اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قصة مؤمن آل ياسين للشيخ : أحمد فريد


قصة مؤمن آل ياسين - (للشيخ : أحمد فريد)
قصة مؤمن آل ياسين تمثل نبراساً للدعاة في كيفية الصبر على الدعوة، وتحمل المشاق من أجل نجاحها وإيصالها إلى الناس، حتى وإن كان الثمن التضحية بالنفس، فمؤمن آل ياسين ضحى بنفسه من أجل الدعوة، ولم يكتف بدعوة قومه حياً، بل تمنى هدايتهم بعد قتلهم إياه.
بين يدي القصة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.ثم أما بعد:فما زلنا في هذه الرحلة المباركة مع القصص القرآني، ونحن مع قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، كما في سورة يس، قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [يس:13-30].بين يدي القصة: هذه القصة مثل من أمثلة الدعوة إلى الله عز وجل، وقد استفرغ الدعاة إلى الله عز وجل جهدهم في البلاغ والنصيحة والتضحية من أجل هداية قومهم، وكان القوم غاية في الغباوة والكفر والتكذيب، فلم ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وإن كانت عاقبة المؤمنين والمكذبين قد تتشابه في النظر القاصر على الدنيا الجاحد للآخرة، إلا أن الله عز وجل الذي أحاط بكل شيء علماً، ويستوي في علمه السر والعلانية والغيب والشهادة؛ بين لنا كيف أن المؤمن ما هي إلا لحظة القتل، والشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة.يعني: كما أن الكافر أو المجرم أو الذي يصد عن سبيل الله قد يقتل أو يموت، فكذلك المؤمن قد يموت في الدعوة أو في الجهاد، ولكن يبقى حساب آخر، وهو حساب الآخرة، وحتى القتل بالنسبة للمؤمن كما صح في الحديث: (أن الشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة)، الناس يظنون أن الذي يموت على فراشه وبين زوجته وأولاده يموت مستريحاً، كأنه لا يجد من سكرات الموت إلا الشيء اليسير، والذي يقطع في ساحة الوغى ويقتل في سبيل الله عز وجل هذا تكون سكرات الموت بالنسبة له شديدة؛ أن يقطع بالسيف مثلاً أو يتفجر فيصير قطعاً صغيرة، ولكن في الواقع أن الذي يموت على السرير هو الذي يجد الآلام الشديدة، كما كان علي بن أبي طالب يحرض على القتال، ويقول: قاتلوا، فإنكم إن لم تقتلوا متم على الفرش، فوالذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش.فليس هناك سبيل للنجاة من سكرات الموت، إلا أن يرزق الإنسان منا الشهادة، نسأل الله تعالى الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين.ثم درجة الشهادة عند الله عز وجل ومنزلة الشهداء عند الله عز وجل كما صح في الحديث: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).فقصة مؤمن آل ياسين أو قصة أصحاب القرية تحكي لنا قصة الدعوة إلى الله عز وجل، والداعية إلى الله عز وجل ليس عليه هداية المدعوين؛ لأن الله عز وجل يقول لنبيه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272]، مع أنه سيد المرسلين وخاتمهم.إذاً: فليس على الداعية هداية الناس، ولكن عليه البلاغ المبين والإخلاص في الدعوة، وأن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة على بصيرة.أما هداية الناس فالله عز وجل يتولاها، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا عمه أبا طالب لم يستجب بل مات على ملة عبد المطلب ، وعند ذلك نزل قوله عز وجل: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع هداية عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه، وكان يقول:ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناًلولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناًيعني: لولا قرناء السوء ولولا حرصه على تقليد الآباء والأجداد لآمن، فقرناء السوء كانوا يقولون له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ حتى مات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب ، مع أنه كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى دين الحق، وأن دين الإسلام هو الحق، ولكن الهداية هداية القلوب، والله تعالى هو الذي يملك قلوب الناس.وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية الناس غاية الحرص، كما قال عز وجل: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، أي: لعلك تقتل نفسك غماً وحرصاً على هداية الناس، وكذلك مؤمن آل ياسين قال كذلك، وقد انتقل من دار الجهد والبلاء إلى دار النعيم والجزاء، قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].فانظروا إلى سلامة قلب المؤمن، وإلى حرص الداعية على هداية قومه مع أنهم قتلوه، ومع ذلك لما عاين كرامة الله ولما عاين رحمة الله عز وجل قال: يا ليتهم نظروا إلى هذه الكرامة وإلى هذا النعيم الذي انتقلت إليه، فيكون ذلك سبباً في هدايتهم: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27]، فتمنى لو أن قومه الذين قتلوه نصراً للباطل وغيرة على الكفر اطلعوا على ما آل أمره من النعيم المقيم والسعادة في جوار رب العالمين، لعل ذلك يجعلهم يراجعون أنفسهم ويئوبون إلى رشدهم ويتوبون إلى ربهم، وكما أن أحسن العواقب للمؤمن الذي قام بواجب الدعوة والبيان فبالعكس كانت عاقبة الكفر والكافرين أوخم العواقب وأبشعها، وقال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس:28-29]، نلاحظ أن الخاتمة هنا عكس الخاتمة في قصة مؤمن آل فرعون، يعني: مؤمن آل فرعون مكروا به، ولكن الله عز وجل حماه من مكرهم ومن كيدهم، ولكن هنا قتلوه، والمؤمن على كل حال رابح، سواء نجاه الله عز وجل من المكذبين في الدنيا، وسواء قتله الكافرون، فإن أجره على الله عز وجل وهو رابح على كل حال.قال الله تعالى ذلك تحقيراً لشأنهم، وكيف أن الأمر لم يستأهل نزول الملائكة من السماء، وإنما كانت صيحة واحدة أرضية أو سماوية أو من جبريل عليه السلام فإذا هم خامدون، فأين التهديد وأين الوعيد وأين صولة الباطل وانتعاش المبطلين؟ ما هي إلا صيحة واحدة خسروا بها الدنيا والآخرة، وانتقلوا من عقوبة الدنيا وعذابها إلى عقوبة الآخرة وجحيمها، يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [يس:30].
 

ذكر إرسال الرسل إلى أصحاب القرية وموقفهم منهم
نشرع في شرح الآيات الكريمات من سورة يس، يقول تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [يس:13]، قال الشوكاني : واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي: مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأول لما قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3]، وقال: لِتُنذِرَ قَوْمًا [القصص:46] قال: قل لهم: ما أنا بدعاً من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة، وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اضرب لنفسك ولقومك مثلاً. أي: مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس كافة، والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب.قال القرطبي : هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين، وسوف يأتي ما في هذا القول إن شاء الله تعالى.قوله: إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ، قيل: هم رسل من الله على الابتداء، وقد كان في الأمم السابقة يوجد فيهم أكثر من رسول في وقت واحد ولأكثر من مكان، فلا يستبعد أن يكون هؤلاء الرسل من الله.والقول الثاني: أن عيسى عليه السلام هو الذي أرسلهم، فهم دعاة إلى لله عز وجل أرسلهم عيسى إلى هذه القرية.قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس:14]، قال ابن كثير رحمه الله: وقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا أي: بادروهما بالتكذيب، فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث، فَقَالُوا ، أي: لأهل تلك القرية إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له قاله أبو العالية .وزعم قتادة أنهم كانوا رسل المسيح عليه السلام إلى أهل أنطاكية.قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [يس:15] أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لم يوح إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله عز وجل في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه، فهم يظنون أن الله عز وجل إذا أراد أن يرسل إليهم، يرسل إليهم ملائكة لا يرسل إليهم البشر.وقوله تعالى: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10]، وقوله تعالى حكاية عنهم: وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [المؤمنون:34]، وقال تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:94]، فالناس تتعجب لماذا يرسل بشراً؟ لماذا لا يرسل ملائكة؟قوله تعالى: قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [يس:16-17].قال الزمخشري : وقول: رَبُّنَا يَعْلَمُ جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قوله: (شهد الله)، و(علم الله)، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق، مع قولهم: وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: الظاهر المكشوف للآيات الشاهدة على صحته، وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحاً.قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ [يس:18]، (تطيرنا) يعني: تشاءمنا، يقول: وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف:131]، يعني: كلما تأتيهم مصيبة يقولون: هذا بشؤمه، يعني: موسى ومن معه من أهل الإيمان.فهذه عادة الجهال دائماً يتيمنون ويتفاءلون بمن هو على طريقتهم، ويتشاءمون بمن على خلاف طريقتهم، وحكى عن مشركي مكة: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78].قال تعالى: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:19] أي: سبب شؤمكم معكم، وهو كفركم، أو أسباب شؤمكم معكم، وهي كفركم ومعاصيكم.فالمرسلون قالوا: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ يعني: سبب الشؤم وسبب البلاء معكم وهو كفركم وتكذيبكم، وهذا رد هؤلاء الرسل أو الدعاة على هؤلاء الكافرين المكذبين لما: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ [يس:18] يعني: يرمونهم بالحجارة، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ [يس:18-19]، يعني: الذي يذكركم بالله تتشاءمون منه، أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ يعني: لأننا نذكركم بالله تتشاءمون منا: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس:19]، فقوله: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ يعني: أتتطيرون إن ذكرتم.بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس:19] أي: في العصيان، ومن ثم أتاكم الشؤم، يعني: من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم؛ حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله.
 

موقف مؤمن آل ياسين من الرسل ومن قومه
قوله تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:20-21]، فدائماً القرآن يصف الإنسان بأنه رجل في مواقف يستحق فيها اسم الرجولة، وليس المقصود برجل يعني: ذكر، ولكن المقصود أنه رجل كامل الرجولة، له مواقف تدل على كمال رجولته كما هنا، وكما في قصة موسى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20].وكذلك قوله عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، وقوله عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ [النور:36-37].
 وصف سيد قطب لخاتمة قصة مؤمن آل ياسين
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله في وصف خاتمة القصة: يوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه، وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صراحة، وإنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها، وعلى القوم وما هم فيه، ويرفع قدر هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق متبعاً صوت الفطرة، وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل، نراه في العالم الآخر يطلع على ما ادخر الله له من كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].ثم يقول: وتتصل الحياة الدنيا بحياة الآخرة، ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء، وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحق، ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين، ونرى الرجل المؤمن وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة، يذكر قومه طيب القلب رضي النفس، يتمنى لو يراه قومه فيرون ما آتاه ربه من الكرامة؛ ليعرفوا الحق معرفة اليقين. هذا كان جزاء الإيمان.فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليهم ملائكة لتدمرهم، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس:28-29].ولا نطيل هنا في وصف مصرع القوم تهويناً لشأنهم وتحقيراً لقدرهم، فما كانت إلا صيحة واحدة أخمدت أنفاسهم.وهكذا أيضاً كان سيد قطب رحمه الله، فبعد السجن وبعد الضرب والتعذيب انتقل إلى ربه، ونسأل الله تعالى أن يكون شهيداً.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قصة مؤمن آل ياسين للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net