اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [22] للشيخ : أسامة سليمان


العدة شرح العمدة [22] - (للشيخ : أسامة سليمان)
الجمعة واجبة على كل من تجب عليه الجماعة، ولها شروط وآداب وسنن ينبغي للإنسان معرفتها، حتى لا يخل بشيء من أحكامها وشروطها، كما أن أهل الأعذار لهم أحكام خاصة بهم كالمرأة والعبد والمسافر والمريض.
باب صلاة الجمعة
من فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكثير من العلماء: في حال وجود مساحة في المسجد الجامع تبطل الصلاة في أي مسجد آخر، فانظر إلى خطورة الأمر، طالما أن المسجد الجامع يتسع للمسلمين في الجمعة فإنه لا يجوز أن تصلي في مسجد آخر. قال رحمه الله: [ باب: صلاة الجمعة.كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إن كان مستوطناً ببناء وبينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك، إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم، إلا لمعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به، ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، وأن تتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة، ويستحب أن يخطب الخطيب على منبر، فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل، فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً، وكذلك إن نقص العدد أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإلا أتموها ظهراً، ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها ]. والمصر: القطر.قال: [ أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة أكثر منها، ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب، ويبكر إليها، فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا الإمام أو من كلمه الإمام ]. انتهى.هذا الكلام الثمين يحتاج إلى شرح لا شك في هذا؛ لأنها أحكام تتعلق بعبادة نقوم بأدائها في كل أسبوع، فهناك أحكام مهمة فيها. قال: (من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة) أي: أن الجمعة فرض على كل مسلم بالغ عاقل -نفس شروط الصلاة المكتوبة- فإذا وجبت الصلاة على الرجل وجبت عليه الجمعة، ومن لم يبلغ لا تجب عليه الصلاة، ولكن له أن يصلي، أي: أن الصبي يمكن أن يشهد الجمعة، والمرأة يمكن أن تشهد الجمعة، لكن إن صلت في البيت ليس عليها جمعة، فهي ليس لها جمعة وليس عليها جمعة؛ كذلك المسافر ليس عليه جمعة، لكن له أن يصلي، وكذلك الصبي والمرأة ليس عليهما جمعة، ولكن لهما أن يصليا، وإن صلى الصبي الجمعة لا يدخل في العدد؛ لأنه غير مكلف بها، وكذلك المرأة لا تنعقد بها جمعة؛ فالمذهب الحنبلي يرى أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، واختلف العلماء في عدد الحاضرين للجمعة اختلافاً شديداً، عده ابن حجر في الفتح أكثر من ثلاثين قولاً، منهم من قال: تنعقد بواحد مع الإمام، ومنهم من قال: تنعقد بأربعين، ومنهم من قال: تنعقد باثني عشر؛ لأن الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يخطب الجمعة في سورة الجمعة تركوه وبقي معه اثنا عشر، فقالوا: لا تنعقد إلا باثني عشر، ولكن الراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به صلاة الجماعة، وهذا هو الراجح وهو الذي عليه التحقيق.قال: [ فهي واجبة -فريضة- لقوله عليه السلام: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم) البخاري واللفظ لـمسلم .والآية واضحة في سورة الجمعة، قال تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، وطالما نحن في بلد مسلم ننادي بأعلى صوتنا: فلنصدر قانوناً بتحريم البيع والشراء عند الجمعة؛ لأنه من الأمور الواضحة تماماً، بل إن العلماء قد اختلفوا: هل ينعقد البيع أم يقع باطلاً؟ منهم من قال: العقد يبطل عند الجمعة، ومنهم من قال: العقد صحيح ومعه الإثم، لكن الذين قالوا ببطلان العقد لديهم أدلة؛ لأن الله قال: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة:9]، فتحزن حينما ترى البيع والشراء ينعقد عند صلاة الجمعة، وكأننا لسنا على الإسلام، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات هذه الأمة التي ميزها الله تبارك وتعالى.قال: [ عن جابر : (خطبنا رسول صلى الله عليه وسلم فقال: اعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في يومي هذا، في شهري هذا، في مقامي هذا، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره) ]، وهو حديث ضعيف. من المعلوم أنه عند النداء للجمعة يقف البيع على كل بائع، وإذا كان البائع غير مسلم فلا ينبغي أبداً أن يفتح متجراً والجمعة منعقدة؛ لأن هذا فيه محادة ومحاربة ومعاندة لله ولرسوله، بل لنص القرآن الظاهر البين، فالأمر واضح لا جدال فيه.
 

شروط وجوب الجمعة

 إقامة الجمعة في قرية يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها
قال في الشرح: [ ومن شرط صحتها أن يفعلها في قرية، يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها سكنى إقامة لا يظعنون -يعني: لا يسافرون- فإذا اجتمعت هذه الشروط في قرية وجبت الجمعة على أهلها وصحت بها؛ لأن كعباً قال: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخصمات. قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون ]. فالمذهب يشترط لعدد الجمعة أربعين، وهذا موضوع خلافي، والراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة، والنقطة التي أريد أن أركز عليها هي أنه إذا كان لا يجوز أن يفتح مسجداً في قطر إلا للضرورة فمعنى هذا: أن تبحث عن المسجد الجامع وتصلي فيه، وإياك أن تصلي في زاوية، فأداء الفروض الخمس في الزوايا من باب الترخيص، أما الجمعة فإنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع المسلمين في مكان واحد، لكن الذي نراه الآن أكثر من (1500) أو (3000) جمعة في بقعة واحدة، وهذا تمزيق لكلمة الأمة، وأمر لم يقل به أحد من العلماء.قال: [ وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها؛ لأن جابراً قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة ]. قال: [ وأن تتقدمها خطبتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يخطب خطبتين يقعد بينهما) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقالت عائشة : (إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة) وفي كل خطبة حمد الله تعالى -إن الحمد لله- لأن جابراً قال: (كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما أهله، ثم يقول: من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فروض الخطبة أربعة: الأول: حمد الله وقد سبق، والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان. الثالث: قراءة آية -يعني: يقرأ آية في الخطبة- فصاعداً؛ لأن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً وخطبته قصداً؛ يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه أبو داود ؛ ولأن الخطبة فرض في الجمعة فوجبت فيها القراءة كالصلاة. الرابع في الخطبة: الموعظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وهي القصد من الخطبة في حديث جابر بن سمرة : (يقرأ آيات ويذكر الناس) ].فمن فقه الإمام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، فالمستمع جاء ليأخذ معلومة ويمضي، فلا تعطه قصصاً وأساطير لساعة ونصف، فإن الكلام الكثير لا داع له، فنحن في المساجد نعلم الناس أمور الدين، ومن أتى الجمعة لم يأت إلا ليتعلم ما هو المطلوب منه وما هو الواجب عليه أن يفعله في العقيدة أو العبادة أو الشريعة، وتهييج الناس في أمور سياسية ليس من الدين، والخطبة ليست نشرة أخبار، فيا عبد الله لابد أن تراعي المقام؛ لذلك نحن السبب فيما يحدث الآن وذلك بتجاوزنا كثيراً، وقد يقول قائل: إن الشيخ هز الملعب أو الشارع من أجل أن يفرض على الناس مقالته. لا يا أخي! هدئ نفسك، إن الجمعة شرعت لتعلم الناس ما هو المطلوب في العقيدة والشريعة، لا لتشحنه ليخرج فيكسر، وإلا فأنت لم تأتِ لجمعة، وإنما جئت مزايدة بأحداث، ونحن لا نريد أن نزايد على ديننا، نحن جئنا الجمعة لنتعلم الشرع، وقد يقول قائل: أليس من الشرع الولاء والبراء؟ نقول: نعم. وعلمه العقيدة بكامل معناها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينتقد يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، ولم يذكر أحداً باسمه على المنبر، فإذا كانت البلوى عمت، والكلام فيه مخالفة شرعية ككتاب حديث الشفاعة، أو كإنكار عذاب القبر.. إلى غيره -فهذه مسألة اعتقادية يجوز أن نتنبه لها، لكن تصعد المنبر وتقول نشرة أخبار: سقط من البوسنة خمسون، ومن الهرسك أربعون فهذا غير صحيح، فالمجتمع يريدك أن تقول له: رب أبناءك على حب الإسلام، وعلى التخلص من العدو، وعلى الاستقامة، وعلى مجاهدة النفس، وعلى التحرر الفكري.أيها الإخوة! إن الاحتلال أنواع: احتلال أرض واحتلال فكر، فنحن الآن محتلون فكرياً وشبابنا ضائع؛ ولذلك أقول: ينبغي أن يكون المقال على قدر المقام، فلا مزايدة للتلاعب بالجماهير، فالقرآن والسنة واضحان وبينان، وإنني بكلامي هذا لا أقصد أحداً بعينه، بل الكلام عام، ولسنا أعداء أحد، فإن كل من يعمل في حقل الدعوة فهو فوق الرءوس محمول حتى وإن جانب الصواب، ولسنا من أرباب الشتائم ولا البذاءات.
ذكر كيفية أداء خطبتي الجمعة وصلاة الجمعة
قال في الشرح: [ ويستحب أن يخطب على منبر أو موضع عال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبره، ولأنه أبلغ في الإعلام ]. والمنبر من ثلاث درجات، صنعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقوم عليه، وبعض المساجد تعقد منبراً من خمسين، فيكون الخطيب في الدور التاسع، والمصلي في الدور الأرضي، حتى إذا قرأ آية فيها سجدة أراد أن ينزل للسجود يريد ساعة نزول وساعة صعود! وارتفاع المنبر يجعل المستمع بعيداً عن الخطيب، والخطيب لا يتفاعل مع الجمهور، فارتفاع المنبر ليس من السنة في شيء، والحديث في البخاري : (أن النبي صلى الله عليه وسلم صُنع له منبر من ثلاث درجات).قال: [ فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم ]. قال: السلام عليكم ورحمة الله.قال: [ لأن جابراً قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم) رواه ابن ماجه ]. ومن السنة: أن يستقبل الناس بوجهه، وأن يستقبله الناس بوجوههم، فلا يجوز أن تعطي ظهرك للإمام أو ظهرك للقبلة، وقد يقول قائل: نرى بعض الإخوة يضع ظهره على الجدار بحيث يكون في غير اتجاه القبلة؟ أقول: هذا مخالفة للسنة، لابد أن يستقبل المأموم الإمام بوجهه ولا يعطي ظهره للقبلة، بل يعطي وجهه للقبلة؛ لأن هذا فيه سنة وأدب في استقبال القبلة وعدم استدبارها.قال: [ ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم فيخطب بهم، ثم يجلس ] شرعت للاستراحة وليست للدعاء.قال: [ ثم يخطب الخطبة الثانية؛ لأن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب) رواه أبو داود ؛ ولأن جابر بن سمرة قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب) رواه مسلم ]. يعني: كان يخطب قائماً، والدليل من القرآن: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا [الجمعة:11]، فهذا دليل على أنه كان يخطب قائماً عليه الصلاة والسلام، إلا لمرض أو عذر فيجوز للخطيب أن يخطب جالساً. قال: [ ثم تقام الصلاة، فينزل فيصلي بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة. إجماعاً نقل الخلف عن السلف.ويستحب أن يقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية: المنافقين أو سبح والغاشية ]. يقول هنا: يستحب؛ لأن بعض الإخوة يقول: يا شيخ! أنت تصلي الجمعة بقصار السور، فلماذا لا تقرأ بسبح والغاشية؟ أقول: يا عبد الله! أنا أرى أن المسجد مكتظاً والشوارع مقفلة؛ ولذلك أقرأ بسورة الإخلاص والنصر والعصر، كي أنتهي وأسهل الأمور؛ لأنه يستحب فقط، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وترك المستحبات لأجل تأليف القلوب أمر واجب. لكن بعض الناس قلب الهرم، فتراه يفعل المستحب قبل الواجب، ويقاتل على المستحب ويوالي ويعادي على المستحب، فلتعلم أن المستحبات مندوبات، من فعلها له الأجر، ومن لم يفعلها فليس عليه شيء. قال في الشرح: [ فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة ]. إذاً: من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجمعة، وإدراك الركعة بإدراك الركوع.قال: [ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) ورواه ابن ماجه ولفظه: (فليصل إليها أخرى)، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً ].فمن أتى وأدرك الإمام ساجداً في الركعة الثانية فعليه أن يصلي ظهراً؛ لأنه لم يدرك الجمعة، وفي هذا دليل على جواز اختلاف النية بين المأموم والإمام، فالإمام يصلي جمعة والمأموم يصلي ظهراً، فهذا فيه اختلاف النوايا وهو دليل عند الشافعي .قال رحمه الله: [ قال الخرقي : إذا كان قد دخل بنية الظهر فظاهر هذا: أنه لو نوى جمعة لزمه الاستئناف؛ لأنهما صلاتان لا تتأدى إحداهما بنية الأخرى، فلم يجز بناؤها عليها كالظهر والعصر ]. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم.
 إقامة الجمعة في قرية يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها
قال في الشرح: [ ومن شرط صحتها أن يفعلها في قرية، يستوطنها أربعون رجلاً من أهل وجوبها سكنى إقامة لا يظعنون -يعني: لا يسافرون- فإذا اجتمعت هذه الشروط في قرية وجبت الجمعة على أهلها وصحت بها؛ لأن كعباً قال: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخصمات. قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون ]. فالمذهب يشترط لعدد الجمعة أربعين، وهذا موضوع خلافي، والراجح: أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة، والنقطة التي أريد أن أركز عليها هي أنه إذا كان لا يجوز أن يفتح مسجداً في قطر إلا للضرورة فمعنى هذا: أن تبحث عن المسجد الجامع وتصلي فيه، وإياك أن تصلي في زاوية، فأداء الفروض الخمس في الزوايا من باب الترخيص، أما الجمعة فإنها لم تسم جمعة إلا لأنها تجمع المسلمين في مكان واحد، لكن الذي نراه الآن أكثر من (1500) أو (3000) جمعة في بقعة واحدة، وهذا تمزيق لكلمة الأمة، وأمر لم يقل به أحد من العلماء.قال: [ وأن يحضرها من المستوطنين أربعون من أهل وجوبها؛ لأن جابراً قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة ]. قال: [ وأن تتقدمها خطبتان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يخطب خطبتين يقعد بينهما) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقالت عائشة : (إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة) وفي كل خطبة حمد الله تعالى -إن الحمد لله- لأن جابراً قال: (كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما أهله، ثم يقول: من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فروض الخطبة أربعة: الأول: حمد الله وقد سبق، والثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان. الثالث: قراءة آية -يعني: يقرأ آية في الخطبة- فصاعداً؛ لأن جابر بن سمرة قال: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً وخطبته قصداً؛ يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) رواه أبو داود ؛ ولأن الخطبة فرض في الجمعة فوجبت فيها القراءة كالصلاة. الرابع في الخطبة: الموعظة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وهي القصد من الخطبة في حديث جابر بن سمرة : (يقرأ آيات ويذكر الناس) ].فمن فقه الإمام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً، فالمستمع جاء ليأخذ معلومة ويمضي، فلا تعطه قصصاً وأساطير لساعة ونصف، فإن الكلام الكثير لا داع له، فنحن في المساجد نعلم الناس أمور الدين، ومن أتى الجمعة لم يأت إلا ليتعلم ما هو المطلوب منه وما هو الواجب عليه أن يفعله في العقيدة أو العبادة أو الشريعة، وتهييج الناس في أمور سياسية ليس من الدين، والخطبة ليست نشرة أخبار، فيا عبد الله لابد أن تراعي المقام؛ لذلك نحن السبب فيما يحدث الآن وذلك بتجاوزنا كثيراً، وقد يقول قائل: إن الشيخ هز الملعب أو الشارع من أجل أن يفرض على الناس مقالته. لا يا أخي! هدئ نفسك، إن الجمعة شرعت لتعلم الناس ما هو المطلوب في العقيدة والشريعة، لا لتشحنه ليخرج فيكسر، وإلا فأنت لم تأتِ لجمعة، وإنما جئت مزايدة بأحداث، ونحن لا نريد أن نزايد على ديننا، نحن جئنا الجمعة لنتعلم الشرع، وقد يقول قائل: أليس من الشرع الولاء والبراء؟ نقول: نعم. وعلمه العقيدة بكامل معناها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينتقد يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، ولم يذكر أحداً باسمه على المنبر، فإذا كانت البلوى عمت، والكلام فيه مخالفة شرعية ككتاب حديث الشفاعة، أو كإنكار عذاب القبر.. إلى غيره -فهذه مسألة اعتقادية يجوز أن نتنبه لها، لكن تصعد المنبر وتقول نشرة أخبار: سقط من البوسنة خمسون، ومن الهرسك أربعون فهذا غير صحيح، فالمجتمع يريدك أن تقول له: رب أبناءك على حب الإسلام، وعلى التخلص من العدو، وعلى الاستقامة، وعلى مجاهدة النفس، وعلى التحرر الفكري.أيها الإخوة! إن الاحتلال أنواع: احتلال أرض واحتلال فكر، فنحن الآن محتلون فكرياً وشبابنا ضائع؛ ولذلك أقول: ينبغي أن يكون المقال على قدر المقام، فلا مزايدة للتلاعب بالجماهير، فالقرآن والسنة واضحان وبينان، وإنني بكلامي هذا لا أقصد أحداً بعينه، بل الكلام عام، ولسنا أعداء أحد، فإن كل من يعمل في حقل الدعوة فهو فوق الرءوس محمول حتى وإن جانب الصواب، ولسنا من أرباب الشتائم ولا البذاءات.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [22] للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net