اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القلم [11] للشيخ : أسامة سليمان


تفسير سورة القلم [11] - (للشيخ : أسامة سليمان)
لقد وعد الله المؤمنين بأن يدخلهم الجنة، كما وعد الكافرين أن يدخلهم النار، وقد فرق سبحانه وتعالى بين الفريقين في الدنيا والآخرة، فإنهما لا يجتمعان أبداً ولا يسوى بينهما، ولكن يجب على المؤمن أن يصبر على أقدار الله المؤلمة، ويعلم أن الله ناصره لا محالة، وأن العسر يتبعه اليسر، وعلى المؤمن أن يتفكر فيما حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه من البلاء، وما حصل للأنبياء قبله أيضاً؛ فإن في ذلك تسلية له على مصابه.
الفوز الحقيقي
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، خلقنا من عدم وأطعمنا من جوع وكسانا من عري وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسب ما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.ثم أما بعد:فيا أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا يزال الحديث عن سورة القلم، ولقاؤنا اليوم مع قول ربنا سبحانه: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [القلم:34-52]، بعد أن قص علينا القرآن قصة أصحاب الجنة الذين جحدوا نعمة الله، وأنكروا فضل الله عليهم، فكان الجزاء من جنس العمل، أبيدت الجنة، وجاء ذكر الجنة الأخروية؛ حتى لا يظن ظان أنها يمكن أن تبيد، أو يمكن أن تفنى كالجنة الأرضية، كلا جنات النعيم لا تفنى ولا تبيد، ولفظ الجنة من الألفاظ المشتركة في الحقل القرآني، ومعنى قولنا لفظ مشترك، أي: أنها كلمة واحدة يراد بها أكثر من معنى، كلفظ: (أمة)، وكلفظ: (الصلاة)، فالجنة تأتي في القرآن بمعنى: الحديقة، يقول ربنا سبحانه: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة:265].ويقول ربنا سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف:32]، فلفظ الجنة يأتي ويراد به الحديقة المثمرة، ويأتي ويراد به جنة الخلد.والحقيقة أنه ينبغي أن نكون هنا في الدنيا وأعيننا وقلوبنا معلقة بالجنة، كما كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهي الدار الباقية، وهي دار السرور التي إن دخلها العبد يسعد أيما سعادة، كما قال ربنا سبحانه: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. ولا يمكن أن نسمي من يفوز في الدنيا بأنه فائز، فإن الفوز الحقيقي هو أن تفوز بالجنة، الفوز الحقيقي هو أن تقف على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ووجهك يشع نوراً، وترفع كتابك بيمينك وتقول: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19] أي: خذوا اقرءوا كتابيه، تصفحوه ففيه صلاة، وفيه قرآن، وفيه صيام، وفيه أمر بالمعروف، وفيه نهي عن المنكر، وفيه صلة رحم، وفيه ذكر وطاعة، اقرءوه: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20] وظننت هنا بمعنى: أيقنت. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:20-24].يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنها أوسط الجنة).أي: أفضل الجنة، وهو أعلى دراجات الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة.اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
 

عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار
عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان جاهزتان معدتان، إلى أن يأتي يوم القيامة فيؤتى بالجنة، ويؤتى بالنار، عندها يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر:23-24].يقول تعالى مخبراً عمن يأخذ كتابه بشماله: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:27-29].
 

وصف الجنة في الكتاب والسنة وذكر ما أعد الله فيها لأهلها
قد جاء وصف الجنة في القرآن وصفة لباس أهلها، وطعامهم، وشربهم، حتى يبين لنا ربنا النعيم الذي أعده لعباده، يقول ربنا سبحانه: لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:11-16].وقال سبحانه: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:21-23].ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).ونبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن عدد أبواب الجنة ثمانية: باب الصيام، ويسمى: باب الريان، وباب الصلاة ينادي المصلين، وباب الجهاد ينادي المجاهدين، فقال أبو بكر: (أومن كل الأبواب الثمانية ينادى على أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأسأل الله أن تكون منهم يا أبا بكر)، قال أبو نعيم صاحب الحلية: الصديق الملقب بـالعتيق رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والأسفار، والذي دفن بجواره بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المنزل فيه من عالم الأسرار ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، ينادى عليه يوم القيامة أن يدخل من أبواب الجنة الثمانية؛ لأنه جمع خصال الخير، ففي صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم استدار لأصحابه) والسنة أن يستدير الإمام بعد انقضاء الصلاة، فقد بوب البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان: باب: الإمام يتوجه إلى المأمومين، فلا ينبغي أن يظل مستدبراً، لكن بعد الصلاة يقابلهم بوجهه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم استدار لأصحابه وقال: من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، قال: من عاد اليوم منكم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا يا رسول الله، وكلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر : أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في رجل إلا كان من أهل الجنة).ونبينا عليه الصلاة والسلام رأى الجنة ورأى النار، بل دخل الجنة في الإسراء والمعراج، وفي صحيح البخاري (لما كان يصلي صلاة الكسوف: فتقدم قليلاً، فرآه الصحابة فقالوا: يا رسول الله رأيناك تقدم وأنت تصلي قال: دنت مني الجنة)، ربما يقول قائل من أصحاب العقول المستنيرة في زمن الاستنارة: كيف تدنو منه الجنة؟ أليس لكم عقول؟ نقول: عقولنا مع شرع ربنا حيث ثبت، أما أنتم فعقولكم في نعالكم، أسأل الله أن يهديكم؛ لأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ونحن نؤمن بهذا، بدون أدنى شك ولا ريب، ونؤمن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دنت مني الجنة ورأيت ثمارها وكدت أن آخذ عنقوداً من عناقيد عنبها، ولو اقتطفته لأصبح طعاماً لأهل الأرض).وهو القائل لـبلال: (يا بلال أخبرني بأرجى عمل، فإني دخلت الجنة وسمعت صوت نعليك فيها).وهو القائل لـعمر بن الخطاب: (دخلت الجنة فإذا بي أجد قصراً وبجواره جارية، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتذكرت غيرتك يا عمر فما دخلت القصر، فبكى عمر وقال: أو منك أغار يا رسول الله). لذلك بشر من بشر بالجنة في حال حياته صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: (يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة)، نظر الصحابة إلى الباب لينظروا من الداخل المبشر، فإذا به عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وفي اليوم التالي قال النبي صلى الله عليه وسلم نفس المقولة، وفي اليوم الثالث كذلك، فقال: عبد الله بن عمرو: لابد أن أنظر في عمله، فقال له: إني لاحيت أبي -يعني: حصل لي خلاف مع أبي- وأسألك أن تستضيفني ليالي عندك، فقال له: مرحباً، فنام عنده، ينظر ماذا يصنع؟ فإذا بـابن سلام يقوم آخر الليل قبل الفجر ليصلي ركعات، لم يكثر من الصلاة ولا من الصيام، فاستقل ابن عمرو عبادته، فالناس تصلي أكثر منه، فلم تقدم على هؤلاء الناس؟ وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه من أهل الجنة، فلما أحتار في شأنه قال: لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنك من أهل الجنة، فما هو العمل الذي جعلك تكون من أهلها، قال: لا شيء، غير أني أبيت لا أحمل في صدري غلاً لمسلم، قال: تلك التي بلغت بك، وتلك التي لا نطيق. وحينما رأى المرأة السوداء التي تصرع، فإذا وقعت على الأرض انكشفت سوأتها، ومع أنها امرأة سوداء لا مطمع فيها، لكنها حرة، والحرة لا تريد لسوأتها أن تظهر أبداً، ولكن الأقزام هم الذين يريدون للمرأة أن تظهر عورتها، وبعض أصحاب الفكر المستنير الذين حرروا المرأة أمثال قاسم آمين ، وهدى شعراوي ، وطه حسين هؤلاء هم أصحاب الفكر المستنير الذين ينبغي أن نأخذ منهم تلك القضايا لتنوير المرأة، ولكن تنويرها بماذا؟ تنويرها بإخراجها عن سربال حيائها؛ لتكون فتنة، نسأل الله أن يستر عوراتنا.ولكن هذه المرأة السوداء تصرع وتقع على الأرض وتنكشف عورتها، فقالت: (يا رسول الله إني أصرع وأتكشف فادع الله لي يا رسول الله، فقال لها: أدعو الله لك أم تصبري ولك الجنة؟) لو قيل لأحدنا هذا لقال: لا، أريد الآن، وبعد ذلك الجنة طريقها طويل، لكن المرأة متيقنة أنها ستخرج من الدنيا، قالت: (يا رسول الله أصبر، لكني أتكشف فادع الله ألا أتكشف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لها، فكانت تصرع دون أن تنكشف عورتها)، بفضل دعاء سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الصحابة يقول بعضهم لبعض: من أراد أن ينظر إلى امرأة من أهل الجنة فلينظر إلى هذه المرأة السوداء. نعم هي سوداء، لكن الله سيبيض وجهها يوم العرض عليه، قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106].
 

تفسير قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ...)
قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35]. أفنجعل أهل التوحيد كأهل الشرك؟ أفنجعل أصحاب عقيدة السلف كفرق الضلال، وفرق الأحزاب، والجماعات الباطلة؟أفنجعل الخائن كالأمين؟ أفنجعل الذي يشرك بالله كالموحد؟ أفنجعل الطاهرة المحجبة كالمتبرجة السافرة الهابطة؟ قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36]، أليس لكم عقول؟ كيف تظنون هذا الظن؟ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [القلم:37]، هل أنزل الله عليكم كتاباً فيه أن المسلم كالمجرم، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ [القلم:38]، هل هذا الكتاب الذي بأيديكم يخبركم أن هؤلاء كهؤلاء؟ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا [القلم:39]، عهود ومواثيق عند الله سبحانه مؤكدة يوم القيامة أن المسلم يكون كالمجرم، الله لا يخلف العهد أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ [القلم:39] أي: هذا الحكم الذي قلتم به، هل عندكم به عهود ومواثيق من الله عز وجل.سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [القلم:40-41] والمعنى: هل هناك من يكفل لهم أو يضمن لهم هذا القول الذي يقولون به، أم شركاؤهم قالوا لهم هذا؟ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:41-42]، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكشف ربنا عن ساقه يوم القيامة، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة)، وهم الذين كانوا يسجدون في الدنيا، سيسجدون في الآخرة برفق وسهولة، فيأتي الذي كان يسجد رياءً ونفاقاً، ويأتي تارك الصلاة ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً جزاءً لعمله الذي كان يعمله، يقول ربنا سبحانه: ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [القلم:42] أي: إلى الصلاة، فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42]، أي: في الآخرة، لأنه في الدنيا كان يسمع النداء ويتكاسل ويتباطأ مع استطاعته.وللحديث بقية إن شاء الله.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
 

تفسير قوله تعالى: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ...)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:يقول الله تعالى: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ [القلم:43] أي: ذليلة، منكسرة، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [القلم:43] أي: على وجوههم قترة وسواد،: وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [القلم:43] أي: إلى الصلاة،: وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:43] أي: ليس هناك عارض يحول بينهم وبين الصلاة. ولننتبه فالقرآن أحياناً يعبر عن الصلاة بأحد أركانها بالركوع، أو السجود، أو القيام، ولذلك قال بعض العلماء: صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، والدليل من القرآن قول الله لمريم: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43]، فحينما أمرها بالصلاة بمفردها قال لها: (اسْجُدِي)، وحينما أمرها بالصلاة مع المصلين قال لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، أيهما أفضل في الصلاة السجود أم الركوع؟ السجود، فعبر عن صلاتها بأعظم أركان الصلاة، فعلم من الآية أن صلاتها في بيتها أفضل، ولذلك بين عليه الصلاة والسلام أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجده، مع قوله: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).وقال تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ [القلم:44]، أي: دعني ومن يطعن في مشروعية الحجاب، دعني ومن يطعن في عذاب القبر، دعني وهؤلاء الذين يقدحون في أصول الدين الثابتة، الذين يكذبون بالقرآن، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44]، وقد يكون الاستدراج بالمال، أو العقارات، أو السيارات، أو بالمناصب، أو بأن تنفتح عليهم الدنيا، فيظنون أن ذلك من قبيل النعمة، وإنما هو استدراج، قال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، فالإمهال والاستدراج للعاصي أن يعطى مع بقائه على المعصية، فيعصي ويفتح عليه، يعصي ويرتقي، فيظن أن ذلك من رضا الله عليه، وإنما هو استدراج، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته)، فيا أصحاب المعاصي احذروا، فإن الله يستدرجكم.وقوله تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45] أي: أمهلهم إن مكري بهم عظيم، أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا [القلم:46] والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: هل تسألهم على دعوتك أجراً؟ لذلك كلما كان الداعي لا يأخذ أجراً على دعوته كان أسرع للإجابة، قال تعالى: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109].
 

تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ...)
قال تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [القلم:48] هل الذي تطلبه منهم يعجزون عن أدائه، فأثقلهم ذلك الأجر حتى لا يستطيعوا أن يؤدوه إليك،: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ [القلم:47]، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [القلم:48] أي: اصبر على إيذائهم، اصبر على سخريتهم، اصبر على اضطهادهم، اصبر على حصارك،: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، يا أصحاب الدعوات اصبروا، فإن مع العسر يسراً، وإن بعد الضيق فرجاً، وقبل الميلاد لابد من ألم الوضع، ومن أراد الورد لابد أن يصاب بشوك الورد.يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)، فالابتلاء لابد منه، وطريق الدعوة محفوف بالمكاره، وقال سبحانه: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48]، وهو يونس بن متى، وقد جاء ذكره في سورة الأنبياء، وفي سورة الصافات، وفي سورة يونس، ولا يظن ظان أنه أفضل من يونس، كما يقول البعض يونس أخطأ في كذا، اعرف قدرك، الزم غرزك، عد إلى رشدك، فأنت تتحدث عن نبي من أنبياء الله، الذين قال الله فيهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [الأنعام:90]، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقول أحدكم: أنا أفضل من يونس بن متى عليه السلام)، نعم تعجل الخروج، أرسله الله إلى قومه فلما أعرضوا أراد أن يخرج إلى بلد آخر طمعاً في الدعوة، لكن قبل أن يأذن الله، فلما خرج من بين قومه مغاضباً على إعراضهم، وصل إلى شاطئ البحر فركب سفينة، وبينما هي في وسط البحر جاءها موج وريح عاصف واختل توازنها، فقرر من فيها أن يستهموا حتى يلقوا واحداً منهم في البحر؛ لأجل أن ينقذوا الباقين، وهذا أمر مشروع أن نضحي بالبعض لأجل الكل، قال تعالى: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، أقاموا القرعة، والقرعة معتبرة عندنا وفي شرع من قبلنا، فجاءت القرعة على يونس، نظروا إلى وجه به سمت الصالحين، فأعادوا القرعة فخرجت على يونس، ثم أعادوها فخرجت على يونس، فكان لابد أن ينفذ ما قدر الله، فألقي في البحر، وكان على موعد مع حوت بقدر ربه، فابتلعه الحوت وأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [النور:40]، سمع يونس تسبيح الحصى في جوف البحر: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، فنادى بأعلى صوته وهو في بطن الحوت في ظلام الليل: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فخرج التسبيح من يونس، فقالت الملائكة: يا رب صوت معروف من عبد معروف، قال تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات:143] أي: في حال الرخاء،: لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:144]، ونستطيع أن نقول: إن العمل الصالح ينجي صاحبه، والعمل الصالح يفرج الكربات، فإن كنت في ضيق توسل بعملك الصالح. أوحى الله تعالى إلى الحوت: ألا تأكل له لحماً، ولا تكسر له عظماً، ثم قال الله بعد ذلك: لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [القلم:49]، فلما خرج إلى شاطئ البحر خرج مريضاً، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، واليقطين: كل شجرة لا ساق لها، يقول ربنا سبحانه: وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات:146]، فلما عادت إليه قوته، أوحى الله إليه: أن عد إلى قومك يا يونس مرة أخرى، فعاد إليهم، فآمنوا جميعاً عن بكرة أبيهم، قال تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات:147] أي: بل يزيدون، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [الصافات:148].اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، اللهم علمنا القرآن وخلقنا به، اللهم ارزقنا حب القرآن، وارزقنا نور القرآن، وارزقنا فهم القرآن، وارزقنا عطاء القرآن، ونور صدورنا بالقرآن، وبارك في أرزاقنا ببركة القرآن، واجعلنا من أهل القرآن.اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.اللهم بلغنا رمضان، واغفر لنا فيه الذنوب، واستر لنا فيه العيوب.اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمنا في بلادنا، وبدلنا بعد خوفنا أمناً، وبعد ضيقنا فرجاً، وبعد عسرنا يسراً.اللهم فرج كرب المكروبين، وارفع الظلم عن المظلومين، واستجب لعبادك الموحدين، فأنت على كل شيء قدير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها.اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 

الأسئلة

 حكم صلاة الأولاد الصغار في الصفوف الأولى
السؤال: ما حكم صلاة الأطفال الصغار في الصفوف الأولى؟الجواب: في هذا خلاف، والشيخ الألباني يرى: أنه لا بأس أن يقف الولد بجوار أبيه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القلم [11] للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net