اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , واهتز العرش للشيخ : عائض القرني


واهتز العرش - (للشيخ : عائض القرني)
في هذه المحاضرة تقرأ قصة بطل من الأبطال، إنه سعد بن معاذ: إسلامه ، مواقفه البطولية ، موقفه من يهود بني قريظة ، وحكمه فيهم ، ووفاته ، وما حصل له من كرامات يوم وفاته من تشييع سبعين ألفاً من الملائكة لجنازته ، واهتزاز العرش لموته.وأشار الشيخ إلى دروس عظيمة وجليلة من سيرة هذا البطل الذي خلد التاريخ اسمه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
إسلام سعد بن معاذ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:عنوان هذه المحاضرة: واهتز العرش.نعيش اليوم مع صحابيٍ جليل ومجاهد نبيل، اخترناه لسبب عجيب ولنبأ غريب، اخترنا سيرته؛ لأنه عدو لليهود، ولأنا نعيش اليوم عداوة اليهود وبغيهم ومكرهم، فرشحنا هذا البطل الشهيد ليكون قصتنا، ولأننا مع جهادٍ دائم مع أعداء الله، فكان من الحكمة أن نتحدث عن مجاهد صادق، ومقاتل مقدام، صارت شجاعته حديث الركبان، وأصبحت بطولته مضرب المثل، فحيا الله أبا عمرو سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري، ويكفيه شرفاً وفخراً، وحسبه ثناءً ومدحاً أن عرش الرحمن اهتز له لما مات، وليس بعد ذلك فخر ومجد، وليس بعد ذلك علو ورفعة، وأملي من الواحد الأحد الذي قيض للإسلام من أمثال سعد بن معاذ أن يقيض من هذا الجيل ومن أصلابه ومن أبنائه ومن أحفاده عشرات من أمثال سعد، فليس ذلك على الله بعزيز، أسأله أن يردنا كما كنا أعزة أقوياء شرفاء بديننا وبمبادئنا، فلقد كان سلفنا خير أمة أخرجت للناس.عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه/sh>يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه سعد بن معاذ! حيا الله التضحية والبطولة، والمجد والفداء، اللهم أعني على أن أعطيه حقه من السيرة، وأن أقدمه لهذا الجيل المتوضئ الطاهر الطيب كما كان رضي الله عنه.أما قصة إسلامه وقصة حياته فلا يتسع لها المجال، ولكن هيا بنا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41] ومع سعد بن معاذ.
 سعد ينطلق داعية في أهله وعشيرته
وماذا يفعل الآن؟ هل يبقى لبيته ولبطنه ولأطفاله؟ لا. المسلم رباني عالمي، المسلم باع رقبته من الله، المسلم باع روحه من الله، المسلم دمه لله، رأسه وماله ووقته لله، أما الإسلام الهزيل الذي يعيشه المليار الآن، حتى يقول القروي:لقد صام هندي فدوخ دولة فهل ضر كفراً صوم مليار مسلم وقال الآخر في هذه الأصفار المليار وزيادة!عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا من كل مفتون على قيثارة كلٌ وجدت بفنه بيطارا لكن سعداً ليس صفراً، سعد بطل، اغتسل وتوضأ وصلى، ثم ذهب إلى قبيلته.انظر إلى هذه الدعوة وهذا التأثير، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214].قال: اجتمعوا لي رجالاً ونساءً، ولا يدرون ما الخبر، وهو السيد المطاع والأمير المقدم رضي الله عنه؛ اجتمعوا رجالاً ونساءً.معناه: عندي بيان خطير، عندي إعلان عالمي، عندي أمر هام، عندي وثيقة ربانية.فاجتمع الرجال والنساء، فقام فيهم، وانظر البطاقة الشخصية وهو الآن يريد أن يستدرجهم رضي الله عنه ويكسبهم للإسلام، ويخرجهم من عبادة الوثن والكفر والزور.قال: كيف أنا فيكم؟ هذا السؤال الأول، ما رأيكم فيَّ؟ قالوا: أفضلنا وسيدنا وأصدقنا وأكرمنا وأشجعنا.قال: أأنا صادق؟ قالوا: صادق ميمون النقيبة. قال: أأنا عدل؟ قالوا: عدل. قال: فإن كلام رجالكم وكلام نسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله وحده وبرسول الله صلى الله عليه وسلم. ما أعظمها من كلمة! جزاه الله عن الإسلام خيراً، وهكذا يفعل المسلم، موقف عصامي، أما تمييع الدين، وتمييع الولاء والبراء، ومصادقة كل فاجر وعدو للإسلام، وكل منافق وملحد، فهذا ليس من الدين، لا مجاملة لأبيض أو أسود.فسمعوا الخبر فقاموا، قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالوها رجالاً ونساءً، فصاروا في كفة حسناته وفي ميزان بركاته رضي الله عنه وأرضاه.قال الراوي: وليس في بني عبد الأشهل رجل كافر، وذلك ببركة هذا الرجل.
موقف سعد بن معاذ في غزوة بدر
وجاء عليه الصلاة والسلام فملأ المدينة نوراً وإيماناً ويقيناً، وكان من أول المستقبلين له في المدينة سعد بن معاذ، وسار مع الرسول عليه الصلاة والسلام كالسيف المسلول، تدرون كم عمره؟ عمره ثلاثون سنة يوم أسلم، ائتوني من أبناء الإسلام أبناء الثلاثين والخمسة والثلاثين والأربعين، أهل الملهيات والشهوات والمغريات والأغنيات، ائتوني بواحد فقط من المليار مثل سعد بن معاذ. كان ليله مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان نهاره جهاداً ودعوة وطلب علم وتضحية، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم مسدداً موفقاً، يضيفه، يكرمه، يتكلم بين يديه بالحكمة، وفي اليوم الفاصل، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.. من ينسى منكم بدراً؟! وهل بدر تنسى؟!بدر رفعت رءوسنا، وأوصلتنا السماء، وسحقت أعداءنا.بدر كتبت لنا تاريخاً، قائدها محمد صلى الله عليه وسلم، والقيادة العليا عند جبريل، وبيض الله وجه حسان حيث يقول:وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد ويقول الأصمعي عن بيته الشعري: هذا أشرف بيت قالته العرب.فيقول: أنتم يا أعداء الله يا مشركين! إن كان قائدكم الشيطان فقيادتنا العليا جبريل ومحمد عليه الصلاة والسلام.
 النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الأمر على الصحابة
حضر صلى الله عليه وسلم بدراً واستعرض الجيش، وقد أخبره الله ووعده إحدى الطائفتين، وإذا بالطائفة الثانية ذات الشوكة ألف من كفار مكة مدججين بالسلاح، وإذا هم بالوادي، مفاجأة كبرى، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، لكن كلهم من أمثال سعد بن معاذ، الواحد منهم بألف، فقام صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، يريد صلى الله عليه وسلم الأنصار، لأن المهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صفه، فقد هاجروا معه، وتركوا الأوطان والإخوان والخلان والجيران معه، فهم مضمونون وورقة رابحة، شيك مسدد مدفوع القيمة من قبل.لكنه صلى الله عليه وسلم لا بد أن يعرض الرأي للجميع، قال: ما رأيكم أيها الناس - وهو القائد الأعظم الحكيم المعصوم يستشير الناس- ما رأيكم؟ فوقف المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وأعط من شئت، وامنع من شئت، وحارب من شئت، وسالم من شئت، والله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] لكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؛ فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له. فالتفت إلى الأنصار، ولا يتكلم في الأنصار إلا سعد الشاب، صاحب الثلاثين سنة، قال: يا رسول الله كأنك تريدنا؟ قال: نعم. فوقف كالعلم، وكان وسيماً جميلاً، وفصيحاً مليحاً صبيحاً، إذا تكلم بهر العقول، قال: يا رسول الله لقد صدقناك وآمنا بك، وعلمنا أن ما جئت به حق، يا رسول الله! اذهب إلى ما أمرك الله به، والذي نفسي بيده لو استعرضت بنا البحر وخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، يا رسول الله! إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، وعسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك.فدعا له صلى الله عليه وسلم. فقام وأشار بالعريش، لتبقى القيادة الربانية العليا محمد صلى الله عليه وسلم في العريش؛ ليتلقى أوامر الله عن طريق جبريل، ووقف سعد ينافح عن الإسلام في الصف الأول، وانتصر الدين، وانتصر الحق على الباطل، وارتفعت لا إله إلا الله، وقاتلت الملائكة مع المسلمين، واشتبكت السماء مع الأرض، واشتبك الحق مع الباطل، وانتهت المعركة بألف إلى صفر، صفر للطاغوت ولهبل والصنم والوثن والكفر والمكر، وانتصر محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل والحق والإيمان والإسلام، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.فلما وصل صلى الله عليه وسلم أتت الليالي ولا يزداد هذا الإمام -سعد بن معاذ - إلا رسوخاً في الإيمان، وقوة تصديق؛ لأن المسلم يزداد يوماً بعد يوم في الخير. يقول أحد تلاميذ الإمام أحمد: صحبت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فكان يزداد مع الأيام خيراً. والواجب أن يكون غدك خيراً من أمسك، قال ابن تيمية: والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. أنت اليوم إذا كنت عاقلاً بصيراً لست اليوم مثلما تكون بعد سنة؛ لأنك تسمع العلم وتقرأ الكتب، فالواجب أن تكون أحسن.
دور سعد بن معاذ في معركة الخندق
استمر سعد رضي الله عنه، وجاءت معركة الخندق، وحصن الرسول صلى الله عليه وسلم النساء والأطفال، وحفر الخندق حول المدينة وتألبت قبائل العرب واليهود والمنافقين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وسموا الأحزاب، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم فلَّ حدهم، وشتت شملهم، وأخزى كيدهم.فخرج سعد وأمه رضي الله عنها وأرضاها تنظر إليه، وهي تلقي عليه نظرة من الحصن، واسمها سبيكة بنت رافع، تتبسم له ويتبسم لها، فتوصيه، وتقول: لو سددت هذا المكان، يعني: درعه كان مفتوحاً من جهة، لبس الدرع أخذاً بالتوكل؛ لكن هي الأم تبقى الأم، فالأم هي الحنونة الرءوفة، والأم أنت ابنها الصغير ولو كان عمرك سبعين سنة، فتنظر برحمة تقول: لو سترت بالدرع، فيلتفت إليها ويقول: لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل يقول: أنا أطلب الموت في سبيل الله، أرجوكم دلوني على الموت، لا أريد الحياة؛ لأن الذي يريد الحياة والبقاء للأكل والشرب وليس عنده رسالة ولا مبدأ كالبهيمة، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] والله يقول عن اليهود: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] يعيش حياة الذل والمهانة.ووصل وقاتل رضي الله عنه، وأتاه رجل مشرك رعديد، فأطلق سهماً وبقدرة القادر يترك السهم كل الجسم المغطى، ويأتي في هذه البقعة الصغيرة التي كانت أمه تخافها ولذلك لا تأخذ حرزاً غير حرز الله، ولا حصناً غير حصن الله، ولا كفاية غير كفاية الله.علي بن أبي طالب يوم الجمل قالوا: البس درعاً فضفاضاً، قال: أتظنون أن الدرع يمنعني من الموت فهذا درعكم، فخلعه رضي الله عنه، وخرج بالثياب، ثم قال:أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه وإذا ما جاء لا يغني الحذر يقول: أنتم تظنون أن هذا الدرع يحميني، إن الحماية من عند الواحد الأحد، والحفظ من عند الله: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64]. وأنتم تعلمون أن علياً لما جلس يقضي بين خصمين وكان متوكلاً، قالوا: الجدار يريد أن ينقض عليك، جدار هائل يريد أن يسجد على علي، قال علي: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما انتهى من الخصومة وقام هو والخصوم وابتعدوا سقط الجدار مكانهم. أتى سعد رضي الله عنه سهم، يقول سعد: من الذي أرسل السهم؟ يريد الاسم -البطاقة الشخصية- قال: أنا ابن عرقة، قال: عرق الله وجهك في النار، لأنه عدو لله، وكان الجرح في الأكحل، وكأن هذا الجرح في قلوب المسلمين ليس في سعد، فأخذه صلى الله عليه وسلم وضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب عليه الصلاة والسلام، وما أرحمه بالأمة! كان إذا أراد أن يصلي صلى الله عليه وسلم مر بـسعد وسلم عليه، وإذا انتهى من الصلاة مر بـسعد وسلم عليه، من هو هذا؟ إنه سعد بن معاذ، صاحب المواقف المشهودة، أننساه؟ لا. يمرض ويحترم ويحتفى به.تستمر الأحداث مع سعد رضي الله عنه وأرضاه وهو في الخيمة يتحرى موعود الله، يطلب الشهادة، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من طلب الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) يتمنى متى يموت شهيداً في سبيل الله، وإنها لأمنية غالية أسأل الله أن يحققها لي ولكم في سبيله.انتهى الأحزاب وفروا، وبقي أعداء الله إخوان القردة والخنازير الذين نقضوا العهد، ولا عهد لهم ولا ميثاق ولا كلمة أصلاً. نقضوا الميثاق ونقضوا الوثيقة التي كتبت بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وظن إخوان القردة والخنازير أن الأحزاب سوف تنتصر على الرسول صلى الله عليه وسلم فمزقوها، وانظر إلى الخذلان، قالوا: ليس بيننا وبين محمد عقد ولا عهد، ومزقوا الوثيقة، وهذا كلام فارغ، وهم قد وقعوا عليها، وأشهدوا عليها، وأول ما واثقوا عليه محمداً صلى الله عليه وسلم: ألا يقاتلوه وأن يدافعوا عن المدينة، وفي الأخير كذبوا وخانوا وغدروا.
 النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الأمر على الصحابة
حضر صلى الله عليه وسلم بدراً واستعرض الجيش، وقد أخبره الله ووعده إحدى الطائفتين، وإذا بالطائفة الثانية ذات الشوكة ألف من كفار مكة مدججين بالسلاح، وإذا هم بالوادي، مفاجأة كبرى، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، لكن كلهم من أمثال سعد بن معاذ، الواحد منهم بألف، فقام صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، يريد صلى الله عليه وسلم الأنصار، لأن المهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صفه، فقد هاجروا معه، وتركوا الأوطان والإخوان والخلان والجيران معه، فهم مضمونون وورقة رابحة، شيك مسدد مدفوع القيمة من قبل.لكنه صلى الله عليه وسلم لا بد أن يعرض الرأي للجميع، قال: ما رأيكم أيها الناس - وهو القائد الأعظم الحكيم المعصوم يستشير الناس- ما رأيكم؟ فوقف المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وأعط من شئت، وامنع من شئت، وحارب من شئت، وسالم من شئت، والله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] لكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؛ فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له. فالتفت إلى الأنصار، ولا يتكلم في الأنصار إلا سعد الشاب، صاحب الثلاثين سنة، قال: يا رسول الله كأنك تريدنا؟ قال: نعم. فوقف كالعلم، وكان وسيماً جميلاً، وفصيحاً مليحاً صبيحاً، إذا تكلم بهر العقول، قال: يا رسول الله لقد صدقناك وآمنا بك، وعلمنا أن ما جئت به حق، يا رسول الله! اذهب إلى ما أمرك الله به، والذي نفسي بيده لو استعرضت بنا البحر وخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، يا رسول الله! إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، وعسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك.فدعا له صلى الله عليه وسلم. فقام وأشار بالعريش، لتبقى القيادة الربانية العليا محمد صلى الله عليه وسلم في العريش؛ ليتلقى أوامر الله عن طريق جبريل، ووقف سعد ينافح عن الإسلام في الصف الأول، وانتصر الدين، وانتصر الحق على الباطل، وارتفعت لا إله إلا الله، وقاتلت الملائكة مع المسلمين، واشتبكت السماء مع الأرض، واشتبك الحق مع الباطل، وانتهت المعركة بألف إلى صفر، صفر للطاغوت ولهبل والصنم والوثن والكفر والمكر، وانتصر محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل والحق والإيمان والإسلام، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.فلما وصل صلى الله عليه وسلم أتت الليالي ولا يزداد هذا الإمام -سعد بن معاذ - إلا رسوخاً في الإيمان، وقوة تصديق؛ لأن المسلم يزداد يوماً بعد يوم في الخير. يقول أحد تلاميذ الإمام أحمد: صحبت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فكان يزداد مع الأيام خيراً. والواجب أن يكون غدك خيراً من أمسك، قال ابن تيمية: والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. أنت اليوم إذا كنت عاقلاً بصيراً لست اليوم مثلما تكون بعد سنة؛ لأنك تسمع العلم وتقرأ الكتب، فالواجب أن تكون أحسن.
الهجوم على يهود بني قريظة
فأتى جبريل من السماء للرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع اللأمة، بعد الخندق بعد الحصار والجوع، والخوف والمشقة، والضنا والسهر والتعب، قال جبريل: أوضعت لأمتك؟ قال: نعم. قال: وعزة الله وجلال الله ما وضعت الملائكة السلاح، أين يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا القائد العظيم مأمور من السماء، قال: عليك ببني قريظة فقال: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فانطلق الصحابة، منهم من صلى في الطريق، ومنهم من ترك الصلاة حتى وصل.طوقهم صلى الله عليه وسلم وصاح بهم: انزلوا يا إخوان القردة والخنازير، اهبطوا.. تعالوا إلى هنا؛ لأنهم خانوا الله ورسوله، ونقضوا الميثاق، فتذكروا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وما أحسن شجاعة الإسلام والإيمان يوم وصل بهم الحال إلى هذه العزة يوم طوقوا اليهود في بيوتهم وحاصروهم وأصبحوا في أضيق من ثقب الإبرة.
 النبي صلى الله عليه وسلم ينفذ حكم سعد
وبدأ تنفيذ الحكم، وأنزل المقاتلة أمام الناس، والزبير وعلي جاهزان بالسيوف، فضربوا جمجمة سبعمائة في الخندق، وأخذوا الذرية والأموال، وهذا حكم الله، فحكم من غدرك وخانك وغدر بك وحارب ضدك بعد المواثيق والعهود؛ هذا الحكم، فهذه هي اللغة التي يفهمها اليهود، أما لغة السلام، لغة جميع القضايا، لغة دغدغة المشاعر فلا، بل لغة السيف. يقول المتنبي:من ابتغى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هلٍ بلم ويقول أيضاً: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
قصة وفاة سعد بن معاذ
فبعد أن سفك صلى الله عليه وسلم دماء اليهود، وعاد سعد، هل ذهب يتنعم ويشاهد أفلاماً، ويطالع مجلات، ويروي قصصاً ويسمر؟ لا. ذهب إلى الخيمة ينتظر الشهادة، فتهبط عليه الشهادة تدريجياً، فساعات الصفر بدأت تقترب، الأيام تطوى، ليلقى الله ليوفيه أجره وثوابه، ويرفع منزلته ويعلي قدره، وأي حياة هذه الحياة؟!أيا رب لا تجعل حياتي أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف شهداء عند الواحد الأحد: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170]. رجع سعد بن معاذ إلى الخيمة ينتظر الوفاة، وأخذ عليه الصلاة والسلام يكرر زيارته له ويجلس معه، وفي يوم من الأيام رفع سعد يديه إلى الواحد الأحد، إلى من يجيب الدعاء: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] رفع يديه، هل يسأل الله أن يشافيه ليعود للدنيا؟ وماذا يفعل بالدنيا، لا قصر ولا دار ولا مزرعة ولا وظيفة ولا منصب ولا ذهب ولا فضة، هل رفع يديه أن يعافى ليبقى في حياة لا تساوي شيئاً؟ يقول التهامي:حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار وقال غيره: دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غداً تباً لها من دار بل يريد جوار الواحد الأحد.امرأة فرعون آسية أعقل من ملايين المسلمين الآن، تقول: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] وهي في القصور والدور والذهب والحشم والخدم والجنود والأعلام والأقدام، ومع ذلك تريد جوار الواحد الأحد.فقام سعد يدعو، وكان موفقاً في الكلمات والعبارات والدعوات: اللهم إن كنت أبقيت بين رسولك صلى الله عليه وسلم وبين قريش حرباً فأبقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب بين رسولك صلى الله عليه وسلم وبين قريش فاقبضني إليك.فلما انتهى من الدعاء انفجر الجرح مباشرة -لأن المعركة مع قريش انتهت- وسال، وحضر عليه الصلاة والسلام الدقائق الأخيرة في حياة هذا البطل الشهيد المجاهد، فحضر ومعه الوزيران الصحابيات الكبيران أبو بكر وعمر كما هو دأبه: دخلت أنا وأبو بكر وعمر.. خرجت أنا وأبو بكر وعمر.. جئت أنا وأبو بكر وعمر.ونظر إلى سعد، وأخذت نفس سعد ترتفع إلى الواحد الأحد: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28]. سبع سنوات في الإسلام قضاها فقط، هي خير عند الله من سبعة قرون لكثير من التافهين، ماذا فعلت أنت وأنا في عشرات السنوات تصرف من أعمارنا صرفاً؟ ماذا قدمنا؟ هل ضحينا؟ هل بذلنا؟ هل دعونا؟ هل تعلمنا العلم الصحيح؟ أين أيامنا؟ أين أوقاتنا؟دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
 تشيع الملائكة لسعد بن معاذ
من الكرامات لـسعد أن شيعه سبعون ألف ملك، وهذه في السير، وأنا أنقل أحاديث السير كما نقلها أهل السير من باب الرواية ولا نشترط فيها ما نشترط في حديث الحلال والحرام وأحاديث العقائد، ولكن نفعل كما قال الإمام أحمد حيث نقل عنه ابن تيمية في الفتاوى أنه قال: إذا أتى الحلال والحرام تشددنا وإذا أتت الفضائل تساهلنا، لكنني لا أتعمد أن أنقل حديثاً كذباً أو موضوعاً معاذ الله.فشيعه سبعون ألف ملك، وكان صلى الله عليه وسلم خير من شيعه إلى قبره؛ جعله الله روضة من رياض الجنة وهو كذلك بإذن الله.
دروس وعظات من سيرة سعد
أما الدروس من هذه القصة:
 اليهود هم أهل المكر والغدر والخديعة
هي حادثة وقضية الساعة: خيانة اليهود ومكرهم وخداعهم ونقضهم المواثيق، فلا يوثق بهم قوم لعنهم الله وخذلهم كيف يوثق بهم؟ وهم العدو.ولذا أحببنا سعداً لأمور كثيرة منها: أنه عدو اليهود اللدود، كان صديقاً قبل لا إله إلا الله، لكن لما أتت لا إله إلا الله انتهى الأمر، فأصبح الموت لهم، فهو الذي حكم بقتلهم، وهو الذي أبادهم بحكمه بالسيف؛ فليس لهم إلا العداء، لأنهم قتلة الأنبياء والرسل.فهل توالي الذين يقولون: إن يد الله مغلولة؟! لعنهم الله.وهنا يقولابن تيمية: القرآن يأتي بالشبهة موجزة ثم يرد عليها رداً مبسطاً أو طويلاً مسهباً حتى لا يترك لها أثراً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] فقط. بخلاف ما يفعله بعض الدعاة والوعاظ حينما يأتي بالشبهة فيطولها كثيراً ثم يرد عليها يقول: وهذا لا ينبغي والله المستعان أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم؛ فيثبتها في القلوب ثم لا يزيلها؛ وهذا بخلاف أسلوب القرآن، حيث الشبهة فيه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] انتهى الكلام عن الشبهة، واسمعوا الرد: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] الآية. علم أن اليهود أهل عداوة أبدية؛ لأنهم كفروا بالله، ولأنهم قتلة الأنبياء والرسل ثم يعلم أنهم ينقضون المواثيق، فليس لنا رجاء في يوم من الأيام أنهم سوف يصدقون وسوف يتقيدون بأي ميثاق، بل هم خانوا الله، فماذا تريد أن يكونوا معي ومعك؟ أو أن يصدقوا معي ومعك؟ بل هي الخيانة المستمرة، وطبع الغدر هو الخلق المستمر في أعداء الله عز وجل.فمن هذا المنطلق نشكر لـسعد بن معاذ موقفه الصلب الصامد مع اليهود، وبمثل هذه المواقف انتصر الإسلام، ولكن لما لاين أبناء المسلمين اليهود وصانعوهم وداروهم، ودخلوا في فلك الصلح معهم؛ وقعت الكارثة بالمسلمين والذلة والهوان والغلبة، ولكنا لا نزال نطمع. لا تهيئ كفني ما مت بعد لم يزل في أضلعي برقٌ ورعد أنا تاريخي ألا تعرفه طارق ينبض في قلبي وسعد فأملنا بالواحد الأحد.قد ينشأ لنا شاب ناشئ كـسعد بن معاذ -وليس على الله ببعيد- من المدارس التي تخرج حفظة القرآن، ومن الجامعات التي تحفظ البخاري ومسلماً.. ومن دور الرعاية.. المؤسسات الخيرية.. من الجمعيات الخيرية المباركة.. من المساجد الطاهرة العامرة، تخرج لنا جيلاً إسلامياً متوضئاً مصلياً مجاهداً، يدحر اليهود ويمزقهم، وينتصر عليهم بلا إله إلا الله محمد رسول لله.فلا يأس ولا قنوط، وإنما يبقى عندنا أمل بأن الدين الذي حمله سعد نحن نحمله إن شاء الله مع اختلاف المراتب، والقرآن الذي قرأه سعد هو بين أيدينا غض طري كأنما نزل اليوم، الرسول الذي هدى سعداً بإذن الله صلى الله عليه وسلم هو رسولنا، والقبلة التي اتجه إليها سعد نتجه إليها.. فماذا ينقصنا؟ينقصنا أن نزيل عنا الهوى والإعراض، والكسل والعجز، وأن نري الله من أنفسنا الصدق في إيماننا، نأخذ الكتاب بقوة، وانظر عبارة القرآن: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] لا هزل.. انتبهوا.. استيقظوا.. تثبتوا ثبتكم الله.. تقووا قواكم الله بإيمانكم.. بمبادئكم.. بدينكم.. بكتابكم.. بسنة نبيكم عليه الصلاة والسلام.فإذا علم الله منا ذلك؛ نصرنا وأيدنا وثبتنا، وإلا فإنه قد مرّ في العالم الإسلامي فترات كهذه الفترات التي نعيشها، كفترة التتار وفترة الصليبين حتى دخلوا بغداد وأخذوا الخلافة، وكسروا منابر المساجد، ومزقوا المصاحف، وهدموا المنابر، ومع ذلك أخرج الله من ينصر هذا الدين.قد أكون أنا وأنت في تقصير، فلا نصلح للجهاد الآن، ولا لكسب النصر والتضحية، فيأتي الله من أبنائنا وأصلابنا بأبطال، وإني لأراهم في مدارس تحفيظ القرآن، وإني لأراهم في جماعة التحفيظ التي تملأ مساجدنا والحمد لله، وإني أراهم في من يحفظ السنة المطهرة في الحرمين، كأنهم يقولون: المستقبل لنا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] والنصر لنا والغد المشرق معنا، والله مولانا.فلا يأس ولا إحباط، وأرجو أن يسحب كل إنسان مخذل أوراق الهزيمة النفسية التي يقدمها حين يقول: كيف ننتصر على الدول النووية العظمى والجيوش الجرارة؟ فنقول: لا. الواحد الأحد معنا: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].فهو الذي مزقهم كل ممزق، وهزمهم في بدر وأحد والأحزاب وعين جالوت والقادسية واليرموك وفي حطين.فأعيدوا لنا من هذا الجيل، أخرجوا لنا من الإنتاج الجديد على شكل سعد بن معاذ، حفظوهم الكتاب والسنة لا الأغنية والمجلة الخليعة، ولا الفيلم الهابط ولا الضياع ودغدغة مشاعرهم بأن يكون مستقبلهم فلة وسيارة وزوجة، وأن يكون نجماً كروياً ولامعاً غنائياً، لا. بل نريد سعد بن معاذ، هؤلاء عظماؤنا وأبطالنا، وهؤلاء مجدنا وشرفنا، وهؤلاء هم قادة مسيرة النصر التي يقودها محمد صلى الله عليه وسلم.هذه سيرة هذا الإمام رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به في جنات النعيم.وفي الختام: أتوجه بالدعاء إلى الواحد الأحد؛ فأسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب؛ أن يوفقنا لما وفق إليه سعد بن معاذ، وأن يخرج منا جيلاً ربانياً صادقاً موحداً. أسأله أن يجمع كلمتنا، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الحق وتحذرهم من الباطل.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , واهتز العرش للشيخ : عائض القرني

http://audio.islamweb.net