اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة السعادة للشيخ : أحمد فريد


رسالة السعادة - (للشيخ : أحمد فريد)
يظن كثير من الناس أن السعادة في المال، أو الجاه والسلطان، أو الشهرة، أو الفن والتمثيل والرقص ونحو ذلك من متاع الدنيا، ولذا تراهم يلهثون وراء هذه الأشياء ظناً منهم أنهم سيجنون السعادة منها، غافلين أو متغافلين عن كون واجدي هذه الأشياء يعيشون في هم وغم ونكد وشقاء، فأموالهم ومناصبهم وشهرتهم لم تمنحهم السعادة التي لهثوا وراءها، وما دروا أن السعادة الحقيقية في الإيمان بالله وحده وعبادته، فبذلك يحصل العبد على الطمأنينة والسكينة والراحة في الدنيا والآخرة.
مقدمة بين يدي الحديث عن السعادة الحقيقية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً.أما بعد:فقد جعل الله عز وجل السعادة وصفاً على أهل الإيمان والعمل الصالح، فقال عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، فإذا حصل العبد أسباب الإيمان فزكى نفسه وطهر قلبه فإنه يجد السعادة المنشودة والدرة المفقودة، وكلما اكتمل إيمانه وأشغل قلبه وجوارحه بطاعة الله عز وجل وجد السعادة في الدنيا قبل الآخرة.سأنقل لكم كلاماً من رسالة (السعادة بين الوهم والحقيقة) للدكتور ناصر بن سليمان العمر ، وهي في الواقع من أحسن وأروع ما كتب عموماً، وفي هذا الموضوع خصوصاً؛ لذلك سأنقل عبارات منها بالنص.تكلم الدكتور ناصر العمر عن شقاء أصحاب النار وأصحاب الشقوة وأصحاب الجهل، وبين طريق السعادة في أمور الإيمان، والتسليم لقضاء الله عز وجل وقدره، ولكن كان ينقص الرسالة أن يحكي أيضاً عن أهل الإيمان والعمل الصالح، كيف وجدوا السعادة!فهذا جزء مفقود في هذه الرسالة، ولو اكتملت لكان فيها خير كثير، فإن شاء الله ننقل كلمات من الرسالة، ثم نكمل ما شاء الله عز وجل من بيان حال أهل الإيمان في الوصول إلى السعادة الحقيقية، فقد بين المؤلف هنا كيف أن أهل الدنيا توهموا السعادة في أشياء وساروا خلفها، فما حصلوا إلا الشقاء حتى ماتوا بحسرتهم، ولم يجدوا السعادة ولم يجدوا طريقها.ثم بين أسباب السعادة الحقيقية، ولكن كان الأكمل أن يحكي عن أهل الإيمان وعن العلماء وعن العباد وعن أهل الخير والصلاح كيف وجدوا السعادة! وكيف حكوا عن هذه السعادة التي يجدونها في الدنيا قبل الآخرة، والله عز وجل جعل قلب الإنسان منشرحاً بالقرآن وبالإسلام، فقال عز وجل: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر:22].وقال عز وجل: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].يعني: أن صدر الإنسان المريد للهداية ينشرح وينفتح بالإسلام، بينما المريد للضلالة فهو كالذي يتصعّد في السماء فيختنق؛ لأن نسبة الأكسجين تقل في طبقات الجو العليا، فكلما انخفض خف الاختناق.إذاً: من يرد الله عز وجل أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً، فلا يتسع للإسلام ولا ينشرح بالإسلام، بل تُحبس عنه أسباب الحياة؛ لأن الإسلام هو الروح وهو النور، كما قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].وقال عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، فكل من وجد طعم الإيمان ووجد طريق السعادة الحقيقية يحس أنه كان في وهم وفي خيال، وأنه كان ميتاً قبل أن يشرح الله عز وجل صدره للإسلام، فما أضيق وأحرج هذه الحياة التي يعيشها أهل الدنيا، والتي يسيرون فيها خلف الشهوات الزائفة، وخلف السعادة الموهومة.
 

أقسام السعادة وأصناف الناس فيها
يبين الكاتب حفظه الله كيف أن الناس يسعون إلى السعادة، فيقول:(أما بعد:فمعاً أيها القارئ الكريم نلتقي في طريق من طرق الخير، ودرب من دروب المحبة، ومسلك من مسالك السعادة، أسأل الله أن يجعل هذا في موازين أعمالنا يوم القيامة.أيها الأخ الكريم! هل السعادة وهم أم حقيقة؟ربما عجبت من هذا السؤال!نعم. إن هناك سعادة وهمية، وسعادة حقيقية.ولكن ما الداعي لتقليب صفحات هذا الموضوع، والخوض فيه؟)يبين صاحب الرسالة الأسباب التي دعته إلى طرح هذا الموضوع فيذكر منها: أن كل إنسان على هذه البسيطة يسعى إلى السعادة، قد يختلف الناس في مذاهبهم ويختلفون في أعرافهم ويختلفون في مشاربهم، بل قد يختلفون في مبادئهم وغاياتهم ومقاصدهم، إلا غاية واحدة ربما اتفقوا عليها من أولهم إلى آخرهم، إنها طلب السعادة.فالمؤمن يطلب رضا الله: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:19-20]، ومع ذلك أيضاً يسعى للسعادة، يسعى للنجاة من النار والفوز بالجنة، ويسعى للحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح.والكافر يشترك مع المؤمن في طلب السعادة، لكن لا يطلب رضا الله عز وجل، بل يعبد هواه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43].قال الحسن: هو الذي كلما هوى شيئاً ركبه. يعني: كلما زينت له نفسه فعل شيء فعل هذا الشيء، فليس له غاية إلا السعادة، مع أنه أخطأ طريقها فلم يجد شمها ولم يذق طعمها الحقيقي.ثم يقول: (المؤمن والكافر، البر والفاجر، كل واحد منهم يريد السعادة، لو سألته: لم تعمل هذا؟ ولأي شيء تفعل ذاك؟ لقال: أريد السعادة! سواء أقالها بحروفها أم بمعناها، بمدلولها أو بحقيقتها.ثم ذكر السبب الثاني وهو أن كثيراً من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيراً منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية.وعند السبب الثالث بين أنه سبب هام جداً فقال: السبب الثالث: وهو سبب جوهري -أرجو أن ينال عنايتكم وانتباهكم- وهو أن كثيراً من المسلمين -وأخص الدعاة منهم- عندما يرون أصحاب السعادات الوهمية، يكون هذا الأمر عائقاً لهم عن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، فالداعية إلى الله سبحانه وتعالى يصاب في طريقه بعقبات، وهذا شأن طريق الدعوة، وهو بحاجة إلى من يثبته على هذا الطريق، ولكنه يرى كثيراً ممن يتصور خاطئاً أنهم أصحاب سعادات، يراهم يعيشون في قمة السعادة، وهنا يحدث له الضعف والوهن في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى، فيقول له الشيطان: ألا تكون مثل هؤلاء، ألا تعيش السعادة الحقيقية مثل هؤلاء؟ فيضعف عن الطريق.وكم من مستقيم ضل وانحرف عن الطريق قبل وفاته!كم من رجل كان يعيش السعادة الحقيقية، ثم انتقل منها إلى السعادة الوهمية، فلم يحقق السعادة في الدنيا، ولن يحققها في الآخرة!ومن هنا -أيها الإخوة- كتبت لكم عن السعادة، لنقف وقفات متأنية علنا نتبين حقيقتها، وهم هي أم حقيقة؟).
 

تعريف السعادة وأوهامها
يعرف الكاتب حفظه الله السعادة فيقول: (السعادة عند أهل اللغة: هي ضد الشقاوة، فلان سعيد، أي: ضد الشقي.وأهل التربية وعلماء النفس يقولون بعبارة موجزة جميلة: هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة والطمأنينة، والأريحية والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير).ثم يقول: (أوهام السعادة!سأقف طويلاً أيها الأخ الكريم عند هذه القضية؛ وما ذاك إلا لأنها قضية حاسمة، ومهمة في تحديد مسيرة حياتنا، بل وتحديد مفاهيمنا الخاطئة عن السعادة، والتي منها: السعادة في المال).فهو أولاً ذكر السعادة في المال وأتى بأمثلة على ذلك، كذلك أتى بأمثلة على سعادة الشهرة، ثم سعادة الشهادات، فيقول: (نتساءل كثيراً عن السعادة: هل السعادة في تكديس المال وفي جمع الثروات، وبناء العقارات والقصور؟هل هذه هي السعادة؟كثير من الناس يتوهم ذلك، فهذا سعيد؛ لأنه يملك الأرصدة في البنوك!وفلان سعيد، لأنه يملك كذا من الأراضي، وكذا من العمارات.فلان سعيد؛ لأنه يملك كذا وكذا!كثير من الناس يطلق هذا الوهم بلسانه، وكثير منهم يعتقده بقلبه، فيتصرف من هذا المنطلق الخاطئ.أقول: ليست السعادة في جمع المال، على حد قول الشاعر:ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيدأخي المسلم! أقف معك حول هذه القضية، أعني: قضية أن السعادة في المال؛ لأنها من أهم القضايا في أوهام السعادة، وجملة القول: ليس كل صاحب مال سعيداً، فكثير من أرباب المال وأصحاب الثروات يعيشون في شقاء وتعاسة دائمة في حياتهم الدنيا قبل الآخرة).ويمكن أن تسألوا أصحاب المال: هل وجدتم السعادة المنشودة؟يقول: (إنهم يتعبون في جمع المال، وفي حفظه واستثماره)، وقد يكون مشغولاً كيف يستثمر هذا المال؟ وكيف ينمّي هذا المال؟ثم يقول: (والقلق والخوف من فوات هذا المال وزواله).كم من إنسان يملك المليارات ولكنه خائف قلق، لماذا كل هذا الخوف؟ ولم كل هذا القلق؟إنه يخاف على هذا المال، يخاف أن تأتي هزة سياسية، أو يأتي لصوص فيسرقون هذا المال.إذاً: فهو يعيش في شقاء، خوف، قلق، هم، غم، بل إنه لا ينام الليل، وهذا أمر مجرب مشاهد ترونه بأعينكم، بل قد يكون المال سبب هلاكه ومماته.كم من غني خُطف أو قُتل بسبب تجارته؟بل كم من غني حرم من لذاته بسبب أمواله، تجده لا يمشي طليقاً، ولا يمشي حراً، لا يسافر كما يريد، لا ينام كما يريد، كل هذا بسبب أمواله؟ثم كم من إنسان صاحب مال زال ماله، وزالت ثرواته بسبب أو بآخر، فعاش بقية حياته في تعاسة وشقاء؟
 طلب السعادة في الشهادات والمناصب
هل السعادة في الشهادات، وأنه يصبح للإنسان شهادة ودرجة عالية؟يقول: (إذاً: أين السعادة؟ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً!).يعني: عندما كنا في الجامعة كان كثير من الطلاب غاية أمله أن يكون دكتوراً في الجامعة، هذا غاية ما يصبو إليه، ويواصل الليل بالنهار في المذاكرة والعمل من أجل هذه الغاية؛ لأنه يتصور أنه إذا صار دكتوراً في الجامعة سيكون من أعلى الناس منزلة ومن أسعد الناس.يقول: (ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً، لكني أقول لكم بكل ثقة: لا، ولنقف قليلاً مع ما يبرهن على هذا بجلاء ووضوح، إليكم هذه القصة الحديثة التي نشرتها مجلة اليمامة: طبيبة تصرخ تقول: خذوا شهاداتي وأعطوني زوجاً! انظروا كيف تقول هذه الطبيبة، تصوروا دكتورة في الطب، وربما كانت في نظر كثير من الناس سعيدة جداً).ثم يقول: (إذاً: لعل أصحاب السعادة هم أصحاب المناصب العالية المرموقة من قادة ووزراء وغيرهم؟ غير أني أقول لكم: لا، أتدرون لماذا؟ لأن المسئولية هم في الدنيا، وإن لم يقم صاحبها بحقها فهي حسرة وندامة يوم القيامة.صاحب المنصب والسلطان لا يفارقه الهم خوفاً من زواله، تجده يشقى للمحافظة عليه، وإذا زال منصبه ولابد أن يزول عاش بقية عمره تعيساً، والمنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، ولذلك يعيش في خوف وقلق دائمين.وكفانا على ذلك قصة فرعون وهامان صاحبي المناصب العالية المرموقة اللذان خلد القرآن قصتيهما.أما في العصر الحاضر، فأسرد لكم أمثلة سريعة:المثال الأول: شاه إيران الرجل الذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد أن يبسط نفوذه على الخليج، ثم على العالم العربي بعد ذلك، ليلتقي مع اليهود، ذلك الرجل الذي كان يتغنى ويتقلب كالطاوس، كيف كانت نهايته؟لقد تشرد، طرد، ولم يجد بلداً يأويه، حتى أمريكا التي كان أذل عميل لها).يعني: حتى أمريكا رفضت أن تستقبل هذا الشاه المجرم، واستقبلته مصر، وكانت تفتخر بأنها استقبلت شاه إيران المخلوع.يقول: (وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً في مصر، بعد أن أنهكه الهم، وفتك به السرطان.أما أولاده وأهله وحاشيته فقد أصبحوا أشتاتاً متفرقين في عدة قارات!المثال الثاني: رئيس الفلبين.هذا الرجل الطاغية ماذا حدث له؟ لقد قلبت نظري كثيراً في قصته، فوجدتها جديرة بأخذ العبرة منها، هذا الزعيم أذاقه الله غصص التعاسة والشقاء في الدنيا قبل الآخرة، فإذا به بين عشية وضحاها يتحول إلى شريد طريد يتنكر له أسياده وأصدقاؤه، ولا يملك الرجوع إلى بلد كان يرتع فيه كما يشاء، حتى إذا جاءت وفاته لم يستطع أن يحصل على أشبار قليلة في بلده يواري فيها سوأته، فسبحان مالك الملك!المثال الثالث: بوكاسا ، وما أدراك ما بوكاسا ! الذي صدر نفسه إمبراطوراً، وما زلنا نذكر صورته وأفعاله في أفريقيا الوسطى.يقول: (عندما زار فرنسا، قام عليه انقلاب، فتشرد في فرنسا حتى ضاقت به الأرض، فجاء إلى بلده باسم مستعار).يعني: أراد أن يدخل بلده فزيف جوازه ودخل باسم مستعار فكشف.قال: (فقبضوا عليه، وحوكم في بلده.ولا أعلم الآن أقتل أم لم يقتل؟ لكن المعلوم أنه أصيب بعدة أمراض: أهونها أمراض التعاسة والهم والغم، في البلد الذي نصب نفسه إمبراطوراً له.هذه بعض الأمثال السريعة، وما أكثر أمثال هؤلاء الذين ذكرت من السابقين واللاحقين، تجري فيهم سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.إذاً: هذه السعادة الوهمية التي يتصور الناس أنها حقيقة السعادة، كثير من الناس يبدو لأول وهلة أنهم سعداء، وهم في الواقع يتجرعون غصص الشقاء والبؤس والحسرة.يصور هذا المعنى الشاعر حمد الحجي رحمه الله في قصيدة له فيقول:وما لقيت الأنام إلا رأوا منيابتساماً ولا يدرون ما بيأظهر الانشراح للناس حتى يتمنوا أنهم في ثيابيثم يقول:ولو دروا أنني شقي حزينضاق في عينه فسيح الرحابلتناءوا عني ولم ينظرونيثم زادوا نفورهم في اغتيابيفكأني آتي بأعظم جرملو تبدت تعاستي للصحابهكذا الناس يطلبون المناياللذي بينهم جليل المصابومن أوضح الأمثلة على السعادة الوهمية ما تعيشه أوروبا، وبخاصة الدول الإسكندنافية، فهي أغنى الدول)، مثل السويد وغيرها من الدول.يقول: (فهي أغنى الدول، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب انتحار.فدولة السويد مثلاً هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار، بينما نجد الدول الإسلامية -مع أن أكثرها فقيرة- تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم).يعني: يشكل الانتحار أعلى قمة الشقاء والعياذ بالله؛ لأنها ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يجد شيئاً من السعادة، فهو يظن أنه قد يجد شيئاً منها بالموت.
موانع السعادة
يقول: (وهكذا نرى من خلال الواقع أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في الشهرة، ولا في الشهادات، ولا في المناصب، وما أشبه ذلك من حطام الدنيا.إذاً: أين تكمن أسباب السعادة، وما صفات السعداء سعادة واقعية حقيقية؟قبل الإجابة على هذا التساؤل، نمهد لذلك بذكر بعض موانع السعادة على وجه الاختصار).فيذكر من موانع السعادة: الكفر.يقول: كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] لا يمكن للكافر أن يصبح سعيداً، لا يمكن أن تجد كافراً سعيداً.ومن موانع السعادة أيضاً: المعاصي والآثام والجرائم).ومع أن الأدلة كثيرة على ذلك من الواقع ولكنه أورد أدلة هنا من كلام الكفار أنفسهم، من باب: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا [يوسف:26].يقول: (ولن أستشهد على هذا الأمر فهو واضح جلي، لكن أذكر قولاً من أقوال الكفار، لبيان هذه القضية.يقول ألكس كاريل : إن الإنسان لم يدرك بعد فداحة النتائج التي تترتب على الخطيئة، ونتائجها لا يمكن علاجها على وجه العموم).يعني: إذا عمل الإنسان خطيئة يجد نتيجة هذه الخطيئة.(ويقول سقراط -وهو كافر-: إن المجرم دائماً أشقى من ضحيته، وإن من يكون مجرماً ولم يعاقب على جرمه يكون من أشقى الناس).يعني: يصف من قتل أو فعل شيئاً من هذه الفواحش والمعاصي ولم يعاقب أنه يعيش شقياً بجريمته، فهذا شقاء في الدنيا ونكد معجل لهؤلاء: ولَنُذِيقَنَهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ [السجدة:21].يقول: (فهكذا يقول هذان الكافران، بينما نجد أن صحابياً أذنب، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله طهرني، وكررها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام عليه الحد.ثم يذكر من موانع السعادة: الحسد والغيرة، والحقد والغل.ثم يقول: (فإن الظلم مرتعه وخيم، وعاقبته سيئة إلى أبعد الحدود، يقول: فلنقف على مثالين معاصرين يصوران عقبى الظلم ومآل الظلمة، يقول: هما حمزة البسيوني وصلاح نصر ، فقد كانا من جنود زعيمهما الهالك جمال عبد الناصر -لعنة الله على الظالمين-، يقول: .. صبا على الدعاة إلى الله من الظلم والعذاب ما تقشعر له الأبدان، ولكن: كيف كانت حياتهما؟ شر حياة.أما حمزة البسيوني فقد بلغ به التجبر والطغيان إلى حد أنه كان يقول للمؤمنين وهو يعذبهم حينما يستغيثون بالله يقول: أين إلهكم لأضعه في الحديد؟وأما صلاح نصر فقد كان يعقد على زوجات الناس عقوداً وهمية، وهن في عصمة رجال آخرين ويتزوجهن، لكن كيف كانت نهاية أولئك الطغاة؟يقول: .. حمزة البسيوني اصطدمت سيارته وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية بشاحنة تحمل حديداً، فدخل الحديد في جسمه من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعجز المنقذون أن يخرجوه إلا قطعاً.هكذا أهلكه الله بالحديد، وهو الذي كان يقول: إنه سيضع الله في الحديد، تعالى الله عما يقول الظالمون).وضع الله في جسمه الحديد وأهلكه بالحديد.يقول: (وأما صلاح نصر فقد أصيب بأكثر من عشرة أمراض مؤلمة مزمنة، عاش عدة سنوات من عمره في تعاسة، ولم يجد له الطب علاجاً، حتى مات سجيناً مزجوجاً به في زنزانات زعمائه الذين كان يخدمهم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته).ثم يذكر أيضاً من موانع السعادة: الخوف من غير الله عز وجل، والتشاؤم، وسوء الظن، والكبر، وتعلق القلب بغير الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، يعني: كل من علق قلبه بغير الله فهو في تعاسة وشقاء، سواء كان مالاً أو دنيا أو امرأة لابد من التعاسة والشقاء.ثم يذكر المخدرات في موانع السعادة فيقول: (إن كثيراً من الناس يتوهم أن السعادة تجتلب في معاقرة المخدرات والمسكرات، فيقبلون عليها قاصدين الهروب من هموم الدنيا ومشاغلها وأتراحها، وإذا بهم يجدون أنفسهم كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ لأن المخدرات في الحقيقة من الحوائل دون السعادة، وأنها تجلب الشقاء واليأس والانحلال والدمار؛ دمار الفرد والمجتمع والأمة، وإن لنا في الواقع الحاضر لخير شاهد على ذلك، فليعتبر أولو الألباب).ثم يختم الرسالة بذكر أسباب السعادة، فيبين أن أعظم سبب في السعادة هو الإيمان بالله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] أي: سعادة حقيقية في الدنيا، ثم ينتقل إلى سعادة الأبد في الآخرة، يقول تعالى: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]، ثم يذكر أن من أسباب السعادة الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، والحرص على العلم الشرعي، والإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن، والإحسان إلى الناس، وغيرها مما يضيق الوقت عن سرده في هذا المقام.وأكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
 طلب السعادة في الشهادات والمناصب
هل السعادة في الشهادات، وأنه يصبح للإنسان شهادة ودرجة عالية؟يقول: (إذاً: أين السعادة؟ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً!).يعني: عندما كنا في الجامعة كان كثير من الطلاب غاية أمله أن يكون دكتوراً في الجامعة، هذا غاية ما يصبو إليه، ويواصل الليل بالنهار في المذاكرة والعمل من أجل هذه الغاية؛ لأنه يتصور أنه إذا صار دكتوراً في الجامعة سيكون من أعلى الناس منزلة ومن أسعد الناس.يقول: (ربما كانت في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتوراً، لكني أقول لكم بكل ثقة: لا، ولنقف قليلاً مع ما يبرهن على هذا بجلاء ووضوح، إليكم هذه القصة الحديثة التي نشرتها مجلة اليمامة: طبيبة تصرخ تقول: خذوا شهاداتي وأعطوني زوجاً! انظروا كيف تقول هذه الطبيبة، تصوروا دكتورة في الطب، وربما كانت في نظر كثير من الناس سعيدة جداً).ثم يقول: (إذاً: لعل أصحاب السعادة هم أصحاب المناصب العالية المرموقة من قادة ووزراء وغيرهم؟ غير أني أقول لكم: لا، أتدرون لماذا؟ لأن المسئولية هم في الدنيا، وإن لم يقم صاحبها بحقها فهي حسرة وندامة يوم القيامة.صاحب المنصب والسلطان لا يفارقه الهم خوفاً من زواله، تجده يشقى للمحافظة عليه، وإذا زال منصبه ولابد أن يزول عاش بقية عمره تعيساً، والمنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، ولذلك يعيش في خوف وقلق دائمين.وكفانا على ذلك قصة فرعون وهامان صاحبي المناصب العالية المرموقة اللذان خلد القرآن قصتيهما.أما في العصر الحاضر، فأسرد لكم أمثلة سريعة:المثال الأول: شاه إيران الرجل الذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد أن يبسط نفوذه على الخليج، ثم على العالم العربي بعد ذلك، ليلتقي مع اليهود، ذلك الرجل الذي كان يتغنى ويتقلب كالطاوس، كيف كانت نهايته؟لقد تشرد، طرد، ولم يجد بلداً يأويه، حتى أمريكا التي كان أذل عميل لها).يعني: حتى أمريكا رفضت أن تستقبل هذا الشاه المجرم، واستقبلته مصر، وكانت تفتخر بأنها استقبلت شاه إيران المخلوع.يقول: (وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً في مصر، بعد أن أنهكه الهم، وفتك به السرطان.أما أولاده وأهله وحاشيته فقد أصبحوا أشتاتاً متفرقين في عدة قارات!المثال الثاني: رئيس الفلبين.هذا الرجل الطاغية ماذا حدث له؟ لقد قلبت نظري كثيراً في قصته، فوجدتها جديرة بأخذ العبرة منها، هذا الزعيم أذاقه الله غصص التعاسة والشقاء في الدنيا قبل الآخرة، فإذا به بين عشية وضحاها يتحول إلى شريد طريد يتنكر له أسياده وأصدقاؤه، ولا يملك الرجوع إلى بلد كان يرتع فيه كما يشاء، حتى إذا جاءت وفاته لم يستطع أن يحصل على أشبار قليلة في بلده يواري فيها سوأته، فسبحان مالك الملك!المثال الثالث: بوكاسا ، وما أدراك ما بوكاسا ! الذي صدر نفسه إمبراطوراً، وما زلنا نذكر صورته وأفعاله في أفريقيا الوسطى.يقول: (عندما زار فرنسا، قام عليه انقلاب، فتشرد في فرنسا حتى ضاقت به الأرض، فجاء إلى بلده باسم مستعار).يعني: أراد أن يدخل بلده فزيف جوازه ودخل باسم مستعار فكشف.قال: (فقبضوا عليه، وحوكم في بلده.ولا أعلم الآن أقتل أم لم يقتل؟ لكن المعلوم أنه أصيب بعدة أمراض: أهونها أمراض التعاسة والهم والغم، في البلد الذي نصب نفسه إمبراطوراً له.هذه بعض الأمثال السريعة، وما أكثر أمثال هؤلاء الذين ذكرت من السابقين واللاحقين، تجري فيهم سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.إذاً: هذه السعادة الوهمية التي يتصور الناس أنها حقيقة السعادة، كثير من الناس يبدو لأول وهلة أنهم سعداء، وهم في الواقع يتجرعون غصص الشقاء والبؤس والحسرة.يصور هذا المعنى الشاعر حمد الحجي رحمه الله في قصيدة له فيقول:وما لقيت الأنام إلا رأوا منيابتساماً ولا يدرون ما بيأظهر الانشراح للناس حتى يتمنوا أنهم في ثيابيثم يقول:ولو دروا أنني شقي حزينضاق في عينه فسيح الرحابلتناءوا عني ولم ينظرونيثم زادوا نفورهم في اغتيابيفكأني آتي بأعظم جرملو تبدت تعاستي للصحابهكذا الناس يطلبون المناياللذي بينهم جليل المصابومن أوضح الأمثلة على السعادة الوهمية ما تعيشه أوروبا، وبخاصة الدول الإسكندنافية، فهي أغنى الدول)، مثل السويد وغيرها من الدول.يقول: (فهي أغنى الدول، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب انتحار.فدولة السويد مثلاً هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار، بينما نجد الدول الإسلامية -مع أن أكثرها فقيرة- تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم).يعني: يشكل الانتحار أعلى قمة الشقاء والعياذ بالله؛ لأنها ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يجد شيئاً من السعادة، فهو يظن أنه قد يجد شيئاً منها بالموت.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة السعادة للشيخ : أحمد فريد

http://audio.islamweb.net