اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فصلت [1-6] للشيخ : المنتصر الكتاني


تفسير سورة فصلت [1-6] - (للشيخ : المنتصر الكتاني)
القرآن الكريم كتاب الله المحكم، فصلت آياته ووضحت عباراته باللغة العربية، ولكن الجاحدين يعرضون عن الإذعان له وكأنهم لا يسمعون، بل يجاهرون بأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فالله يتكفل بجزائهم وعقوبتهم.
سبب نزول سورة فصلت
قال ربنا جل جلاله: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4].هذه السورة سورة مكية، نزلت في مكة المكرمة، وهي مشتملة على 54 آية. وأول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولعل ذلك كان سبب نزولها- أنه اجتمع كفار قريش في ناديهم حول الكعبة المشرفة فقال قائل منهم -قيل هو أبو جهل -: لقد التبس علينا أمر محمد، فهذا الذي أتى به ودعا إليه ما هو؟ هل هو سحر أم كهانة أم شعر؟وكان عتبة بن ربيعة أعلمهم بالشعر وبالكهانة وبالسحر وكان سيداً من ساداتهم وكبيراً من كبرائهم، فقالوا له: يا أبا الوليد اجتمع بمحمد واسمع خبره وكلمه لعله يكف عما هو قائم به نحونا.وكان ذلك منهم عندما أسلم حمزة وعمر معاً وأخذ أتباع النبي عليه الصلاة والسلام يكثرون يوماً بعد يوم.فجاء إليه عتبة وقال: يا محمد! يا أبا القاسم! لم تر العرب رجلاً مثلك شتت قومه وعاب آباءه، وشتم دينهم وذكر أبناءهم وآباءهم بسوء، فما هذا الذي أتيت به؟ هل أنت خير أم أبوك عبد الله أم جدك عبد المطلب أم جدك هاشم أم جدك قصي ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ساكت لا يجيبه.فأخذ يزيد ويقول له: إن كان هذا الذي بك مرض جمعنا لك من أموالنا، حتى نأتيك بأطباء يعالجون مرضك، وإن كنت تريد الملك ملكناك علينا ورفعنا راياتك على رءوسنا، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشراً من عقائل قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من المال حتى تكون أغنى رجل في قريش أنت وعقبك!فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أفرغت يا أبا الوليد ؟! قال: نعم. قال: فاسمع مني، قال: كلي لك سمع! فقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام: بسم الله الرحمن الرحيم حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4]، إلى أن تلا إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13])، وإذا بـعتبة عندما وصل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هذه الآية يضع يده على فمه ويقول: نشدتك الله والرحم التي بينك وبيننا، فأتم السورة إلى أن وصل إلى السجدة فسجد وعتبة يرى ذلك في ذهول، ثم تركه وذهب إلى قريش فقالوا قبل أن يصل: والله لقد عاد إليكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد!فجاء فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: اجعلوها علي ودعوا محمداً وما يدعو إليه واعتزلوه واتركوه للعرب، فإنهم إن غلبوه كفيتموه وإن انتصر عليهم فملكه ملككم وعزّه عزّكم وشرفه شرفكم، فوالله لقد قلت الشعر وسمعته فما قوله بالشعر، ورأيت الكهانة واستعملتها فما قوله بالكهانة ولا هو بالكاهن، ورأيت السحر واستعملته وما هو بالساحر ولا قوله بالسحر. فصاح فيه أبو جهل وقال له: يا أبا الوليد! لقد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فغضب عتبة وقال: والله لا كلمت محمداً بعد اليوم، وإنكم لتعلمون أني أكثركم مالاً وأرفعكم نسباً.فكانت هذه السورة وهي إحدى الحواميم التي قال عنها ابن مسعود وابن عباس: الحواميم لباب القرآن، وقالوا عنها: هي عرائس القرآن. وكان شعار النبي صلى الله عليه وسلم وكلمة السر في بعض غزواته: حم لا ينصرون.
 

الكلام على الحروف المقطعة وبيان خلود معجزة القرآن
قال تعالى: حم . هذه الحروف المقطّعة في تفسيرها، هل هي كلمات ورموز لمعان؟ وهل هي أسماء للسور التي يبتدأ بها؟ حكي في ذلك الكثير من الأقوال، وقد تكلمنا على ذلك في بداية سورة البقرة وقلنا: إن معناها: أن هذه الحروف المقطّعة هي أجزاء من حروف الهجاء العربية التي ينشأ منها كلام العرب، فبها نطق القرآن وبها تكلم الله، فيا أيها السامعون من العرب ومتقني لغة العرب! القرآن نزل معجزاً في اللفظ وفي المعنى، فإن استطعتم أن تأتوا بمثله فأتوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً، ولو تواطأ الجن والإنس على ذلك لعجزوا ولما استطاعوا. وتفسير ذلك كأن يقول مثلاً الطبيب الكيميائي: الإنسان عبارة عن عناصر ماء وفحم وكربون وملح وسكر وما إلى ذلك من العناصر الأخرى، ويقول لك: هذه المواد أمامك فاصنع منها إنساناً كما صنعه الله جل جلاله، فإن الله تعالى يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [غافر:67]، إلى بقية الأطوار، وها هو التراب أمامكم فخذوا منه وزن رجل واصنعوا منه إنساناً، أو اصنعوا من النطفة إنساناً! أيستطيع أحد ذلك؟ ذلك هو الإعجاز، وذلك هو كلام الله المعجز في لفظه ومعناه.وقد يأتي إنسان إلى بناء عظيم الطول والعرض، شاهق في عنان السماء، فيعجبه شكله وهندسته ومكانته ويبني مثله، أما أن يأتي بكتاب في البلاغة والفصاحة والإعجاز كالقرآن فما كان ذلك ولن يكون يوماً من الأيام. وقد حاول المتنبئون الكذبة منذ مسيلمة الكذاب الدجّال إلى المعري -فيما ذكروه- أن يُعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فأتوا باللفظ المضحك الذي يضحك الثكلى وتنسى موت ولدها وحزنها وبأسها وما ابتليت به.وكتاب الله هو المعجزة الدائمة المسترسلة المستمرة التي آمن بها من سبقنا في عصر الصحابة والنبوة، ونحن جئنا بعدهم بأربعة عشر قرناً والأمر كما قاله كتاب الله، لم يستطع أحد خلال هذه القرون المتطاولة أن يأتي بمثله أو بسورة منه، فقد بقي معجزاً في لفظه ومعناه، وتلك معجزة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدائمة كما أخبر عنها الله، وجميع المعجزات الماضية أدت مهمتها وقامت بوظائفها فآمن بها من آمن وانتهت بموت من أتى بها.وأما القرآن فهو المعجزة الدائمة المستمرة الذي يرى كل جيل معجزته، سواء جاء في عصر القرآن أو من بعده إلى يوم القيامة، فهذا الكتاب العظيم هو كلام الله وخاتم كتبه بما فيه من إعجاز لفظي ومعنوي.
 

تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)
تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2]. أي: هذا الكتاب المنطوق به المكون من مثل حروفكم هو تنزيل من الرحمن الرحيم، أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، نزل به الروح الأمين على قلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو تنزيل من الرحمن الرحيم، أي: من الله الكريم، وليس هو قول محمد صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من الخلق، فهو صلى الله عليه وسلم لبث فيهم عمراً من دهره ومن حياته، وكان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فمن أين له هذه العلوم والمعارف التي تجاوز بها علوم الأولين والآخرين؟ وكما قال العارف: كفاك بالعلم في الأميّ معجزةفي الجاهلية والتأديب في اليتمفقد عاش أربعين سنة بين قومه وكلهم أميون، وكلهم لا يحسبون ولا يكتبون وهو منهم، ثم جاءه جبريل روح الله في غار حراء وقال له: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ؟)، فأخذه وضمه إليه أولاً وثانياً وثالثاً وهو يقول: (ما أنا بقارئ؟)، أي: أنا أمي، فقال: اقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] ومن يومئذ ألهم الله تعالى نبيه وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم، وأوحى إليه من العلوم والمعارف ما لم يسبقه فيها أحد منذ آدم أبي البشر إلى عصره، وما أعلم منه إلا الله جل جلاله، فلقد أحاط بعلوم الأولين والآخرين. وقد خطب صلى الله عليه وسلم يوماً في مسجده النبوي في المدينة المنورة خطبة ابتدأها عقب صلاة الصبح ولم ينهها إلا عند صلاة المغرب، فلما أذّن الظهر نزل فصلى ثم صعد المنبر، ولما أذّن العصر نزل فصلى ثم صعد المنبر، وبقي إلى أذان المغرب، وقد ذكر في هذه الخطبة التي استمرت أكثر من عشر ساعات ما كان وما يكون من بدء الخلق من يوم خلق السماوات والأرض، وتكلّم على خلق الدنيا وخلق بني آدم والخلائق وما كان من الأنبياء وأممهم إلى حياته، وتكلم على ما بعده إلى يوم القيامة والحشر والنشر، وتكلم على الجنة ومن يدخلها وعلى النار ومن يدخلها. وقد قال الرواة الذين حضروا هذه الخطبة وهم العشرات من الصحابة منهم عمر وعلي وحذيفة بن اليمان وأبو هريرة وغيرهم: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، ما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلان إلا وحدثنا باسمه واسم أبيه ونسبه والوقت الذي سيظهر فيه، ما من طائر يطير في السماء إلا وذكر لنا منه علماً، ولكن أعلمنا أحفظنا).وقال حذيفة : إني أنسى الشيء زمناً ثم أراه كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فأتذكّر قوله وكلامه، فأذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد حدّثنا عن ذلك يوماً. قوله: تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:2]، أي: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم، وليس كما زعم الكفرة الفجرة غير البررة بأن هذا القرآن من صنع بشر، وقد تمالأ عليه أقوام آخرون، بل هو وحي الله وكلامه أرسل به جبريل روح الله إلى قلب خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
 

تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته...)

 معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)
إذاً: فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات. ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً. وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب. والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.
تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4].قوله تعالى: بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فصلت:4]، أي: حال هذا القرآن ونزوله أنه نزل بشيراً لأوليائه المؤمنين، يبشرهم بالجنة وبالطاعة وبالرضا، ونذيراً للكافرين وللمشركين ينذرهم بعذاب الله وبالنار وبخزي الدنيا والآخرة. قوله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4]، أي: أعرض أكثر الناس وابتعدوا وأعطوا ظهورهم لدعوة الله وللا إله إلا الله، ولدعوة الرسل ولدعوة خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم، فأعرضوا عن ذلك، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:4]. أي: لا يريدون سماعاً، فقد أصموا آذانهم وابتعدوا عن الفهم وعن الوعي، فهم كالصم الذين لا يسمعون، وإن سمعوا فهم لا يفقهون ولا يفهمون ولا يعون.
 معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)
إذاً: فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات. ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً. وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب. والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ...)
قال تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5]. أي: أنهم لا يسمعون ولا يريدون السماع، ومع ذلك فإنهم وبكل تحد وشرك وكفر يقولون: قلوبنا في أكنة، أي: إن القلوب التي تفهم وتعي وتحفظ وتسمع في أكنة: جمع كنان، أي: في أغطية مغلفة فهي لا تسمع، قد غطاها الران، ولذلك يقولون لأنبيائهم وخلفاء أنبيائهم من العلماء والدعاة إلى الله: لا تسمعونا فنحن قلوبنا مغلّفة لا تسمع ولا تحفظ ولا تعي.فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يدعونهم إلى لا إله إلا الله وإلى الإسلام وإلى التزام الحلال وترك الحرام، وإلى الآداب وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى مؤاخاة كل مسلم ومعاداة غير المسلم؛ وهم يقولون لهم: دعوتكم إلى التوحيد والحلال والحرام والرقائق والآداب لا تسمعها قلوبنا ولا تفهمها، فهي مغلّفة ومغطّاة، فلا تتعبوا أنفسكم. وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ . أي: يقولون إن في آذانهم صمماً، والأصم لا يسمع، وآذاننا: جمع أذن، وقر أي: ثقل وصمم، فهم لا تسمع آذانهم ولا تعي قلوبهم. وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت:5]، أي: بيننا وبينك يا محمد! حجاب من الكفر ومن الفسق، فقد حجبوا أنفسهم خلف الكفر فكفروا بالله وبكتابه وبرسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحجبوا أنفسهم بالشرك وبالجحود وبالضلال وبارتكاب المعاصي والمخالفات على كل أشكالها وأنواعها.فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5]. أي: اعمل على دينك وعلى توحيدك واصنع ما تشاء في نفسك. إِنَّنَا عَامِلُونَ ، أي: أنهم عاملون بكفرهم وبشركهم، وعلى حسب صممهم والأغلفة التي على قلوبهم والحجب التي حجبوا بها قلوبهم وعقولهم من الشرك والكفر عن سماع كلمة الحق والتوحيد.وهذا وإن كان وصفاً للكفار المعاصرين فهو وصف لكل كافر قبلهم وبعدهم، وفي عصرنا شاهدنا هذا وعلمناه وعاشرنا أصحابه، فإنك إذا أسمعتهم كلمة الله وشعروا بأن الحاضرين على وشك أن يسمعوا ويفهموا ويتقيدوا به صاحوا: لا نريد أن نسمع، ونحن لا نعقل، وآذاننا لا تقبل هذا، هذا تخريف ورجعية! فالكفر واحد، ولذلك فالكافر يرجع لكفر آبائه وأجداده في الجاهلية. والمسلم هو الذي يجدد الإسلام في كل حين ويبينه كما بيّنه السلف الصالح من غير تحريف ولا زيادة ولا تأويل. فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ، أي: فليعمل النبي والمؤمنون على دينهم وبمقتضاه فإنهم سيعملون حسب ظنهم وكفرهم وشركهم، وحسب ما هم فيه من غضب ولعنة.
 معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)
إذاً: فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات. ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً. وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب. والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ...)
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت:6]. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ومع ذلك لست إلا عبداً من عبيد الله وبشراً كبقية البشر، آكل كما تأكلون، وأمشي في الأسواق كما تمشون، وأمرض كما تمرضون، وأجوع كما تجوعون، وأسرّ كما تسرّون، وأتألم كما تألمون، ولكنني أزيد عليكم بأن الله أوحى إلي وجعلني رسوله ونبيه إليكم. وقد كانوا يتصورون أن النبي لا يكون إلا ملكاً، ولا يمكن التفاهم بين الملك والبشر، ولو حضر الملك على خلقته الأصلية لفجعوا وفروا، ولربما أصابهم الصرع والصمم فعلاً، وربما ذهلوا عن أنفسهم وغابوا عن عقولهم، ولو نزل بشراً -كما كانت الملائكة في بعض الأحيان تنزل على نبي الله عليه الصلاة والسلام- لقالوا له: أنت بشر ولست ملكاً، ولا يؤمنون، وهم ليس لهم خيار في ذلك وإنما ضلت عقولهم وأخذوا يهرفون بما لا يعرفون. فقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، أي: قل يا محمد! شكلي شكلكم ونوعي نوعكم، ولي أب وأم وزوجة وأولاد كما أن لكم ذلك.
 معنى قوله تعالى: (لقوم يعلمون)
إذاً: فقوله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت:3].أي: لقوم يدركون ويفهمون لغة العرب، ولا حجة بعد ذلك لهم، فمن لا يعرفها يتعلمها ويدرسها، وإن كان كبيراً ترجم له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وما يتعلق بالصلوات. ومن هنا لابد أن يعلم الكل أن الصلاة التي هي في الدرجة الثانية بعد كلمة الشهادتين لا يجوز أن يُقرأ فيها بلغة العجم قط، بل لابد أن تقرأ الفاتحة بالعربية والسورة بالعربية، فمن لم يفعل ذلك عد متلاعباً ولم يصل أبداً. وكذلك أذكار الحج من التلبية، وغيرها كلها كذلك يجب أن تكون بلغة العرب. والتلاوة إذا كُتبت بالحروف اللاتينية أو تُرجمت ثم قرئت لا تُعتبر تلاوة ولا أجر عليها ولا ثواب، بل القارئ بذلك يعود بالوزر وبالخزي؛ لأنه حرّف كلام الله العربي ونقله إلى لغة ليست عربية لم ينزل الله الوحي بها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فصلت [1-6] للشيخ : المنتصر الكتاني

http://audio.islamweb.net