اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مواقف إيمانية في الصبر على البلاء للشيخ : أحمد فريد


مواقف إيمانية في الصبر على البلاء - (للشيخ : أحمد فريد)
الصبر ضياء للمسلم في حياته، وأعلى منه رتبة الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، وقد ضرب في ذلك الأنبياء والصالحون أروع الأمثلة، وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيوب عليه السلام، فعلى المرء المسلم أن يتحلى بالصبر والرضا حتى ينال الدرجات العلى.
أنواع الصبر وحاجة الإنسان إليه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:فلما كانت الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء لا يسلم المؤمن في الدنيا من المصائب والرزايا والبلايا، قال بعضهم: المرء رهن مصائب لا تنقضي حتى يوسد جسمه في رمسهفمؤجل يلقى الردى في غيره ومعجل يلقى الردى في نفسهونحن في أزمنة متأخرة حرم فيها المسلمون من التحاكم إلى شريعة ربهم عز وجل، ونكست فيها أعلام العلم والدين، وصار الدعاة إلى الله عز وجل والملتزمين بشرع الله عز وجل محاربين مضطهدين، وارتفعت أعلام الفتن، وكثرت الشبهات والمحن، وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أحوجنا إلى تعلم الصبر والعمل به، فإن الصبر ثلاثة أنواع:صبر على الطاعات حتى يؤديها.وصبر على المعاصي حتى لا يقع فيها.وصبر على الأقدار المؤلمة التي تخالف هوى النفس.وهذه الأنواع الثلاثة حاجتنا إليها في هذا الليل الحالك أكثر من حاجتنا إلى الطعام والشراب.اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.
 

تعريف الصبر وذكر مراتبه
معنى الصبر: الصبر لغة: هو المنع والحبس. وشرعاً هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.. ونحو ذلك.وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها.وقال بضعهم: هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.وقال آخر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.وقال آخر: هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى.وقال آخر: تجرع المرارة من غير تعبس.والنفس لها قوتان: قوة إقدام وقوة إحجام.فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.وقيل: الصبر شجاعة النفس. ومن هنا أخذ القائل قوله: الشجاعة صبر ساعة.والصبر والجزع ضدان، كما أخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].فهذا تعريف الصبر.
 الفرق بين الرضا والصبر
والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر حبس النفس وكفها عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.والرضا يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم.ففرح العبد بالثواب وحبه لله عز وجل وانشراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم.قال شيخ الإسلام : ولم يجئ الأمر به -أي الرضا- كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً).وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، غفرت ذنوبه).فالرضا لم يوجبه الله عز وجل على خلقه، ولكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عز وجل عنه؛ يعني: كما أن توبة العبد تكون نتيجة لتوبة سابقة من الله عز وجل -توبة إذن وتوفيق- ويعقبها توبة قبول وإثابة، فكذلك الرضا.فالله عز وجل يرضى عنه فيرزقه الرضا، ثم يرضى عنه رضا قبول وإثابة، فالله عز وجل هو الأول والآخر.فرضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه على عبده، رضا قبله أوجب له أن يرضى، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين، نسأل الله أن يقسم لنا من رضاه ما يبلغنا به غاية المنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فضل الصبر
فضيلة الصبر: وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تبين فضيلة هذه العبادة:
 فضل الصبر في السنة النبوية
أما أدلة السنة على فضل الصبر والصابرين، فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يصب منه).وأنتم تجدون أصحاب الدنيا والشهوات والمال والجاه والسلطان عندهم الصحة والعافية والمال والجاه، فيستعينون بذلك على المعاصي فيزدادون غياً وتمادياً، وتجدون أهل الإيمان غالباً عندهم الأمراض والفقر والأوجاع، فليس إعطاء الدنيا دليلاً على محبة الله عز وجل، بل قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44].قال بعض السلف: يعطيهم النعم ويمنعهم الشكر.وقال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها).وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً).وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، لكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها). فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن صبرها على هذا المرض يوجب لها الجنة، وأنها إذا صبرت عليه تدخل الجنة، وإن شاءت أن يدعو لها فسيدعو لها، فاختارت الصبر: ثم قالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها صلى الله عليه وسلم.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).وقال أنس بن مالك رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني: عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة).فبين أن جزاء الصبر على هذه المصيبة الجنة؛ لأنها مصيبة عظيمة، فمن ابتلي بهذا البلاء فجزاؤه الجنة إذا صبر.وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها).وهذا إنما يكون عند الصدمة الأولى، كما في الحديث: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، يعني: محك الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى؛ لأن الإنسان يسلم بقضاء الله بعد ذلك، وإنما يفعل الصابر في بداية المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام.فقدر الله عز وجل واقع مثل السيف، فالصبر الحقيقي أن الإنسان يصبر عند نزول البلاء.والناس بعد ذلك يسلمون، فمن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، فكما أن البهائم تكون مستسلمة لقضاء الله عز وجل وقدره ولما هي فيه، فالناس بعد ذلك يستسلمون، ولكن الصبر الحقيقي الذي يثاب عليه المرء إنما يكون عند الصدمة الأولى.قالت أم سلمة : (فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟ ثم أني قلتها، فأخلف الله لي رسوله صلى الله عليه وسلم).
آثار عن السلف الصالح في الصبر والرضا
آثار عن السلف الصالح رضي الله عنهم في الصبر والرضا:قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوساً.وقال عمر بن عبد العزيز : ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه.وقال يونس بن زيد سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن -ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك - : ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم أن تصيبه المصيبة مثل قبل أن تصيبه.وقال فضيل بن عياض في قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:24].قال: صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه.وقالوا: الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر.وقالوا: من لم يصبر على القضاء فليس لحمقه دواء. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن الله عز وجل إذا قضى قضاءً أحب أن يُرضى به.وقال أبو عبد الله البراثي : من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات.وقالت رابعة : إن الله عز وجل إذا قضى لأوليائه قضاءً لم يتسخطوا.وقتل لبعض الصالحين ولد في سبيل الله عز وجل فقيل له: أتبكي وقد استشهد؟ فقال: إنما أبكي كيف كان رضاه عن الله عز وجل حين أخذته السيوف.وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.وقال علقمة في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] : هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى.وقال أبو معاوية الأسود في قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] قال: الرضا والقناعة، يعني: أن هذه الحياة الطيبة هي الرضا والقناعة.ونظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عدي بن حاتم كئيباً فقال: يا عدي ! من رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله.وقال عمر بن عبد العزيز : ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر.وقيل له: ما تشتهي؟ قال ما يقضي الله عز وجل.وقال الحسن : من رضي بما قسم له وسعه وبارك الله له فيه، ومن لم يرض لم يسعه ولم يبارك له فيه.وقال بعضهم: من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء.وأصبح أعرابي وقد ماتت له أباعر كثيرة، فقال:لا والذي أنا عبد في عبادته لولا شماتة أعداء ذوي أحنما سرني أن إبلي في مباركها وأن شيئاً قضاه الله لم يكنوقال حفص بن حميد: كنت عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته، فسألته: ما الرضا؟ قال: الرضا ألا يتمنى خلاف حاله.يعني: أن الإنسان لا يأسف على شيء فاته أو يتمنى أن يكون على غير ما هو فيه، فقال: الرضا: ألا يتمنى خلاف حاله.فجاء أبو بكر بن عياش فعزى ابن المبارك ، قال حفص : ولم أعرفه. فقال عبد الله : سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض.يعني: أن الإنسان الذي كلامه كله فيه استسلام وقبول لقضاء الله عز وجل فهو راض.قال حفص : وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذاك للخواص.قال قادم الديلمي العابد: قلت للفضيل بن عياض : من الراضي عن الله؟ قال الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها.ونحن عندما نذكر أمثلة في الصبر والرضا نذكر ذلك من أجل أن تعرفوا حقيقة الرضا، وكيف أن الإنسان لا يختار إلا ما اختاره الله عز وجل له وإن كان هو من المصائب.وقال أبو عبد الله البراثي : لم ير أرفع درجات من الراضين عن الله عز وجل على كل حال.
 فضل الصبر في السنة النبوية
أما أدلة السنة على فضل الصبر والصابرين، فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يصب منه).وأنتم تجدون أصحاب الدنيا والشهوات والمال والجاه والسلطان عندهم الصحة والعافية والمال والجاه، فيستعينون بذلك على المعاصي فيزدادون غياً وتمادياً، وتجدون أهل الإيمان غالباً عندهم الأمراض والفقر والأوجاع، فليس إعطاء الدنيا دليلاً على محبة الله عز وجل، بل قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44].قال بعض السلف: يعطيهم النعم ويمنعهم الشكر.وقال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها).وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً).وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، لكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها). فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن صبرها على هذا المرض يوجب لها الجنة، وأنها إذا صبرت عليه تدخل الجنة، وإن شاءت أن يدعو لها فسيدعو لها، فاختارت الصبر: ثم قالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها صلى الله عليه وسلم.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).وقال أنس بن مالك رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني: عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة).فبين أن جزاء الصبر على هذه المصيبة الجنة؛ لأنها مصيبة عظيمة، فمن ابتلي بهذا البلاء فجزاؤه الجنة إذا صبر.وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها).وهذا إنما يكون عند الصدمة الأولى، كما في الحديث: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، يعني: محك الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى؛ لأن الإنسان يسلم بقضاء الله بعد ذلك، وإنما يفعل الصابر في بداية المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام.فقدر الله عز وجل واقع مثل السيف، فالصبر الحقيقي أن الإنسان يصبر عند نزول البلاء.والناس بعد ذلك يسلمون، فمن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، فكما أن البهائم تكون مستسلمة لقضاء الله عز وجل وقدره ولما هي فيه، فالناس بعد ذلك يستسلمون، ولكن الصبر الحقيقي الذي يثاب عليه المرء إنما يكون عند الصدمة الأولى.قالت أم سلمة : (فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟ ثم أني قلتها، فأخلف الله لي رسوله صلى الله عليه وسلم).
بعض الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا
وقبل أن نشرع في المواقف الإيمانية في الرضا والصبر نتكلم عن بعض الدوافع التي تعين على الصبر والرضا، وهذه الدوافع لا شك أنها تعين على مثل هذه المواقف الإيمانية؛ لأن المواقف الإيمانية تكون نتيجة لغلبة الإيمان على قلب العبد وإيثار العبد لمراد الله عز وجل، ومحبته لدين الله عز وجل.فالذي يدفع إلى مثل هذه المواقف الإيمانية قوة الإيمان وقوة الأحوال الإيمانية، فهذه الدوافع تعين على الصبر والرضا.فلا شك في أن الصبر مقاماً رفيعاً، وطاعة يحبها الله عز وجل، ويحب أهلها، كما قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146].فقد جعل الله ثواب الصبر بغير حساب، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].والصبر واجب حتماً، أما الرضا فهو أعلى رتبة منه، وجزاؤه رضا الله عز وجل الذي هو أكبر من جنة الله عز وجل، فما هي الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا؟والجواب: أولاً: أن يتدبر العبد ما سبق من آيات كريمات، وأحاديث نبوية في فضل الصبر والرضا، فيعلم العبد فضل الصبر والرضا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.ثانياً: أن يدرس المواقف الإيمانية، كالصبر على البلاء والرضا بأمور القضاء؛ فإنه مما يعينه على الصبر؛ لأنها رايات مرفوعة على طريق الإيمان، فيتأسى بأصحاب هذه المواقف المؤمنون الصادقون، وينسج على منوالهم العباد الصالحون.ومن ذلك أن يعلم أن القدر سبق بذلك، قال عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22].يعني: أن الله عز وجل جعل لنا ملائكة تحفظنا، قال الله عز وجل: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].وهذه الملائكة لا تحفظه من أن ينفذ فيه أمر الله، بل هذه الملائكة من أمر الله: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء:42].فكل إنسان منا تعرض خلال حياته لمواطن كثيرة جدة كاد أن يهلك فيها، ولكن الله عز وجل يحفظه.فالملائكة التي تحفظ العبد وتكلؤه بالليل والنهار تتخلى عنه إذا جاء أمر قدره الله عز وجل له، فإذا جاء القدر تخلوا عنه.فالإنسان إذا أصيب ببلاء فليتذكر أن هذا البلاء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن الله عز وجل شاءه، وأنه لابد أن يكون؛ والمعنى: أن المصائب مقدرة، لا أنها وقعت على وجه الاتفاق كما يقول الطبائعيون، ولا أنها عبث، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور.فالله عز وجل قدرها، فلابد أن فيها حكمة، يقول بعض السلف: إذا وقعت ذبابة على يدك فاعلم أنها وقعت بقدر ولحكمة.فكل أمر لحكمة؛ لأن مدبر هذه الأمور هو الحكيم الخبير، فالله عز وجل يدبر أمر ملكه كيف يشاء، فالأمور لا تأتي كما يقول الطبائعيون اتفاقاً، ولكنها بقدر وبحكمة، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور، ومتقنات الأعمال، وإذا كانت صادرة عن الحكيم فهو لا يعبث، فهي إما لزجر عن فساد أو لتحصيل الأجر أو لعقوبة على ذنب.رابعاً: العلم بأن الدنيا دار الابتلاء والكرب، لا يرجى منها راحة.وما استغربت عيني فراقاً رأيته ولا أعلمتني غير ما القلب عالمهفالإنسان لا يستغرب أي بلاء؛ لأن الدنيا أصلاً دار كدر، لذلك جرى القدر، ويا عجباً ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع!فالإنسان لا يستغرب أن يصاب ببلاء؛ لأن الدنيا دار امتحان ودار بلاء.خامساً: أن يقدر وجود ما هو أكبر من تلك المصيبة، كمن له ولدان ذهب أحدهما؛ فقد كان يمكن أن يذهب الاثنان، فقد تذهب أسر بكاملها في حوادث، نسأل الله العافية، فالإنسان يقدر أن المصيبة كانت أكثر من ذلك.سادساً: النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء، فإن التأسي راحة عظيمة، قالت الخنساء :ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسيوما يبكون مثل أخي ولكـنأعزي النفس عنه بالتأسيوهذا المعنى قد حرم الله عز وجل منه أهل النار، كما قال عز وجل: وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39] يعني: يحرم أهل النار من التأسي.فيقولون: المصيبة إذا عمت هانت، يقال: فلان أصيب بكذا، وفلان بكذا، فيتسلى الناس بعضهم ببعض.ولكن أهل النار يظن كل إنسان منهم أنه محبوس وحده، وأنه لم يبق في النار سواه.سابعاً: أن يتذكر نعم الله عز وجل عليه، قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].يعني: أن الإنسان بدل ما يفكر في المصائب التي تصيبه يتذكر نعم الله عز وجل عليه.ثامناً: أن العبد إذا صبر واحتسب فإن الله يعوضه ولا يخيبه.من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعت من عوضتاسعاً: أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها، وهو بجزعه يزيد في مصيبته؛ حيث يشمت أعداءه، ويسوء أصدقاءه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه.قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.يريد بذلك ما ثبت في الحديث الصحيح: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).عاشراً: أن المصائب تفتح على العبد أبواباً من العبادات، كالدعاء والإنابة، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ [الزمر:8].لذا تجدون الإنسان إذا كان في أزمة مالية أو في سجن أو في مرض كثير الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عز وجل، فهذا من فوائد البلاء أن الإنسان يتضرع، ويظهر فقره وحاجته إلى الله عز وجل، كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42].فالله عز وجل يبتلي الناس حتى يتضرعوا، ويظهروا فقرهم ونقصهم وحاجتهم واضطرارهم إلى الله عز وجل.ومن ذلك: أن يُعلم إن البلاء للمؤمن إما أن يكون تكفيراً لذنوبه، أو رفعاً لدرجاته.فالله عز وجل يبتلي المؤمنين ليربيهم بالبلاء، يعني: أن البلاء للمؤمن يكون من أجل التربية والتمحيص ورفع الدرجات، والمؤمن -غالباً- ضعيف البدن قوي القلب، بخلاف المنافق فإنه قوي البدن ضعيف القلب: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4].فالمؤمن يأتيه البلاء فيميل مع البلاء ويلين للبلاء، أما الكافر فهو مثل شجرة الأرز، لا تزول ولا تحول حتى يكون انجحافها مرة واحدة.فالله عز وجل يبتلي المؤمنين ليربيهم بالبلاء، ويهذبهم به؛ حتى يصلحوا لمجاورته في الجنة، وهي بالتالي للكافر والفاجر من أجل أن يهلكه، ويزيل عينه وأثره.ثاني عشر: أن كل ما يحدث للمؤمن في الدنيا فهو خير له؛ لأن المؤمن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم الله عز وجل عليه شكر.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن).ثالث عشر: أن يعلم أن الحياة الدنيا لعب ولهو، لا يدوم فرحها ولا حزنها، أشبه الأشياء بالدنيا المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره، ثم يستيقظ فيعلم أن ذلك لا حقيقة له.رابع عشر: أن يعلم العبد أن عواقب الأمور تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب.فمثلاً: إنسان يحب أن يكون عنده مال كثير، وإذا أتى هذا المال فإنه يفسد ويفسق ويخسر الدنيا والآخرة.وإنسان يكره البلاء والمرض وهذا المرض قد يكون سبباً في التزامه وتقربه إلى الله عز وجل، قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].خامس عشر: أن يعلم أن في البلاء فوائد خفية، وحكماً مطوية، قال التنوخي : كان يقال: المحن آداب الله لخلقه، وتأديب الله يفتح القلوب والأبصار.وقال كذلك: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الكاتب يصف الفضل بن سهل ويذكر تقدمه وعلمه وكرمه، فكان مما حدثني به: أنه برئ من علة كان فيها، فجلس للناس وهنوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامهم، قال الفضل : إن في العلل لنعماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها:تمحيص للذنب.وتعريض لثواب الصبر.وإيقاظ من الغفلة.وإذكار بالنعمة في حال الصحة.فالإنسان لو كان صحيحاً على مدى الدهر لن يتذكر نعمة العافية ولن يحس بها، ولكن إذا أصيب ببلاء يحس بنعمة العافية، قال:واستدعاء للتوبة. وحض على الصدقة. وفي قضاء الله وقدره بَعْدُ الخيار.سادس عشر: أن يتدبر العبد إذا ابتلي ببلاء عز الربوبية، وذل العبودية، فيعلم أن الله عز وجل يبتلي من شاء من عباده بما شاء من ألوان البلاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].والإنسان يحس بذل العبودية لله عز وجل، وعز الربوبية، فالله عز وجل يبتلي من شاء مهما كان أميراً أو وزيراً أو رئيساً، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].سابع عشر: أن يعلم أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.قال ابن الجوزي رحمه الله: البلايا على مقادير الرجال، فكثير من الناس تراهم ساكتين راضين بما عندهم من دين ودنيا، وأولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة، أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم.وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان فيه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة).ثامن عشر: أن يعلم أنه عبد مملوك، والعبد ليس له أن يعترض على سيده، كما قال بعضهم:صرت لهم عبداً وما للعبد أن يعترضتاسع عشر: أن يتذكر عظمة الله عز وجل الذي ابتلاه بالبلاء.قال أبو الوفاء ابن عقيل : مات ولدي عقيل وكان قد تفقه وناظر، وجمع أدباً حسناً فتعزيت بقصة عمرو بن عبد ود الذي قتله علي بن أبي طالب في غزوة الخندق.أورد بعض أصحاب السير بدون إسناد أن عمرو بن عبد ود فارس قريش اخترق الخندق بفرسه، فعرض له علي بن أبي طالب فقتله، فقالت أمه ترثيه وتعزي نفسها:لو كان قاتل عمرو غير قاتله ما زلت أبكي عليه دائم الأبدلكن قاتله من لا يعاب به من كان يدعى أبوه بيضة البلديعني: هذه المرأة تعزت بأن الذي قتل عمرو بن عبد ود هو علي بن أبي طالب ، فهذا مما خفف عنها المصيبة فقالت هذا القول.فالإنسان إذا أصيب ببلاء يعلم أن الذي قدر هذا البلاء هو الله عز وجل، فيتسلى بذلك، كما أن هذه المرأة أسلاها وعزاها جلالة القاتل، والافتخار بأن ابنها مقتول له.ومن يتخيل الانتقال إلى نعيم الجنة الذي لا انقطاع له، فما قدر تلك اللحظة، بل ما قدر جميع عمر الدنيا بالإضافة إلى البقاء السرمدي، ومن تحيل البقاء السرمدي وأنه باقٍ في النعيم السرمدي، طار فرحاً ونسي كل ألم، يعني: أن الإنسان يتخيل نعيم الجنة وثواب الصبر والرضا، فيتسلى بذلك عما يصيبه من بلاء في الدنيا.ومن ذلك: أن يحتقر ما يبذل بالإضافة إلى عظمة الحق، كمحتقر هديته إلى ملك كبير.ومن ذلك: أن يعلم أنها ساعة من الزمان، والله المستعان، يعني: الدنيا كلها ساعة فيجعلها طاعة.
 فضل الصبر في السنة النبوية
أما أدلة السنة على فضل الصبر والصابرين، فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يصب منه).وأنتم تجدون أصحاب الدنيا والشهوات والمال والجاه والسلطان عندهم الصحة والعافية والمال والجاه، فيستعينون بذلك على المعاصي فيزدادون غياً وتمادياً، وتجدون أهل الإيمان غالباً عندهم الأمراض والفقر والأوجاع، فليس إعطاء الدنيا دليلاً على محبة الله عز وجل، بل قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44].قال بعض السلف: يعطيهم النعم ويمنعهم الشكر.وقال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها).وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً).وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، لكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها). فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن صبرها على هذا المرض يوجب لها الجنة، وأنها إذا صبرت عليه تدخل الجنة، وإن شاءت أن يدعو لها فسيدعو لها، فاختارت الصبر: ثم قالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها صلى الله عليه وسلم.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).وقال أنس بن مالك رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني: عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة).فبين أن جزاء الصبر على هذه المصيبة الجنة؛ لأنها مصيبة عظيمة، فمن ابتلي بهذا البلاء فجزاؤه الجنة إذا صبر.وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها).وهذا إنما يكون عند الصدمة الأولى، كما في الحديث: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، يعني: محك الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى؛ لأن الإنسان يسلم بقضاء الله بعد ذلك، وإنما يفعل الصابر في بداية المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام.فقدر الله عز وجل واقع مثل السيف، فالصبر الحقيقي أن الإنسان يصبر عند نزول البلاء.والناس بعد ذلك يسلمون، فمن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، فكما أن البهائم تكون مستسلمة لقضاء الله عز وجل وقدره ولما هي فيه، فالناس بعد ذلك يستسلمون، ولكن الصبر الحقيقي الذي يثاب عليه المرء إنما يكون عند الصدمة الأولى.قالت أم سلمة : (فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟ ثم أني قلتها، فأخلف الله لي رسوله صلى الله عليه وسلم).
مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء
مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء:
 موقف أم عقيل الأعرابية في الصبر والرضا
وآخر موقف من هذه المواقف الإيمانية موقف أم عقيل رحمها الله:قال الأصمعي : خرجت أنا وصديق لي في البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضلوا عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم.فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسح، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل ! أعظم الله أجرك في عقيل ، قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، يعني: حقهم وحق الضيافة، ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟! قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً ، تقول ذلك ثلاثاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني.فهذا الموقف تعجز عنه الكلمات في كرم الضيافة والصبر والرضا والاحتساب، وبعض هذه الصفات كانت متوفرة عند العرب في جاهليتهم، فلما تشرفوا بالإسلام ازدادت رسوخاً بالإسلام، وتهذبت بآدابه وأخلاقه، وقد عزت هذه الصفات النبيلة والأخلاق الفاضلة في المتأخرين، والله ولي الصابرين.نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مواقف إيمانية في الصبر على البلاء للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net