اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فصلت [52-54] للشيخ : المنتصر الكتاني


تفسير سورة فصلت [52-54] - (للشيخ : المنتصر الكتاني)
القرآن العظيم كتاب الله الذي أودع فيه من العلوم ما لا ينتهي، والإنسان إنما يدرك منه بحسب فهمه وما يحتمله عقله، وقد أخبر الله فيه من أخبار السابقين وعلوم الكون وأخبار اللاحقين ما جاء يصدقه الواقع ويوافقه الكشف العلمي الحديث.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله...)
قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [فصلت:52].أي: قل لهم يا محمد! من بعد المناظرة وقيام الحجة، أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ، أي: إن كان هذا القرآن كلام الله حق وكان الإسلام ديناً أتى به الله وأوحى به إلى نبيه وعبده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف سيكون حالكم؟ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ، أي: من أضل من المشاقة ومن المخالف ومن شق عصا الطاعة والتوحيد والإيمان والاستسلام لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكتابه؟ فإذا وجد أن القرآن حق وهو حق، ووجد أن القرآن كلام الله الحق وهو كذلك؛ فكيف سيكون حاله؟ فهل هناك أضل ممن قد شق الطريق وعصا الطاعة والتوحيد فهو في شقاق بعيد، وقد أبعد في الكفر وأغرق فيه، وزاد كفراً على كفر، وأصبح كفره مضاعفاً مركباً؛ لأنه لم يبن على مجرد قول، بل بني على ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج فيها يده لم يكد يراها.وهناك الجهل البسيط والجهل المركب.فالجهل البسيط: أن يكون جاهلاً ويعلم نفسه جاهلاً، فإذا علم تعلم. وهناك المشرك شركاً بسيطاً وشركاً معقداً مركباً.فالشرك البسيط: هو أن يكون عن جهل، فإذا علمته وأفهمته وذكرت له شيئاً عن الله وعن كتابه وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أعطاك سمعه وعينه، وأما ذاك إذا ذكرت له ذلك ازداد شركاً وكفراً وإلحاداً وأصر عليه وأتى بشبهات شياطين الجن والإنس وقال: لا آخرة ولا رسالات. فهذا كفره مركب.ومن كان كفره كفراً مركباً لا يكاد يرجى منه خير، ولا ترجى هدايته يوماً كبعض مشركي مكة مثلاً. وكان عمر والرعيل الأول كذلك، ولكن كان شركهم مبنياً على دين قومهم ولم يأت بعد رسول يعلمهم ولا كتاب يفهمون عنه، فعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرضوا ما شاء الله أن يعرضوا، ثم أعطوه آذانهم، فإذا بهم يكتشفون أن هذا الكلام لا يقوله مفتر ولا كذاب ولا ساحر، وإنما هو كلام عن المصحف ومن نور المصحف، فإذا بهم يبادرون بالإسلام، فيصبحون بعد الإيمان سادة الأرض وسادة الأقوام كما كانوا سادتهم في الجاهلية.وأما كفر أبي لهب وأبي جهل فكان كفراً مركباً، وكانا يعتقدان أن محمداً كذا وكذا، وأن الدين الحق هو ما أتى به آباؤهم وأجدادهم، وقاوموا النبي عليه الصلاة والسلام ودعوا إلى هجرانه وإلى مقاطعته وإلى قتله وإلى سجنه، وحاولوا أن يؤلبوا عليه جزيرة العرب بما فيها من يهود ونصارى فعادوا بالخذلان وبالخسران وماتوا على الكفر، ولم يهتد أحد منهم؛ لأن شركهم كان مركباً ومعقداً.إذاً: فقول ربنا جل جلاله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ، أي: قل يا محمد! لهؤلاء: أن يجعلوها مناظرة واحتمالاً، فإن اكتشفوا بعد فوات الأوان يوم القيامة والبعث الذي أنكروه، ووجدوا أنك رسول الله حقاً، وأن القرآن كلام الله الحق؛ فكيف سيكون حالهم؟ فلا يوجد أضل ولا أكثر ضلالاً وغواية وظلماً ومصيبة على نفسه قبل أن يكون على غيره ممن هو في شقاق بعيد، أي: ممن كان في شقاق وفي نزاع وقد شق عصا الموحدين والمؤمنين، وأبعد في الكفر بعد أن أصبح بعيداً عن أن يكون مؤمناً يوماً!
 

تفسير قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق...)

 ديننا دين القراءة والعلم
والإنسان إذا فقد عقله لم يتعلم ولم يكن شيء، والله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأول آية نزلت في كتاب الله وعلى خاتم رسل الله نبينا عليه الصلاة والسلام: اقرأ، فكانت القراءة أول آية نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل من رب العزة جل جلاله، قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4]. فذكرت القراءة والقلم في أول آية. فهذا القلم الضعيف الهزيل الذي يكتب علوم الأولين والآخرين، وهذه القراءة التي اكتشفت فيها الحروف ومعاني الحروف منذ آماد، هو الاختراع الذي لم يأت بعده مثله قط، وهذا الحرف الذي لا يزيد على شرطة مستطيلة أو مربعة أو مسلسلة أو مثلثة أو مستديرة، وكل دائرة من هذه الدوائر تدل على معنى من المعاني سجل به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلوم الأوائل والأواخر وما كان وما يكون. والذي أتى بهذا كان أمياً، والأمي إذا رآك على كتاب قال: هذا مسكين، يؤذي بصره ويضيع وقته، ولا يرى في ذلك إلا ألاعيب أرجل الدجاج وأيدي الأطفال. والأمر ليس كذلك، فهو الأمر الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ليأمر به أمته، قال تعالى: اقْرَأْ . فالإسلام ابتدأ أول ما ابتدأ بالعلم وبالقراءة وبالقلم، وقد أعلى الله شأن العلم في كتابه، وجعل العلماء في الدرجة الثانية بعد الأنبياء، وأشاد في كتابه بهم وأشاد بهم النبي عليه الصلاة والسلام، وما جعل ورثته وخلفاءه إلا العلماء.وقال ربنا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وقد قرئ: (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء)، وذلك لما يحملون في صدورهم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحكمة التي تنفع الناس مدة وجودهم على هذا الكوكب الأرضي.قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، وقد أرانا وأطلعنا وسيطلع الذين يأتون بعدنا على أكثر مما أرانا.والآفاق جمع أفق، وهي نواحي العالم، وهي السماء والأرض. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي: حتى يظهر ويتأكد ويعلم ذلك بالدليل والبرهان من يستطيع ذلك، فمن هداه الله ووفقه سيفهم ذلك، ومن غطى الران على قلبه فلا يزيده ذلك إلا جهلاً وظلاماً، كأولئك الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام رأوا أنواره المتلألئة وصدقه الذي ينبئ عنه وجهه قبل أن يتكلم، ورأوا معجزاته، وقد مضى على وجوده في الأرض أربعون عاماً وليس له علم ولا قراءة ولا معرفة، وقد كان على خلق كريم، فلم يعرف بكذبة ولا بغدرة ولا بسجدة لغير الله، إلى أن أمره الله بعبادته، ومع ذلك فإنك تجد البعض مثل أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وكل من لم يسلم لم يدخل حب النبي بين جنبيه. ومن هنا قال أحد الناس للمقداد بن عمرو بن الأسود رضي الله عنه: ليتنا أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيناه ونصرناه، فقال له: لا تقل ذلك، فقد تدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تؤمن به، وقد أكرمك الله الآن، فآمنت به وبكتابه وصدقت برسالته، فأنت أفضل وأكرم من الكثيرين ممن رأوه ولم يؤمنوا به، ولم يصدقوه. وهذا كلام حق. وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أي: أولم يكف ربك؟ فهو فاعل جر بالحرف، ولكن معنى الفاعلية لم يزل، والمعنى: أولم يكفك أيها السامع! أن يكون ربك شاهداً على صدق القرآن وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق الحق وضياع الباطل وأوهامه، وأنها من وحي الشياطين، وأنها تضر أصحابها ولا تنفعهم.
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم...)
قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [فصلت:54].ألا: حرف تنبيه، أي: ألا يا هؤلاء! أعيروني أسماعكم وأبصاركم، أي: انتبهوا، وهذا كما يقول الضابط للجندي: انتبه، ومعناه: أعطني أذنك وسمعك ولا تفكر في شيء إلا فيما سأملي عليك، وفي لغة العرب من حروفها وأدواتها ما يدل على هذا المعنى، فلو قال الضابط للجندي الذي يفهم اللغة العربية: ألا فاستمع، كانت (ألا) قائمة مقام انتبه.فقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أي: ألا إن هؤلاء المشركين الكافرين الذين لم يؤمنوا بالله في مرية وشك وتردد وارتياب من لقاء ربهم، أي: من يوم البعث والعودة إلى الحياة والعرض على الله، والشك في يوم القيامة كفر.ثم ذكر ربنا عن نفسه: بأنه بكل شيء محيط، أي: أحاط علمه بكل شيء إحاطة الحائط، وتعالى الله عن المثل والشبيه، وكلمة (أحاط) من الحائط، وسمي حائطاً؛ لأنه يحيط بذلك البناء أو بتلك الساحة.قوله: أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ هو أيضاً تنبيه، أي: انتبهوا يا هؤلاء! فإن علم الله وبصره وسمعه وإرادته محيطة بكل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو المحيي المميت والرازق لكل شيء والعالم بكل شيء، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء أو في الأرض، أفظن هؤلاء أنهم سيفلتون من عقاب الله وعذابه؟ هيهات هيهات أن يفلتوا، وما بينهم وبين العقاب إلا أن يموتوا، ثم تعذب أرواحهم في القبر، ثم أجسادهم بعد ذلك في النار، عذاباً خالداً ينسيهم عذاب القبر وعذاب الدنيا.وهذه السورة سميت بالسجدة لما فيها من السجود. وسميت كذلك بفصلت أخذاً من كلمة (فصلت) التي ذكرت في أولها، أي: بينت آياتها وعلمت، وبين حلالها وحرامها.
 ديننا دين القراءة والعلم
والإنسان إذا فقد عقله لم يتعلم ولم يكن شيء، والله هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وأول آية نزلت في كتاب الله وعلى خاتم رسل الله نبينا عليه الصلاة والسلام: اقرأ، فكانت القراءة أول آية نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل من رب العزة جل جلاله، قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4]. فذكرت القراءة والقلم في أول آية. فهذا القلم الضعيف الهزيل الذي يكتب علوم الأولين والآخرين، وهذه القراءة التي اكتشفت فيها الحروف ومعاني الحروف منذ آماد، هو الاختراع الذي لم يأت بعده مثله قط، وهذا الحرف الذي لا يزيد على شرطة مستطيلة أو مربعة أو مسلسلة أو مثلثة أو مستديرة، وكل دائرة من هذه الدوائر تدل على معنى من المعاني سجل به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلوم الأوائل والأواخر وما كان وما يكون. والذي أتى بهذا كان أمياً، والأمي إذا رآك على كتاب قال: هذا مسكين، يؤذي بصره ويضيع وقته، ولا يرى في ذلك إلا ألاعيب أرجل الدجاج وأيدي الأطفال. والأمر ليس كذلك، فهو الأمر الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ليأمر به أمته، قال تعالى: اقْرَأْ . فالإسلام ابتدأ أول ما ابتدأ بالعلم وبالقراءة وبالقلم، وقد أعلى الله شأن العلم في كتابه، وجعل العلماء في الدرجة الثانية بعد الأنبياء، وأشاد في كتابه بهم وأشاد بهم النبي عليه الصلاة والسلام، وما جعل ورثته وخلفاءه إلا العلماء.وقال ربنا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وقد قرئ: (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء)، وذلك لما يحملون في صدورهم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحكمة التي تنفع الناس مدة وجودهم على هذا الكوكب الأرضي.قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ، وقد أرانا وأطلعنا وسيطلع الذين يأتون بعدنا على أكثر مما أرانا.والآفاق جمع أفق، وهي نواحي العالم، وهي السماء والأرض. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي: حتى يظهر ويتأكد ويعلم ذلك بالدليل والبرهان من يستطيع ذلك، فمن هداه الله ووفقه سيفهم ذلك، ومن غطى الران على قلبه فلا يزيده ذلك إلا جهلاً وظلاماً، كأولئك الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام رأوا أنواره المتلألئة وصدقه الذي ينبئ عنه وجهه قبل أن يتكلم، ورأوا معجزاته، وقد مضى على وجوده في الأرض أربعون عاماً وليس له علم ولا قراءة ولا معرفة، وقد كان على خلق كريم، فلم يعرف بكذبة ولا بغدرة ولا بسجدة لغير الله، إلى أن أمره الله بعبادته، ومع ذلك فإنك تجد البعض مثل أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وكل من لم يسلم لم يدخل حب النبي بين جنبيه. ومن هنا قال أحد الناس للمقداد بن عمرو بن الأسود رضي الله عنه: ليتنا أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيناه ونصرناه، فقال له: لا تقل ذلك، فقد تدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تؤمن به، وقد أكرمك الله الآن، فآمنت به وبكتابه وصدقت برسالته، فأنت أفضل وأكرم من الكثيرين ممن رأوه ولم يؤمنوا به، ولم يصدقوه. وهذا كلام حق. وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أي: أولم يكف ربك؟ فهو فاعل جر بالحرف، ولكن معنى الفاعلية لم يزل، والمعنى: أولم يكفك أيها السامع! أن يكون ربك شاهداً على صدق القرآن وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق الحق وضياع الباطل وأوهامه، وأنها من وحي الشياطين، وأنها تضر أصحابها ولا تنفعهم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فصلت [52-54] للشيخ : المنتصر الكتاني

http://audio.islamweb.net