اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة شرح صحيح البخاري [2] للشيخ : أسامة سليمان


سلسلة شرح صحيح البخاري [2] - (للشيخ : أسامة سليمان)
مما يجوز للإنسان فعله في صلاته دون أن يبطلها أن يدفع من يمر بين يديه، وكذلك أن ينفخ ويبصق شريطة ألا يكثر منهما حتى لا يفسدان عليه صلاته. ومن صفق أو تكلم بكلام ليس من الصلاة وهو جاهل بالحكم فلا شيء عليه، كما أن من الأمور التي فيها سعة أن يتقدم المصلي أو يتأخر لضرورة نزلت به، وأن يأخذ بخطام ناقته حتى لا تهرب.
باب ما يجوز من العمل في الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: يقول البخاري رحمه الله: [باب ما يجوز من العمل في الصلاة].[حدثنا محمود بن غيلان حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم].في الحقيقة أن أخاً فاضلاً دفع إلي بالترجمة لرجال السند، وكنت أود أن يكون موجوداً، فأنا أريد ترجمة مختصرة، حتى لا يرهق نفسه ولا نرهق الحضور بقراءة هذه الترجمة، ترجمة يكون فيها: اسم الراوي، ودرجته، جرحه وتعديله، وتاريخ الوفاة.يعني: محمود بن غيلان : شيخ البخاري ، من طبقة كبار تبع الأتباع، نسبه إلى العدوي ، كنيته: أبو أحمد ، بلد الإقامة: بغداد، تاريخ الوفاة: (329هـ)، قال عنه أبو حاتم الرازي والنسائي : ثقة، وابن حبان ذكره في الثقات.هذا هي الترجمة لشيخ البخاري .والحقيقة أن الأخ قام بجهد مشكور جزاه الله خيراً، أسماء الشيوخ، وأسماء التلاميذ لا داعي لها، وإنما الاسم والكنية وتاريخ الوفاة، ودرجة الجرح والتعديل فقط.قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي) أي: أن الشيطان تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي (فشد علي ليقطع الصلاة) أي: مر بين يديه ليقطع الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام (فأمكنني الله منه فذعته -فذعته: أي فخنقته- ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية المسجد -أي: أن أربطه إليها- حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان عليه السلام: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35] فرده الله خاسئاً) ].والمعنى: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يصلي تعرض له الشيطان، وفي رواية: (تعرض له بشعلة من نار) والبخاري أورد هذا الحديث في كتاب الصلاة في أكثر من باب، منها: باب ربط الأسير بالمسجد.هل يجوز أن تربط الأسير الكافر داخل المسجد؟ نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يربط الشيطان، وربط صلى الله عليه وسلم أسيراً من المشركين اسمه ثمامة بن أثال . فأسلم.وفي الحديث: بيان جواز دخول المشرك المسجد إلا المسجد الحرام؛ لأنه ربط في المسجد النبوي، لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] فلو لم يجز أن يدخل المشرك المسجد لما ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة بالسارية. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم خنق الشيطان، وخنْق الشيطان عمل في الصلاة.وفيه أيضاً: أنه خنقه صلى الله عليه وسلم حتى وجد برد لعابه على يده، كما في رواية أخرى: (حتى وجدت برد لعابه على يدي)، وهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يربطه بالسارية حتى يصبح الناس فينظرون إليه، فتذكر قول سليمان عليه السلام: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35]. وفي الحديث: عدم جواز تسخير الجن إلا لسليمان عليه السلام؛ لأن البعض يقول: أنا أسخّر الجن في علاج المرضى، أنا أستعين بالجن المسلم، هل هذا يجوز؟ لا. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35].ولفظ فذعته كقول ربنا عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور:13]، ومعنى يُدعّون: يُدفعون، ولذلك هذه الكلمة معناها خنقته.
 

باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
قال البخاري رحمه الله: [ باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة ].إذا كنت تصلي وتضع خطام الدابة في يدك، وتصلي واضعاً اليمنى على اليسرى وتربط الدابة، ثم انفلتت منك الدابة في اتجاه القبلة، أو رأيت لصاً يأخذ حذاءك، فهل يجوز أن تخرج من الصلاة لتلحق باللص وتأخذ الحذاء؟ أو أخذ ثوبك أو حقيبتك أو مالك؟ هل يجوز اللحوق به وترك الصلاة؟ الجواب: نعم يجوز ذلك.قال البخاري رحمه الله: [ قال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة ].لأن هذا الثوب فيه ضياع للمال، ولكن إن استطعت أن تمسك به وأنت في اتجاه القبلة مع حركة يسيرة فلا بأس، وبذلك لا تخرج من الصلاة، أما إن انفلت وأدرت ظهرك للقبلة ووليت فلا بد أن تستأنف الصلاة، فالأمر يختلف.وهذا الحديث يدل على جواز العمل في الصلاة، والحفاظ على المال واجب، لكن هب أن حريقاً أو غريقاً بجوار المصلين، فهذا لا يخرج إليه إلا طائفة وهي التي تستطيع، وهذا فرض كفاية.قال البخاري رحمه الله: [ حدثنا الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز -مكان بالعراق- نقاتل الحرورية ]. والحرورية هم الخوارج، يسمون بهذا الاسم، وفي كل زمن خوارج، من عقيدتهم: أنهم يكفّرون المسلم بالمعصية، ويحكمون عليه بالخلود في النار، ويستبيحون دماء الموحدين، ويخرجون على ولي الأمر دون مسوغ شرعي، وهذا الخروج لا يجوز بحال، فهؤلاء هم الخوارج.قال: [ كنا في قتال مع الخوارج، فبينما أنا على جرف نهر -أي: جانب أو حافة نهر- إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه -أي: تتحرك من بين يديه- وجعل يتبعها ] والمعنى: أن الدابة نزعت الخطام من يده وتحركت قليلاً إلى الأمام فتحرك خلفها وهو يصلي، وأخذ الدابة وتقهقر إلى الخلف وأكمل الصلاة، فرآه رجل من الخوارج -والذي فعل ذلك صحابي اسمه أبو برزة الأسلمي - قال: [ فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم ]؛ أي: أن هذا الخارجي جعل يسبه، بل قال: أرأيتم إلى ما يفعل هذا الحمار، وانظر إلى تجرؤ الخوارج على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دأبهم في كل زمن وفي كل وقت!فقال الصحابي: [ إني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وثمانية، وشهدت تيسيره ] بدأ الصحابي يذكر مناقبه للخوارج.وفي الحديث جواز ذكر المناقب إن أمنت الفتنة في حال الضرورة، قال: [ وإني إن كنت أن أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي ].والمعنى: إني تحركت في الصلاة وأنا على علم بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، إني كنت أتابع تيسيره، بدلاً من أن أترك الدابة تنطلق وتذهب إلى مكانها فيشق علي متابعة الدابة، فكل ما فعله أبو برزة أنه تحرك إلى الأمام في اتجاه القبلة، أي: أنه لم يتبع الدابة ويخرج من الصلاة ويعطي القبلة ظهره، وهذا يحتاج إلى استئناف الصلاة، إنما الدابة انفلتت يسيراً، وفي هذا جواز التحرك قليلاً في الصلاة، فلما انفلتت منه الدابة تحرك وأخذ بخطامها وعاد إلى مكانه في الصلاة، وهذا يجوز بدون أدنى شك. والعلماء على جواز أن يخرج الإنسان من صلاته لضرورة شرعية كذهاب ثيابه، وكسرقة حذائه، وكأن يرى أمراً لا بد له من أن يتابعه .. إلى غير ذلك.قال البخاري رحمه الله: [ قالت عائشة رضي الله عنها: (خسفت الشمس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عليه الصلاة والسلام فقرأ سورة طويلة، ثم ركع فأطال، ثم رفع رأسه، ثم استفتح بسورة أخرى، ثم ركع حتى قضاها وسجد، ثم فعل ذلك في الثانية، ثم قال: إنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى يفرج عنكم) ].وهذه صلاة الكسوف، وبها ركوعان وسجودان، أي أنك تكبّر ثم تقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن، ثم تركع، ثم تعتدل وتقرأ مرة ثانية، ثم تركع.. ففي كل ركعة ركوعان، وهذه صلاة الكسوف، صلاها النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة يوم أن مات ابنه إبراهيم عليه السلام وفي هذه الصلاة يقول صلى الله عليه وسلم: [ (لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة -أي: عنقوداً من عناقيد عنب الجنة- حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها عمرو بن لحي ، وهو الذي سيب السوائب) ].أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي الكسوف تأخر حينما رأى جهنم، فإنها قد عُرضت عليه وهو يصلي الصلاة فتأخر، ولما عُرضت عليه الجنة تقدم، وبعض الناس يقول: كيف تُعرض عليه الجنة والنار وهو يصلي؟ نقول: هذه من معجزات الأنبياء، ولا تخضع للقياس العقلي، فعرش بلقيس يأتي من سبأ في أقل من لمح البصر، من يصدّق هذا؟وعصا موسى يضرب بها البحر فينفلق البحر إلى اثني عشر طريقاً .. من يصدّق أن البحر ينقسم؟ يمر موسى بأمان فيأتي فرعون فيدركه الغرق. هذه معجزات الأنبياء، ومعجزات الأنبياء لا تخضع لقياس العقل.والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان في صلاة الكسوف رأى الجنة والنار من مقامه، فتكعكع، أي: تراجع مرة وتقدم أخرى، فقال الصحابة: يا رسول الله! ما لك تكعكعت؟!وفي الحديث: أنه يجوز للمأموم أن ينظر إلى الإمام؛ لأن الصحابة نظروا إليه فرأوه يتأخر تارة ويتقدم تارة، فبيّن لهم صلى الله عليه وسلم أنه حينما تأخر رأى النار، وحينما تقدم رأى الجنة، وكاد يأخذ عنقوداً من عناقيد عنبها صلى الله عليه وسلم، قال: (ولو اقتطفته لأصبح طعاماً لأهل الأرض).وفي الحديث: جواز العمل في الصلاة، وأنه تأخر وتقدم.وفيه: جواز التقدم والتأخر للمصلي طالما أن الحركة ليست كثيرة.
 

باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
قال البخاري رحمه الله: [ باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة ].البصاق هو النخام، فهل البصاق والنفخ يبطلان الصلاة؟ مع العلم أن النفخ عند بعض الفقهاء حرفان ألف وفاء، والبصق حرف واحد وهو (خ)، فهل يبطل الصلاة؟ القول الراجح أن المصلي إذا تكلم بحرفين -وهو أقل الكلام- بيّنين واضحين بطلت صلاته، والنفخ والبصق ليسا من أعمال الصلاة.فلو أن رجلاً يصلي وقال: آخ، فهنا تبطل الصلاة.وهنا يقول البخاري : النفخ كالبصق، فطالما جُوّز البصق في الصلاة فيجوز النفخ وهو الراجح؛ لأن النفخ لا يبطل الصلاة كالبصق تماماً؛ لأن النفخ لا يعتبر حرفان إنما هو حرف واحد؛ لأن التأفف كلمة (أف) لا بد لها من فاء مشددة، أما النفخ فليس حرفين إطلاقاً.مثلاً: رجل عنده انفلونزا فأخرج المنديل في الصلاة ثم امتخط أو تنخّم فهل تبطل الصلاة؟ لا تبطل؛ لأنه ما نطق إلا بحرف واحد وهو فاء الفعل.قال البخاري : [ ويذكر عن عبد الله بن عمر (نفخ النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده في الكسوف) ]، ثم جاء بحديث ابن عمر : [ (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فتغيظ على أهل المسجد) ].وفي الحديث: أن الذي تنخم واحد، ولكن لماذا تغيّظ على أهل المسجد؟في الحديث: جواز إنكار المنكر على الواحد في المجموعة لأجل أن يعلم المجموعة نكارة الفعل، وهذه استنباطات للحديث استنبطها ابن حجر في الفتح.قال: [ (رأى نخامة في قبلة المسجد فتغيظ على أهل المسجد، وقال: إن الله قبل أحدكم، فإذا كان في صلاته فلا يبزقن أو لا يتنخمن، ثم نزل فحتها بيده صلى الله عليه وسلم) ].وفي الحديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) فإن كان لا بد فاعلاً فليبزق عن يساره، فإذا أراد رجلاً أن يتنخم فليتنخم يساراً، إن كان المسجد تراباً أو حصى، ولكن لا يبزق على السجاد ويستدل بهذا، فهذا لا يجوز بحال.إذاً: النخامة تجوز وأنت في الصلاة، ولكن لا تتنخم تجاه وجهك، وإنما عن يسارك كما قال صلى الله عليه وسلم.ولما رأى صلى الله عليه وسلم هذه النخامة حكها بيده.مداخلة: فإذا كانت النخامة أكثر من مرة، هل تبطل الصلاة؟الشيخ: لا تبطل حتى وإن كانت عشراً، ولكن يجب أن تكون متفرقة؛ لأن إزالة النخامة لأجل الخشوع في الصلاة، شريطة أن تكون -مثلاً- في الركعة الأولى تزال نخامة والثالثة نخامة، لكن إزالة عشر نخامات في الركعة الأولى فهذا فعل متكرر في الركعة الواحدة وقد يبطلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يصلي على المنبر وهو يعلّم الصحابة الصلاة وقف على المنبر يصلي، وإذا أراد أن يسجد تراجع ونزل عند أول درجة فسجد، فإذا قام إلى الثانية ارتقى المنبر في كل الركعات ينزل ويرتقي. قال ابن حجر : وفي الحديث بيان أن الفعل الكثير في الصلاة لا يبطلها إذا تفرق. أي: في كل ركعة كان يفعل هذا.قال: (إذا كان في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى) ].رجل يصلي فرن هاتفه المحمول، فهل يتركه يفسد الصلاة على الناس أم يخرج الجهاز ويغلقه؟ يخرجه ويغلقه، فهذا عمل لصالح الصلاة، وليس ضدها، فكل ما يساعد على خشوع المصلي يجوز أن يعمل لصالح الصلاة، فلو أن رجلاً وقفت على جبهته ذبابة وهو يصلي هل يتركها أم ينتهي منها ويخشع؟ ينتهي ويخشع، فإن عادت أخرى ينتهي ويخشع، وهذا أمر مطلوب وهو لصالح الصلاة. أما بالنسبة للبصاق فالنفخ كالبصاق، طالما جاز البصاق جاز النفخ؛ لأن النفخ كما قال الإمام مالك في المدونة: مكروه، لكنه لا يبطل الصلاة. والنفخ أن ينفخ وهو ساجد أو راكع.
 

باب من صفق جاهلاً من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته
قال البخاري : [ باب من صفق جاهلاً من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته ].أي: أنه تكلم جاهلاً بحكم الكلام فصلاته صحيحة، أو فعل فعلاً من الأفعال ليست من الصلاة وهو جاهل فصلاته صحيحة.إذاً: التصفيق في الصلاة للرجال لا يجوز، وإن صفّق وهو جاهل فما حكم صلاته؟ صحيحة؛ لأنه أتى بها وهو جاهل.وكذلك معاوية بن الحكم السلمي حينما قال لمن عطس بجواره: يرحمكم الله. فهذا الكلام يبطل الصلاة، ولكن هل بطلت صلاته؟ لا. لأنه جاهل.وأذكر أن رجلاً من المصريين كلما خرج من الحرم يشتري هدايا للأسرة، فكان يذهب الظهر ويأتي بهدايا، يرجع من الظهر يأتي بهدايا، وكذلك العصر، فكان شغله خلال الأيام العشرة شراء الهدايا، فانشغل بالشراء، فبينما هو في صلاته إذ به يقول: (xl 50)، فهل تبطل الصلاة؟ لا. لأنه ما تعمد، ولكن .. انظروا إلى ماذا يصنع الشغل بصاحبه!!وآخر يحكي لي لطيفة: أن رجلاً كان يبيع ويشتري في مزاد علني، فسيطر البيع على ذهنه، فبينما هو إمام وخلفه من يشتري منه، إذ به يقول له: لن أبيع لك. وهو يصلي! سيطر عليه ما في حياته، فالإنسان ينشغل، ولذلك إذا تكلم جهلاً، أو صفّق جهلاً، أو فعل شيئاً يجهل حكمه في الصلاة فصلاته صحيحة.إذاً: من نطق بحرفين عمداً بطلت صلاته، هذا كلام الفقهاء، أما النفخ فقالوا: لا يكون حرفان إلا بفاء مشددة، لكن البخاري رحمه الله قاس النفخ على البصق، أما النخامة فتقول أنت: أخ، ألف وخاء، ولو قلت: أخ بخلاف (خ)، فهذه نخامة، فقاس رحمه الله النفخ على البصق، فبوب هذا الباب، قال: البصق جاز فيجوز النفخ.مداخلة: هل تجوز الصلاة خلف الصوفي؟الشيخ: الصوفية أنواع، فهناك صوفي من أصحاب الطرق والكبائر، فإذا كان يعتقد أن النافع غير الله، ويطلب المدد من غير الله فلا يصلى خلفه.مداخلة: لو أن رجلاً تكلم بلفظ الجلالة في غير موضعه، فهل تبطل صلاته؟ الشيخ: صلاته صحيحة؛ لأن ذكر لفظ الجلالة لا يبطل الصلاة.مداخلة: ما حكم الكلام لصالح الصلاة؟ الشيخ: الكلام في صالح الصلاة فيه خلاف، فإن كان لصالحها فيجوز، مثل أن يكون إمامه سها وسبّح له الناس، ولم يدرك ما أخطأ فيه، فيجوز لأحدهم أن يقول: نسيت رابعة، أو: قمت إلى خامسة، أو أتيت بسجدة. قال بعضهم: يجوز. وقال بعضهم: لا يجوز، فالتسبيح هو الأصل، وهذا الراجح.قال البخاري [ من صفق جاهلاً من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته ].الدليل على هذا: أن الصحابة حينما أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قباء صفقوا لـأبي بكر ، فهل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة أم عذرهم لجهلهم وعدم العلم؟ عذرهم لعدم العلم ثم صحح لهم، فمن صفق خاطئاً لم تفسد صلاته، لكن بإجماع أهل العلم أن القهقهة تبطل.قال ابن المنذر : أجمعوا على أن الضحك يبطل الصلاة؛ لأنه ليس من هيئتها ولا من خشوعها. لكن التبسم لا يبطلها، والقهقهة بصوت مرتفع تبطل الصلاة.أما البكاء فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبكي في صلاته، وكان الصديق يبكي في صلاته، وكان عمر يبكي في صلاته، وابن عباس يبكي في صلاته، وغالب الصحابة كانوا كذلك. لكن .. ما معنى البكاء؟أن تنزل الدمعة دون صوت، أو يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل، أي: حينما يبكي في الصلاة تسيل الدموع على الخد دون صوت، لا كما يفعل البعض في حال القيام في رمضان، وبعضهم يقول: آه.. آه، فهذا تأوه، وهذا قد يعرضه للبطلان، أو يبكي بصوت مرتفع، فلابد أن تواري الدمع كما تواري السوءة؛ فإن دمعة العين تدعو للعجب والرياء، وكان سلفنا إذا بكى الواحد منهم لا يشعر به من بجواره.ذُكر عند شيخ الإسلام ابن تيمية أن رجلاً يبكي ويقع في الصلاة من شدة الخوف، فقال: ائتوني به وضعوه على حائط مرتفع، واقرءوا عليه ذات الآيات التي قرئت في الصلاة، فإن وقع فهو صادق. فلما وضعوه على الحائط وقرءوا عليه ذات الآيات ما تحرك ولا وقع وتشبث بالحائط.إذاً: هذا الوقوع كان بإرادته، فهو يريد أن يقول: لو استطعت أن تدفع البكاء وتبكي بدون أن يشعر بك أحد، لكن .. لنفترض أن رجلاً يغلبه البكاء رغم إرادته، فهذا معذور، إنما الذي يتصنّع البكاء وهو يستطيع أن يكتم البكاء ولكنه يرفع الصوت -كما في بعض المساجد وكأنها مناحة، فكلهم يبكون ولعل صوتاً يأتي من قبل النساء، ثم يقال: هذا خشوع- فهذا يقال له: لا يا عبد الله! هذا ليس خشوعاً، فبكاء النبي صلى الله عليه وسلم دمعة على العين، فابك دون أن يشعر بك من بجوارك، فهذا هو الخشوع في الصلاة فانتبه لهذا!مداخلة: هل التأمين بصوت مرتفع يبطل الصلاة؟الشيخ: التأمين بصوت مرتفع لا يبطل الصلاة، لكنه مخالف للسنة، السنة أن يؤمن بقدر ما يُسمع نفسه والمأموم.
 

باب إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فانتظر فلا بأس
قال البخاري : [ باب إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فانتظر فلا بأس.حدثنا محمد بن كثير أخبرني سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (كان الناس يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم عاقدو أزرهم من الصغر على رقابهم) ].أي: أن الصحابة كانوا من الزاهدين، فكان الواحد منهم إذا قام من سجوده ربما بدت العورة؛ لأنه لا يملك إلا إزاراً واحداً، فحينما يقوم من السجود ربما لضيق الإزار ولأنه لا يلبس غيره يبدو جزء من فخذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: [ (لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً) ].وفي هذا: أن المأموم قد يتخلف عن المأموم الآخر، ففي الصلاة أمرهن صلى الله عليه وسلم بذلك.كن النساء يصلين خلف الرجال، وكان الرجال لا يلبسون إلا الأزر، والإزار ربما عند القيام تظهر منه العورة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بعدم رفع رءوسهن من السجود إلا بعد أن يجلس الرجال جلوساً، وفي هذا سد لباب الفتنة حتى في الصلاة.وهل أمرهن بذلك في الصلاة أم خارج الصلاة؟لا شك أنه أخبرهن قبل الصلاة؛ لأن الأمر لا يحتمل التأخير، وأنت تصلي فلا مانع أن أقول لك تقدم أو تأخر، أنا منصرف، القطار سيأتي، وإذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر في الصلاة، فهذا أيضاً يجوز للضرورة كما قلت.اللهم ارزقنا علماً نافعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع!
 

الأسئلة

 وجوب النية في غسل الجنابة
السؤال: استيقظت من النوم وأنا على جنابة، ثم اغتسلت بنية الاغتسال ليوم الجمعة وأنا غير متذكر؟الجواب: عليك أن تعيد الغسل؛ لأن من شروط الغسل النية، فهو اغتسل للجمعة ولم يتذكر أنه على جنابة، ثم تذكر أنه لم يغتسل للجنابة وإنما اغتسل للجمعة، يعني: نوى أن يغتسل للجمعة لكنه ما نوى رفع الجنابة، فعليه أن يغتسل لأن من شروط الغسل النية.مداخلة: هل يجوز جمع النية؟الشيخ: يجوز جمع النية.مداخلة: ألا يكفي غسلاً واحداً بدون نية الجمع؟الشيخ: لا يصح هذا، ولا بد أن يغتسل بنية رفع الجنابة، وعليه أن يعيد الصلوات من تاريخ الجنابة إلى الآن؛ لأن من شروط صحة الغسل نية رفع الجنابة.هب أنني على جنابة ثم اغتسلت ولم أنو الرفع فكأنني لم أرفع، فإن من شروط صحة الغسل: النية وتعميم الجسد بالماء.. شرطان لصحة الغسل.اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونعوذ بك يا رب من علم لا ينفع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يستجاب لها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة شرح صحيح البخاري [2] للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net