اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [12] للشيخ : أسامة سليمان


العدة شرح العمدة [12] - (للشيخ : أسامة سليمان)
الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة، فإن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، والطهارة من السكينة تكون في الثوب والبدن وموضع الصلاة، وقد يعفى عن يسير النجاسة، كما أن على المصلي أن يحرص على الطهارة والبعد عن النجاسة؛ حتى تكمل صلاته وتصح.
طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.أما بعد:فلا زلنا في كتاب العدة ومع شروط صحة الصلاة، وقد قلنا: إن شروط صحة الصلاة ستة، وقد ذكرنا منها ثلاثة:الشرط الأول: دخول الوقت.الشرط الثاني: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر.الشرط الثالث: ستر العورة.
 مواضع النهي عن الصلاة
قوله: (والأرض كلها مسجد)، أي: أن الأرض كلها مسجد تصح الصلاة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند البخاري في كتاب التيمم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس كافة)، فالشاهد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً)، أي: كل الأرض يجوز أن تصلي فيها إلا المقبرة، فلا تصل في المقبرة ولا تصل إلى القبور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، وقوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تتخذوا القبور مساجد)، فكل هذه النصوص المحكمة الواضحة البينة تدل على أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تصح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن كان المسجد قد بني أولاً ينبش القبر ويزال من المسجد، وإن كان القبر قبل المسجد فيهدم المسجد؛ لأنه لا يجتمع قبر مع مسجد في دين الإسلام أبداً، ولذلك أقول: هذه ظاهرة منتشرة عندنا وفي بعض البلاد الإسلامية، فتدفن الأموات في المساجد، وتقام لها الأضرحة، ثم يطاف بها، ويسمى المسجد باسم صاحب الضريح، وتعجب عندما تجد أن علماء السوء يدافعون عن هذا، ولا غرو في ذلك؛ لأن صناديق النذور تجلب الملايين من السفهاء والأغنياء، حتى لو خرج صاحب الضريح حياً لقتلوه مرة أخرى للمصلحة التي تعود إليهم!وهذه قصة تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور يُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقاماً ليطوف الناس به، وفعلاً عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: وهل نسيت أننا دفناه مع بعض؟ أي: أنه لا يفعل هذا الفعل إلا من لا عقل له ولا شرع عنده، ولذا فالمساجد ليست مكاناً للدفن، وليست مكاناً للقبور أبداً.وهنا شبهة عريضة يرددها بعض الناس: إن قبر النبي في مسجده، وهذا كذب وافتراء، فقبر النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة ، وكان المسجد يبعد عن الحجرة إلى أن جاء عبد الملك بن مروان في زمن الدولة الأموية فوسع المسجد وألحق به الحجرة، يعني: أن الأمر أولاً لم يكن في عهد الخلفاء الراشدين، والنبي عليه الصلاة والسلام قد نهانا أن ندفن في المسجد، فلم هذا الإصرار العجيب على هذا الفعل الذي يخالف الشرع؟! إن لم يكن فيه إلا ما يحدث من طواف وطلب للمدد فيكفي.وأذكر أن رجلاً نذر خروفاً للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض الخروف، ثم شاء الله أن يموت الخروف، فإذا به يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟ كنت سآتيك به بعد أيام! فأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله عز وجل، إنها سفاهة عقول خربة، حتى المرأة إذا أرادت الحمل قيل لها: اذهبي إلى مقام سيدي فلان، وطوفي به واذبحي له، إلى هذا الحد ما زلنا نقوم بهذه الأعمال الشركية، فإن تحدثنا ونهرنا ومنعنا قالوا: أصوليون، متحجرون، إرهابيون، رجعيون، متخلفون، وخذ المصطلحات الكثيرة من قاموس البذاءات، ونسأل الله العافية.وكذلك: لا يجوز الصلاة في الحمام والحش، أي: موضع قضاء الحاجة، وأعطان الإبل، أي: المكان الذي تبرك فيه، فهذه الأماكن الأربعة التي لا يجوز فيها الصلاة من سائر الأرض.قال الشارح: أما المقبرة والحمام؛ فلما روى أبو سعيد في سنن أبي داود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، وأما الحش فبطريق التنبيه عليه بالنهي عن هذين الموضعين، أي: إن كان الحمام لا تجوز فيه الصلاة، فمن باب أولى الخلاء، وأما أعطان الإبل؛ فلما روى جابر بن سمرة كما عند الإمام مسلم : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل لعلتين:الأولى: أن الإبل بها شيطنة، فحينما تثور لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.الثانية: أن الإبل حينما تبرك تستر النجاسة التي تنفصل عنها، وهي مظنة النجاسة.ولذا قال الشارح: ولأنها مظنة النجاسة، فإن البعير إذا برك صار سترة للبائل -يعني: يستر البول- بخلاف الغنم فإنها لا تستر، فأقمنا المظنة مقام حقيقة النجاسة. بمعنى: أن الإبل قد تستر ما تحتها من نجاسة -وليس معنى ذلك أن بول الإبل نجس- فنظن أن هناك نجاسة، وطالما أننا نظن فلا نصل في ذلك الموضع.وأنا لست في مجال الحكم على الصلاة في المساجد التي بها قبور، فأقول: الصلاة باطلة أو صحيحة مع الإثم، أو هل المصلي يقصد القبر أم يقصد المسجد، أو حكم الصلاة إن كان المسجد في الخلف أو في الإمام إلى غير ذلك، وإنما أنا أبين الحكم العام، وأما كتاب الشيخ الألباني : (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) فقد قرأته، ثم من قال: إني قلت: إن المسلم إذا قصد المسجد بنية الصلاة ولم يقصد القبر فصلاته باطلة، إنما تبطل سداً لذريعة الشرك، وتبييناً لخطورة المسألة، والعلماء قد قالوا: إن كان يقصد المسجد ولم يقصد القبر فأقل الأحوال في صلاته الكراهة، والحنابلة على البطلان، والجمهور على أنها صحيحة مع الإثم، فهذا خلاف فقهي، وأنا الآن لا أنظر في الحكم على الصلاة، وإنما أبين أنه لا يجوز أن تقام المساجد فوق القبور.وأما النهي عن الصلاة في قارعة الطريق فليس عليه دليل، لا من الكتاب ولا من السنة.
استقبال القبلة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الشرط الخامس: استقبال القبلة)، أي: أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144]، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى في المدينة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً إلى المسجد الأقصى، وكان بعد كل صلاة يقلب بصره في السماء سائلاً الله عز وجل أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام، فأنزل الله عليه: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].ثم قال: (إلا في النافلة على الراحلة.. والعاجز)، فاستثنى اثنين من شروط استقبال القبلة: النافلة على الراحلة، والعاجز، كمريض مربوط، أو لا يستطيع أن يتحرك في سرير مرضه، أو أسير مربوط في اتجاه غير اتجاه القبلة، أو في صلاة الخوف؛ لأنه ليس من الحكمة أن أعطي ظهري للعدو وأصلي إلى القبلة.
 حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن خفيت القبلة في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه)، وإن أخطأ؛ لأنه أتى بالمأمور فيخرج عن عهدة الأمر، ودليل أنه أتى بما أمر به: أنه اجتهد وليس عليه أكثر من الاجتهاد، وهو مأمور بالصلاة إلى الجهة التي يغلب على ظنه بعد الاجتهاد أنها جهة الكعبة، قال: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما الآخر)، لأنهما تعارضا فتساقطا، ثم قال: (ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه) كما نقول في الأحكام.
شرط النية
الشرط السادس: النية، وقد اعتبرها بعض العلماء ركناً، وبعضهم اعتبرها شرطاً، وهنا اعتبرها شرطاً، وقد فرقت سابقاً بين الركن والشرط، وعليه فالنية شرط لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، قبل دخوله الصلاة، فإن نوى أن يصلي الظهر فلا يجوز له أن يصلي العصر بنية الظهر، لأن الأعمال بالنيات، والنية محلها القلب، ويعبر عنها بالإرادة، وبالابتغاء وبالباعث، يقول ربنا عز وجل: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ [الليل:19-20]، والابتغاء يعني: النية، وقال تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152]، فالإرادة هنا بمعنى: النية، ولأنها عبادة أشبهت الصوم، ويجب أن ينويها بعينها إن كانت معينة ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها، وإن كان سنة معينة كالوتر لزمه تعيينها، وإن لم تكن معينة كالنافلة المطلقة أجزأه نية الصلاة، لأنها غير معينة، والنية تقدم على التكبير بلا شك؛ لأنها لا بد أن تسبق أول أعمال الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام. والله تعالى أعلم.
 حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن خفيت القبلة في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه)، وإن أخطأ؛ لأنه أتى بالمأمور فيخرج عن عهدة الأمر، ودليل أنه أتى بما أمر به: أنه اجتهد وليس عليه أكثر من الاجتهاد، وهو مأمور بالصلاة إلى الجهة التي يغلب على ظنه بعد الاجتهاد أنها جهة الكعبة، قال: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما الآخر)، لأنهما تعارضا فتساقطا، ثم قال: (ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه) كما نقول في الأحكام.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العدة شرح العمدة [12] للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net