اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة الأندلس دولة المرابطين للشيخ : راغب السرجاني


سلسلة الأندلس دولة المرابطين - (للشيخ : راغب السرجاني)
عاش أمراء الطوائف برهة من الزمن في ذل وانكسار وفرقة وخضوع للنصارى المحيطين بهم، فأحس بعضهم بالخزي لما تمادى النصارى في غيهم وظلمهم، فأدى ذلك إلى تداركهم هذا الخطر المحدق بهم، فاستعانوا بدولة المرابطين الذين كان لهم الفضل بعد الله في هزيمة النصارى في موقعة الزلاقة الشهيرة، ومن ثم انضمام الأندلس إلى حكم دولة المرابطين.
رسالة المعتمد بن عباد إلى ألفونسو السادس لما حاصر إشبيلية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.وبعد:فنفتح اليوم صفحة جديدة من صفحات التاريخ الإسلامي في الأندلس، وذكرنا في الدرس السابق كيف وصل الحال في بلاد الأندلس إلى انهيار مروع وضياع للهيبة وللعزة، وذل وهوان وانكسار وفرقة وتشتت بين المسلمين، وصراع بين الإخوة، وموالاة للنصارى، وكاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس، لكن الإسلام لا ينتهي أبداً.فقد حدثَ حدث غيّر من شأن بلاد الأندلس، وهو حصار إشبيلية، لما حاصرها ألفونسو السادس أياماً وشهوراً، ثم إذا به يرسل رسالة إلى المعتمد على الله بن عباد يحذره ويهينه فيها، ويقول له: لقد آذاني الذباب في بلادك، فإن شئت أن ترسل لي بمروحة أروح بها عن نفسي فافعل، أي: أن جيش ابن عباد وشعبه وحصونه أهون من الذباب عند ألفونسو السادس .فرد عليها المعتمد على الله بن عباد رداً قوياً، لما قرأها ألفونسو السادس انسحب بجيشه، قال له فيها: والله لئن لم ترجع لأروحن لك بمروحة من المرابطين. ودولة المرابطين قامت في المغرب العربي ووسط أفريقيا، وكانت دولة إسلامية قوية جداً.و ألفونسو السادس كان يعلم بأس المرابطين؛ لأنه مطلع على أحوال العالم المحيط، ويعلم دولة المرابطين، لذلك انسحب مع جيشه.
 

موقف أمراء الطوائف من سقوط طليطلة وحصار إشبيلية
كانت كل بلاد الأندلس فيها أمراء للمؤمنين كما ذكرنا، فهذه كارثة حلت بالمسلمين، فقد سقطت طليطلة في سنة (478) من الهجرة، ومنذ سقوطها لم تعد للمسلمين حتى الآن، وحوصرت إشبيلية مع أنها في الجنوب الغربي بعيدة عن بلاد قشتالة، والمعتمد على الله كاد أن يهلك لولا أن فتح الله عليه بفكرة التلويح بالاستعانة بالمرابطين، فكان أمراء الأندلس يعلمون أنه آجلاً أو عاجلاً ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طليطلة أحصن مدينة في بلاد الأندلس قد سقطت، فإنه عما قريب ستسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وإشبيلية وكل حواضر الإسلام، فعملوا مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وهو أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي، وقبل هذا المؤتمر لم يكن هناك مؤتمرات في السنوات السابقة؛ لأنه كان هنالك فرقة، بخلاف ما كانت عليه الأندلس أيام إمارة عبد الرحمن الناصر .فاجتمع ما يقارب من اثنين وعشرين أمير في مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وأخذوا ينددون بشدة بالاحتلال القشتالي لطليطلة، مع أن قشتالة دولة صديقة لهم، ولم يفكروا أن يرفعوا شكواهم إلى الله عز وجل، بل لربما أنهم يشتكون للبابا أو لملك فرنسا، أو لملك ليون .. أو لغيرهم من ملوك النصارى.واجتمع الأمراء ومعهم العلماء، والعلماء يفهمون الموقف، ويفهمون أصل الهزيمة، فأشاروا عليهم بالجهاد؛ لأن في تاريخنا ما يثبت أن المسلمين إذا ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله انتصروا، حتى لو كانت قواتهم ضعيفة، لكن الأمراء رفضوا كلام العلماء، وقالوا: إن أهم شيء هو إيقاف نزيف الدماء، ونحن سنحاول أن نحل الموقف بشيء من السلام مع قشتالة، ونتفاوض مع ألفونسو السادس ، على أن تترك له طليطلة أو يأخذ جزءاً منها ويترك لنا الباقي، ونعيش معاً بسلام، بهذا أشار الأمراء.أما العلماء فرأوا أن الوضع مزر، ومن المحال أن يتغير الوضع بهذه الطريقة، فالأمراء يدفعون الجزية لمدة (70) أو (80) سنة، وقد ألفوا الهوان والذل، فليس من الممكن أبداً أن يجاهد هؤلاء الأمراء، فأشار عليهم العلماء برأي جديد، فقالوا: لا داعي أن نجاهد ما دام أنكم تخافون من الجهاد، لكن أرسلوا إلى دولة المرابطين لتأتي وتواجه النصارى في موقعة فاصلة، وتبعدهم عن أرضنا، فإنهم رجال أقوياء، فإنهم سيحاربون النصارى ونحن نتفرج على الأحداث!فهذا اقتراح معقول، لكن لم يقبله الأمراء؛ لأن دولة المرابطين قوية جداً، ويخشون منها أنها لو هزمت النصارى أنها ستحتل الأندلس، وما المانع لو أن دولة المرابطين احتلتها فإنها دولة إسلامية وفيها شرع إسلامي، ولم الشمل أفضل من بقاء الأندلس مفرقة ومشتتة أكثر من عشرين جزءاً، لكن رفض الأمراء ذلك الأمر وتجادلوا كثيراً، إلى أن منّ الله سبحانه وتعالى على رجل منهم وفتح عليه، وهو المعتمد على الله بن عباد ، فقام وخطب في الحضور، ومما قاله في آخرها: ولا أحب أن ألعن على منابر المسلمين، لأنني لم أستعن بالمرابطين، ولأن أرعى الإبل في صحراء المغرب خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا.فلما قال ذلك تحركت النخوة في قلوب البعض، فأول من وافق على هذا الأمر هو المتوكل بن الأفطس الذي أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس ولم يدفع له الجزية في حياته، ثم قام عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ووافق أيضاً على هذا، فهذه ثلاث ممالك إسلامية ضخمة: غرناطة وإشبيلية وبطليوس، وافقت على استجلاب دولة المرابطين لمحاربة النصارى ورفض الباقون، فجهزوا وفداً عظيماً مهيباً من العلماء والوزراء يذهب إلى بلاد المغرب ليستعين بملك المرابطين لينقذهم من بأس النصارى في بلاد الأندلس.
 

نشأة دولة المرابطين
في جنوب موريتانيا صحراء قاحلة يعيش فيها طوائف وقبائل من البربر تسمى: قبائل صنهاجة، وأكبر فرعين فيها: جدالة ولمتونة.فالقبيلة التي كانت تسكن في منطقة جنوب موريتانيا هي جدالة، وكان على رأس هذه القبيلة رجل اسمه يحيى بن إبراهيم الجدالي ، كانت فطرته حسنة، نظر في أحوال قبيلته فوجد الناس من حوله قد أدمنوا شرب الخمور، ووجد الزنا قد فشا في الناس، إلى درجة أن الرجل كان يزاني حليلة جاره ولا يعترض عليه جاره، كما وصف ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29]، فقد كانوا يأتون المنكر في ناديهم، والرجل منهم لا يعترض على ذلك؛ لأنه يفعل نفس الأمر؛ وكثر الزواج من أكثر من أربع نسوة ولا ينكر عليهم منكر، وأصبح السلب والنهب هو الأصل، والقبيلة القوية تأكل الضعيفة، والقبائل مشتتة ومفرقة، والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف، بل هو أشد، ولا يخفى علينا جميعاً أن الوضع في سنة (440) سواء في بلاد موريتانيا أو الأندلس هو أشد وطأة مما نحن عليه الآن.فكان هذا الرجل صاحب الفطرة الطيبة يعلم أن كل هذا من المنكر، لكن ليست في يده طاقة للتغيير؛ لأن الشعب كله يعيش في ضلال وبعد عن الدين، وليس عنده من العلم ما يغير به أحوال الناس، ولا يعرف ما هي الأصول الصحيحة، إنما يعلم أن كل ما يحدث من حوله هو خطأ، لكن كيف يغير؟فهداه ربه إلى أن يحج وعند رجوعه من الحج يمر على أكبر مدن الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان، التي هي موجودة الآن في تونس، وعلماء القيروان مشهورون بالعلم، فذهب بالفعل إلى الحج، ثم عاد إلى القيروان، وهناك قابل أبا عمران الفاسي شيخ المالكية في مدينة القيروان، والمذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي، وهو المذهب السائد في بلاد الأندلس؛ فحكى له المنكرات التي تحدث في قومه، والجهل المطبق عليهم، فأرسل معه رجلاً يعلم الناس دينهم، وهو الشيخ عبد الله بن ياسين ، فذهب معه حتى وصلا إلى جنوب موريتانيا، فوجدها أرضاً شديدة الجدب، وفقيرة وشديدة الحر، ونظر في الناس فرأى هذه المنكرات تفعل أمام كل الناس، ولا ينكر عليهم منكر، فبدأ في أناة شديدة يعلم الناس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فثارت عليه جميع الفصائل، وثار عليه أصحاب المصالح، وثار عليه الشعب؛ لأن الناس تريد أن تعيش في شهواتها، وأصحاب المصالح مستفيدون من هذا الذي يحدث في قبائل جدالة في هذه المنطقة، فبدأ الناس يجادلونه ويصدونه عما يأمر به، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجدالي زعيم القبيلة أن يحميه؛ لأن الشعب ليس متربياً، لذا فهو رافض، ولو أصر يحيى بن إبراهيم الجدالي على هذا الأمر لخلعه الشعب، ولخلعته القبيلة، وبدأ يحاول مرة ثانية وثالثة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب إن استمر في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل، لكنه كان يدعو ولا يبالي بفعلهم حتى قاموا فعلاً بطرده من البلاد، فخرج الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله من البلد ودموعه تنحدر على خده، وهو يقول والحسرة في قلبه: يا ليت قومي يعلمون، يريد أن يغير ولكنه لا يستطيع، فيحدث نفسه: أأرجع مرة أخرى إلى القيروان، إلى طلاب العلم؟ ولمن أترك هؤلاء الناس؟ فحز في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم، ففكر أن يدخل إليهم مرة أخرى، لكنه سيموت، وما الفائدة في موته، إذا كان الموت لن يفيد، فتعمق أكثر في الصحراء، في جنوب موريتانيا، حتى وصل إلى شمال السنغال، وهي بلاد إسلامية كبيرة جداً، (90%) أو أكثر من سكان السنغال من المسلمين.فنزل في شمال السنغال على مصب نهر من الأنهار، في غابة من غابات إفريقيا هناك فوضع خيمته على مصب النهر، وبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا أن من أراد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان، وكان في جدالة مجموعة من الشباب تتحرق قلوبها للدين، لكن أصحاب المصالح وأصحاب القوى في هذه البلاد يمنعونهم من الارتباط بالدين، فلما علموا أن الشيخ في شمال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فاتجهوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في خيمته، وكانوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة فأخذ يعلمهم أن الإسلام دين شامل ومتكامل ينظم كل أمور الحياة، فبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، وكيفية العبادة والجهاد في سبيل الله، وركوب الخيل، وحمل السيف، وكيف يعتمدون على أنفسهم، فيذهبون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يسألون أكلهم أو طعامهم من الفرق المحيطة بشمال السنغال؛ فذاق هؤلاء الشباب حلاوة الدين، وشعروا أنه من واجبهم أن يأتوا بأحبابهم وأصحابهم وأقاربهم إلى هذا الذي ذاقوا حلاوته، فذهبوا إلى جدالة، فعاد كل واحد منهم برجل، فبدلاً من خمسة أصبحوا عشرة، فأخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يعلمهم، فتكاثروا حتى ضاقت عليهم الخيمة، فأقاموا خيمة ثانية وثالثة ورابعة، وبدأ العدد يزداد، وبدأ الناس يتعلمون الإسلام كما أنزل من كل جوانبه، وأنه إذا تعارض شيء مع القرآن والسنة فلا ينظر إليه، إنما يقدم أولاً القرآن والسنة، فتعلموا الأصول التي يجب على طالب العلم أن يتعلمها ويفهمها ويطبقها.ولما كثر عدد الطلاب أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يقسمهم إلى مجموعات، ومع كل مجموعة يختار نابغاً من النابغين في العلم يعلم أفراد مجموعته، وهذا نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، فقد كان يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته في مكة يعلمهم الدين حتى قامت لهم دولة، وأفراد، بيعة العقبة الثانية كانوا (72) رجلاً من أهل المدينة المنورة، فقسمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اثني عشر قسماً، وجعل لكل خمسة نقيباً، وبعثهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة، ثم قامت للمسلمين دولة، وهكذا كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين ؛ وبدأ العدد يتزايد من سنة (440هـ) إلى سنة (444هـ) حتى وصل إلى ألف رجل، وهذا نصر من الله وفتح مبين، فالرجل نزل بمفرده وطرد وأوذي في الله وضرب وهدد بالقتل، فإذا به يرحل إلى أعماق الصحراء بشمال السنغال وحيداً طريداً شريداً، ثم في مدة أربع سنوات يصبح عدد أتباعه ألف رجل، فقال الشيخ عبد الله بن ياسين لمن معه: لن يغلب ألف من قلة، فأخذ هؤلاء الرجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفون الناس الدين، ويعلمونهم الأحكام، فبدأت جماعتهم تزداد، وبدأ الرقم يرتفع من (1000) إلى (1200) إلى (1300) في تقدم ملموس.
 استشهاد أبي بكر بن عمر اللمتوني وتولية ابن تاشفين أميراً للدولة
استشهد أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله في فتوحاته هناك في سنة (481) من الهجرة، وما رأى عزاً أو ملكاً، فقد كان يغزو في كل عام مرتين، ويفتح البلاد ويعلم الناس الإسلام، ومن حسن الخواتيم أنه استشهد في سبيل الله بعد حياة طويلة متجردة لله سبحانه وتعالى، وتصبح دولة المرابطين في سنة (478) قبل استشهاد الشيخ أبي بكر بن عمر اللمتوني دولة واحدة من تونس الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا، أي: أكثر من عشرين دولة أفريقية الآن في دولة واحدة تمثل أكثر من ثلث أفريقيا، لذلك لما قرأ ألفونسو السادس رسالة المعتمد بن عباد التي قال فيها: لأروحن لك بمروحة من المرابطين، علم أنه سيأتي إليه ثلث أفريقيا، أقوام عاشوا على الجهاد سنوات طويلة، فدولة المرابطين بدأت في سنة (440هـ) برجل واحد فقط وهو الشيخ عبد الله بن ياسين ، فدعا الناس إلى الإسلام، ورباهم تربية متأنية صبورة، حتى وصل الناس إلى هذا العدد الهائل، ويصبح يوسف بن تاشفين رحمه الله زعيماً على هذه الدولة العظيمة، ويسمي نفسه أمير المسلمين وناصر الدين، فلما سئل عن عدم تسمية نفسه أمير المؤمنين،فقال: هذا شرف لا أدعيه، هذا شرف يخص العباسيين، وأنا رجلهم في هذا المكان، مع أن العباسيين لا يملكون إلا بغداد فقط، فهو يريد أن يوحد كل المسلمين تحت راية واحدة، ولا يريد شق عصا الخلافة، أو أن ينتقض على خليفة المسلمين، وكان يتمنى أن لو استطاع ضم قوته إلى قوة الخليفة العباسي هناك، ويصبح رجلاً من رجاله في تلك البلاد.
استقبال ابن تاشفين لوفد ملوك الطوائف ثم ارتحاله بجيشه لحرب النصارى
استقبل يوسف بن تاشفين سنة (478هـ) الوفد الذي جاء من ملوك الطوائف، يطلبون العون والمساعدة، فتشوق إلى ما يطلبون، فإنه يريد جهاد النصارى، فانطلق معهم رحمه الله، وقد كان تحت إمرته مائة ألف في الشمال الإفريقي، وخمسمائة ألف في أفريقيا، وأخذ معه سبعة آلاف من المجاهدين، لأنه رجل محنك ولا يريد أن يترك كل هذه المساحات الكبيرة بلا حراسة ولا حماية، لا بد أن يكون هناك جيش في تونس والجزائر والمغرب وفي كل بلد من هذه البلاد الإفريقية التي فتحت، ولا يلقي بكل الطاقة هناك، فهو لا يتحرك بعشوائية، فجهز السفن وعبر مضيق جبل طارق.وفي وسط المضيق ترتفع الأمواج ويهيج البحر وتكاد السفن أن تغرق، فيقف ذليلاً خاشعاً يدعو ربه والناس تدعو معه، فكان يقول: اللهم إن كنت تعلم في عبورنا هذا البحر خيراً لنا وللمسلمين فسهل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره، وهذا من الاتصال مع رب العالمين، فتسكن الريح ويعبر الجيش، والوفود منتظرة لاستقبال الفاتحين، وأول شيء عمله عندما وصل البلد سجد لله شكراً أن مكنه من العبور والجهاد، وأن اختاره ليكون جندياً من جنوده سبحانه وتعالى؛ فيدخل يوسف بن تاشفين إلى قرطبة، وإلى إشبيلية ويستقبله الناس استقبال الفاتحين، ثم يتجه إلى مملكة قشتالة النصرانية المرعبة لكل هؤلاء الأمراء من المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت، وهو في رباطة جأش عجيبة، وأهل الأندلس الذين كانوا يدفعون الجزية للنصارى لمدة (70) أو (80) سنة في ذل وهوان وخضوع للنصارى، لكنهم عندما رأوا (7000) رجل يتحركون في سبيل الله يحملون أرواحهم على أكفهم، تغيرت فيهم أشياء كثيرة جداً من رؤية القدوة؛ فخرج معهم رجال من قرطبة وإشبيلية وبطليوس، وهكذا حتى وصلوا إلى الزلاقة في شمال البلاد الإسلامية على حدود قشتالة وعددهم ثلاثون ألف رجل؛ لأنهم عندما وجدوا مجاهدين في سبيل الله تاقت نفوسهم إلى الجهاد، والناس فيهم فطرة طيبة، وإياكم أن تفقدوا الأمل من الناس فإن فطرهم طيبة، وعندما قامت الانتفاضة في فلسطين تحرك الناس، حتى الذين لا يصلون ولا يصومون تحركت عواطفهم لفلسطين.وموقعة الزلاقة من أشهر المواقع الإسلامية في التاريخ، لم يكن يعرف بالزلاقة في ذلك الوقت، ولكن اشتهر بذلك الاسم بعد الموقعة، وسنذكر إن شاء الله لماذا سميت بالزلاقة؟
 دخول ابن تاشفين الأندلس للمرة الثانية واستيلائه عليها
يعود يوسف بن تاشفين رحمه الله إلى أرض المغرب من جديد، فتحدث الصراعات بين أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس على الغنائم، والبلاد المحررة، وهنا يضج العلماء، ويذهبون إلى يوسف بن تاشفين مرة أخرى ويقولون: يا يوسف ! خلصنا من أمرائنا، فيتورع يوسف بن تاشفين من مهاجمة بلاد الأندلس، ومحاربة المسلمين، فتأتيه الفتاوى من كل بلاد المسلمين حتى جاءته من الشام من أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء، ومن أبي بكر الطرطوشي العالم المصري الكبير، وجاءته الفتاوى من كل علماء المالكية في شمال إفريقية، أن يدخل بلاد الأندلس ويضمها إلى دولة المرابطين، وينجد المسلمين مما هم فيه؛ لأن هذه البلاد ستضيع لا محالة إن تركها يوسف بن تاشفين ! فدخلها مرة ثانية سنة (483هـ) أي: بعد موقعة الزلاقة التي تمت في (479هـ) بأربع سنوات، فحاربه أمراء المؤمنين، وممن حاربه المعتمد على الله بن عباد، الذي لم يجد العزة إلا تحت راية يوسف بن تاشفين، لكن أنى له أن يحارب يوسف بن تاشفين ، فقد استطاع أن يضم كل بلاد الأندلس ومن ضمنها سرقسطة بعد أن قسمها الملك الذي كان عليها بين ابنيه، وضمها إلى بلاد المسلمين، وأصبح يوسف بن تاشفين أميراً على دولة واحدة تمتد من شمال الأندلس بالقرب من فرنسا إلى وسط أفريقيا، وظل رحمه الله يحكم المسلمين حتى سنة (500هـ) وكان قد بلغ من العمر (100) عام، ومات رحمه الله في سنة (500هـ) ولم يفتن بالدنيا لحظة، فقد ملك أموال الدنيا جميعاً، فالأندلس بلاد غنية جداً، لكنه ما فتن بالدنيا لحظة، فقد ظل الشيخ الكبير والأمير العظيم حتى آخر لحظات حياته، لا يلبس إلا الخشن من الصوف، ولا يأكل إلا الخبز من الشعير، ولا يشرب إلا لبن الإبل، فرحم الله يوسف بن تاشفين ، ورحم الله أبا بكر بن عمر اللمتوني ورحم الله الشيخ عبد الله بن ياسين ، ورحم الله الشيخ يحيى بن إبراهيم الجدالي الذي أتى بالشيخ عبد الله بن ياسين في سنة (440هـ)، فخلال (60) سنة تصبح دولة المرابطين من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة الأندلس دولة المرابطين للشيخ : راغب السرجاني

http://audio.islamweb.net