اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قصة مؤمن آل فرعون للشيخ : أحمد فريد


قصة مؤمن آل فرعون - (للشيخ : أحمد فريد)
لقد حكى الله تعالى لنا في كتابه ما قام به مؤمن آل فرعون من الإنكار على قومه ودعوتهم إلى الإيمان بالله، والكفر بالطواغيت والأوثان، وذلك من أفضل الجهاد؛ ولذا كان لا بد للمؤمن من أن يجهر بكلمة الحق وألا يخاف في الله لومة لائم، وأن يفوض أمره إلى الله، فهو الحافظ من كيد الكائدين ومكر الماكرين.
فوائد إيمانية من قصة مؤمن آل فرعون
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.أما بعد:تكلمنا -بحمد الله تعالى- في الدرس السابق عن قصة مؤمن آل يس، ونتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن قصة مؤمن آل فرعون، والآيات في سورة غافر، قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْن ِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:26-46].هذه حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وقصة الصراع واحدة، ولكن تختلف الأسماء، وتختلف شبهات الطغاة والجبابرة، ولكن النهاية تكون واحدة، وهي الانتصار للحق وأهله، وزوال الباطل وأهله، فالباطل ينتفش ويبدو بأسبابه الأرضية كأنه على كل شيء قدير، ولكنه عندما يواجه الحق الثابت الذي يستمد قوته من الله عز وجل تكون العاقبة للمتقين، والهلاك والعذاب للطغاة والمتكبرين.فالباطل مثل الزبد والرغوة والغثاء الذي يكون على سطح السيل فهو يظهر، ولكن هذا الظهور ظهور وقتي لا يلبث أن يزول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17] فيبقى الحق وأهله.والقصة التي معنا ليست قصة نبي من الأنبياء، ولكنه مؤمن صادق الإيمان قوي الحجة، يدعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.وكان يكتم إيمانه من فرعون، وما كان يكتم إيمانه خوفاً؛ ولذلك أظهر إيمانه في أحرج الأوقات، عندما قال فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26].فعند ذلك أظهر هذا الرجل المؤمن إيمانه، فلو كان يكتم إيمانه خوفاً من فرعون لكان أجدر به أن يستمر على كتم إيمانه، وقد وصل الحال مع فرعون إلى أنه هدد بقتل موسى، وقال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى .وكانت العاقبة للمتقين في هذه القصة، كما هي العاقبة دائماً، قال تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر:45].ولاحظ أن النهاية تختلف عن نهاية مؤمن آل يس، فمؤمن آل يس قتلوه، ورجموه بالحجارة كما تهددوا الرسل، وانتقل من دار البلاء -يعني: دار العمل- إلى رحمة الله عز وجل، ولما عاين الكرامة: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].وهذه القصة: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:45-46].فهي تبين أن المؤمن دائماً رابح سواء قتل فانتقل إلى كرامة الله ورحمته وما عند الله خير، أو انتصر في الدنيا فوقاه الله سيئات ما مكروا.فمن يعمل مع الله عز وجل، ويتاجر معه لا يمكن أن يخسر بحال من الأحوال، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، وقال سبحانه: وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74].فعلى كل حال المؤمن رابح سواء انتصر أو استشهد، فهو هنا رابح وهنا رابح، بخلاف الكافرين والمكذبين، الذين يحاربون شرع الله عز وجل، هم في خسارة وبوار في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، فتجارتهم بائرة، يعني: خاسرة في الدنيا والآخرة.
 بعض ما يستفاد من قصة مؤمن آل فرعون
لا شك أن ما قام به هذا الرجل المؤمن من آل فرعون من الإنكار على فرعون، ثم من دعوة فرعون وقومه إلى الإيمان بالواحد الديان، والكفر بالطواغيت والأوثان من أفضل الجهاد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد: كلمة عدل عند سلطان جائر)، وكان هذا أفضل الجهاد؛ لأن الجهاد تعريض للنفس للتلف، أو الجراح العظيمة، ولكن كلمة الحق عند سلطان جائر تعرض النفس أكثر للتلف، أو يغلب على الظن تلف النفس.ثبت أيضاً أن أبا بكر الصديق أفضل من هذا الرجل المؤمن، وله موقف مع النبي صلى الله عليه وسلم لما لبده أحد الكفار بردائه، فدفعه أبو بكر وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: (سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت عقبة بن أبي معيط -هو أشقى القوم- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28])، بل ثبت أن أبا بكر وعمر أفضل أولياء الله عز وجل بعد الأنبياء، كما في الحديث: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين عدا الأنبياء والمرسلين).وكذلك استدل أهل السنة والجماعة بقوله تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [غافر:36] على فوقية الله عز وجل على خلقه، فإنه عندما سئل موسى عن ربه قال: فوق السماء؛ فلذلك قال فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [غافر:36]. فهذا يدل على عقيدة الفوقية والأدلة كثيرة على ذلك، كما في قوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] يعني: فوق السماء؛ لأن (في) تأتي بمعنى (على)، كما قال تعالى: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]. فنحن لا نمشي داخل الأرض، لكن نمشي فوق الأرض، وأيضاً: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] أي: من على السماء أو فوق السماء.قال القاسمي في قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]: المراد: عرض أرواحهم عليها دائماً، واكتفى بالطرفين المحيطين الغدو والعشي عن الجميع، وبه يستدل على عذاب القبر والبرزخ، وقانا الله عز وجل منه بمنه.قال السيوطي في العجائب للكرماني : في هذا الآية أدل الدليل على عذاب القبر؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، يعني: قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي: هذا العرض ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة يقال لهم: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وهو عذاب جهنم؛ لأنه جزاء شدة كفرهم، فهم في عذاب أدنى وفي عذاب أكبر، والعذاب الأدنى في البرزخ وفي الدنيا، والعذاب الأكبر يوم القيامة.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , قصة مؤمن آل فرعون للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net