اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , غض البصر ونعمة الوقت للشيخ : أحمد فريد


غض البصر ونعمة الوقت - (للشيخ : أحمد فريد)
الوقت نعمة من الله عز وجل على عباده، مغبون فيه كثير من الناس، أقسم الله به في كتابه لعظيم خطره، فمن فاتته طاعة الله عز وجل في وقت من أوقاته تحسر على الوقت الذي ضيعه يوم القيامة، فيا فوز من قضى أوقاته في طاعة الله، ويا خسران من أضاع أوقاته في معصية الله.
أهمية الانتفاع بالوقت وخطر تضييعه
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قُضي وقُدِّر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان.فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى:إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134]. إني أريد أن أنبه لأمرين:الأمر الأول: نعمة الوقت والعمر، كيف تنفق الأوقات وعلى المقاهي؟ وكيف تنفق الأوقات على نواصي السكك؟ يتمتعون برؤية الغاديات والرائحات، بل كيف تنفق الأوقات أمام العجل الفضي، وأمام الشاشة الفضية شاشة التلفاز والفيديو واستقبال البث المباشر؟والأمر الثاني: خاص بفصل الصيف كذلك وهي نصيحة بغض البصر، فكم تكشف في الصيف من عورات وكم تنتهك من حرمات.أما الوصية الأولى عباد الله! التي أنصح نفسي وإياكم بها: أن نعلم خطر الوقت وخطر العمر، وأن نعلم أن عمر العبد خطاه إلى قبره.يا من بدنياه اشتغلوغره طول الأملالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
 أحوال السلف الصالح وانتفاعهم بأوقاتهم
كان السلف رضي الله عنهم أحرص الناس على أوقاتهم، وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله عز وجل أكثر مما يبخل البخيل في إنفاق ماله.قيل لأحدهم: قف أكلمك. قال: أوقف الشمس.وكان أحد العلماء إذا ذهب عنده أناس وجلسوا وأطالوا الجلوس يقول: أما تريدون أن تقوموا؟ إن ملك الشمس يجرها لا يفتر، فقد كانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها.دخلوا على عابد مريض فنظر إلى قدميه وبكى وقال: ما اغبرتا فيّ سبيل الله. وقال بعضهم: أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير ليس فيّ شيء منها.ملئوا الحياة طاعة وعبادة لله عز وجل، وتمنوا لو أنهم استمروا على العبادة بعد الموت، فكان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي. ودخلوا على الجنيد وهو في النزع وكان يصلي، فقالوا له: الآن؟ قال: الآن تطوى صحيفتي.ودخلوا على أبي بكر النهشلي وهو في النزع وكان صائماً، فقالوا له: اشرب قليلاً من الماء، قال: حتى تغرب الشمس. وبكى أحد السلف عند موته فسئل عن سبب بكائه؟ فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم، فهو يبكي لأنه يفارق الدنيا فيصوم الصائمون وليس هو فيهم، ويصلي المصلون وليس هو فيهم، ونحن في الدنيا يا عباد الله! يصوم الصائمون ولسنا فيهم، ويصلي المصلون ولسنا فيهم، ولا نبكي على أنفسنا!كان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد ! من يبكي بعدك لك؟ من يترضى ربك عنك؟بكى أحد السلف عند موته، فسئل عن سبب بكائه؟ فقال: إنما يتقبل الله من المتقين.ولما نزل الموت بـمحمد بن المنكدر بكى بكاءً شديداً، فأحضروا له أبا حازم من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه؟ فقال: سمعت الله عز وجل يقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] فأخاف أن يبدو لي من الله عز وجل ما لم أكن أحتسب، فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه.قرئ على الإمام أحمد وهو في مرض الوفاة: أن طاوساً كان يكره الأنين، فما أنَّ حتى مات.أين وصفك من هذه الأوصاف؟ أين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف لقد قام القوم وقعدنا، وجدوا في العمل وهزلنا، ما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم.لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعديا ديار الأحباب! أين السكان؟ يا منازل العارفين! أين القطان؟ يا أطلال على الوجد أين البنيان؟ أماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر.إن كنت تنوح يا حمام بانيللبين فأين شاهد الأحزانأجفانك للدموع أم أجفاني لا يغبن مدع بلا برهانوإنما ينطبق علينا عباد الله! قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد، وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد وطرفه جامد، وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟!أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
غض البصر ومنافعه في الدنيا والآخرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد:عباد الله! النصيحة الثانية هي غض البصر؛ لكثرة العورات المكشوفات في هذا الوقت، فالواجب على المسلم أن يلجأ إلى الله عز وجل، وأن يستعين به، كما استعان يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالله على النساء لما كثر عليه الكيد منهن، وقال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [يوسف:33-34].فعلى المؤمن عباد الله! أن يلجأ إلى العبادات التي شرعها الله عز وجل من أجل أن تزكو نفسه في الدنيا، ومن أجل أن يسعد بمجاورة الله عز وجل في الآخرة.
 فوائد غض البصر ومضار إطلاقه
وقالوا في فوائد غض البصر: إن غض البصر استجابة لأمر الله عز وجل وتنفيذ لأمر الله عز وجل، وما استجلب العبد خيراً في الدنيا والآخرة بمثل امتثال أمر الله عز وجل.قالوا كذلك: إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه، وغض البصر لله عز وجل يقوي القلب ويفرحه.قالوا كذلك: إطلاق البصر يشتت القلب ويجلب له الحزن، وهذا مشاهد معروف؛ لأن القلب يكون مشغولاً بما يرد عليه من صور محرمة، فلا يتفرغ لطاعة الله عز وجل محبته وعبادته، إذ يصير القلب كالمزبلة فكيف يصلح لمحبة الله عز وجل؟قالوا كذلك: إطلاق البصر يقسي القلب ويسد عليه أبواب العلم، فيصعب على العبد مع إطلاق البصر أن يحفظ من القرآن أو من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.قالوا كذلك: إطلاق البصر ظلمة على القلب، وإذا أظلم القلب أقبلت عليه سحائب الشر والبلاء من كل جانب، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى، فإذا أظلم القلب صار موئلاً لكل شر ولكل ما يغضب الله عز وجل، وإذا غض العبد بصره لله عز وجل استنار قلبه؛ ولذلك ذكر الله عز وجل آيتي غض البصر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:30-31]، ثم ذكر بعد آيتي غض البصر عدة آيات: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35] .قالوا: سبب نوره في قلب عبده المؤمن امتثال أوامره واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه، الناظر عباد الله! يرمي بسهام غرضها قلبه، فإذا نظر نظرة محرمة فكأنما رمى قلب نفسه بسهمه.يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداًأنت القتيل بما ترمي فلا تصبوباعث الطرف ترتاد الشفاء لهتوقه إنه يأتيك بالعطبوكل نظرة هي جرح لقلب العبد، والنظرة تستدعي غيرها.ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح فقتلت قلبك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيحالنظرة عباد الله! سم للقلب وشرارة في العشب اليابس، إما أن تحرقه كله أو تحرق بعضه.كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الناس موقوف على خطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضررفالنظر المحرم عباد الله! يورث الحسرات والزفرات، فيرى العبد ما لا يقدر عليه ولا يصبر عليه.وكنت متى أطلقت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظررأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابرالنظرة عباد الله! توقع في أسر الهوى والشهوة، والعبد إذا وقع أسيراً للهوى والشهوة صار كعصفورة في كف طفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب.غض البصر يورث العبد فراسة ويطلق نور بصيرته، كما قال شاه بن شجاع الكرماني : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة واكتفى بالحلال واجتنب الحرمات وغض بصره لا تخطئ له صلاته، وكان شاه هذا لا تخطئ له صلاته.إطلاق البصر كذلك يجعل العبد يقع في اتباع الهوى، وفي الغفلة والإعراض عن شرع الله عز وجل، قال تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .والنظرة يا عباد الله! كأس من الخمر من شرب منه وقع في سكر الهوى، وقد يصاب الناظر بداء بلا عوض وهو داء العشق، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الشاعر: وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل حالمخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهمويبكي إن دنوا حذر الفراق فتسخن عينه عند التنائيوتسخن عينه عند التلاقي فنسأل الله عز وجل أن يستر عورات المؤمنين، ونسأله تعالى أن يرزقنا غض البصر له عز وجل، ونسأله تعالى أن يبارك في أوقاتنا وأعمارنا.اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه.اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.اللهم عليك باليهود الغاصبين، والأمريكان الحاقدين، ومن والاهم من العلمانيين والمنافقين، والذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم في الأرض غاية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً.وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , غض البصر ونعمة الوقت للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net