اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سوء الفهم آفة للشيخ : محمد الدويش


سوء الفهم آفة - (للشيخ : محمد الدويش)
تحدث في مجتمعاتنا كثير من المشاكل والأزمات بسبب سوء الفهم المرتكز على خلفيات سابقة أو الناتج عن سوء نية أو سوء ظن أو غير ذلك، وهذا بدوره يزيد التفكك في المجتمع ويزرع الأحقاد، ولكن يمكن تداركه بعلاج المشكلة من أساسها وقطع الشر من جذوره.
مقدمات بين يدي الموضوع
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.أما بعد: فسيكون عنوان حديثنا هو: (سوء الفهم آفة).مقدمة سريعة بين يدي الموضوع.ثم سوء الفهم متى يكون آفة ومتى لا يكون آفة؟ وأخيراً: أسباب سوء الفهم.وبعد ذلك مقترحات للعلاج.نسمع كثيراً أن فلاناً قال كذا، وفلاناً فيه كذا، وذلك في الحكم على الأشخاص، والحكم على الكتب، والحكم على الجماعات، والحكم على المجتمعات، والحكم على الأعمال والجهود. نسمع أحكاماً متناقضة ومتباينة، بل نسمع من يقول: إن فلاناً يقول كذا وكذا، ويعتقد كذا وكذا، فيقول الرجل بأعلى صوته: إني لا أقول كذا، إني لا أعتقد كذا، إني براء من كذا، فيقال له: كذبت، بل أنت تقول كذا، أو بعبارة أخرى: نحن أعلم منك بكلامك، وربما نحن أعلم منك بما في قلبك، ونحن أعلم منك بنيتك! إن هذا لسان حال كثير من الناس الذين يحاكمون الآخرين إلى أفهامهم، وإلى نظراتهم وقناعتهم. ثمة ظاهرة عادية تحصل بيننا كثيراً في الاتفاق على موعد أو مناسبة، أو في نقاش قضية من القضايا، فنفترق وكل منا في ذهنه أن الاتفاق قد تم على كذا وكذا، ونختلف في الموعد، ثم يحصل النقاش والجدل، يقول أحدهما: اتفقنا على كذا، والآخر يقول: لا. إنها مظهر من مظاهر سوء الفهم، فأحدنا قد أساء الفهم إما أنا وإما أنت، المهم أنه مظهر تقف فيه أنت أمام الشخص، فتقول له: كان الموعد في الوقت الفلاني، فيقول: لا، الموعد قبله أو بعده، ولا يوجد احتمال للكذب ولا الروغان، فهو زميلك وصديقك، وقد تكون هناك مصلحة مشتركة، فليس هناك إلا احتمال واحد هو سوء الفهم. وحينئذٍ نحكم العقل أحياناً، ونحكم المنطق؛ لأننا نحتاج إليه، وتنتهي هذه المشكلة.لكن سوء الفهم قد يمتد إلى ذلك، وأحياناً تنتج عنه مواقف ونتائج سلوكية أخرى، ومن ثم كان لابد من الحديث عن سوء الفهم.
 

متى يكون سوء الفهم آفة؟

 آفة سوء الفهم الإلزام به
سوء الفهم أمر لابد أن يقع المرء فيه لأنه بشر، ولأن المتحدث قد لا يزن حديثه، أو قد يكون حديثه أحياناً ملتبساً، أو مدعاة لسوء الفهم. فأن نطالب الجميع بالتخلي عن سوء الفهم، أو نحاكم الجميع على سوء الفهم، ونرى أن الجميع يجب أن تصح أفهامهم بنسبة 100%، أتصور أنه مطلب غير معقول.فلابد أن يقع المرء في الخطأ في الفهم، لكن متى يكون سوء الفهم آفة؟ ونحن لن نتحدث عن هذه القضية جملة، فلن نتحدث عن سوء الفهم وما يتعلق به، ولكن عن جانب من الجوانب، وعن مرض يحصل كثيراً في الساحة، وسببه سوء الفهم، ومن ثم سيتركز حديثنا حول هذه الظاهرة.يكون آفة حينما يكون قاعدة يحكم بها على الآخرين، أي: أن أحكم على الآخرين من خلال فهمي لكلماتهم، أو أقوالهم، أو أعمالهم، أو مواقفهم، وتسمع هذه الكلمات التي تعبر عن أعمال القلوب: هو يقصد كذا، يريد كذا، يظهر خلاف ما يريد، يتظاهر بكذا، وكلها أمور تدور حول قضية قلبية، يعني: أننا قد تجاوزنا الظاهر إلى ما يخفيه ويعتقده صاحبنا، فقد أصبحنا نملك وسيلة نستطيع بها أن نحكم على نوايا الآخرين، وأن نطلع على نوايا الآخرين.إذاً: فحينما يكون قاعدة تجعلني أحاكم الآخرين دائماً إلى ما أفهمه من مواقفهم وأعمالهم وجهودهم، وما يقومون به، فهذه آفة، وحينئذٍ نقول لمن يكون كذلك: لا يسوغ لك أن تحاكم الآخرين إلى فهمك، قد تقول: ها أنت عرضت لي قائمة وأمثلة طويلة من أمور اجتهد فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأخطئوا الفهم مع نص شرعي، فكيف لا أخطئ في الفهم أنا. أقول: نعم، من حقك أن تخطئ الفهم، وبعض الناس عقله لا يؤدي به إلا إلى الفهم السقيم، لكن هذا شيء وأن تجعل فهمك قاعدة تحاكم الآخرين إليها شيء آخر.حين أنقل عن الآخرين بناء على فهمي أيضاً هذا خطأ، وحينما أنقل يجب أن أكون دقيقاً في النقل، فأقول: قال: كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، وفهمت أنا أنه يقصد كذا، أو أنه يريد كذا، فمن حقك أن تقول هذا الكلام، لكن لا تنقل عن الآخرين شيئاً فتقول: إن فلان يقول كذا، أو إن فلان يعتقد كذا، أو يريد كذا، وتقتصر على هذا الكلام، ومعيار النقل وأساس النقل هو فهمك أنت. وبعض الناس عنده منطق عجيب، مرة كان يناقشني شاب في مقال كتبته، فقال لي: إن الناس الذين تقصدهم في هذا الكلام عندهم كذا وكذا، فقلت له: يا أخي! أنا لا أقصد أحداً بعينه، وهذا وهم في ذهنك، فيقول: بل أنت تقصد! يعني: أنت الآن تخبرني بما أقصد وبما لا أقصد وبما أريد، إذا كنت أنا متهماً عندك بالكذب فليس هناك داع أن تناقشني، لأنني أصبحت كذاباً! فأنت من حقك أن تفهم أني أقصد شخصاً، لكن يجب أن يبقى فهماً لك ولا تلزمني به، لأنه حينما يكون سوء الفهم وسيلة للإلزام يصبح آفة، وسنأتي إلى الحديث عن الإلزام.
أسباب ظاهرة سوء الفهم
ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أسباب هذه الظاهرة، وقد نتحدث عنها بالتفصيل:
 التصحيف وركاكة الفهم
السبب التاسع والأخير: التصحيف، وركاكة الفهم:فالتصحيف مثلاً أن يقرأ كلمة قراءة خاطئة، أو يسمعها سماعاً خاطئاً، وهو مشهور عند أهل الحديث، فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم احتجر موضعاً في المسجد، فرواه أحد الرواة: (احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد) فجعل بدل الراء ميماً. ومن التصحيف في اللفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، رواه أحد الرواة فصحفت عليه فرواه: وأتبعه شيئاً من شوال. وهذا مبحث مشهور عند المحدثين. ومن التصحيف التصحيف في المعنى، فمثلاً: أبو موسى العنزي قال: صلى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من قبيلة عنز، وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلة عنزة، بينما العنزة معروفة وهي العصا، فهذا الآن ما تصحف عنده اللفظ، لكن تصحف عنده الفهم والمعنى، وهذا مشهور في كتب مصطلح الحديث. بل هناك كتب خاصة في التصحيف وأغلاط المحدثين، تجد فيها نماذج وأمثلة حول هذا، ومنها أمثلة طريفة، وأنا أذكر مثلاً أننا كنا مرة في مناسبة فقرأ واحد في مجلس ورقة فيها خبر، وفي النهاية قال: حرر في بيت فلان وفلان، فأدخل الورقة، وجلسنا نتناقش، فقال واحد: إن بيت فلان حرق، فتناقشنا كيف حرق؟! ونحن جازمين بالنتيجة، قال: قرأها الأخ في الورقة، سمع (حرر)، فرأى أنها (حرق). وأحياناً ركاكة الفهم، بعض الناس كما يقال: تقول له زيد فيكتب خالداً ويقرؤه عمراً ويفهمه بكراً وفهمه ثقيل، وهذا ليس له حل، لكن نقول له: إذا كان فهمك ثقيلاً، فلا تحاكم الآخرين إلى فهمك. فبعض الناس بليد لا يفهم؛ ولهذا يلزم الآخرين بفهمه، وهو حسن النية، وليس عنده أصلاً سوء ظن، ولا تصحيف ولا تحريف، لكن فهمه لا يمكن أن يصل به إلا إلى هذا الحد. ولهذا أيضاً ينهون عن أن يحدث الناس بما لا يعرفون: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)؟! ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة). فهناك طبقات من الفهم والاستيعاب، فيجب أن نراعي هذه القضية، فأنا عندما أتحدث مع عامة، أو طلاب صغار، قد يكون الكلام حقاً، لكن قد لا يسوغ أن أقوله أمام العامة؛ لأن عقولهم لا تبلغه، فهناك من عقله لا يبلغ فهم هذا الأمر، فيفهم فهماً سيئاً.
مقترحات للعلاج
بعد ذكر هذه الأسباب ننتقل إلى بعض المقترحات للعلاج، ونحن عندما ندرك الأسباب سندرك العلاج مباشرة، لكنني سأشير إشارة عاجلة إلى بعض الأسباب المهمة التي يمكن أن تعيننا على التخلص من نتائج سوء الفهم:
 الجمع بين المتفرق
رابعاً: الجمع بين المتفرق: من العجب أن تجد شخصاً يلزم بمسألة وهو قد صرح بنفيها في موضع آخر، أضرب لكم مثالاً عن سيد قطب رحمه الله فقد كان أديباً، والأديب يستطرد، فقال في سورة (قل هو الله أحد): إن المسلم يشعر بأن هذا الوجود صادر عن واحد، فلا يرى إلا الله سبحانه وتعالى. فهذه عبارة توهم منها أنه يرى وحدة الوجود، فجاء البعض وقال: إنه يرى وحدة الوجود، بينما هو قد صرح في موطن آخر أنه لا يرى وحدة الوجود، وصرح بانتقاد أصحاب وحدة الوجود بالاسم، وانتقد ما هم عليه، فهذا الكلام يعطيك قناعة أن الرجل ما يعتقد هذا، وإلا لما صرح به. الرجل كان له مواقف مع جمال عبد الناصر ومع حمزة البسيوني ، ومع غيرهما من الطغاة؛ فهل كان يعتقد أن جمال عبد الناصر هو الله مثلاً؟ لأن أصحاب وحدة الوجود يرون أن كل شيء هو الله، لو كان يعتقد أنه الله لما حدثت بينهما مشكلة. عندما نكون منصفين فسنصل بداهة إلى هذه النتيجة. صورة أخرى أيضاً من الشخص نفسه، عندما تحدث عن الكون وخلق الله عز وجل، يقول: إن المسلم يرى أن هذا الكون من خلق الله عز وجل، فهو يحب كل ما في هذا الكون؛ لأنه يرى أن هذا الكون صادر عن الله عز وجل، هذه عبارة شخص أديب، فجاء رجل فاضل، فقال: هذا يترتب عليه أنه يحب الشياطين، ويحب الكفار! مع أن له مواقف واضحة من اليهود والنصارى والكفار .. إلى غير ذلك. شخص يقول كلاماً فيفهم منه أنه يرى رأياً ما، بينما تراه قد ألف كتاباً كاملاً في تفنيد هذا الرأي ومناقشته، فهل يمكن أن نتهمه بعد ذلك بأنه يقول هذا الرأي؟! هذا منطق غير مقبول، ولهذا يجب أن ندرك شخصية الإنسان عندما نريد أن نحكم عليه، فننظر ما عنده، وما هي منطلقاته، فأنا مثلاً أقول هذا الكلام عن سيد قطب رحمه الله، فيأتيني شخص ويقول: إنه ما وقع في خطأ؟ فأقول له: بل وقع في خطأ، فهو يخطئ مثلما يخطئ غيره، لكن لا يدعونا هذا إلى أن يكون الخطأ عندنا هو القاعدة، وأن نحاكم الرجل على كل موقف قاله، فنبدأ نقيم ونراجع، وأنه يقصد كذا ويقصد كذا، وكذا غيره من علماء الإسلام السابقين، الذين ألزموا بلوازم لا يقولون بها أصلاً. هذه خواطر عاجلة حول هذا الموضوع، وأرجو ألا أكون أنا وقعت في سوء الفهم حين تحدثت عن سوء الفهم، وأيضاً ألا يساء فهم ما قلته وأنا أتحدث عن سوء الفهم.وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا وإياكم الزلل في القول والعمل، ونترك بقية الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة.
الأسئلة

 كلمة للنساء
السؤال: بعض الإخوة يطلبون كلمة للنساء.الجواب: في الواقع أن النساء لهن حق علينا، فهن أمهاتنا، ونشعر أنهن راعيات الأجيال، فأنا أقول أولاً: إن الأصل في الخطاب الذي يوجه للرجال أن تدخل فيه النساء، وجاءتني طلبات كثيرة تطالب بالحديث عن قضايا تخص المرأة، وأنك كثيراً ما تتحدث عن الرجال والشباب، والمرأة لها حق، وأشعر فعلاً بأن لها حقاً، وقد وعدت أن أتحدث عن هذا الموضوع وعداً مفتوحاً، وإن شاء الله قد عزمت الآن على الإعداد لهذا الموضوع والحديث عنه، فسألقي محاضرة بعنوان: رسالة إلى فتاة، ولا أستغني عن مشاركة الإخوة وجهودهم، وقد تلقيت بعض الرسائل من بعض الفتيات عن طريق أقاربهن، أو عن طريق البريد، أفادتني كثيراً حول هذا الموضوع.فأقول: المرأة لها حق علينا، وأن نتحدث لها مع الرجال هذا جانب، والجانب الثاني أن نخصها بحديث خاص، لكن السبب الذي يجعلنا لا نشير إليها؛ أننا لا نرى أمامنا إلا الرجال، فالمتحدث لا يتحدث إلا مع من أمامه، وينسى أن هناك من يسمع صوته ولا يراه.فأقول باختصار: إن المرأة الآن تواجه حملة شنيعة، والأعداء يستعملون المرأة للتغرير، وإفساد الشباب، وجعل المرأة مجرد وسيلة لإثارة الشهوات والغرائز، وتحولت المرأة عند هؤلاء إلى تجارة، فما معنى أن يقوم تاجر بدعاية لسلعة معينة، فيضع عليها صورة المرأة؟! أنا أعتبر أن المرأة العاقلة ولو كانت فاجرة أو كافرة لا ترضى بهذا الأسلوب؛ لأن هذا يعني أنها صارت وسيلة للمال وللابتزاز، وللدعوة إلى تحصيل المال فقط لا غير.فإلى هذا الحد تصل المرأة! هل هذا تكريم للمرأة مثلاً؟! عندما تنتخب المرأة ملكة جمال، وتؤخذ صورتها، وعندما يأتي محرر مجلة فيضع صورة فتاة على الغلاف؛ لأجل أن تروج المجلة لا غير، فهذه تجارة بالمرأة. أسأل الله أن يكتب لبناتنا وأخواتنا الخير والصلاح والعفاف والستر والفضيلة، وأن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سوء الفهم آفة للشيخ : محمد الدويش

http://audio.islamweb.net