها الإخوة الكرام الأحباب! معرفة العدو لا يمكن لنا أن نتعرف عليه على سبيل الثقة واليقين إلا من كتاب ربنا عز وجل: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ [النساء:45]، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، سبحانه وتعالى، فصفات ومقومات الشخصية اليهودية في القرآن الكريم واضحة بينة، حتى إن بعض المتخصصين أخذ رسالة دكتوراة في صفات بني إسرائيل في القرآن، أو مقومات الشخصية اليهودية من القرآن، وحينما نقول من القرآن فهو الكتاب الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42]، فما هي صفات هذه الشخصية؟ إن تتبعنا بالحصر لن ننتهي، ولكننا سنأخذ نماذج لها.
 قساوة قلوب اليهود وسفاهتهم وحقدهم على المسلمين
خامساً: يقول ربنا في وصفهم أيضاً: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، فقلوب اليهود أقسى من الحجارة، والذي نفسي بيده نرى طفلاً يرضع لا يملك أن يدافع عن نفسه فيطير رأسه، وامرأة يدفنونها حية ثم يخرجونها هكذا أمام الناس، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]، وهم السفهاء الذين قال الله في حقهم: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [البقرة:142]، وهم الذين قال الله في شأنهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، فضرب لهم مثلاً بالحمار سبحانه وتعالى حتى نتعظ ونأخذ الدروس والعبرة. أيها الإخوة الكرام! مقومات الشخصية اليهودية في كتاب رب البرية يحتاج منا إلى سعة دراسة وإلى تحقيق؛ حتى نعلم العدو. اللهم إنا نسألك يا ربنا! أن تنصرنا عليهم. إنك على كل شيء قدير.
الأسئلة

 حكم نهي الوالدين لابنتهما عن التستر والحجاب
السؤال: أهلي يرفضون أن ألبس النقاب الآن، ويقولون لي: بعد أن تتزوجي البسيه، وخطيبي يخيرني بينه وبين النقاب، وأمي كذلك تقول لي: إن النقاب سيوقفك عن العمل، أما أنا فأريد أن أرتديه، ولكن إذا حدث إذا قدر الله حرباً في مصر أريد أن أكون من المجاهدين، فكيف سأجاهد وأنا بالنقاب، وكيف أثبت عليه؟الجواب: لا. لا نريدك أن تجاهدي، أين سيذهب الرجال إذا خرج النساء؟ جهادك يكون في بيتك، فحسن تبعلك لزوجك وتربية أولادك التربية السلفية الصحيحة على المنهج هو جهادك، وجهادك هو الحج كما قال صلى الله عليه وسلم. لا ينبغي للأب والأم أن يمنعا البنت من لبس النقاب أبداً، هذا أمر بمعصية، ولا يجوز للبنت أن تسمع الأمر في معصية الله عز وجل، والذي يزوج البنات هو الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن نقول: كشف الوجه سيأتي بالعريس، الذي يذلل العريس ويأتي به هو رب العالمين عز وجل، وحينما تسجدين وتدعين ربك عز وجل أن يرزقك الزوج الصالح هذا هو الطريق، والله تعالى أعلم.نكتفي بهذا القدر لضيق الوقت. بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً، ولا تنسوا إخوانكم من الدعاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net