اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [50] للشيخ : أسامة سليمان


العدة شرح العمدة [50] - (للشيخ : أسامة سليمان)
من أعمال الحج يوم النحر أن يرجع الحاج إلى منى بعد الإفاضة فيمكث بها ليالي التشريق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويرمي الجمرات، ومن أراد التعجل في يومين من أيام التشريق فينفر بعد زوال يوم الثاني من أيام التشريق.
ما يفعله الحاج يوم النحر وأيام التشريق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب ما يفعله بعد الحل، والمعنى: بعد أن يتحلل الحاج برمي جمرة العقبة، وبالذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فإن طاف للإفاضة فقد تحلل تحللاً أكبر، سواء كان تحلل تحللاً أصغر أم أكبر هناك أفعال تلزم الحاج بعد الحل، يعني: ما يفعله بعد التحلل..
 الفرق بين ختام عمل الحاج في الأنساك الثلاثة
قال الشارح: [ فإن كان متمتعاً أو قارناً؛ فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر ]، والمعنى: أن المتمتع والقارن ينتهي نسكهما في اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة، والمفرد يجوز له أن يذهب إلى التنعيم ليحرم بالعمرة بعد أن أدى الحج.قال الشارح: [ وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته؛ لأنه قد فعل أفعال الحج والعمرة.وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم ]، وهذا مقارنة بين المتمتع وبين القارن وبين المفرد، وإذا نظرنا إلى أعمال كل منهم فسوف نجد أن على المتمتع أن يطوف: طواف العمرة، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.وعلى القارن أن يطوف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، لكن طواف القدوم بالنسبة للقارن سنة، إن لم يفعله فلا شيء عليه.أما المفرد فمثل القارن إلا أمر واحد وهو:أن القارن عليه دم، والمفرد ليس عليه دم، هذا الفرق الوحيد بين القارن وبين المفرد.قال الشارح: [ وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم ]، فالقارن عليه دم، والمتمتع عليه دم.وهنا مسألة مهمة فلو أن رجلاً دخل إلى مكة بثيابه لأن معه تأشيرة عمل، ولا يستطيع أن يحرم من الميقات، فماذا يلزمه؟الجواب: إن كان مفرداً لزمه دم واحد، هو دم ترك الإحرام من الميقات، وإن كان متمتعاً فعليه دمان: الدم الأول دم ترك الواجب، والدم الثاني دم التمتع، لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196].قال الشارح: [ بل فعلهما سواء ]، أي القارن والمفرد.قال الشارح: [ ويجزيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه ]، أي: أن المفرد يلزمه طواف واحد، ويلزمه سعي واحد، والقارن كذلك، والمتمتع يلزمه طوافان وسعيان، طواف العمرة وطواف الحج، وسعي العمرة وسعي الحج، ولو قال قائل: أين طواف العمرة؟ قلنا: كحال الطهارة الصغرى حينما تدخل في الكبرى، والمعنى: أنك حينما تغتسل وتنوي بغسلك الوضوء؛ يدخل الوضوء في الغسل، تماماً كما قال الإمام أحمد ، ودليله واضح في صحيح مسلم أن المفرد والقارن ليس عليهما إلا طواف وسعي واحد.قال الشارح: [ وعنه ]، يعني: عن أحمد في رواية أخرى.قال الشارح: [ أن على القارن طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي ، ولم يصح عنه، واحتج من قال ذلك بقوله سبحانه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره، قالوا: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان) ]، حديث الدارقطني ضعيف، وبهذا يستدل من قال: إن على القارن طوافين وسعيين، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى.والراجح: أن عليه طواف واحد وسعي واحد، وسأذكر الأدلة بعد استعراض الرأي الثاني.يقول الشارح: [ ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً، متفق عليه.وفي مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك).. الحديث، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعاً)، وعن جابر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً)، رواهما الترمذي ، وقال في كل واحد منهما: حديث حسن.وعنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم حين قدموا إلا طوافاً واحداً)، رواه الأثرم وابن ماجه ، كل ذلك يستدل به الإمام أحمد في روايته الأولى على أن القارن والمفرد لهما طواف واحد وسعي واحد، وينتصر إلى هذا الرأي الذي فيه الحديث المتفق عليه، والذي رواه جابر أيضاً، لكن القارن عليه دم.قال الشارح: [ لكن عليه دم، أكثر أهل العلم على القول بوجوب الدم عليه ]، يعني: على القارن.قال الشارح: [ ولا نعلم فيه اختلافاً، إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا دم عليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرن بين حجه وعمرته؛ فليهرق دماً)، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين ].فالقارن هنا يؤدي العمرة والحج معاً، فكأنه يتمتع لكنه يظل على إحرامه، يعني: اختصر على نفسه سفراً، وهو سفر العمرة، فأدخل العمرة في الحج؛ فيلزمه دم.أما المفرد فيؤدي الحج فقط؛ فلا يلزمه دم.قال المصنف: [وعلى المتمتع دم لقوله سبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196] ]، ما معنى أن على المتمتع دم؟يعني: هدي يذبحه في مكة، ويأكل منه لأنه هدي يختلف عن الفدية.قال الشارح: [ ووقت وجوبه قال القاضي: إذا وقف بعرفة، وعنه: يجب إذا أحرم بالحج؛ لأن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196] ]، والفتوى المعمول بها عند المصريين: أنهم يذبحون في يوم عرفة، يذبحون دم التمتع قبل يوم النحر، وهذا يفتي به كثير من إخواننا، وهذا الرأي مرجوح، ولعله ذكره هنا.قال الشارح: [ وعلى المتمتع دم، ووقت وجوبه قال القاضي: إذا وقف بعرفة، ورواه المروذي عن أحمد ، وعنه: يجب إذا أحرم بالحج؛ لأن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196].ووجه الأول: أن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج معه، ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة) ]، إنما الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح في يوم النحر، ولم يذبح في يوم عرفة، وفعله حجة، وقد قال: (خذوا عني مناسككم).ومن لم يجد الهدي فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، يقول الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]؛ لأنه الآن عجز عن أداء الواجب، وأي واجب يعجز عن أدائه؛ فإنه يصوم له عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، والمقصود بقوله: (إذا رجع): أي: إذا انتهى من أعمال الحج، وليس المقصود: إذا رجع إلى بلده.قال الشارح: [ فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع ]، يعني: لا يصوم في يوم عرفة؛ ليتقوى على الدعاء، فلا يشرع صيام عرفة للحاج، فإن أراد أن يصوم الثلاثة أيام فيصومها قبل يوم عرفة.فإن صام يوم عرفة فإنه يسقط عنه، لكنه فعل خلاف الأولى، وارتكب مكروهاً.قال الشارح: [ لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وقد نص الله عليه سبحانه في كتابه بقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ [البقرة:196].. الآية.فأما وقت الصيام فالاختيار في الثلاثة أن يصومها في ثامن الإحرام بالحج ويوم النحر؛ لقول الله سبحانه: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196].وكان ابن عمر وعائشة وإمامنا يقولون: يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، فإن لم يحرم إلا يوم التروية؛ صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة ].بدأ يذكر كيف يصوم الثلاثة أيام؛ فإن النهي عن صيام يوم النحر وأيام التشريق بالنسبة للمقيم.. لغير الحاج، أما الحاج فله حكم خاص، فله أن يصوم أيام التشريق إن أراد، لقوله تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196].[ وأما السبعة الأيام فلها وقت اختيار واستحباب وجواز، أما وقت الاختيار: فإذا رجع إلى أهله؛ لأنه عمل بالإجماع، وأقرب إلى موافقة لفظ الاختيار، قال ابن عمر : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)، متفق عليه ]، والأفضل أن يصوم السبعة بعد أن يرجع إلى أهله.قال ا لشارح: [ وأما وقت الجواز فظاهر كلام أحمد أنه إذا رجع من مكة، ويكون معنى الآية: إذا رجعتم من الحج ]، يعني: بعد أن يؤدي النسك وينتهي منها يصوم، سواء خرج من مكة أو لم يخرج؛ لأن معنى (إذا رجعتم): انتهيتم من مناسككم، لكن الأفضل أن يبقى إلى أن يعود إلى أهله فيصوم السبعة الأيام متتالية أو متفرقة؛ لأنه لم ينص على التتابع، والله تعالى أعلم.
حكم طواف الوداع للحاج والمعتمر
قال المصنف: [ وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت ]، فبعد أن بين الصوم لمن عجز عن الواجب، تحدث عن طواف الوداع، وليس على المعتمر طواف وداع، وقد أفتى شيخنا ابن عثيمين رحمه الله أن عليه طواف وداع، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى العمرة في أكثر من مرة ولم يطف للوداع، ولكن شيخنا رحمه الله أخذ بمطلق النص، وقال: (فليكن آخر عهدك بالبيت)؛ فأراد أن يلزم المعتمر بطواف الوداع.لكن طواف الوداع يسقط عن المرأة إذا حاضت.وإذا ترك الحاج طواف الوداع ورحل إلى بلده فعليه دم؛ لأن طواف الوداع واجب، وطواف الإفاضة ركن، فإن ترك الإفاضة فقد بطل الحج، وإن ترك الوداع يلزمه فدية يذبحها في مكة، أو يرسل بدنانير إلى مكة تذبح عنه وتوزع بداخل مكة، فإن عجز عن هذه الفدية فعليه صيام عشرة أيام في بلده.قال الشارح: [ وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت؛ لما روى ابن عباس قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)، متفق عليه.و لـمسلم قال: (كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).فإن اشتغل بعده بتجارة أعاد طواف الوداع ]، فلو أن رجلاً طاف طواف الوداع، ثم توجه إلى الفندق لحمل حقائبه وهو في الطريق اشترى ماءً وغذاءً، فإنه لا يعيد الطواف لأنه تزود للسفر، فلا بأس بذلك، إنما المحظور بعد طواف الوداع أن يقيم في مكة للتجارة، أو أن يبقى بها، فلا بد أن يرحل منها؛ لأن هذا هو آخر عهده، فإذا اشتغل بالتجارة أعاد.قال الشارح: [ وذلك أن الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف الوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة؛ أعاد طواف الوداع للحديث.ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله ، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله).قال المصنف: [ فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريباً ]، يعني: من خرج من مكة ولم يطف للوداع؛ فإن كان قريباً فعليه أن يعود ليطوف طواف الوداع.قال المصنف: [ وإن أبعد بعث بدم ]، يعني: إن خرج من مكة وبعد؛ بعث بدم.قال المصنف: [ وذلك لأن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم، وليس ركناً، فإذا خرج قبل فعله لزمه الرجوع إن كان قريباً، لأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة، فلزمه كما لو كان بمكة، وإن كان بعيداً لم يلزمه الرجوع؛ لأن فيه مشقة، فلم يلزمه، إلا المرأة الحائض والنفساء فلا وداع عليهما للخبر، والنفساء في معنى الحائض، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء ]، أي: يستحب للحائض والنفساء أن يقفا عند المسجد؛ لأن المرأة الحائض لا تمنع من الذكر، وإنما تمنع من الطواف.فإذا حاضت المرأة ولم تطف للإفاضة وكان الركب يستعدون للرحيل، فإنها تتحفظ وتطوف للإفاضة ويلزمها فدية، ومسألة الفدية فيها خلاف:من العلماء من قال: تتحفظ وتطوف ولا شيء عليها؛ لأنها معذورة، وهذا الركن بالنسبة لها سقط بعجزها، أو لأن المشقة تجلب التيسير.وبعضهم قال: لابد لها من فدية بعد الطواف.وقد ذكرنا أحكام الحائض والنفساء قبل ذلك، وابن تيمية فرق بين الحائض والجنب، فالجنب بيده أن يرفع الجنابة، أما الحائض فليس في يدها شيء، فلا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، لكن رخصنا لها لأن الركب سيرحل، ومن المستحيل أن نقول للركب: قفوا حتى تطهر؛ ولذلك (قال صلى الله عليه وسلم لـصفية: أحابستنا هي؟! فأخبروه أنها طافت للإفاضة ولم تطف للوداع؛ فرحل صلى الله عليه وسلم).فقوله: أحابستنا هي؟! بمعنى أنه سيستمر معها حتى تطهر لتطوف للإفاضة؛ لذلك يستحب للنساء بعد رمي جمرة العقبة، وبعد الذبح والتحلل أن يطفن للإفاضة مسرعات؛ لأن المرأة الحائض تمنع الركب من الرحيل، فبما أنها تستطيع أن تطوف الإفاضة في يوم النحر فتطوف.وقد ذكرنا قبل ذلك أحكام الحيض والنفاس في عدة محاضرات وقلنا: إن الحيض يمنع عشرة أشياء، منها ما هو متفق عليها، ومنها ما هو مختلف فيها، ودم النفاس كدم الحيض تماماً، إلا أن النفساء أطول عدة لها أربعون يوماً، فإن زاد فهو استحاضة.
 الفرق بين ختام عمل الحاج في الأنساك الثلاثة
قال الشارح: [ فإن كان متمتعاً أو قارناً؛ فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر ]، والمعنى: أن المتمتع والقارن ينتهي نسكهما في اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة، والمفرد يجوز له أن يذهب إلى التنعيم ليحرم بالعمرة بعد أن أدى الحج.قال الشارح: [ وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته؛ لأنه قد فعل أفعال الحج والعمرة.وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم ]، وهذا مقارنة بين المتمتع وبين القارن وبين المفرد، وإذا نظرنا إلى أعمال كل منهم فسوف نجد أن على المتمتع أن يطوف: طواف العمرة، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.وعلى القارن أن يطوف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، لكن طواف القدوم بالنسبة للقارن سنة، إن لم يفعله فلا شيء عليه.أما المفرد فمثل القارن إلا أمر واحد وهو:أن القارن عليه دم، والمفرد ليس عليه دم، هذا الفرق الوحيد بين القارن وبين المفرد.قال الشارح: [ وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم ]، فالقارن عليه دم، والمتمتع عليه دم.وهنا مسألة مهمة فلو أن رجلاً دخل إلى مكة بثيابه لأن معه تأشيرة عمل، ولا يستطيع أن يحرم من الميقات، فماذا يلزمه؟الجواب: إن كان مفرداً لزمه دم واحد، هو دم ترك الإحرام من الميقات، وإن كان متمتعاً فعليه دمان: الدم الأول دم ترك الواجب، والدم الثاني دم التمتع، لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196].قال الشارح: [ بل فعلهما سواء ]، أي القارن والمفرد.قال الشارح: [ ويجزيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه ]، أي: أن المفرد يلزمه طواف واحد، ويلزمه سعي واحد، والقارن كذلك، والمتمتع يلزمه طوافان وسعيان، طواف العمرة وطواف الحج، وسعي العمرة وسعي الحج، ولو قال قائل: أين طواف العمرة؟ قلنا: كحال الطهارة الصغرى حينما تدخل في الكبرى، والمعنى: أنك حينما تغتسل وتنوي بغسلك الوضوء؛ يدخل الوضوء في الغسل، تماماً كما قال الإمام أحمد ، ودليله واضح في صحيح مسلم أن المفرد والقارن ليس عليهما إلا طواف وسعي واحد.قال الشارح: [ وعنه ]، يعني: عن أحمد في رواية أخرى.قال الشارح: [ أن على القارن طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي ، ولم يصح عنه، واحتج من قال ذلك بقوله سبحانه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره، قالوا: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان) ]، حديث الدارقطني ضعيف، وبهذا يستدل من قال: إن على القارن طوافين وسعيين، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى.والراجح: أن عليه طواف واحد وسعي واحد، وسأذكر الأدلة بعد استعراض الرأي الثاني.يقول الشارح: [ ولنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً، متفق عليه.وفي مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك).. الحديث، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعاً)، وعن جابر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً)، رواهما الترمذي ، وقال في كل واحد منهما: حديث حسن.وعنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم حين قدموا إلا طوافاً واحداً)، رواه الأثرم وابن ماجه ، كل ذلك يستدل به الإمام أحمد في روايته الأولى على أن القارن والمفرد لهما طواف واحد وسعي واحد، وينتصر إلى هذا الرأي الذي فيه الحديث المتفق عليه، والذي رواه جابر أيضاً، لكن القارن عليه دم.قال الشارح: [ لكن عليه دم، أكثر أهل العلم على القول بوجوب الدم عليه ]، يعني: على القارن.قال الشارح: [ ولا نعلم فيه اختلافاً، إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا دم عليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرن بين حجه وعمرته؛ فليهرق دماً)، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين ].فالقارن هنا يؤدي العمرة والحج معاً، فكأنه يتمتع لكنه يظل على إحرامه، يعني: اختصر على نفسه سفراً، وهو سفر العمرة، فأدخل العمرة في الحج؛ فيلزمه دم.أما المفرد فيؤدي الحج فقط؛ فلا يلزمه دم.قال المصنف: [وعلى المتمتع دم لقوله سبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196] ]، ما معنى أن على المتمتع دم؟يعني: هدي يذبحه في مكة، ويأكل منه لأنه هدي يختلف عن الفدية.قال الشارح: [ ووقت وجوبه قال القاضي: إذا وقف بعرفة، وعنه: يجب إذا أحرم بالحج؛ لأن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196] ]، والفتوى المعمول بها عند المصريين: أنهم يذبحون في يوم عرفة، يذبحون دم التمتع قبل يوم النحر، وهذا يفتي به كثير من إخواننا، وهذا الرأي مرجوح، ولعله ذكره هنا.قال الشارح: [ وعلى المتمتع دم، ووقت وجوبه قال القاضي: إذا وقف بعرفة، ورواه المروذي عن أحمد ، وعنه: يجب إذا أحرم بالحج؛ لأن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ [البقرة:196].ووجه الأول: أن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج معه، ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة) ]، إنما الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح في يوم النحر، ولم يذبح في يوم عرفة، وفعله حجة، وقد قال: (خذوا عني مناسككم).ومن لم يجد الهدي فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، يقول الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]؛ لأنه الآن عجز عن أداء الواجب، وأي واجب يعجز عن أدائه؛ فإنه يصوم له عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، والمقصود بقوله: (إذا رجع): أي: إذا انتهى من أعمال الحج، وليس المقصود: إذا رجع إلى بلده.قال الشارح: [ فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع ]، يعني: لا يصوم في يوم عرفة؛ ليتقوى على الدعاء، فلا يشرع صيام عرفة للحاج، فإن أراد أن يصوم الثلاثة أيام فيصومها قبل يوم عرفة.فإن صام يوم عرفة فإنه يسقط عنه، لكنه فعل خلاف الأولى، وارتكب مكروهاً.قال الشارح: [ لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وقد نص الله عليه سبحانه في كتابه بقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ [البقرة:196].. الآية.فأما وقت الصيام فالاختيار في الثلاثة أن يصومها في ثامن الإحرام بالحج ويوم النحر؛ لقول الله سبحانه: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة:196].وكان ابن عمر وعائشة وإمامنا يقولون: يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، فإن لم يحرم إلا يوم التروية؛ صام ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة ].بدأ يذكر كيف يصوم الثلاثة أيام؛ فإن النهي عن صيام يوم النحر وأيام التشريق بالنسبة للمقيم.. لغير الحاج، أما الحاج فله حكم خاص، فله أن يصوم أيام التشريق إن أراد، لقوله تعالى: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196].[ وأما السبعة الأيام فلها وقت اختيار واستحباب وجواز، أما وقت الاختيار: فإذا رجع إلى أهله؛ لأنه عمل بالإجماع، وأقرب إلى موافقة لفظ الاختيار، قال ابن عمر : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله)، متفق عليه ]، والأفضل أن يصوم السبعة بعد أن يرجع إلى أهله.قال ا لشارح: [ وأما وقت الجواز فظاهر كلام أحمد أنه إذا رجع من مكة، ويكون معنى الآية: إذا رجعتم من الحج ]، يعني: بعد أن يؤدي النسك وينتهي منها يصوم، سواء خرج من مكة أو لم يخرج؛ لأن معنى (إذا رجعتم): انتهيتم من مناسككم، لكن الأفضل أن يبقى إلى أن يعود إلى أهله فيصوم السبعة الأيام متتالية أو متفرقة؛ لأنه لم ينص على التتابع، والله تعالى أعلم.
الأسئلة

 حكم إخراج قيمة الأضحية للفقراء
السؤال: سمعت أحد المشايخ في التلفاز يفتي بأن مذهب أبي حنيفة يجوز إخراج قيمة الأضحية مالاً وتوزيعه على الفقراء إذا كان في ذلك الفعل مصلحة، فهل يفهم من ذلك أن الأضحية غير واجبة على القادر، أم للقادر حرية الاختيار في إخراجها أضحية أو مالاً؟الجواب: هذا كلام غير صحيح، حتى وإن كان هذا مذهب أبي حنيفة فهذا قول باطل؛ لأنه عارض الأدلة، والأحناف أحياناً يقيسون قياساً فاسداً من وجوه، ولا يلتفت إلى أقوالهم أبداً، ورحم الله من قال: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظرفلا داعي أن نقول: إن الأحناف قالوا: يجوز إخراج الأضحية نقداً، فزكاة الفطر يجوزون أن تخرج نقداً، والأضحية يجوزون أن تخرج نقداً، لا أدري ماذا سيصنعون بالفقه بعد ذلك.والنبي صلى الله عليه وسلم ضحى، ولم يأذن للصحابة إلا بالأضحية، والصحابي الذي ذبح قبل الصلاة أمره أن يعيد الذبح، فقال: ليس عندي إلا جذعة، قال: (تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد غيرك).ولم يقل له: أخرج دراهم أو دنانير.وهذا الكلام فيه خلل كبير يناقض الأدلة، وفي حد علمي أن الأحناف لم يقولوا هذا الكلام، وإنما قالوا بوجوب الأضحية، خلافاً لجمهور العلماء، فإنهم قالوا: إنها سنة مؤكدة، فأرى أن يعاد النظر في هذه المسألة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [50] للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net